نزلت هذه السورة في غزوة بدر وغنائمها.
[﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾].
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والسائلون: هم الصحابة.
و﴿الأَنْفَالِ﴾: هي الغنائم.
وذلك أن الصحابة كانوا يوم بدر ثلاث فرق:
فرقة مع النبي في العريش تحرسه وتؤنسه.
فرقة اتبعوا المشركين فقتلوهم وأسروهم.
فرقة أحاطوا بأسلاب العدو وعسكرهم لما انهزموا.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
فلما انجلت الحرب واجتمع الناس رأت كلُّ فرقة أنها أحق بالغنيمة من غيرها، واختلفوا فيما بينهم، فنزلت الآية.
ومعناها: يسألونك عن حكم الغنيمة ومَن يستحقُّها.
وقيل: الأنفال هنا: ما ينفله الإمام لبعض الجيش من الغنيمة زيادةً على حظِّه.
وقد اختلف الفقهاء هل يكون ذلك التنفل (^١) من الخمس - وهو قول مالك -؟ أو من الأربعة الأخماس؟ أو من رأس الغنيمة قبل إخراج الخمس؟.
﴿قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي: الحكم فيها لله وللرسول، لا لكم.
﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي: اتَّفقوا وائتلفوا، ولا تنازعوا.
و﴿ذَاتَ﴾ هنا بمعنى: الأحوال؛ قاله الزمخشري (^٢).
وقال ابن عطية: يراد بها في هذا الموضع: نفسُ الشيء وحقيقته (^٣).
وقال الزُّبيدي (^٤): إن إطلاق الذات على نفس الشيء وحقيقته ليس من كلام العرب (^٥).
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «المتنفّل».
(٢) انظر: الكشاف (٧/ ١٠).
(٣) انظر: المحرر الوجيز (٤/ ١٣٣).
(٤) هو أبو بكر محمد بن الحسن الزُّبيدي الأندلسي الإشبيلي النحوي، صاحب «مختصر العين» و«طبقات النحويين»، و«لحن العوام» وغيرها من المصنفات، توفي سنة (٣٧٩ هـ) انظر: معجم الأدباء، لياقوت الحموي (١/ ٢٥١٨)، وبغية الوعاة، للسيوطي (١/ ٨٤).
(٥) انظر: لحن العوام (ص: ١٢).
[ ٢ / ٤٣٩ ]
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يريد: في الحكم في الغنائم.
قال عبادة بن الصامت: نزلت فينا معشر أصحاب بدر حين اختلفنا وساءت أخلاقنا، فنزع الله الأنفال من أيدينا، وجعلها لرسوله ﷺ فقسمها على السَّواء، فكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وإصلاح ذات البين (^١).
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية؛ أي: الكاملون الإيمان، فـ ﴿إِنَّمَا﴾ هنا للتأكيد والمبالغة، لا للحصر (^٢).
﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: خافت، وقرأ أبي بن كعب: «فَزِعَتْ».
﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ أي: قَوِي تصديقهم ويقينهم، خلافًا لمن قال: إن الإيمان لا يزيد، وإن زيادته إنما هي بالعمل.
﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ﴾ يعني: في الجنة.
﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ فيه ثلاث تأويلات (^٣):
أحدها: أن تكون الكاف في موضع رفع؛ على أنه خبر مبتدإ محذوف تقديره: هذه الحالُ كحال إخراجِك؛ يعني: أن حالهم في كراهة تنفيل الغنائم كحالهم في كراهة (^٤) خروجك للحرب.
والثاني: أن يكون موضعُ الكاف نصبًا؛ على أنه صفة لمصدر الفعل
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ١٤).
(٢) في أ، ب، هـ: «والحصر»، والمثبت الصواب كما في المحرر الوجيز (٤/ ١٣٥).
(٣) في ج، د: «ثلاثة أوجه».
(٤) في أ، ب، هـ: «حالة».
