قال كعبٌ (^١): أوَّلُ الأنعام هو أوَّلُ التوراة (^٢).
[﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦) وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾].
﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ «جعل» هنا بمعنى: خلق، والظلمات: الليل، والنور: النهار، والضَّوء الذي في الشمس والقمر وغيرهما.
_________________
(١) في د زيادة: «الأحبار».
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٤٧).
[ ٢ / ٢٤٠ ]
وإنما أفرد النور؛ لأنه أراد الجنس.
وفي الآية ردٌّ على المجوس في عبادتهم النارَ وغيرَها من الأنوار، وقولهم: إن الخير من النور والشرَّ من الظلمة؛ فإن المخلوق لا يكون إلها ولا فاعلًا لشيء من الحوادث.
﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي: يُسوُّون ويُمثِّلون؛ من قولك: عدلتُ فلانًا بفلان: إذا جعلته نظيره وقرينه.
ودخلت ﴿ثُمَّ﴾ لتدلَّ على استبعاد أن يَعْدِلوا بربِّهم بعد وضوح آياته في خلق السموات والأرض، والظلمات والنور.
وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾؛ استبعادٌ لأن يمتروا فيه بعدما ثبت أنه أحياهم وأماتهم.
وفي ضمن ذلك تعجيبٌ من فعلهم، وتوبيخٌ لهم.
و﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هنا: عامٌّ في كل مشرك.
وقد يختصُّ:
بالمجوس؛ بدليل الظلمات والنور.
أو بَعَبَدَةِ الأصنام؛ لأنهم المجاورون للنبي ﷺ، وعليهم يقع الردُّ في أكثر القرآن. ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ أي: خلق أباكم آدم من طين.
﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِندَهُ﴾ الأجل الأول: الموتُ، والثاني: يومُ القيامة، وجَعَله عنده؛ لأنه استأثر بعلمه.
[ ٢ / ٢٤١ ]
وقيل: الأوَّل: النوم، والثاني: الموت.
ودخلت ﴿ثُمَّ﴾ هنا لترتيب الإخبار، لا لترتيب الوقوع؛ لأن القضاء متقدّمٌ على الخلق.
﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ يتعلَّق ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ بمعنى اسم الله؛ فالمعنى كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، كما يقال: أمير المؤمنين الخليفةُ في المشرق والمغرب.
ويحتمل أن يكون المجرور في موضع الخبر؛ فيتعلَّق باسم فاعلٍ محذوف، والمعنى على هذا قريبٌ من الأول.
وقيل: المعنى أنه في السموات والأرض بعلمه؛ كقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤].
والأول أرجح وأفصح؛ لأن اسم الله جامعٌ للصفات كلّها من العلم والقدرة والحكمة وغير ذلك فقَصَد جمعَها مع الإيجاز.
ويترجَّح الثاني: بأن سياق الكلام في اطّلاع الله تعالى وعلمه؛ لقوله بعدها: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾.
وقيل: يتعلَّق بمحذوف؛ تقديره: المعبود في السموات والأرض، وهذا المحذوف صفة لـ ﴿اللَّه﴾.
واسم ﴿اللَّه﴾ على هذا القول، وعلى الأول: هو خبر المبتدأ.
وأما إذا كان المجرور الخبر: فاسم ﴿اللَّه﴾ بدلٌ من الضمير.
﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ «من» الأولى: زائدة.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
والثانية: للتبعيض، أو لبيان الجنس.
﴿بِالْحَقِّ﴾ يعني: ما جاء به محمد ﷺ.
﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ﴾ الآية؛ وعيد بالعذاب والعقاب على استهزائهم.
﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ حضٌّ للكفار على الاعتبار بغيرهم.
والقَرْن: مئة سنة، وقيل: سبعون، وقيل: أربعون.
﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾ الضمير عائدٌ على القرن؛ لأنه في معنى الجماعة.
﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ الخطاب لجميع أهل ذلك العصر من مؤمن وكافر.
﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِدْرَارًا﴾ السماء هنا: المطر، أو السحاب، أو السماء حقيقة.
و﴿مِدْرَارًا﴾: بناءُ مبالغةٍ وتكثيرٍ؛ من قولك: درَّ المطر: إذا غَزُرَ.
﴿فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ التقدير: فكفروا وعصوا فأهلكناهم، وهذا تهديد للكفار أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء على حال قوَّتهم وتمكينهم.
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ الآية؛ إخبارٌ أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم أوضح الآيات.
والمراد بقوله: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ (^١) لو بالغوا في مَيْزِهِ وتقليبه ليرتفع الشكُّ؛ لعاندوا بعد ذلك.
_________________
(١) في د «أي»، وكذا في هامش أ ورمز له بـ «خ».
[ ٢ / ٢٤٣ ]
ويُشبِهِ أن يكون سببُ هذه الآية قولَ بعضهم للنبي ﷺ: لا أؤمن لك (^١) حتى تأتيني بكتاب من السماء يأمرني بتصديقك، وما أُراني مع هذا (^٢) أصدّقك.
﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ حكايةٌ عن طلب بعض العرب، روي أن العاصي بن وائل، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، والأسود بن عبد يغوث قالوا للنبي ﷺ: يا محمد، لو كان معك مَلَك!.
﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ قال ابن عباس: المعنى: لو أنزلنا ملكًا فكفروا بعد ذلك لعُجِّل لهم العذاب، ففي الكلام على هذا حذفٌ، وقضاء الأمر على هذا: تعجيلُ أَخْذِهم.
وقيل: المعنى: لو أنزلنا ملكًا لماتوا من هَوْلِ رؤيته، فقضاء الأمر على هذا: موتهم.
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ أي: لو جعلنا الرسول ملكًا لكان في صورة (^٣) رجل؛ لأنهم لا طاقة لهم على رؤية المَلَك في صورته.
﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَا يَلْبِسُونَ﴾ أي: لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم وعلى ضعفائهم؛ فإنهم إذا رأوا المَلَك في صورة إنسان قالوا: هذا إنسان وليس بملك.
_________________
(١) في د: «بك».
(٢) في د: «بعد ذلك».
(٣) في د: «في صفة».
[ ٢ / ٢٤٤ ]
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ الآية؛ إخبارٌ قُصِد به تسليةُ النبي ﷺ عما كان يلقى من قومه.
﴿فَحَاقَ﴾ أي: أحاط بهم، وفي هذا الإخبارِ تهديدٌ للكفار.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
[﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١) قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾].
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية؛ حضّ على الاعتبار بغيرهم إذا رأوا منازل الكفار الذين هلكوا قبلهم.
﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ قال الزمخشري: إن قلت: أيُّ فَرْقٍ بين قوله: ﴿فَانْظُرُوا﴾ وبين قوله: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾؟
قلت: جعل النظر مسبَّبًا عن السَّيْر في قوله: ﴿فَانْظُرُوا﴾؛ فكأنه قال: سيروا لأجل النظر، وأما قوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا﴾ فمعناه: إباحةُ السَّير للتجارة وغيرها من المنافع، وإيجابُ النظر في الهالكين، ونبَّه على
[ ٢ / ٢٤٦ ]
ذلك بـ «ثم»؛ لتَباعُدِ ما بين الواجب والمباح (^١).
﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ القصد بالآية: إقامةُ برهانٍ على صحة التوحيد وإبطال الشرك، وجاء ذلك بصيغة الاستفهام؛ لإقامة الحجة على الكفار، فسأل أولًا: ﴿لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ثم أجاب عن السؤال بقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾؛ لأن الكفار يوافقون على ذلك بالضرورة، فيثبت بذلك أن الإله الحقَّ هو الله الذي له ما في السموات والأرض.
وإنما يحسن أن يكون السائل مجيبًا عن سؤاله، إذا علم أنَّ خصمه لا يخالفه في الجواب الذي به يقيم الحجة عليه.
﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أي: قضاها؛ وتفسير ذلك: بقول النبي ﷺ: «إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض، وفيه: إن رحمتي سبقت غضبي» (^٢)، وفي رواية: «تغلب غضبي» (^٣).
﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ مقطوعٌ مما قبله، وهو جوابُ قسَمٍ محذوفٍ.
وقيل: هو تفسيرٌ للرحمة المذكورة؛ تقديره: أنْ يَجمَعَكم. وهذا ضعيفٌ؛ لدخول النون الثقيلة في غير موضعها؛ فإنها لا تدخل إلَّا في القسم، أو في غير الواجب.
﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قيل: «إلى» هنا بمعنى «في». وهو ضعيف.
والصحيح: أنها للغاية على بابها.
_________________
(١) انظر: الكشاف (٦/ ٣٠).
(٢) أخرجه البخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (٢٧٥١).
(٣) أخرجه البخاري (٣١٩٤)، ومسلم (٢٧٥١).
[ ٢ / ٢٤٧ ]
﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، ودخلت الفاء؛ لما في الكلام من معنى الشرط. قاله الزجاج، وهو حسَنٌ.
وقال الزمخشري: ﴿الَّذِينَ﴾ نَصْبٌ على الذمّ، أو رَفْعٌ بخبر ابتداء مضمر (^١).
وقيل: هو بدلٌ من الضمير في ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ وهو ضعيف.
وقيل: منادى، وهو باطل.
﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾.
ومعنى ﴿سَكَنَ﴾: حلَّ؛ فهو من السُّكنى.
وقيل: هو من السُّكون. وهو ضعيف؛ لأن الأشياء منها ساكنة ومتحركة؛ فلا يَعُمُّ، والمقصود عمومُ مُلْكه تعالى لكل شيء.
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ إقامةُ حجةٍ على الكفار، وردٌّ عليهم بصفات الله الكريمة التي لا يشاركه غيره فيها.
﴿أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ أي: من هذه الأمة؛ لأن النبي ﷺ سابقُ أمَّتِه إلى الإسلام.
﴿وَلَا تَكُونَنَّ﴾ في الكلام حذفٌ؛ تقديره: وقيل لي: ولا تكونن من المشركين.
_________________
(١) انظر: الكشاف (٦/ ٣٤).
[ ٢ / ٢٤٨ ]
أو يكون معطوفًا على معنى ﴿أُمِرْتُ﴾ فلا حذف، وتقديره: أُمرت بالإسلام، وُنُهيت عن الإشراك.
﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ أي: من يُصرَف عنه العذابُ يومَ القيامة فقد ﵀.
وقرئ: ﴿يَصْرِفُ﴾ بفتح الياء، وفاعله: الله.
﴿وَذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى: صَرْف العذاب، أو إلى الرحمة.
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ معنى ﴿يَمْسَسْكَ﴾: يُصبك، والضُّرُّ: المرض وغيره على العموم في جميع المُضِرَّات، والخير: العافية وغيرها على العموم أيضًا.
والآية برهانٌ على الوَحدانية؛ لانفراد الله تعالى بالضر والخير، وكذلك ما بعد هذا من الأوصاف؛ براهينُ وردٌّ على المشركين.
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ سؤالٌ يقتضي جوابًا ينبني عليه المقصود.
وفيه دليلٌ على أن الله يقال فيه: شيء؛ ولكن ليس كمثله شيء.
﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، و﴿شَهِيدٌ﴾ خبره.
والآخر: أن يكون تمام الجواب عند قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾؛ بمعنى: أن الله أكبر شهادة، ثم يبتدئ؛ على تقدير: هو شهيدٌ بيني وبينكم.
والأول أرجح؛ لعدم الإضمار.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
والثاني أرجح؛ لمطابقته للسؤال؛ لأن السؤال بمنزلة من يقول: من أكبر الناس؟ فيقال في الجواب: فلان، وتقديره: فلان أكبر الناس.
والمقصود بالكلام: الاستشهاد بالله -الذي هو أكبر شهادة- على صدق رسوله ﷺ.
وشهادة الله بهذا:
هي عِلْمُه بصحة نبوة محمد ﷺ.
أو إظهاره لمعجزاته الدَّالَّة على نبوته.
﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ عطف على ضمير المفعول في ﴿لِأُنْذِرَكُمْ﴾، والفاعل بـ ﴿بَلَغَ﴾: ضمير ﴿الْقُرْآنُ﴾، والمفعول: محذوف يعود على «مَنْ»؛ تقديره: وَمَنْ بلغه.
والمعنى: أُوحِيَ إليَّ هذا القرآنُ لأنذر به المخاطبين - وهم أهل مكة -، وأنذر كلَّ مَنْ بلغه القرآنُ من العرب والعجم إلى يوم القيامة، قال سعيد بن جبير: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدًا ﷺ (^١).
وقيل: المعنى: ومَن بلَغ الحُلُمَ. وهو بعيد.
﴿أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ الآية؛ تقرير للمشركين على شركهم، ثم تبرأ من ذلك بقوله: ﴿لَا أَشْهَدُ﴾، ثم شهد لله بالوحدانية.
_________________
(١) لم أقف عليه من قول سعيد بن جبير، ووقفتُ عليه من قول محمد بن كعب القُرَظي، أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٨٢).
[ ٢ / ٢٥٠ ]
وروي أنها نزلت بسبب قوم من الكفار؛ أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد!، أما تعلم مع الله إلهًا آخر؟.
﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ تقدَّم في «البقرة» (^١).
﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقيل: ﴿الَّذِينَ﴾ نعتٌ لـ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾، وهو فاسدٌ؛ لأن الذين أوتوا الكتاب استُشْهد بهم هنا ليُقيم الحجةَ على الكفار.
_________________
(١) انظر ١/ ٣٧١.
[ ٢ / ٢٥١ ]
[﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾].
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ لفظه استفهام، ومعناه: لا أحد أظلم ممن افترى على الله، وذلك تنصُّلٌ من الكذب على الله، وإظهارٌ لبراءة رسول الله ﷺ مما نسبوه إليه من الكذب.
ويحتمل أن يريد بالافتراء على الله: ما نَسَب إليه الكفارُ مِنْ الشُّركاء والأولاد.
﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ أي: علاماته، وبراهين دينه.
﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ يقال لهم ذلك على وجه التوبيخ.
﴿تَزْعُمُونَ﴾ أي: تزعمون أنهم آلهةٌ؛ فحذفه لدلالة المعنى عليه.
والعامل في ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ محذوفٌ (^١).
_________________
(١) في هامش أ هنا زيادة: «تقديره: ويوم نحشرهم كان كَيْت وكيت، فتُرِك ليبقى على =
[ ٢ / ٢٥٢ ]
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ﴾ الفتنة هنا يحتمل أن تكون:
بمعنى الكفر؛ أي: لم تكن عاقبة كفرهم إلَّا جحوده والتبري منه.
وقيل: ﴿فِتْنَتَهُمْ﴾: معذرتهم.
وقيل: كلامهم.
وقرئ ﴿فِتْنَتَهُمْ﴾:
بالنصب؛ على خبر «كان»، واسمُها: ﴿أَنْ قَالُوا﴾.
وقرئ بالرفع؛ على اسم "كان"، وخبرُها: ﴿أَنْ قَالُوا﴾.
﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ جحودٌ لشركهم.
فإن قيل: كيف يجحدونه وقد قال الله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]؟ فالجواب: أن ذلك يختلف باختلاف طوائف الناس واختلاف المواطن، فيكتمُ قومٌ ويُقِرُّ آخرون، ويكتمون في موطن ويُقِرُّون في موطنٍ آخَرَ؛ لأن يوم القيامة طويل.
وقد قال ابن عباس - لما سئل عن هذا السؤال -: إنهم جحدوا طمعًا في النجاة، فختم الله على أفواههم، وتكلَّمت جوارحهم؛ فلا يكتمون الله حديثًا (^١).
_________________
(١) = الإبهام الذي هو أدخلُ في التَّخويف»، وكتب بعدها: «صح منه»، وهذه عبارة الزمخشري في الكشاف (٦/ ٥٠)، وليست موجودة في بقية النسخ، فيظهر أنها حاشية، وليست من عبارة التسهيل.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٩٤).
[ ٢ / ٢٥٣ ]
﴿وَمِنْهُم مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ الضميرُ عائدٌ على الكفار، وأفرد ﴿يَسْتَمِعُ﴾ وهو فعل (^١) جماعةٍ؛ حَمْلًا على لفظ «مَنْ».
﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ ﴿أَكِنَّةً﴾ جمع كِنان؛ وهو الغطاء، و﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ في موضع مفعولٍ من أجله؛ تقديره: كراهةَ أن يفقهوه.
ومعنى الآية: أن الله حال بينهم وبين فَهْم القرآن إذا استمعوه، وعبر بالأكِنَّة والوَقر؛ مبالغةً، وهي استعارة.
﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: قَصَصُهم وأخبارُهم، وهو جمع أسْطار وأسطورة.
قال السُّهيلي: حيثما ورد (^٢) في القرآن ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ فإن قائلها هو النَّضْر بن الحارث، وكان قد دخل بلاد فارس، وتعلم أخبار ملوكهم، فكان يقول: حديثي أحسن من حديث محمد (^٣).
﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ ﴿هُمْ﴾ عائدٌ على الكفار، والضمير في ﴿عَنْهُ﴾ يعود على القرآن، والمعنى: وهم ينهون الناس عن الإيمان به، وينأون هم عنه - أي يَبْعُدون -، والنَّأْيُ: هو البُعْدُ (^٤).
وقيل: الضمير في ﴿عَنْهُ﴾ يعود على النبي ﷺ، ومعنى ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾: ينهون الناس عن إذّايته، وهم مع ذلك يَبْعُدون عنه، والمراد بالآية - على هذا -: أبو طالب ومن كان معه يحمي النبي ﷺ ولا يُسلمُ.
_________________
(١) في ب: «لفظ».
(٢) في د: «وقع».
(٣) انظر: التعريف والإعلام، للسهيلي (ص: ١٠١).
(٤) في د، هـ: «والنائي هو البعيد» وكذا في هامش أ، ورمز له بـ «خ».
[ ٢ / ٢٥٤ ]
وفي قوله: ﴿يَنْهَوْنَ﴾ و﴿يَنْأَوْنَ﴾ ضرب من ضروب التَّجنيس.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾: جواب «لو» محذوف هنا وفي قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾، وإنما حُذف ليكون أبلغ ما يُقدِّره السَّامع؛ أي: لو ترى لرأيت أمرًا شنيعًا هائلًا.
ومعنى ﴿وُقِفُوا﴾: حُبسوا. قاله ابن عطية (^١).
ويَحتمل أن يريد بذلك:
إذا دخلوا النار.
أو إذا عاينوها وأشرفوا عليها.
ووضع «إذ» موضع «إذا»؛ لتحقيق وقوع الفعل حتى كأنه ماضٍ.
﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبُ﴾ قرئ برفع ﴿نُكَذِّبُ﴾ و﴿نَكُونُ﴾؛ على الاستئناف والقطع عن التمني، ومثَّله سيبويه بقولك: دعني ولا أعودُ؛ أي: وأنا لا أعود.
ويَحتمل أن يكون:
حالًا؛ تقديره: نُرَدُّ غير مكذِّبين.
أو عطفًا على ﴿نُرَدُّ﴾.
وقرئ بالنصب؛ بإضمار «أَنْ» بعد الواو في جواب التمني.
﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ المعنى: ظهر لهم يوم القيامة في
_________________
(١) انظر المحرر الوجيز (٣/ ٣٤١).
[ ٢ / ٢٥٥ ]
صحائفهم ما كانوا يخفون في الدنيا من عيوبهم وقبائحهم.
وقيل: هي في أهل الكتاب؛ أي: بدا لهم ما كانوا يخفون من أمر محمد ﷺ.
وقيل: هي في المنافقين؛ أي: بدا لهم ما كانوا يخفون من الكفر.
وهذان القولان بعيدان؛ فإن الكلام من أوّله ليس في حق المنافقين ولا أهل الكتاب.
وقيل: إن الكفار كانوا إذا وعظهم النبي ﷺ خافوا وأخفوا ذلك الخوف؛ لئلا يشعر به (^١) أتباعهم، فظهر لهم ذلك يوم القيامة.
﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ إخبارٌ بأمر لا يكون، لو كان كيف كان يكون، وذلك مما انفرد الله بعلمه.
﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ يعني في قولهم: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ولا يصحُّ أن يرجع إلى قولهم: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ﴾؛ لأن التمني لا يحتمل الصدق ولا الكذب.
﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ حكايةٌ عن (^٢) قولهم في إنكار البعث الأخراوي.
﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ تقريرٌ لهم وتوبيخٌ.
_________________
(١) في ب: «بهم».
(٢) سقط الحرف من ب، ج، هـ.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
[﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾]
﴿قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ الضمير في ﴿فِيهَا﴾ للحياة الدنيا؛ لأن المعنى يقتضي ذلك وإن لم يجر لها ذكر.
وقيل: للساعة؛ أي: فرَّطنا في شأنها، والاستعداد لها.
والأول أظهر.
﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ كناية (^١) عن تحمُّل الذنوب، وقال:
_________________
(١) في د: «عبارة».
[ ٢ / ٢٥٧ ]
﴿عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾؛ لأن العادة حمل الأثقال على الظهور.
وقيل: إنهم يحملونها على ظهورهم حقيقةً، وروي في ذلك أن الكافر يركبه عملُه بعد أن يتمثّل له في أقبح صورة، وأن المؤمن يَركبُ عملَه بعد أن يتصوَّر له في أحسن صورة.
﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ إخبارٌ عن سوء ما يفعلون من الأوزار.
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ قرأ نافع «يحزن» حيث وقع بضم الياء؛ من «أحزن»، إلَّا قوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣].
وقرأ الباقون بفتح الياء؛ من «حزن» الثلاثي، وهو أشهر في اللغة.
و﴿الَّذِي يَقُولُونَ﴾: قولهم: إنه ساحرٌ، شاعرٌ، كاهنٌ.
﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ من قرأ بالتشديد فالمعنى: لا يكذِّبونك معتقدين لكذبك، وإنما هم يجحدون الحقَّ مع علمهم به.
ومن قرأه بالتخفيف:
فقيل: معناه: لا يجدونك كاذبًا؛ يقال: أكذبتُ فلانًا؛ إذا وجدتَه كاذبًا، كما يقال: أحمدتُه: إذا وجدتَه محمودًا.
وقيل: هو بمعنى التَّشديد؛ يقال: كذَّب فلان فلانًا وأكذبه بمعنى واحدٍ، وهو الأظهر؛ لقوله بعد هذا: ﴿يَجْحَدُونَ﴾، ويؤيِّد هذا: ما روي أنها نزلت في أبي جهل؛ فإنه قال لرسول الله ﷺ: إنا لا نكذِّبك ولكن نكذِّب ما جئتَ به، وأنه قال للأخنس بن شَرِيقٍ: والله إن محمدًا لصادق، ولكني أحسده على الشَّرف.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ أي: ولكنهم، ووضع الظاهر موضع المضمر؛ للدلالة على أنهم ظلموا في جحودهم.
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية؛ تسليةٌ للنبي ﷺ، وحضٌّ له على الصبر، ووعدٌ له بالنصر.
﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ أي: لمواعيده لرسله؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٢]، وفي هذا تقويةٌ للوعد.
﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: من أخبارهم، ويعني بذلك: صبرهم ثم نصرهم، وهذا أيضًا تقويةٌ للوعد والحضُّ على الصبر.
وفاعل ﴿جَاءَكَ﴾ محذوف؛ تقديره: نبأ أو جلاءٌ (^١).
وقيل: هو المجرور.
﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ الآية؛ مقصودها: حمل النبي ﷺ على الصبر، والتسليم لما أراد الله بعباده من إيمان أو كفر، فإنه ﷺ كان شديد الحرص على إيمانهم، فقيل له: إن استطعت أن تدخل في الأرض أو تصعد إلى السماء لتأتيهم (^٢) بآية يؤمنوا بسببها فافعل، وأنت لا تَقْدِرُ على ذلك، فاستسلم لأمر (^٣) الله.
_________________
(١) في هامش ب: «خ: بيان»، وفي د: «خبر».
(٢) في د: «فتأتيهم».
(٣) في ب، هـ: «بأمر».
[ ٢ / ٢٥٩ ]
والنَّفَق في الأرض معناه: مَنْفَذٌ تَنْفُذُ فيه إلى ما تحت الأرض.
وحُذِف جواب «إن»؛ لفهم المعنى.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ حجةٌ لأهل السنة على القدرية.
﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي: من الذين يجهلون أن الله لو شاء لجمعهم على الهدى.
﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ المعنى: إنما يستجيب لك الذين يسمعون فيفهمون ويَعْقِلون.
﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن الموتى: عبارةٌ عن الكفار؛ (لموت قلوبهم، والبعث يراد به: الحشر يوم القيامة، فالمعنى: أن الكفار في الدنيا كالموتى في قلة سمعهم وعدم فهمهم) (^١) فيبعثهم الله في الآخرة، وحينئذ يسمعون.
والآخر: أن الموتى: عبارةٌ عن الكفار، والبعث: عبارةٌ عن هدايتهم للفَهْم والسَّماع.
والثالث: أن الموتى على حقيقته، والبعث على حقيقته؛ فهو إخبارٌ عن بعث الموتى يوم القيامة.
﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ الضمير في ﴿وَقَالُوا﴾ للكفار، و﴿لَوْلَا﴾ عَرْضٌ، والمعنى: أنهم طلبوا أن يأتي النبي ﷺ بآية على نبوَّته.
_________________
(١) سقط من ب.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
فإن قيل: فقد أتى بآياتٍ ومعجزات كثيرةٍ فلِمَ طلبوا آيةً؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنهم لم يعتدّوا بما أتى به؛ فكأنه لم يأتِ بشيءٍ عندهم؛ لعنادهم وجحدهم.
والآخر: أنهم إنما طلبوا آيةً تضطرُّ إلى الإيمان من غير نظر ولا تفكُّر (^١). ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ جوابٌ على قولهم، وقد حُكي هذا القول عنهم في مواضع من القرآن، وجُووِبوا عليه بأجوبة مختلفة:
منها: ما يقتضي الردَّ عليهم في طلبهم للآيات؛ فإنهم (^٢) قد أتاهم بآيات، وتحصيل الحاصل لا يُبتغى؛ كقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾ [البقرة: ١١٨]، وكقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١].
ومنها: ما يقتضي الإعراضَ عنهم؛ لأن الخصم إذا تبين عناده سقطت مكالمته، ويحتمل أن يكون من هذا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾.
ويحتمل أيضًا أن يكون معناه: قادرٌ على أن ينزل آية تضطرُّهم إلى الإيمان. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ حُذف مفعول ﴿يَعْلَمُونَ﴾، وهو يحتمل وجهين:
أحدهما: لا يعلمون أن الله قادر.
والآخر: لا يعلمون أن الله إنما منع الآيات التي تضطرُّ إلى الإيمان
_________________
(١) في د: «فكر».
(٢) في ب، هـ «بأنهم».
[ ٢ / ٢٦١ ]
لمصالح العباد؛ فإنهم لو رأوها ولم يؤمنوا لعوجلوا بالعذاب.
﴿بِجَنَاحَيْهِ﴾ تأكيدٌ، وبيانٌ، وإزالةٌ للاستعارة المتعاهدة في هذه اللفظة؛ فقد يقال: طائرٌ للسَّعْد والنَّحس.
﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ أي: في الخلق والرزق والحياة والموت وغير ذلك.
ومناسبةُ ذِكْر هذا لما قبله من وجهين:
أحدهما: أنه تنبيهٌ على مخلوقات الله تعالى؛ فكأنه يقول: تفكَّروا في آياته في مخلوقاته، ولا تطلبوا غير ذلك من الآيات.
والآخر: أنه تنبيهٌ على البعث؛ كأنه يقول: جميع الدوابِّ والطير يحشر يوم القيامة كما تحشرون أنتم، وهو أظهر؛ لقوله بعده: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾.
﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ما أغفلنا، والكتاب هنا: اللوح المحفوظ، والكلام على هذا عام.
وقيل: هو القرآن، والكلام على هذا خاص؛ أي: ما فرَّطنا فيه من شيءٍ فيه هدايتكم والبيانُ لكم.
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ أي: تُبعثُ الدوابُّ والطُّيور (^١) يوم القيامة للجزاء والفصل بينها.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ الآية؛ لما ذكر قدرته على بعث الخلق كلِّهم أتْبعه بأن
_________________
(١) في د: «والطير».
[ ٢ / ٢٦٢ ]
وصف من كذَّب بذلك بالصَّمم والبَكَم.
وقوله: ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾ يقوم مقام الوصف بالعمى.
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ معناه: أخبروني، والضمير الثاني للخطاب، ولا محلّ له من الإعراب.
وجواب الشرط محذوف؛ تقديره: إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة مَنْ تَدْعون؟، ثم وقفهم على أنهم لا يدعون حينئذ إلَّا اللهَ، ولا يدعون آلهتهم.
والآيةُ احتجاجٌ عليهم، وإثباتٌ للتوحيد، وإبطالٌ للشرك.
﴿إِنْ شَاءَ﴾ استثناءٌ؛ أي: يكشف ما نزل بكم إن أراد، ويصيبكم به إن أراد.
﴿وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ يحتمل أن يكون من: النسيان، أو الترك.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
[﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩) قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾].
﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ كان ذلك على وجه التَّخويف والتَّأديب.
﴿فَلَوْلَا﴾ هنا: عَرَضٌ وتَحضيضٌ.
وفيه دليل على نفع التضرُّع حين الشدائد.
﴿فَلَمَّا نَسُوا﴾ الآية؛ أي: لما تركوا الاتّعاظ بما ذُكِّروا به من الشدائد فتح عليهم أبواب الرزق والنِّعَم ليشكروها عليها، فلم يشكروا، فأخذهم الله.
﴿مُبْلِسُونَ﴾ آيسون من الخير.
﴿دَابِرُ الْقَوْمِ﴾ أي: آخِرُهم، وذلك عبارةٌ عن استئصالهم بالكلية.
﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ شكرٌ على إهلاك الكفار؛ فإنه (^١) نعمة على المؤمنين.
_________________
(١) في د: «لأنه».
[ ٢ / ٢٦٤ ]
وقيل: إنه (^١) على ما تقدَّم من ملاطفته في أخذه لهم بالشَّرِّ ليزدجروا، أو (^٢) بالخير ليشكروا، حتى وجب عليهم العذاب (^٣) بعد الإنذار والإعذار.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ الآية؛ احتجاجٌ على الكفار أيضًا.
﴿يَأْتِيكُم بِهِ﴾ الضمير عائدٌ على المأخوذ. ﴿يَصْدِفُونَ﴾ أي: يُعرضون.
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ الآية؛ وعيدٌ وتهديد، والبغتةُ: ما لم يتقدَّم لهم شعورٌ به، والجهرةُ: ما بدتْ لهم مَخايِلُه.
وقيل: ﴿بَغْتَةً﴾ بالليل، و﴿جَهْرَةً﴾ بالنهار.
﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ الآية؛ أي: لا أدَّعي شيئًا ينكر ولا يُستبعد، إنما أنا نبيٌّ رسول كما كان غيري من الرسل.
﴿الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ مثالٌ للضال والمهتدي.
_________________
(١) أي: الحمد. انظر: المحرر الوجيز (٣/ ٣٦٣).
(٢) في د، هـ «و».
(٣) في ب، د، هـ: «العقاب».
[ ٢ / ٢٦٥ ]
[﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾].
﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ الضمير في ﴿بِهِ﴾ يعود على ﴿مَا يُوحَى﴾.
والإنذار عامٌّ لجميع الناس، وإنما خُصَّص هنا بالذين يخافون؛ لأنه قد تقدَّم في الكلام ما يقتضي اليأس (^١) من إيمان غيرهم، فكأنه يقول: أَنذِر الخائفين؛ لأنهم ينفعهم الإنذار (^٢)، وأعرض عمن تقدَّم ذكره من الذين لا يسمعون ولا يعقلون.
﴿لَيْسَ لَهُمْ مِن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿يُحْشَرُوا﴾.
أو استئنافُ إخبارٍ.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ يتعلَّق بـ ﴿أَنذِرْ﴾.
﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآية؛ نزلت في ضعفاء المؤمنين، كبلال، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وخَبَّاب، وصُهَيْب، وأمثالهم، وكان
_________________
(١) في أ: «الإياس» وفي الهامش: «خ: اليأس».
(٢) في أ: «فكأنه أَنْذَرَ الخائفين لأنه ينفعهم الإنذار».
[ ٢ / ٢٦٦ ]
بعض المشركين من قريش قد قالوا للنبي ﷺ: لا يمكننا أن نختلط مع هؤلاء؛ لشَرَفِنا فلو طردتَّهم لاتَّبَعناك، فنزلت الآية.
﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ قيل: هي الصلاة بمكة قبل فرض الخمس، وكانت غُدْوَةً وعشيةً.
وقيل: هي عبارةٌ عن دوام الفعل.
و﴿يَدْعُونَ﴾ هنا:
مِنْ الدعاء وذِكْر الله.
أو بمعنى العبادة.
﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ إخبارٌ عن إخلاصهم لله، وفيه تزكيةٌ لهم.
﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية؛ قيل: الضمير في ﴿حِسَابِهِمْ﴾ لـ ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾.
وقيل: للمشركين؛ والمعنى على هذا: لا تُحاسَبُ عنهم، ولا يُحاسَبون عنك، فلا تهتمَّ بأمرهم حتى تطردَ هؤلاء من أجلهم.
والأول أرجح؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [هود: ٢٩]، وقوله: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ [الشعراء: ١١٣]، والمعنى على هذا: أنَّ الله هو الذي يحاسبهم فلأي شيء تطردهم!.
﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ هذا جواب النفي في قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ﴾.
﴿فَتَكُونَ﴾ هذا جواب النهي في قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾.
أو عطف على ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ أي: ابتلينا الكفار بالمؤمنين، وذلك أن الكفار كانوا يقولون: هؤلاء العبيد والفقراء منَّ الله عليهم بالتوفيق للحق والسعادة دوننا، ونحن أشرافٌ أغنياء!، وكان هذا الكلام منهم على جهة الاستبعاد لذلك.
﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ ردٌّ على الكفار في قولهم المتقدّم.
﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ هم الذين نُهي النبي ﷺ عن طردهم، أُمر بأن يُسلّم عليهم؛ إكرامًا لهم، وأن يُؤَنِّسهم بما بعد هذا.
﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أي: حتمها، وفي الصحيح: «إن الله كتب كتابًا فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي» (^١).
﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا﴾ الآية؛ وعدٌ بالمغفرة والرحمة لمن تاب وأصلح، وهو خطاب للقوم المذكورين قبلُ، وحكمُه عامٌّ فيهم وفي غيرهم.
والجهالة قد ذكرت في «النساء» (^٢).
وقيل: نزلت بسبب أن عمر بن الخطاب أشار على رسول الله ﷺ أن يطرد الضعفاء عسى أن يُسلم الكفار، فلما نزلت ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾ ندم عمر على قوله، وتاب منه؛ فنزلت الآية.
وقرئ ﴿أَنَّهُ﴾: بالفتح؛ على البدل من ﴿الرَّحْمَةَ﴾.
_________________
(١) تقدم تخريجه في صفحة ٢٤٧.
(٢) انظر صفحة ٢٨.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
وبالكسر؛ على الاستئناف.
وكذلك ﴿فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بالكسر: على الاستئناف.
وبالفتح:
خبرُ ابتداءٍ مضمر؛ تقديره: فأمره أنه غفور.
وقيل: تكرارٌ للأولى؛ لطول الكلام.
﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ﴾ الإشارة إلى ما تقدَّم من النهي عن الطَّرد وغير ذلك.
وتفصيلُ الآيات: شَرْحُها وبيانُها.
﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ بتاء الخطاب ونصب السبيل: على أنه مفعول به.
وقرئ بتاء التأنيث ورفع السبيل: على أنه فاعلٌ مؤنَّث.
وبالياء والرفع: على تذكير السبيل؛ لأنه يجوز فيه التذكير والتأنيث.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
[﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)﴾].
﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ أي: تعبدون.
﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾ أي: إن اتَّبعت أهواءكم ضللتُ.
﴿عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ أي: على أمر بيِّن من معرفة ربي.
والهاء في ﴿بَيِّنَةٍ﴾: للمبالغة، أو للتأنيث.
﴿وَكَذَّبْتُم بِهِ﴾ الضمير عائد على: الربِّ، أو على البينة.
﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي: العذابُ الذي طلبوه في قولهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاء﴾ [الأنفال: ٣٢].
وقيل: الآياتُ التي اقترحوها.
والأول أظهر.
﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ من القصص.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
وقرئ ﴿يَقْضِ﴾ بالضاد المعجمة؛ من القضاء، وهو أرجح؛ لقوله: ﴿خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ أي: الحاكمين.
﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: لو كان عندي العذاب - على التأويل الأول-، أو الآيات المقترحة -على التأويل الآخر-؛ لوقع الانفصال وزال النزاع؛ لنزول العذاب، أو لظهور الآيات.
﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ استعارةٌ وعبارةٌ عن التوصل إلى الغيوب كما يُتوصل بالمفاتح إلى ما في الخزائن. وهو جمع مِفتَح -بكسر الميم-؛ بمعنى: مفتاح.
ويحتمل أن يكون جمع مَفتَح -بالفتح-؛ وهو المخزون.
﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ تنبيهٌ بها على غيرها؛ لأنها أشدُّ تغيبًا من كل شيء.
﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ اللوح المحفوظ، وقيل: علم الله.
﴿يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ أي: إذا نمتم، وفي ذلك اعتبارٌ واستدلال على البعث الأخراوي.
﴿مَا جَرَحْتُم﴾ أي: ما كسبتم من الأعمال.
﴿يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ أي: يوقظكم من النَّوم، والضمير عائدٌ على النهار؛ لأن غالب اليقظة فيه، وغالب النوم بالليل.
﴿أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أجل الموت.
[ ٢ / ٢٧١ ]
[﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢) قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾].
﴿حَفَظَةً﴾ جمع حافظ؛ وهم الملائكة الكاتبون.
﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ أي: الملائكة الذين مع ملك الموت.
﴿ثُمَّ رُدُّوا﴾ خروج من الخطاب إلى الغيبة، والضمير لجميع الخلق.
﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ﴾ الآية؛ إقامة حجة.
و﴿ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: عبارة عن شدائدهما وأهوالهما؛ كما يقال لليوم الشديد: مُظْلِمٌ.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
﴿عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قيل: الذي من فوق: إمطار الحجارة ومن تحت: الخسف.
وقيل: ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾: تسليط أكابركم، و﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: تسليط سَفَلَتِكم، وهذا بعيد.
﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ أي: يخلطكم فِرَقًا مختلفين.
﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ بالقتال.
واختُلف هل الخطاب بهذه الآية للكفار أو للمؤمنين؟.
وروي أنه لما نزلت ﴿أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾، قال رسول الله ﷺ: «أعوذ بوجهك»، فلما نزلت ﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: «أعوذ بوجهك»، فلما نزلت ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾، قال النبي ﷺ: «هذه أهون» (^١)، فقضى الله على هذه الأمة بالفتن والقتال إلى يوم القيامة.
﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ الضمير عائد:
على القرآن.
أو على الوعيد المتقدِّم.
و﴿قَوْمُكَ﴾ هم قريش.
﴿لَسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ أي: بحفيظ ومتسلِّط، وفي ذلك متاركةٌ نسختها القتال.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٦٢٨).
[ ٢ / ٢٧٣ ]
﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ أي: غايةٌ يُعرَفُ عندها صِدْقُه مِنْ كَذِبِه.
﴿يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ في الاستهزاء بها، والطَّعن فيها.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: قم ولا تجالسهم.
﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ «إِمَّا» مركَّبة مِنْ «إِنْ» الشرطية و«ما» الزائدة، والمعنى: إن أنساكَ الشيطان النهيَ عن مجالستهم فلا تَقعدْ بعد أن تذكرَ النهيَ.
﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾: هم المؤمنون، والضمير في ﴿حِسَابِهِمْ﴾ للكفار المستهزئين، والمعنى: ليس على المؤمنين شيءٌ من حساب الكفار على استهزائهم وضلالهم (^١).
وقيل: إن ذلك يقتضي إباحة جلوس المؤمنين مع الكافرين؛ لأنهم شقَّ عليهم النهيُ عن ذلك؛ إذ كانوا لا بدَّ لهم من مخالطتهم في طلب المعاش، وفي الطواف بالبيت وغير ذلك، ثم نُسِخَت بآية «النساء»؛ وهي: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] الآية.
وقيل: إنها لا تقتضي إباحة القعود.
﴿وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن المعنى: ليس على المؤمنين حسابُ الكفار، ولكن عليهم تذكيرٌ لهم، ووعظ (^٢).
_________________
(١) في أ: «وإضلالهم».
(٢) في د: «تذكيرهم ووعظهم».
[ ٢ / ٢٧٤ ]
وإعراب ﴿ذِكْرَى﴾ على هذا:
نَصْبٌ على المصدر؛ وتقديره: يذكّرونهم ذكرى.
أو رَفْعٌ على المبتدأ؛ تقديره: عليهم ذكرى.
والضمير في ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ عائدٌ:
على الكفار؛ أي: يذكّرونهم رجاء أن يتقوا.
أو عائدٌ على المؤمنين؛ أي: يذكّرونهم ليكون تذكيرهم ووعظهم تقوى لله.
والوجه الثاني: أن المعنى: ليس نهيُ المؤمنين عن القعود مع الكافرين بسبب أنَّ عليهم من حسابهم شيء، وإنما هو ذكرى للمؤمنين.
وإعراب ﴿ذِكْرَى﴾ على هذا:
خبرُ ابتداء مضمر؛ تقديره: ولكن نَهيهم ذكرى.
أو مفعولٌ من أجله؛ تقديره: إنما نهوا ذكرى.
والضمير في ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ على هذا: للمؤمنين لا غيرُ.
﴿وَذَرِ الَّذِينَ﴾ قيل: إنها متاركةٌ منسوخة بالسيف.
وقيل: بل هي تهديدٌ فلا (^١) متاركةً؛ فلا نسخ فيها.
﴿اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ أي: اتَّخذوا الدين الذي كان ينبغي لهم لعبًا ولهوًا؛ لأنهم سخروا منه.
_________________
(١) في د: «بلا».
[ ٢ / ٢٧٥ ]
أو اتَّخذوا الدين الذي يعتقدونه لعبًا ولهوًا؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث فهم يلعبون ويلهون.
﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ الضمير عائد: على الدين، أو على القرآن.
﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾ قيل: معناه: تُحْبَس، وقيل: تُفضح، وقيل: تَهْلِك. وهو في موضع مفعولٍ من أجله؛ أي: ذكِّرْ به؛ كراهة أن تبسل نفسٌ.
﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ أي: وإن تُعْطِ كلَّ فدية لا يؤخذ منها.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
[﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾].
﴿قُلْ أَنَدْعُو﴾ الآية؛ إقامةُ حجةٍ، وتوبيخٌ للكفارِ.
﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ أي: نرجعُ من الهدى إلى الضلالِ، وأصلُ الرجوعِ على العَقِبِ: في المشيِ، ثم استعيرَ في المعاني.
وهذِهِ الجملةُ معطوفةٌ على ﴿أَنَدْعُو﴾، والهمزةُ فيهِ للإنكارِ والتوبيخِ.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ الكاف:
في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿نُرَدُّ﴾؛ أي: كيف نرجع مُشْبهين مَنْ استهوته الشياطين.
أو نعتٌ لمصدر محذوف؛ تقديره: ردًّا كردِّ الذي.
ومعنى ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾: ذهبتْ به في مَهامه الأرض، وأخرجته عن الطريق؛ فهو استفعال من هوى في الأرض: إذا ذهب فيها.
وقال الفارسي: استهوى بمعنى: أهوى؛ مثل استزلَّ بمعنى أزلَّ.
و﴿حَيْرَانَ﴾ أي: ضال (^١) عن الطريق، وهو نَصْبٌ على الحال من المفعول في ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾.
﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ أي: لهذا المستهوي أصحابٌ - وهم رُفْقةٌ - يدعونه إلى الهدى؛ أي: إلى أن يهدوه الطريق، يقولون له: ائتنا، وهو قد تاه وبَعُدَ عنهم فلا يُجيبهم، وهذا كلُّه تمثيلٌ لمن ضلَّ في الدين عن الهدى، وهو يُدعى إلى الإسلام فلا يجيب.
وقيل: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق حين كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام، ويُبطل هذا قولُ عائشة: ما نزل في آل أبي بكر شيءٌ من القرآن إلَّا براءتي (^٢).
_________________
(١) في د: «أي: ضالًّا».
(٢) أخرجه البخاري (٤٨٢٧).
[ ٢ / ٢٧٨ ]
﴿وَأَنْ أَقِيمُوا﴾ عطفٌ:
على ﴿لِنُسْلِمَ﴾.
أو على مفعول ﴿وَأُمِرْنَا﴾.
﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ مرفوعٌ بالابتداء، وخبرُه: ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾، وهو مقدَّمٌ عليه، والعاملُ فيه: معنى الاستقرار؛ كقولك: يومَ الجمعة القتالُ، واليومُ: بمعنى الحين، وفاعلُ ﴿يَكُونُ﴾ مضمر، وهو فاعل ﴿كُنْ﴾؛ أي: حين يقول لشيء كن: فيكونُ ذلك الشيءُ.
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ظرفٌ لقوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾؛ كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦].
وقيل في إعراب الآية غير هذا مما هو ضعيفٌ أو تخليطٌ.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ خبرُ ابتداءٍ مضمرٍ.
﴿لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ هو اسمُ أبي إبراهيم، فإعرابُه: عطفُ بيان، أو بدلٌ، ومُنع من الصَّرف للعُجمة والعَلَمية، لا للوزن؛ فإن وزنه: فاعَلَ؛ نحو: عابر وشالخ.
وقرئ بالرفع؛ على النداء.
وقيل: إنهُ اسمُ صنم؛ لأنه ثبت أن اسم أبي إبراهيم تارَحَ؛ فعلى هذا يَحتمل: أن يكون لقبٌ به؛ لملازمته له.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
أو أريد: عابد آزر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وذلك بعيد.
ولا يَبْعُدُ أن يكون له اسمان.
﴿نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قيل: إنه فَرَج له السموات والأرض حتى رأى ببصره المُلْك الأعلى والأسفل، وهذا يفتقرُ إلى صحة نقل.
وقيل: رأى ما يراه الناس من الملكوت، ولكنه وقع له بها من الاعتبار والاستدلال ما لم يقع لأحد من أهل زمانه.
﴿وَلِيَكُونَ﴾ يتعلَّق بمحذوف؛ تقديره: وليكون من الموقنين فَعَلْنَا به ذلك.
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أي: ستره؛ يقال: جنَّ عليه الليل وأجنَّهُ.
﴿رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ يَحتمل أن يكون هذا الذي جرى لإبراهيم في الكوكب والقمر والشمس:
أن يكون قبل البلوغ والتكليف، وقد روي أن أمَّه وَلَدته في غار؛ خوفًا من نمروذ؛ إذ كان يقتل الأطفال؛ لأن المنجمين أخبروه أن هلاكه على يد صبيّ.
ويحتمل أن يكون جرى له ذلك بعد بلوغه وتكليفه، وأنه قال ذلك لقومه على وجه الردّ عليهم والتوبيخ لهم، وهذا أرجح؛ لقوله بعد ذلك: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
ولا يُتصوَّرُ أن يقول ذلك وهو منفرد في الغار؛ لأن ذلك يقتضي محاجَّةً وردًّا على قومه.
وذلك أنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن يبين لهم الخطأ في دينهم، وأن يرشدهم إلى أن هذه الأشياء لا يصح أن يكون واحدٌ منها إلهًا؛ لقيام الدليل على حدوثها، وأن الذي أحدثها ودبّر طلوعَها وغروبها وأُفُولها هو الإله الحق وحده، فقوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ قول مَنْ يُنصف خصمه مع علمه أنه مُبْطِلٌ؛ لأن ذلك أدْعى إلى الحق وأقرب إلى رجوع الخصم، ثم أقام عليه الحجة بقوله: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾؛ أي: لا أحب عبادة المتغيرين؛ لأن التغيُّر دليلٌ على الحدوث، والحدوث ليس من صفات الإله، ثم استمرَّ على ذلك المنهاج في القمر وفي الشمس، فلما أوضح البرهان، وأقام عليهم الحجة، جاهرهم بالبراءة من باطلهم، فقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾، ثم أعلن بعبادته لله وتوحيده له فقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، ووصف الله تعالى بوصف يقتضي توحيده وانفراده بالملك.
فإن قيل: لم احتجَّ بالأُفُول دون الطُّلوع، وكلاهما دليلٌ على الحدوث؛ لأنهما انتقالٌ من حال إلى حال؟
فالجواب: أنه أظهرُ في الدلالة؛ لأنه انتقالٌ مع اختفاء (^١) واحتجاب (^٢).
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «خفاء».
(٢) قال الشيخ عبد الرحمن البرَّاك: قوله: «.. ثم أقام عليه الحجة بقوله: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ أي: لا أحب عبادة المتغيّرين؛ لأن التغيّر دليلٌ على الحدوث»، إلخ =
[ ٢ / ٢٨١ ]
﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾ أي: في الإيمان بالله وفي توحيده، والأصل: أتحاجونني - بنونين -.
وقرئ:
بالتشديد؛ على إدغام إحداهما في الأخرى.
وبالتخفيف؛ على حذف إحداهما، واختلف هل حذفت الأولى أو الثانية؟.
﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ ﴿مَا﴾ هنا بمعنى: «الذي»، ويريد بها: الأصنام، وكانوا قد خوفوه أن تصيبه أصنامهم بضرّ، فقال: لا أخاف منهم؛ لأنهم لا يقدرون على شيء.
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ استثناء منقطع بمعنى: «لكن»؛ أي: إنما أخاف من ربي إن أراد بي شيئًا.
_________________
(١) = أقول: عليه في هذا الكلام مأخذان: أحدهما: تفسير الأفول بالتغيّر، وهو من التَّفسيرِ باللازم؛ فإنَّ أفل في اللغة بمعنى غاب، والأفُولُ هو الغيابُ بعد الظهور، فعليه يكون ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ أي: الغائبين بعد الظهور. الثاني: جزمه بأنَّ كلَّ متغيّر محدث؛ فيقضي ذلك نفي التغيّر عن الله، وابن جزي وأمثاله يطلقون نفي التغيّرِ عن الله بهذه الشُّبهة، والصواب أن التغير من الألفاظ المحدَثَة المجملة التي لا تجوز إضافتُها إلى الله، لا نفيا ولا إثباتا، إلا بعد الاستفصال عن مراد المتكلم بها؛ فإن أراد حقًّا قبل، وإن أراد باطلا رُدَّ، وإن أرادهما ميّز الباطلَ من الحق، فعلى هذا؛ إنْ أُريد بالتغيّرِ قيامُ الأفعالِ الاختياريةِ بِهِ سبحانه، فالنفيُّ باطلٌ، والإثباتُ حقٌّ، وإنْ أُريد بالتغيّر النقصُ بعد الكمالِ في ذاتِه تعالى وصفاته، فالنفي حقٌّ، والإثبات باطلٌ، وابن جزي وأمثاله هم من نفاة الصفات الفعلية في الجملة.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ أي: كيف أخاف شركاءكم الذين لا يقدرون على شيء، وأنتم لا تخافون ما فيه كلُّ خوف؛ وهو إشراككم بالله؟، فأنتم تنكرون عليَّ الأمنَ في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف، ثم أوقفهم على ذلك بقوله: ﴿فأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ يعني: فريق المؤمنين، وفريق الكافرين، ثم أجاب عن السؤال بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية.
وقيل: إن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية استئناف، وليس من كلام إبراهيم.
﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ لما نزلت هذه الآية أشفق منها أصحاب النبي ﷺ، فقالوا: وأينا لم يَظْلِمْ نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ: «إنما ذلك كما قال لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢)، ومسلم (١٢٤).
[ ٢ / ٢٨٣ ]
[﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾].