[ ٢ / ٤٤٠ ]
المقدَّر في قوله: ﴿الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي: استقرَّت الأنفال لله والرسول استقرارًا مثل استقرار خروجك.
والثالث: أن تتعلق الكاف بقوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾.
﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾ يعني: مَسْكَنَهُ بالمدينة إذ أخرجه الله منه لغزوة (^١) بدر.
﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ أي: كرهوا قتال العدو، وذلك أن عِيرَ قريش أقبلت من الشام فيها أموال عظيمة، ومعها أربعون راكبًا، فأخبر بذلك جبريلُ النبيَّ ﷺ، فخرج بالمسلمين، فسمع بذلك أهل مكة، فاجتمعوا وخرجوا في عدد كثير؛ ليمنعوا عِيرهم، فنزل جبريل ﵇ فقال: يا محمد إن الله قد وعدكم إحدى الطائفتين: إما العير وإما قريش، فاستشار النبي ﷺ أصحابه فقالوا: العير أحبُّ إلينا من لقاء العدو، فقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل، فقال له سعد بن عبادة: امض لما شئت فإنك متبوعك، وقال سعد بن معاذ: والذي بعثك بالحق لو خضت هذا البحر لخضناه معك؛ فسِرْ بنا على بركة الله (^٢).
﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ كان جدالهم في لقاء قريش؛ لإيثارهم لقاء العير؛ إذ كانت أكثر أموالًا وأقل رجالًا.
وتبيُّنُ الحق: هو إعلام رسول الله ﷺ بأنهم يُنصرون.
﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ تشبيهٌ لحالهم في إفراط جزعهم من لقاء قريش.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: "بغزوة".
(٢) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٣١ - ٣٥).
[ ٢ / ٤٤١ ]
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ يعني: قريشا أو عيرهم.
والعامل في «إذ» محذوف تقديره: اذكروا.
﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ بدل من ﴿إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾.
﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ الشوكة: عبارة عن السلاح سميت بذلك لحدتها.
والمعنى: تحبون أن تلقوا الطائفة التي لا سلاح لها؛ وهي العير.
﴿أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ يعني: يظهر الإسلام؛ بقتل الكفار وهلاكهم يوم بدر.
﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: ليحق الحق ويبطل الباطل فعل ذلك، وليس تكرارا للأول؛ لأن الأول مفعول ﴿يُرِيدُ﴾، وهذا تعليل لفعل الله تعالى.
ويحتمل أن يريد بـ ﴿الْحَقَّ﴾ الأول: الوعد بالنصرة، وبـ ﴿الْحَقَّ﴾ الثاني: الإسلام؛ فيكون المعنى: أنه نصرهم؛ ليظهر الإسلام، ويؤيد هذا قوله: ﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ أي: يبطل الكفر.
* * *
[ ٢ / ٤٤٢ ]
[﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾].
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ ﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾.
وقيل: تتعلق بقوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾، أو بفعل مضمر.
واستغاثتُهم: دعاؤهم بالغوث والنصر.
﴿مُمِدُّكُمْ﴾ أي: مُكثّركم.
﴿مُرْدِفِينَ﴾ من قولك: رَدِفه: إذا تَبِعه، وأردفتُه إياه: إذا أتبعتَه إياه.
والمعنى: يتبع بعضهم بعضًا.
فمن قرأه بفتح الدال: فهو اسم مفعول.
ومن قرأه بالكسر: فهو اسم فاعل.
وصحَّ معنى القراءتين؛ لأن الملائكة المنزلين تَبِعَ بعضُهم بعضًا، فمنهم تابعون ومتبوعون.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ الضمير عائد:
على الوعد.
أو على الإمداد بالملائكة.
﴿إِذْ يُغْشِيكُمُ النُّعَاسَ﴾ ﴿إِذْ﴾ بدلٌ من ﴿إِذْ يَعِدُكُمُ﴾.