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا﴾ إشارةٌ إلى ما تقدَّم من استدلاله واحتجاجه.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ الضمير: لنوح، أو إبراهيم ﵇، والأول هو الصحيح؛ لذكر لوط؛ وليس من ذرية إبراهيم.
﴿دَاوُودَ﴾ عطف على ﴿نُوحًا﴾؛ أي: وهدينا داود.
﴿وَعِيسَى﴾ فيه دليلٌ على أن أولاد البنات يقال لهم: ذرية؛ لأن عيسى ليس له أب؛ فهو ابن بنتِ نوح.
﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ﴾ في موضع نصب؛ عطفًا على ﴿كُلًّا﴾؛ أي: وهدينا بعضَ آبائهم.
﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ أي: أهلُ مكة.
﴿وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ هم: الأنبياء المذكورون، وقيل: الصحابة، وقيل: كلُّ مؤمن.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
والأول أرجح؛ لدلالة ما بعده على ذلك.
ومعنى توكيلهم بها: توفيقُهم للإيمان بها والقيامِ بحقوقها.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ إشارةٌ إلى الأنبياء المذكورين.
﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ استدلَّ به من قال: إن شرعَ من قبلنا شرعٌ لنا.
فأما أصول الدين من التوحيد والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر؛ فاتفقت فيه جميع الشرائع.
وأما الفروع ففيها وقع الاختلاف بين الشرائع، والخلاف: هل يقتدي النبي ﷺ فيها بمن قبله أم لا؟.
والهاء في ﴿اقْتَدِهْ﴾ للوقف؛ فينبغي أن تسقُط في الوصل، ولكنَّ من أثبتها فيه راعى ثبوتها في خطِّ المصحف.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
[﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾].
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عرفوه حقَّ معرفته في اللطف بعباده والرحمة لهم؛ إذ أنكروا بعثه للرسل وإنزاله للكتب.
والقائلون هم: اليهود؛ بدليل ما بعده، وإنما قالوا ذلك مبالغة في إنكار نبوة محمد ﷺ، وروي أن الذي قالها منهم مالك بن الصَّيْف، فردَّ الله عليهم بأن ألزمهم ما لا بدَّ لهم من الإقرار به؛ وهو إنزال التوراة على موسى.
وقيل: القائلون قريش، وأُلزِموا ذلك؛ لأنهم كانوا مقرّين بالتوراة.
﴿وَعُلِّمْتُم مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ الخطاب: لليهود، أو لقريش؛ على وجه إقامة الحجة والردِّ عليهم في قولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾.
فإن كان لليهود: فالذي عُلّموه: التوراة.
وإن كان لقريش: فالذي عُلّموه: ما جاء به محمد ﷺ.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
﴿قُلِ اللَّهُ﴾ جواب: ﴿مَنْ أَنْزَلَ﴾، واسم ﴿اللَّهُ﴾:
مرفوع بفعل مضمر؛ تقديره: أنزله الله. أو مرفوع بالابتداء.
﴿وَلِتُنْذِرَ﴾ عطف على صفة الكتاب.
﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ مكة، وسميت أم القرى:
لأنها مكان أوَّل بيت وضع للناس.
ولأنه جاء أن الأرض دُحِيت منها.
ولأنها يَحُجُّ إليها أهلُ القرى من كل فجٍّ عميق.
﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ هو مُسيلمة وغيره من الكذَّابين الذين ادَّعوا النبوَّة.
﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ هو النَّضر بن الحارث؛ لأنه عارض القرآن، واللفظ عام فيه وفي غيره من المستهزئين.
﴿وَلَوْ تَرَى﴾ جوابه محذوف؛ تقديره: لرأيت أمرًا عظيمًا.
و﴿الظَّالِمُونَ﴾: مَنْ تقدَّم ذكره من اليهود والكذَّابين والمستهزئين؛ فتكون اللام للعهد. أو أعمُّ من ذلك؛ فتكون للجنس.
﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ أي: تبسط الملائكة أيديهم إلى الكفار، يقولون لهم: ﴿أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ﴾؛ وهذه عبارةٌ عن التعنيف في السِّياق، والشدَّة في قبض الأرواح.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾ يحتمل أن يريد:
ذلك (^١) الوقت بعينه.
أو الوقت الممتدَّ من حينئذٍ إلى الأبد.
﴿الْهُونِ﴾ الذِّلَّة.
﴿فُرَادَى﴾ منفردين:
عن أموالكم وأولادكم.
أو عن شركائكم. والأول يترجَّح بقوله (^٢): ﴿وَتَرَكْتُم مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾؛ أي: ما أعطيناكم من الأموال والأولاد.
ويترجح الثاني بقوله: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ﴾.
﴿تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ تفرَّق شملكم.
ومن قرأه بالرفع:
أسند الفعل إلى الظَّرف واستعمله استعمال الأسماء.
أو يكون البَيْن بمعنى الفُرْقة، أو بمعنى الوَصْل.
ومن قرأه بالنصب: فالفاعل:
مصدرُ الفعل.
أو محذوف؛ تقديره: تقطع الاتِّصال بينكم.
_________________
(١) في ب، د، هـ: «بذلك».
(٢) في أ، ب، ج، هـ: «لقوله».
[ ٢ / ٢٨٨ ]
[﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾]
﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ أي: يفلق الحبَّ تحت الأرض؛ لخروج النبات منها، ويفلق النوى؛ لخروج الشجر منها.
وقيل: أراد الشِّقَّين اللذين في النواة والحنطة.
والأول أرجح؛ لعمومه في أصناف الحبوب.
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ﴾ تقدّم في «آل عمران» (^١).
﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ﴾ معطوف على ﴿فَالِقُ﴾.
_________________
(١) انظر ١/ ٥٢٧.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ أي: الصبح؛ فهو مصدر سُمِّي به الصبح، ومعنى فَلْقِهِ: إخراجه من الظلمة.
وقيل: إن الظلمة هي التي تنفلق عن الصبح، فالتقدير: فالقُ ظلمةِ الإصباح.
﴿سَكَنًا﴾ أي: يُسكَنُ فيه عن الحركات ويُستَراحُ.
﴿حُسْبَانًا﴾ أي: يُعلَم بهما حساب الأزمان والليل والنهار.
﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ما أحسنَ ذِكْرَ هذين الاسمين هنا!؛ لأن العزيز يغلب كل شيء ويقهره، وهو قد قهر الشمس والقمر وسخَّرهما كيف شاء، والعليم لما في تقدير الشمس والقمر والليل والنهار من العلوم والحكمة العظيمة وإتقان الصنعة.
﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي: في ظلمات الليل في البر والبحر، وأضاف الظلمات إليهما لملابستها (^١) لهما.
أو شبَّه الطرق المشتبهة بالظلمات.
﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ مَنْ كسر القاف مِنْ ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾: فهو اسم فاعل، و﴿مُسْتَوْدَعٌ﴾ اسم مفعول، والتقدير: فمنكم مستقرٌّ ومستودَع.
ومَن فتحها: فهو اسم مكان أو مصدر، و﴿مُسْتَوْدَعٌ﴾ مثله، والتقدير على هذا: لكم مستقرٌّ ومستودَع.
والاستقرار: في الرَّحِم، والاستيداع: في الصُّلْب.
_________________
(١) في د: «لمناسبتها».
[ ٢ / ٢٩٠ ]
وقيل: الاستقرار: فوق الأرض، والاستيداع: تحتها.
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ الضمير يعود على الماء.
﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ﴾ الضمير عائدٌ على النبات.
﴿خَضِرًا﴾ أي: أخضر غضًّا، وهو يتولَّد من أصل النبات من الفراخ.
﴿نُخْرِجُ مِنْهُ﴾ الضمير عائد على الخضر.
﴿حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ يعني: السنبل؛ لأن حبّه بعضه على بعض، وكذلك الرُّمان وشبهها.
﴿قِنْوَانٌ﴾ جمع قِنْوٍ، وهو العنقود من التمر.
وهو مرفوع بالابتداء، وخبره ﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾، و﴿مِنْ طَلْعِهَا﴾ بدل.
والطَّلع: أول ما يخرج من التمر في أكمامه.
﴿دَانِيَةٌ﴾ أي: قريبةٌ سهلة للتناول.
وقيل: قريب بعضها من بعض.
﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ بالنصب؛ عطفًا على ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
وقرئ - في غير السبع - بالرفع؛ عطفًا على ﴿قِنْوَانٌ﴾.
﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ نَصْبٌ على الحال:
من ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾.
أو من كلِّ ما تقدّم من النبات.
والمشتبه والمتشابه بمعنىً واحدٍ؛ أي: من النبات ما يشبه بعضه بعضًا
[ ٢ / ٢٩١ ]
في اللون والطعم والصورة، ومنه ما لا يشبه بعضه بعضًا، وفي ذلك دليلٌ قاطع على الصانع المختار القدير (^١) العليم المُريد.
﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ أي: انظروا إلى ثمره أوّل ما يخرج ضعيفًا لا منفعة فيه، ثم يُنقل من حال إلى حال حتى يَيْنَعَ؛ أي: يَنضَج ويطيب.
﴿شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ نَصْبُ ﴿الْجِنَّ﴾ على أنه:
مفعولٌ أول لـ ﴿جَعَلُوا﴾، و﴿شُرَكَاءَ﴾ مفعولٌ ثانٍ، وقُدِّم لاستعظام الإشراك.
أو ﴿شُرَكَاءَ﴾ مفعول أول، و﴿لِلَّهِ﴾ في موضع المفعول الثاني، و﴿الْجِنَّ﴾ بدل من ﴿شُرَكَاءَ﴾.
والمراد بهم هنا:
الملائكةُ؛ وذلك ردٌّ على من عبدهم. وقيل: المراد الجن، والإشراك بهم: طاعتهم.
﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ الواو للحال، والمعنى: الردُّ عليهم؛ أي: جعلوا لله شركاء وهو خلقهم.
والضمير عائد: على الجنِّ، أو على الجاعلين؛ والحجة قائمةٌ على الوجهين.
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «العزيز».
[ ٢ / ٢٩٢ ]
﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ أي: اختلقوا وزوَّروا، والبنين قول النصارى في المسيح، واليهود في عزير، والبنات قول العرب في الملائكة.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: قالوا ذلك بغير دليل؛ بل مجرد افتراء.
﴿بَدِيعُ﴾ ذُكِر معناه في «البقرة» (^١)، ورفعه على أنه:
خبر ابتداء مضمر.
أو مبتدأ وخبره: ﴿أَنَّى يَكُونُ﴾.
أو فاعل ﴿تَعَالَى﴾.
والقصد به الردُّ على مَنْ نَسَب لله البنين والبنات؛ وذلك من وجهين:
أحدهما: أن الولد لا يكون إلَّا من جنس والده، والله تعالى متعالٍ عن الأجناس؛ لأنه مُبْدِعُها، فلا يصحُّ أن يكون له ولد.
والآخر: أن الله خلق السموات والأرض، ومن كان هكذا فهو غنيٌّ عن الولد وعن كل شيء.
﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ مسبَّبٌ عن مضمون الجملة؛ أي: مَنْ كان هكذا فهو المستحقُّ للعبادة وحده.
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يعني: في الدنيا، وأما في الآخرة؛ فالحقُّ أن المؤمنين يرون ربهم؛ بدليل قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٣]، وقد جاءت في ذلك أحاديث صحيحةٌ صريحة المعنى، لا تحتمل التأويل.
_________________
(١) انظر ١/ ٣٥٣.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
وقالت الأشعرية: إن رؤية الله تعالى في الدنيا جائزةٌ عقلًا؛ لأن موسى سألها من الله، ولا يسأل موسى ما هو محال.
وقد اختلف الناس هل رأى رسول الله ﷺ ربَّه ليلةَ الإسراء أم لا؟.
﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ قال بعضهم: الفرق بين الرؤية والإدراك: أن الإدراك يتضمن الإحاطة بالشيء والوصول إلى غايته؛ فلذلك نفى أن تُدِركَ أبصارُ الخلق ربَّهم، ولا يقتضي ذلك نفي الرؤية؛ وحَسُن على هذا قوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾؛ لإحاطة علمه تعالى بالخفيّات.
﴿اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ أي: لَطَفَ عن أن تدركه الأبصار، وهو الخبير بكل شيء؛ فهو يدرك الأبصار.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
[﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧) وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾].
﴿قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ﴾ جمع بصيرة؛ وهي نور القلب، والبصر نور العين.
وهذا الكلام على لسان النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾.
﴿وَلِيَقُولُوا﴾ متعلِّق بمحذوف؛ تقديره: ليقولوا؛ صرفنا الآيات.
﴿دَرَسْتَ﴾ -بإسكان السين وفتح التاء-؛ أي: درست العلم وقرأته.
و﴿دَارَسْتَ﴾ -بالألف-؛ أي: دارست العلماء وتعلَّمت منهم.
و﴿دَرَسَتْ﴾ -بفتح السين وإسكان التاء-؛ بمعنى: قَدُمَتْ هذه الآيات ودَثَرَتْ.
﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ الضمير للآيات، وجاء مذكَّرًا؛ لأن المراد بها القرآن.