أو منصوبٌ: بـ ﴿النَّصْرُ﴾، أو بما في ﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾ من معنى النصر، أو بإضمار فعل تقديره: اذكر.
ومن قرأ ﴿يُغْشِيكُمُ﴾ -بضم الياء والتخفيف-: فهو من أَغْشَى.
ومن قرأ بالضم والتشديد: فهو من غَشَّى المشدَّد.
وكلاهما يتعدَّى إلى مفعولين؛ فَنَصْبُ ﴿النُّعَاسَ﴾ على أنه المفعول الثاني.
والمعنى: يغطّيكم به؛ فهو استعارةٌ من الغشاء.
ومن قرأ بفتح الياء والشين: فهو من غَشِي المتعدي إلى واحد؛ أي: يَنزِل عليكم النعاسُ.
﴿أَمَنَةً مِنْهُ﴾ أي: أمنًا.
والضمير المجرور يعود على الله تعالى، وانتصاب ﴿أَمَنَةً﴾ على أنه مفعول من أجله.
قال ابن مسعود: النعاس عند حضور القتال علامة أمنٍ من العدو (^١).
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٥٩ - ٦٠).
[ ٢ / ٤٤٤ ]
﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ تعديدٌ لنعمةٍ أخرى؛ وذلك أنهم عَدِموا الماء في غزوة بدر قبل وصولهم إلى بدر -وقيل: بعد وصولهم-، فأنزل الله لهم المطر حتى سالت الأودية.
﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ كان منهم من أصابته جنابة فتطهر بماء المطر، وتوضأ به سائرهم، وكانوا قبله ليس عندهم ماءٌ للطُّهور (^١) ولا للوُضوء.
﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ كان الشيطان قد ألقى في نفوس بعضهم وسوسةً بسبب عدمهم الماء، فقالوا: نحن أولياء الله وفينا رسوله فكيف نبقى بلا ماء؟، فأنزل الله المطر، وأزال عنهم وسوسة الشيطان.
﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ أي: يثبّتها بزوال ما وسوس لها الشيطان، وبتنشيطها وإزالة الكسل عنها.
﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ الضمير في ﴿بِهِ﴾ عائدٌ على الماء؛ وذلك أنهم كانوا في رَمْلَةٍ دَهْسَةٍ (^٢) لا يثبت بها قدم، فلما نزل المطر تلبَّدت وتَدَمَّثَ الطريق، وسهل للمشي والوقوف.
وروي: أن ذلك المطر بعينه صعَّب الطريق على المشركين؛ فتبيَّن أن ذلك من لطف الله.
﴿إِذْ يُوحِي﴾ يحتمل أن يكون ذلك:
بدلًا من «إذ» المتقدمة، كما أنها بدل من التي قبلها.
_________________
(١) في أ، ب: «للطهر».
(٢) الدَّهسة: الأرض السهلة اللينة التي يثقل فيها المشي، وتغيب فيها القوائم. لسان العرب (٧/ ٣٩٢).
[ ٢ / ٤٤٥ ]
أو يكون العامل فيه ﴿يُثَبِّتُ﴾.
﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (يحتمل أن يكون هذا) (^١) التثبيت:
بقتال الملائكة مع المؤمنين.
أو بأقوال مُؤنِّسةٍ مقوِّية للقلب قالوها إذ تصوَّروا في صور بني آدم.
أو بإلقاء في نفوس المؤمنين.
﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ يحتمل أن يكون:
من خطاب الله للملائكة في شأن غزوة بدر؛ تكميلًا لتثبيت المؤمنين.
أو استئناف إخبار عما يفعله الله في المستقبل.
﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ يحتمل - أيضًا - أن يكون: خطابًا للملائكة، أو للمؤمنين.
ومعنى ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾: أعالي الأعناق؛ حيث المفصل بين الرأس والعُنق؛ لأنه مَذْبَحٌ، والضرب فيها يطيّر الرأس.
وقيل: المراد الرؤوس؛ لأنها فوق الأعناق.
وقيل: المراد الأعناق، و﴿فَوْقَ﴾ زائدةٌ.
﴿كُلَّ بَنَانٍ﴾ قيل: هي المفاصل.
وقيل: الأصابع؛ وهو أشهر في اللغة.
_________________
(١) سقط من ب، ج، هـ.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
وفائدة ذلك: أن المُقاتِل إذا ضُرِبت أصابعه تعطَّل من القتال فأمكن أسره وقتله.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الإشارةُ إلى ما أصاب الكفار يوم بدر، والباء للتعليل.
و﴿شَاقُّوا﴾: من الشَّقاق؛ وهو العداوة والمقاطعة.
﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾ الخطاب -هنا- للكفار.
و﴿ذَلِكُمْ﴾ مرفوع تقديره: ذلكم العقاب أو العذاب.
ويحتمل أن يكون منصوبًا بقوله: ﴿فَذُوقُوهُ﴾، كقولك: زيدًا فاضربه.
﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ عطفٌ على ﴿ذَلِكُمْ﴾ على تقدير رفعه، أو نصبه.
أو: مفعول معه، والواو بمعنى «مع».
* * *
[ ٢ / ٤٤٧ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾].
﴿زَحْفًا﴾ حالٌ من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أو من الفاعل في ﴿لَقِيتُمُ﴾.
ومعناه: متقابلي الصفوف والأشخاص.
وأصل الزحف: الاندفاع.
﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ نهيٌ عن الفرار، مقيدٌ بأن لا يكون (^١) الكفارُ أكثرَ من مِثْلي المسلمين حسبما يُذكر في موضعه.
﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم اللقاء، في أي عصر كان.
﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ هو الكرُّ بعد الفر؛ ليُرِيَ عدوه أنه منهزم، ثم يعطف عليه، وذلك من الخداع في الحرب.
﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ أي: منحازًا إلى جماعة من المسلمين.
فإن كانت الجماعة حاضرةً في الحرب: فالتحيزُ إليها جائز باتفاق.
واختُلف في التحيز إلى المدينة والإمام والجماعة إذا لم يكن شيءٌ من
_________________
(١) في أ، ب، د: «بأن يكون».
[ ٢ / ٤٤٨ ]
ذلك حاضرًا، ويروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: «أنا فئةٌ لكل مسلم» (^١)، وهذا إباحة لذلك.
والفرار من الذنوب الكبائر.
وانتصب قوله: ﴿مُتَحَرِّفًا﴾:
على الاستثناء من قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ﴾.
وقال الزمخشري: انتصب على الحال، و«إلّا» لغْوٌ (^٢).
ووزن «متحيّز»: مُتَفَيْعِل، ولو كان على متفعّل لقال: «متحوّز»، لأنه من حاز يحوز.
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ أي: لم يكن قتلهم في قدرتكم؛ لأنهم أكثر منكم وأقوى، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ بتأييدكم عليهم وبالملائكة.
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ كان رسول الله ﷺ قد أخذ يوم بدر قبضةً من تراب أو حصى ورمى بها وجوه الكفار فانهزموا.
فمعنى الآية: أن ذلك من الله في الحقيقة.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٨٠ - ٨١).
(٢) انظر: الكشاف (٧/ ٥١)، وقال أبو حيان في «البحر المحيط» (٥/ ٢٩٣): «ولا يريد الزمخشري بقوله «و(إلا) لغو» أنها زائدة، إنما يريد أن العامل الذي هو (يولهم) وصل إلى العمل فيما بعدها، كما قالوا في «لا» من قولهم: «جئتُ بلا زاد» إنها لغو، وفي الحقيقة هو استثناء من حالة محذوفة والتقدير: ومن يولهم ملتبسًا بأية حالة إلا في حال كذا».