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ إن كان معناه: أعرض عما يدعونك إليه، أو عن مجادلتهم فهو مُحْكَم.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
وإن كان: عن قتالهم وعقابهم فهو منسوخ.
وكذلك: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ و﴿بِوَكِيلٍ﴾.
﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: لا تسبُّوا آلهتهم فيكون ذلك سببًا لأن يسبوا الله.
واستدلَّ المالكية بهذا على سدِّ الذرائع.
﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: هي بيد الله لا بيدي.
﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ أي: ما يُدرِيكم؛ وهو من الشُّعور بالشيء.
و«ما»: نافيةٌ، أو استفهامية.
﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ مَنْ قرأ بفتح ﴿أَنَّهَا﴾:
فهو معمولُ ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾؛ أي: ما يدريكم أن الآيات إذا جاءتهم لا يؤمنون بها؟!، نحن نعلم ذلك وأنتم لا تعلمونه.
وقيل: ﴿لَا﴾ زائدة؛ والمعنى: ما يُشعركم أنهم يؤمنون.
وقيل: «أنَّ» هنا بمعنى «لعلَّ».
ومَن قرأ بالكسر: فهي استئنافُ إخبارٍ، وتمَّ الكلام في قوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾؛ أي: ما يشعركم ما يكون منهم.
فعلى القراءة بالكسر: يوقف على ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾.
وأما على القراءة بالفتح:
فإن كانت «أنَّ» مصدرية لم يوقف عليه؛ لأنه عاملٌ فيها.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
وإن كانت بمعنى «لعلَّ»: فأجاز بعض الناس الوقف، ومنعه شيخُنا أبو جعفر بن الزبير؛ لما في «لعلَّ» من معنى التَّعليل.
﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ أي: نطبعُ عليها ونصدُّها عن الفهم فلا يفقهون.
﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ الكاف للتعليل؛ أي: نطبع على أفئدتهم وأبصارهم؛ عقوبةً لهم على أنهم لم يؤمنوا به أول مرةٍ.
ويحتمل أن تكون للتشبيه؛ أي: نطبع عليها إذا رأوا الآيات مثلَ ما طبعنا عليها أول مرة.
﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ الآية؛ ردٌّ عليهم في قسَمِهم أنهم لو جاءتهم آية لآمنوا بها؛ أي: لو أعطيناهم هذه الآيات التي اقترحوها وكلَّ آية لم يؤمنوا إلَّا أن يشاء الله.
﴿قُبُلًا﴾ - بكسر القاف وفتح الباء -؛ أي: معاينةً، فنَصْبُه على الحال.
وقرئ بضمتين؛ ومعناه: مواجهةً؛ كقوله: ﴿قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦].
وقيل: هو جمع قَبيلٍ بمعنى كفيل؛ أي: كُفَلاءَ بتصديق رسول الله ﷺ.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
[﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧) فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾]
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ الآية؛ تسلية للنبي ﷺ بالتأسي بغيره.
﴿شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ أي: المتمرّدين من الصنفين، ونَصْبُ ﴿شَيَاطِينَ﴾:
على البدل من ﴿عَدُوًّا﴾؛ إذ هو بمعنى الجمع.
أو مفعول أول، و﴿عَدُوًّا﴾ مفعول ثان.
﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أي: يوسوس ويُلْقِي الشرَّ.
﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ ما يزيّنه من القول.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ الضمير عائدٌ:
على وحيهم.
أو على عداوة الكفار.
﴿فَذَرْهُمْ﴾ وعيدٌ.
﴿وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ «ما» في موضع نصب؛ على أنها:
مفعول معه.
أو عطف على الضمير.
﴿وَلِتَصْغَى﴾ أي: تميلَ، وهو متعلِّق بمحذوف، واللام لام الصيرورة.
﴿إِلَيْهِ﴾ الضمير لوحيهم.
﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ يكتسبوا.
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ معمول لقول محذوف؛ أي: قل لهم.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ﴾ أي: صحَّت، والكلمات: ما نزَّل على عباده من كتبه.
﴿صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ أي: صدقًا فيما أخبر، وعدلًا فيما حكم.
﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ القصد بهذا الأمر: إباحةُ ما ذُكِر اسم الله عليه، والنهي عما ذبح للنُّصُب وغيرها، وعن الميتة، وهذا النهي يقتضيه دليل الخطاب من الأمر، ثم صرَّح به في قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
وقد استدلَّ بذلك مَنْ أوجب التسمية على الذبيحة، وإنما جاء الكلام في سياق تحريم الميتة وغيرها، فإن حملناه على ذلك لم يكن فيه دليلٌ على وجوب التسمية في ذبائح المسلمين، وإن حملناه على عمومه كان فيه دليل على ذلك.
وقال عطاء: هذه الآية أمرٌ بذكر الله على الذبح والأكل والشرب (^١).
﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا﴾ المعنى: أيُّ غَرَضٍ لكم في ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه وقد بيَّن لكم الحلال من الحرام؟.
﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ استثناءٌ مما حرَّم.
﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ لفظٌ يعمُّ أنواع المعاصي؛ لأن جميعها إما باطن وإما ظاهر.
وقيل: الظاهر: الأعمال، والباطن: الاعتقاد.
﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الضمير لمصدر ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾.
﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ سببها: أن قومًا من الكفار قالوا: إنَّا نأكل ما قتلنا، ولا نأكل ما قتل الله -يعنون الميتة-!.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٥١١ - ٥١٢).
[ ٢ / ٣٠٠ ]
[﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣) وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤) فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾]
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ الموت هنا: عبارةٌ عن الكفر، والإحياء: عبارةٌ عن الإيمان، والنور: نور الإيمان، والظلمات: الكفر؛ فهي استعاراتٌ.
وفي قوله: ﴿مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ مطابقةٌ؛ وهي من أدوات البيان.
ونزلت الآية في عمار بن ياسر، وقيل: في عمر بن الخطاب.
والذي في الظلمات: أبو جهل.
ولفظها أعمُّ من ذلك.
[ ٢ / ٣٠١ ]
﴿كَمَنْ مَثَلُهُ﴾ مَثَل هنا: بمعنى صفة، وقيل: هو زائدٌ؛ والمعنى: كمن هو.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ﴾ أي: كما جعلنا في مكة أكابرَها ليمكروا فيها جعلنا في كل قرية، وإنما ذَكَر الأكابرَ؛ لأن غيرهم تبعٌ لهم، والمقصود: تسلية النبي ﷺ.
﴿مُجْرِمِيهَا﴾ إعرابه:
مضاف إليه عند الفارسي وغيره.
وقال ابن عطية وغيره: إنه مفعولٌ أول لـ ﴿جَعَلْنَا﴾، و﴿أَكَابِرَ﴾ مفعولٌ ثانٍ مقدم (^١)، وهذا جيدٌ في المعنى ضعيفٌ في العربية؛ لأن ﴿أَكَابِرَ﴾ جمع أكبر وهو من أفعل؛ فلا يستعمل إلَّا بـ «مِنْ» أو بالإضافة.
﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ﴾ الآية؛ قال (^٢) هذه المقالة أبو جهل.
وقيل: الوليد بن المغيرة؛ لأنه قال: أنا أولى بالنبوة من محمد.
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ردٌّ عليهم فيما طلبوه، والمعنى: أن الله عَلِم أن محمدًا ﷺ أهلٌ للرسالة، فخصَّه بها، وعَلِم أنهم ليسوا بأهلٍ لها فحرمهم إيَّاها.
وفي الآية من أدوات البيان: الترديد؛ لكونه ختم كلامهم باسم الله، ثم ردَّه في أول كلامه. ﴿صَغَارٌ﴾ أي: ذلَّةٌ.
_________________
(١) المحرر الوجيز (٣/ ٤٥٣).
(٢) في د: «قائل».
[ ٢ / ٣٠٢ ]
﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ﴾ شَرْحُ الصدر، وضيقُه، وحَرَجُه: ألفاظٌ مستعارة.
ومن قرأ ﴿حَرَجًا﴾ -بفتح الراء-: فهو مصدر وُصِف به.
﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ أي: كأنما يحاول الصعود في السماء، وذلك غير ممكن؛ فكذلك يصعب عليه الإيمان.
وأصل ﴿يَصَّعَّدُ﴾ المشدد: يتصعّد، وقرئ بالتخفيف.
﴿دَارُ السَّلَامِ﴾ الجنة، والسَّلام هنا يحتمل أن يكون: اسم الله، فأضافها إليه؛ لأنها مُلْكُه وخَلْقُه. أو بمعنى السلامة. أو التحية.
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ العامل في ﴿يَوْمَ﴾ محذوف؛ تقديره: اذكر. أو تقديره: قلنا، ويكون -على هذا- عاملًا في ﴿يَوْمَ﴾ وفي ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ﴾.
﴿اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ أي: أضللتم منهم كثيرًا، وجعلتموهم أتباعكم؛ كما تقول: استكثر الأمير من الجيش.
﴿اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ استمتاعُ الجنِّ بالإنس: طاعتهم لهم، واستمتاع الإنس بالجن: كقوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦] فإن الرجل كان إذا نزل واديًا قال: أعوذ بصاحب هذا الوادي -يعني: كبير الجن-.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا﴾ هو الموت، وقيل: الحشر.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ قيل: الاستثناء من الكاف والميم في ﴿مَثْوَاكُمْ﴾؛ فـ «ما» بمعنى «مَنْ»؛ لأنها وقعت على صنف من الجن والإنس، والمستثنى على هذا: مَنْ آمن منهم.
وقيل: الاستثناء من مدَّة الخلود، وهو الزمان الذي بين حشرهم إلى دخول النار.
وقيل: الاستثناء من النار، وهو دخولهم الزَّمهَريرَ.
وقيل: ليس المراد هنا بالاستثناء الإخراج، وإنما هو على وجه الأدب مع الله، وإسناد الأمور إليه.
﴿نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ أي: نجعل بعضهم وليًّا لبعض.
وقيل: نُتْبِعُ بعضهم بعضًا في دخولهم النارَ.
وقيل: نسلِّط بعضهم على بعض.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
[﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾].
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ﴾ تقرير للجن والإنس؛ فقيل: إن الجن بُعث فيهم رسل منهم؛ لظاهر الآية.
وقيل: إنما الرسل من الإنس خاصة؛ وإنما قال: ﴿رُسُلٌ مِنكُمْ﴾؛ لأنه جَمَع الثقلين في الخطاب.
﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ لا تنافي بينه وبين قولهم: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]؛ لما تقدَّم هناك.
فإن قيل: لم كرَّر شهادتهم على أنفسهم؟
فالجواب: أن قولهم: ﴿شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا﴾ قولٌ قالوه هم، وقوله: ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ ذمٌّ لهم، وتقبيحٌ لحالهم.
﴿ذَلِكَ﴾ خبر ابتداء مضمر؛ تقديره: الأمر ذلك.
أو مفعولٌ بفعل مضمر؛ تقديره: فعلنا ذلك.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
والإشارةُ إلى بعث الرسل.
﴿أَنْ لَمْ يَكُنْ﴾ تعليلٌ لبعث الرسل.
وهو في موضع مفعول من أجله، أو بدلٌ من ﴿ذَلِكَ﴾.
﴿بِظُلْمٍ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن الله لم يكن ليُهلِكَ القرى دون بعث رسل إليهم، فيكون إهلاكهم ظلمًا؛ إذ لم يُنذِرْهم، فهو كقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
والآخر: أن الله لا يهلك القرى بظلم إذا ظلموا دون أن يُنذَرهم؛ ففاعل الظلم -على هذا-: أهلُ القرى، وغفلتهم: عدم إنذارهم.
حكى الوجهين ابن عطية والزمخشري (^١)، والوجه الأول صحيح (^٢) على مذهب المعتزلة، ولا يصحُّ على مذهب أهل السنة؛ لأن الله لو أهلك عباده بغير ذنب لم يكن ظالمًا عندهم (^٣).
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (٣/ ٤٦٣)، والكشاف (٦/ ٢٥٠).
(٢) هذه الكلمة لم ترد في أ، ب، ج، هـ.
(٣) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله: «ولا يصح على مذهب أهل السنة»، يريد الأشاعرة، فمن مذهبهم أنَّ كلَّ ممكنٍ جائزٌ على الرب فعله؛ فعندهم يجوز أن يعذب أولياءه، وأن ينعم أعداءه، فعليه: يجوز أن يعذب من شاء بغير ذنب، أو يعذبه بذنب غيره، ومنشأ هذا المذهب هو أن مردَّ أفعال الله تعالى وشرعه محضُ المشيئة، فلا حكمة ولا غاية في مفعولاته ومأموراته، والظلم عندهم هو المستحيل لذاته، كالجمع بين النقيضين، قال ابن القيم: والظلمُ عندهمُ المحالُ لذاتِه … أنَّى ينزهُ عنه ذو السُّلطانِ =
[ ٢ / ٣٠٦ ]
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ﴾ أي: منازلُ في الجزاء على أعمالهم؛ من الثواب والعقاب.
﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ﴾ أي: من ذرية أهل سفينة نوح، أو مَنْ كان قبلهم إلى آدم.
﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ الأمر هنا للتهديد، والمكانة: التمكُّن.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تهديدٌ.
﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ﴾ يَحتمل أن تكون «مَنْ»: موصولةً في موضع نصْبٍ على المفعولية.
أو استفهاميةً في موضع رَفْعٍ بالابتداء.
﴿عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي: الآخرة، أو الدنيا، والأول أرجح؛ لقوله: ﴿عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [الرعد: ٢٢ - ٢٣].
_________________
(١) = وأما الظلم عند أهل السنة والجماعة، فهو أن يعذب أحدا بغير ذنب، أو يعذبه بذنب غيره، وقد حرَّم الله تعالى ذلك على نفسه، قال في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمتُ الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا»، وقد نزه الله نفسه عن الظلم في آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، والظلم عند أهل السنة مقدور لله، لكنه لا يفعله لكمال عدله وحكمته، وأما الظلم عند الأشاعرة فهو غير مقدور له، والمدح والكمالُ في ترك الظلم مع القدرة عليه.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
[﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾].
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ الضمير في ﴿جَعَلُوا﴾ لكفار العرب.
قال السهيلي: هم حَيٌّ من خَوْلانَ، يقال لهم: الأَديم، كانوا يجعلون من زروعهم وثمارهم ومن أنعامهم نصيبًا لله ونصيبًا لأصنامهم (^١).
ومعنى ﴿ذَرَأَ﴾: خلق وأنشأ؛ ففي ذلك ردٌّ عليهم؛ لأن الله الذي خلقها وذرأها هو مالكها لا ربَّ غيره.
﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ أي: بدعواهم وقولهم من غير دليل ولا شرع، وأكثر ما يقال الزعم: في الكذب.
_________________
(١) انظر: التعريف والإعلام، للسهيلي (ص: ١٠٥).
[ ٢ / ٣٠٨ ]
وقرئ بفتح الزاي وضمها، وهما لغتان.
﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية؛ كانوا إذا هبَّت الريح فحملت شيئًا من الذي لله إلى الذي للأصنام أقروه، وإذا حملت شيئًا من الذي للأصنام إلى الذي لله ردُّوه، وإذا أصابتهم سنة أكلوا نصيب الله، وتحاموا نصيب شركائهم.
﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ كانوا يقتلون أولادهم بالوأد، ويذبحونهم تقربًا إلى الأصنام.
و﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ هنا: هم الشياطين، أو القائمون على الأصنام.
وقرأ الجمهور بفتح الزاي من ﴿زَيَّنَ﴾ على البناء للفاعل، ونَصْبِ ﴿قَتْلَ﴾ على أنه مفعول، وخفض ﴿أَوْلَادِهِمْ﴾ بالإضافة، ورَفْعِ ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ على أنه فاعل بـ ﴿زَيَّنَ﴾.
والشركاء على هذه القراءة: هم الذين زينوا القتل.
وقرأ ابن عامر (^١): بضم الزاي على البناء للمفعول، ورفع ﴿قَتْلُ﴾ على أنه مفعول لم يسمَّ فاعله، ونصب ﴿أَوْلَادَهُمْ﴾ على أنه مفعول بـ ﴿قَتْلُ﴾، وخفض ﴿شُرَكَائِهِمْ﴾ على الإضافة إلى ﴿قَتْلُ﴾ إضافة المصدر إلى فاعله، وفُصِلَ بين المضاف والمضاف إليه بقوله: ﴿أَوْلَادَهُمْ﴾، وذلك ضعيفٌ في العربية، وقد سُمع في الشعر.
والشركاء على هذه القراءة: هم القاتلون للأولاد.
_________________
(١) في أ، ب، ج، هـ: «ابن عباس» والمثبت هو الصواب. انظر: المحرر الوجيز (٣/ ٤٦٨).
[ ٢ / ٣٠٩ ]
﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ أي: ليُهلِكوهم، وهو مِنْ الرَّدى بمعنى الهلاك.
﴿أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ أي: حرامٌ، وهو فِعْل بمعنى مفعولٍ، نحو ذِبْح، فيستوي في الوصف به المذكَّرُ والمؤنث والواحد والجمع.
﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ﴾ أي: لا يأكلها إلَّا من شاؤوا؛ وهم: القائمون على الأصنام، أو الرجال دون النساء.
﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ أي: لا تُرْكَبُ، وهي السائبة وأخواتها.
﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ قيل: معناه: لا يُحَجُّ عليها؛ فلا يُذكر اسم الله بالتلبية.
وقيل: لا يذكر عليها إذا ذُبحت.
﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾ كانوا قد قسَّموا أنعامهم هذه الأقسام، ونسبوا ذلك إلى الله افتراءً وكذبًا.
ونصْبُه: على الحال، أو مفعول من أجله، أو مصدر مؤكَّد.
﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ الآية؛ كانوا يقولون في أجِنَّة البحيرة والسائبة: ما وُلِد منها حيًّا فهو للرجال خاصة ولا يأكل منها النساء، وما وُلِد منها ميتًا اشترك فيه الرجال والنساء.
وأنَّث ﴿خَالِصَةٌ﴾ للحمل على المعنى؛ وهي الأجِنَّة، وذكَّر ﴿مُحَرَّمٌ﴾ حملًا على لفظ «ما».
ويجوز أن تكون التاء للمبالغة.
﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: البحيرة والسائبة وشبههما.
[ ٢ / ٣١٠ ]
[﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢) ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾].
﴿جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ مرفوعات على دعائم وشبهها، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ متروكات على وجه الأرض.
وقيل: المعروشات: ما غرسه الناس في العمران، وغير معروشات: ما أنبته الله في الجبال والبراري.
﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ في اللون والطعم والرائحة والحجم، وذلك دليل على أن الخالق مختار مريد.
﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قيل: ﴿حَقَّهُ﴾ هنا: الزكاة، وهو ضعيف؛ لوجهين:
أحدهما: أن الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة.
[ ٢ / ٣١١ ]
والآخر: أن الزكاة لا تعطى يوم الحصاد، وإنما تعطى يوم (^١) ضمّ الحبوب والثمار.
وقيل: ﴿حَقَّهُ﴾ ما يتصدَّق به على المساكين يوم الحصاد، وكان ذلك واجبًا ثم نُسخ بالعُشر.
وقيل: هو ما يسقط من السنبل، والأمر على هذا للندب.
﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ عطفٌ على ﴿جَنَّاتٍ﴾.
والحمولة: الكبار، والفَرْش: الصغار؛ كالعجاجيل والفِصْلان.
وقيل: الحمولة: الإبل؛ لأنها يُحمل عليها، والفرش: الغنم؛ لأنها تُفْرَش للذبح، ويُفْرَش ما ينسج من صوفها.
﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ بدلٌ من ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾، وسمَّاها أزواجًا؛ لأن الذكر زوج للأنثى، والأنثى زوج للذكر.
﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ يريد: الذكر والأنثى، وكذلك فيما بعده.
﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ يعني: الذكر من الضأن والذكر من المَعْز، ويعني بالأنثيين: الأنثى من الضأن، والأنثى من المعز، وكذلك فيما بعده من الإبل والبقر.
والهمزة للإنكار.
﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ تعجيزٌ وتوبيخ.
_________________
(١) في د: «بعد».
[ ٢ / ٣١٢ ]
﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يعني: في تحريم (^١) ما لم يحرّمُ اللهُ، وذلك إشارةٌ إلى العربِ في تحريمهم أشياء كالبحيرة وغيرها.
_________________
(١) في د: «تحريمهم».
[ ٢ / ٣١٣ ]
[﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾].
﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ الآية تقتضي حصْرَ المحرَّمات فيما ذُكِر، وقد جاء في السنة تحريمُ أشياء لم تذكر هنا كلحوم الحُمُر؛ فذهب قوم إلى أن السنة نَسخت هذا الحصر.
وذهب آخرون إلى أن الآية وردت على سبب؛ فلا تقتضي الحصر.
وذهب آخرون إلى أن ما عدا ما ذُكر إنما نُهي عنه على وجه الكراهة، لا على وجه التحريم.
﴿أَوْ فِسْقًا﴾ معطوفٌ على المنصوبات قبله، وهو ما أُهِلَّ به لغير الله،
[ ٢ / ٣١٤ ]
سماه فسقًا؛ لتوغُّله في الفسق، وقد تقدَّم الكلام على هذه المحرمات في «البقرة» (^١).
﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ هو ما له إصبعٌ من دابة أو طائر. قاله الزمخشري (^٢). وقال ابن عطية: يراد به: الإبل والإوزُّ والنَّعام ونحوُه من الحيوان الذي هو غير منفرج الأصابع، و(^٣) له ظفر (^٤). وقال الماوردي مثله (^٥).
وحكى النقَّاش عن ثعلب: أن كل ما لا يصيد فهو ذو ظُفر، وما يصيد فهو ذو مِخْلَب، وهذا غير مطَّرد؛ لأن الأسد ذو ظفر (^٦).
﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ يعني: ما في الظهور والجنوب من شحم.
﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ هي المباعِرُ (^٧).
وقيل: المصارين والحشوة ونحوهما مما يتحوَّى في البطن.
وواحد حوايا حَوِيَّةٌ؛ على وزن فَعِيلة؛ فوزن حوايا على هذا فَعَائل؛ كصحيفة وصحائف.
_________________
(١) انظر: ١/ ٣٩٤.
(٢) انظر: الكشاف (٦/ ٢٧٨).
(٣) في أ، ب: «أو».
(٤) انظر: المحرر الوجيز (٣/ ٤٨٣).
(٥) انظر: تفسير الماوردي «النكت والعيون» (٣/ ١٨٣).
(٦) انظر: المحرر الوجيز (٣/ ٤٨٣).
(٧) المباعر: جمع مَبْعَرٍ، وهو مكان اجتماع البَعْر في البطن من كل ذي أربع. لسان العرب (٥/ ١٣٨).
[ ٢ / ٣١٥ ]
وقيل: واحدها حاوية؛ على وزن فاعلة؛ فحوايا -على هذا- فواعل؛ كضاربة وضوارب.
وهو معطوف على ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾، فهو من المستثنى من التحريم.
وقيل: عطف على الظهور؛ فالمعنى: إلَّا ما حملت الظهور، أو حملت الحوايا.
وقيل: عطف على الشُّحوم؛ فهو من المحرَّم.
﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ يريد: في جميع الجسد.
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي: فيما أخبرنا به من التحريم، وفي ذلك تعريض بكذب مَنْ حرَّم ما لم يحرِّم الله.
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ أي: إن كذبوك فيما أخبرت به من التحريم فقل لهم: ﴿رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾؛ إذ لا يعاجلكم بالعقوبة على شدَّة جرمكم، وهذا كما تقول عند رؤية معصية: ما أحلم الله!؛ تريد: لإمهاله عن مثل ذلك.
ثم أعقب وصفه بالرحمة الواسعة بقوله: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: لا تغترُّوا بسعة رحمته؛ فإنه لا يردُّ بأسه عن مثلكم إما في الدنيا أو في الآخرة.
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ الآية؛ معناها: أنهم يقولون: إنَّ شِرْكهم وتحريمَهم لما حرَّموا كان بمشيئة الله، ولو شاء الله أن
[ ٢ / ٣١٦ ]
لا يفعلوا ذلك ما فعلوه، فاحتجوا على صحة ذلك بإرادة الله له، وتلك نزغةٌ جبرية، ولا حجة لهم في ذلك؛ لأنهم مكلَّفون مأمورون ألَّا يشركوا بالله، ولا يحرِّموا ما حلل الله، والإرادة خلاف التكليف.
ويحتمل عندي أن يكون قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قولًا يقولونه في الآخرة على وجه التمنِّي أن ذلك لم يكن؛ كقولك إذا ندمتَ على شيء: لو شاء الله ما كان هذا؛ أي: تتمنى أن ذلك لم يكن، ويؤيد هذا: أنه حكى قولهم بأداة الاستقبال، وهي السين؛ فذلك دليلٌ على أنهم يقولونه في المستقبل وهي الآخرة.
﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ﴾ توقيفٌ لهم وتعجيز.
﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ لما أبطل حجَّتهم أثبت حجة الله؛ ليظهرَ الحقُّ ويبطُلَ الباطلُ.
﴿هَلُمَّ﴾ قيل: هي بمعنى «هاتِ»؛ فهي متعدية.
وقيل: بمعنى «أقبِلْ»؛ فهي غير متعدية.
وهي عند بعض العرب: فعل يتصل به ضمير الاثنين والجماعة والمؤنث.
وعند بعضهم: اسم فعل؛ فيخاطب بها الواحد والاثنان والجماعة والمؤنث على حد سواء.
ومقصود الآية: تعجيزهم عن إقامة الشُّهداء.
﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ أي: إن كذبوا في شهادتهم وزوَّروا فلا تشهد بمثل شهادتهم.
[ ٢ / ٣١٧ ]
[﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾].
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أمر الله نبيه ﷺ أن يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرَّم عليهم.
وذكر في هذه الآيات المحرَّمات التي أجمعت عليها جميع الشرائع ولم تُنْسَخ قطُّ في ملة.
وقال ابن عباس: هي الكلمات العشر التي أنزل الله على موسى (^١).
﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ قيل: «أن» هنا: حرف عبارة وتفسير؛ فلا موضع لها من الإعراب، و«لا» ناهية جزمت الفعل.
وقيل: «أن» مصدرية في موضع رفع؛ تقديره: الأمر أن لا تشركوا؛ فـ «لا» على هذا نافية.
_________________
(١) لم أقف على إسناده إلى ابن عباس، وأورده ابن عطية في المحرر الوجيز (٣/ ٤٩٠) بقوله: «وقد قيل: إنها العشر ..» إلخ، ولم ينسبه لأحد.
[ ٢ / ٣١٨ ]
وقيل: «أن» في موضع نصبٍ بدلًا من قوله: ﴿مَا حَرَّمَ﴾، ولا يصحُّ ذلك إلا إن كانت «لا» زائدةً، وإن لم تكن زائدةً فسَد المعنى؛ لأن الذي حرم على ذلك يكون تركُ الإشراك.
والأحسن عندي: أن تكون «أن» مصدرية في موضع نصب على البدل و«لا» نافية، ولا يلزم ما ذُكِر من فساد المعنى؛ لأن قوله: ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ معناه: ما وصَّاكم به ربكم؛ بدليل قوله في آخر الآية: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ﴾ فضمَّن التحريم معنى الوصية، والوصية في المعنى أعمُّ من التحريم؛ لأن الوصية تكون بتحريم وبتحليل ووجوب وندب، ولا يُنكَر أن يريد بالتحريم الوصية؛ لأن العرب قد تذكر اللفظ الخاص وتريد به العموم، كما تذكر اللفظ العام وتريد به الخصوص.
فإذ تقرر هذا؛ فتقدير الكلام: قل تعالوا أتل ما وصَّاكم به ربكم، ثم أبدل منه على وجه التفسير له والبيان؛ فقال: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا﴾؛ أي: وصَّاكم أن لا تشركوا به شيئًا، ووصاكم بالإحسان بالوالدين، ووصاكم أن لا تقتلوا أولادكم، فجمعت الوصيةُ تركَ الإشراك وفعل الإحسان بالوالدين وما بعد ذلك.
ويؤيد هذا التأويل الذي تأوَّلنا: أن الآيات اشتملت على أوامر؛ كالإحسان بالوالدين، وقول العدل، والوفاء في الوزن، وعلى نواهي؛ كالإشراك، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، فلا بد أن يكون اللفظ المقدَّم في أولها لفظًا يجمع الأوامر والنواهي؛ لأنها أُجمِلت فيه، ثم فُسِّرت بعد ذلك، ويصلح لذلك لفظ الوصية؛ لأنه جامع للأمر والنهي، فلذلك
[ ٢ / ٣١٩ ]
جعلنا التحريم بمعنى الوصية، ويدل على ذلك: ذكر لفظ الوصية بعد ذلك. وإن لم يتأول على ما ذكرناه: لزم في الآية إشكالٌ؛ وهو عطف الأوامر على النواهي، وعطف النواهي على الأوامر، فإن الأوامر طُلِبَ فعلها، والنواهي طُلِبَ تركها، وواو العطف تقتضي الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، ولا يصحُّ ذلك إلَّا على الوجه الذي تأولناه من عموم الوصية للفعل والترك.
وتحتمل الآية (^١) عندي تأويلًا آخر؛ وهو: أن يكون لفظ التحريم على ظاهره، ويعمُّ فعل المحرمات، وترك الواجبات؛ لأن ترك الواجب حرامٌ.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ الإملاق: الفاقة، و﴿مِنْ﴾ هنا للتعليل؛ تقديرها: من أجل إملاق.
وإنما نهى عن قتل الأولاد لأجل الفاقة؛ لأن العرب كانوا يفعلون ذلك، فخرج مخرج الغالب، فلا يُفهم منه إباحةُ قتلهم لغير ذلك الوجه.
﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ قيل: ﴿مَا ظَهَرَ﴾: الزنا، و﴿وَمَا بَطَنَ﴾: اتخاذ الأخدان.
والصحيح: أن ذلك عمومٌ في جميع الفواحش.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ فسره قولُ رسول الله ﷺ:
«لا يحل دم امرئ مسلم إلَّا بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان، أو كفر بعد
_________________
(١) في د: «أيضًا».
[ ٢ / ٣٢٠ ]
إيمان، أو قتل نفس بغير نفس» (^١).
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ النهي عن القُرب يعمُّ وجوه التصرُّف، وفيه سدُّ الذريعة؛ لأنه إذا نهى عن أن يقرب (^٢) المال فالنهي عن أكله أولى وأحرى.
والتي هي أحسن: منفعة اليتيم وتثمير ماله.
﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ هو البلوغ مع الرُّشد، وليس المقصود هنا السنَّ وحده، وإنما المقصود: معرفته بمصالحه.
﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ لما أمر بالقسط في الكيل والوزن، وقد علم أن القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما يجري فيه الحرج ولا يتحقَّق الوصول إليه؛ أمر بما في الوُسْع من ذلك، وعفا عما سواه.
﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: ولو كان المقول له أو عليه في شهادة أو غيرها من أهل قرابة القائل؛ فلا ينبغي أن يزيد ولا ينقص، بل يَعْدل.
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾ الإشارة بـ ﴿هَذَا﴾:
إلى ما تقدَّم من الوصايا.
أو إلى جميع الشريعة.
و«أنَّ» بفتح الهمزة والتشديد:
عطفٌ على ما تقدَّم.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤٣٧)، وأبو داود (٤٥٠٢)، والترمذي (٢١٥٨)، والنسائي (٤٠٢٤).
(٢) في د: «عن قرب».
[ ٢ / ٣٢١ ]
أو مفعول من أجله؛ أي: فاتبعوه؛ لأن هذا صراطي مستقيما.
وقرئ بالكسر؛ على الاستئناف.
وبالفتح والتخفيف؛ على العطف، وهي على هذا مخفَّفة من الثقيلة.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الطرق المختلفة في الدين؛ من اليهودية والنصرانية وغيرها من الأديان الباطلة، ويدخل فيه أيضًا: البدع والأهواء المضلَّة.
وفي الحديث: أن النبي ﷺ خطَّ خطًّا، ثم قال: «هذا سبيل الله»، ثم خطَّ خطوطًا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: «هذه كُلُّها سبلٌ، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه» (^١).
﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: تُفرِّقكم عن سبيل الله، والفعل مستقبل؛ حذفت منه تاء المضارعة، ولذلك شدَّده البزِّي.
﴿ثُمَّ آتَيْنَا﴾ معطوفٌ على ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾.
فإن قيل: فإن إيتاء موسى الكتاب متقدِّمٌ على هذه الوصية، فكيف عطفه عليها بـ «ثم»؟
فالجواب: أن هذه الوصية قديمةٌ لكل أمة على لسان نبيها، فصحَّ الترتيب.
وقيل: إنها هنا لترتيب الإخبار والقول، لا لترتيب الزمان.
﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن المعنى: تمامًا للنعمة على الذي أحسن من قوم موسى،
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤١٤٢)، والنسائي في الكبرى (١٠/ ٩٥).
[ ٢ / ٣٢٢ ]
ففاعل ﴿أَحْسَنَ﴾ ضمير يعود على ﴿الَّذِي﴾، و﴿الَّذِي أَحْسَنَ﴾ يراد به: جنس المحسنين.
والآخر: أن المعنى: تمامًا؛ أي: تفضُّلًا، أو جزاءً على ما أحسن موسى ﵇ من طاعة ربه وتبليغ رسالته، فالفاعل على هذا ضمير موسى ﵇، و﴿الَّذِي﴾ صفة لعمل موسى.
والثالث: تمامًا؛ أي: إكمالًا على ما أحسن الله به إلى عباده، فالفاعل (^١) على هذا ضمير الله تعالى.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «فالعامل».
[ ٢ / ٣٢٣ ]
[﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨) إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠) قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾].
﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ في موضع مفعولٍ من أجله؛ تقديره: كراهة أن تقولوا.
﴿عَلَى طَائِفَتَيْنِ﴾ أهل التوراة والإنجيل.
﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ أي: لم ندرس مثل دراستهم ولم نعرف ما درسوا من الكتب فلا حجَّة علينا، ﴿وَإِنْ﴾ هنا مخففة من الثقيلة.
﴿فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ﴾ إقامةُ حجة عليهم.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
﴿وَصَدَفَ﴾ أعرضَ.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ الآية؛ تقدَّمت نظيرتها في «البقرة» (^١).
﴿بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ أشراط الساعة؛ كطلوع الشمس من مغربها، فحينئذ لا يقبل إيمان كافر، ولا توبة عاصٍ.
فقوله: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ يعني: أن إيمان الكافر لا ينفعه حينئذ.
وقوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ يعني: أن من كان مؤمنًا ولم يكسب حسنات قبل ظهور تلك الآيات، ثم تاب إذا ظهرت لم ينفعه؛ لأن باب التوبة يغلق حينئذ.
﴿قُلِ انتَظِرُوا﴾ وعيدٌ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ هم اليهود والنصارى.
وقيل: أهل الأهواء والبدع.
وفي الحديث: أن رسول الله ﷺ قال: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة»، قيل: يا رسول الله ومن تلك الواحدة؟ قال: «من كان على ما أنا وأصحابي عليه» (^٢).
وقرئ ﴿فَارَقُوا﴾؛ أي: تركوا.
﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ جمع شِيعَةٍ؛ أي: متفرِّقين، كلُّ فرقة تتشيَّع لمذهبها.
_________________
(١) انظر: ١/ ٤٢٧.
(٢) تقدم تخريجه ١/ ٥٦٧.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ أي: أنت بريءٌ منهم.
﴿عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ فضلٌ عظيم، على العموم في الحسنات، وفي العاملين، وهو أقلُّ التَّضعيف للحسنات؛ فقد ينتهي إلى سبع مئة وأزيد.
﴿دِينًا قِيَمًا﴾ بدلٌ من موضع: ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ لأن أصله: هداني صراطًا؛ بدليل: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾، والقَيِّم: فَيْعِل؛ من القيام، وهو أبلغ من قائمٍ.
وقرئ ﴿قِيَامًا﴾ بكسر القاف وتخفيف الياء وفتحها، وهو على هذا: مصدر وُصِف به.
﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ بدلٌ من ﴿دِينًا﴾، أو عطف بيان.
﴿وَنُسُكِي﴾ أي: عبادتي، وقيل: ذبحي للبهائم، وقيل: حَجّي. والأول أعمُّ وأرجح.
﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ أي: أعمالي في حين حياتي وعند موتي.
﴿لِلَّهِ﴾ أي: خالصًا (^١) لوجهه وطلب رضاه، ثم أكّد ذلك بقوله: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾؛ أي: لا أريد بأعمالي غير الله؛ فيكون نفيًا للشرك الأصغر وهو الرياء.
ويحتمل أن يريد: لا أعبد غير الله؛ فيكون نفيًا للشرك الأكبر.
﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ الإشارةُ إلى الإخلاص الذي تقتضيه الآية قبل ذلك.
﴿أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ لأنه ﷺ سابقُ أمّتِه.
_________________
(١) في د: «خالصةً».
[ ٢ / ٣٢٦ ]
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ تقريرٌ وتوبيخٌ للكفار.
وسببها: أنهم دَعَوْهُ إلى عبادة آلهتهم.
﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ برهانٌ على التوحيد، ونفيُ الربوبية عن غير الله.
﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ ردٌّ على الكفار؛ لأنهم قالوا له: اعبد آلهتنا ونحن نتكفَّل لك بكل تِبَاعةٍ تتوقَّعُها في دنياك وأُخراك (^١)، فنزلت هذه الآية؛ أي: ليس كما قلتم، وإنما كَسْبُ كلِّ نفس عليها خاصةً.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا يحمل أحدٌ ذنوب أحد، وأصل الوزر: الثِّقَل، ثم استُعمل في الذنوب.
﴿خَلَائِفَ﴾ جمع خليفة؛ أي: يَخْلُف بعضكم بعضًا في السُّكنى في الأرض.
أو خلائف عن الله في أرضه، والخطاب على هذا: لجميع الناس.
وقيل: لأمة محمد ﷺ؛ لأنهم خلَفُوا الأمم المتقدمة.
﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ﴾ عمومٌ في المال والجاه والقوة والعلوم وغير ذلك مما وقع فيه التفضيل بين العباد.
﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ ليختبرَ شُكْرَكم على ما أعطاكم، وأعمالَكم فيما مَكَّنكم فيه.
﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ جمعٌ بين التخويف والترجية.
_________________
(١) في د: «وآخرتك».
[ ٢ / ٣٢٧ ]
وسُرعة عقابه تعالى:
إما في الدنيا لمن عجَّل أَخْذَهُ.
أو في الآخرة؛ لأن كلَّ آتٍ قريبٌ.
ونسأل الله أن يغفر لنا ويرحمنا بفضله ورحمته (^١).
_________________
(١) في د زيادة: «تمت سورة الأنعام بعون الله وفضله، فله الحمد، وبتمامها كمل الكلام على الربع الأول من القرآن العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد الأمين المبلغ الهادي، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا».
[ ٢ / ٣٢٨ ]