[ ٢ / ٤٤٩ ]
﴿بَلَاءً حَسَنًا﴾ يعني: الأجر والنصر والغنيمة.
﴿مُوهِنُ﴾ من الوَهْن؛ وهو الضَّعف.
وقرئ بالتشديد والتخفيف؛ والمعنى واحدٌ.
﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ الآية؛ خطاب لكفار قريش، وذلك أنهم كانوا قد دعوا الله أن ينصر أحبَّ الطائفتين إليه - وروي أن الذي دعا بذلك أبو جهل -، فنصر الله المؤمنين، وفتح لهم.
ومعنى ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾: تطلبوا الفتح.
ويحتمل الفتح الذي طلبوه أن يكون:
بمعنى النصر.
أو بمعنى الحُكْم.
وقيل: إن الخطاب للمؤمنين.
﴿فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ إن كان الخطاب للكفار: فالفتح هنا بمعنى الحكم؛ أي: قد جاءكم الحكم الذي حكم الله عليكم بالهزيمة والقتل والأسر.
وإن كان الخطاب للمؤمنين: فالفتح هنا يحتمل أن يكون:
بمعنى الحكم؛ لأن الله حكم لهم.
أو بمعنى النصر.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
﴿وَإِنْ تَنتَهُوا﴾ أي: ترجعوا عن الكفر، وهذا يدلُّ على أن الخطاب للكفار.
﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ أي: إن تعودوا للاستفتاح أو للقتال نعد لقتالكم والنصر عليكم.
* * *
[ ٢ / ٤٥١ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾].
﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ الضمير:
للرسول ﷺ.
أو للأمر بالطاعة.
﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ أي: تسمعون القرآن والمواعظ.
﴿كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ هم الكفار؛ أي: سمعوا بآذانهم دون قلوبهم، فسماعهم كلا سماع.
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ﴾ أي: كل مَنْ يَدِبُّ، والمقصود: أن الكفار شرُّ الخلق.
قال ابن قتيبة: نزلت هذه الآية في بني عبد الدار؛ فإنهم جدُّوا في القتال مع المشركين.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ أي: للطاعة، وقيل: للجهاد؛ لأنه يُحيي (^١)؛ بالنصر.
﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ قيل: يُميته.
وقيل: يصرّف قلبه كيف يشاء؛ فينقلب من الإيمان إلى الكفر، ومن الكفر إلى الإيمان، وشبه ذلك.
﴿فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ أي: لا تصيب الظالمين وحدهم، بل تصيب معهم من لم يغير المنكر ولم ينهَ عن الظلم؛ وإن كان لم يظلم.
وحكى الطبري أنها نزلت في علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وطلحة والزبير، وأن الفتنة: ما جرى لهم يوم الجمل (^٢).
ودخلت النون في ﴿تُصِيبَنَّ﴾؛ لأنه بمعنى النهي.
﴿إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ﴾ الآية؛ أي: حين كانوا بمكة، و﴿فَآوَاكُمْ﴾ بالمدينة، و﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ في بدر وغيرها.
﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ﴾ نزلت في قصة أبي لُبابة، حين أشار إلى بني قريظة أن ليس عند رسول الله ﷺ إلّا الذَّبح.
وقيل: المعنى: لا تخونوا بغلول الغنائم.
ولفظها عامٌّ.
﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ عطفٌ على ﴿لَا تَخُونُوا﴾، أو منصوب.
_________________
(١) في د: "يجيء".
(٢) انظر: تفسير الطبري (١١/ ١١٣).
[ ٢ / ٤٥٣ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)﴾].
﴿يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ أي: تفرقةٌ بين الحق والباطل؛ وذلك دليلٌ على أن التقوى تنوّر القلب، وتشرح الصدر، وتزيد في العلم والمعرفة.
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عطفٌ على ﴿إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ﴾، أو استئنافٌ.
وهي إشارةٌ إلى اجتماع قريش بدار الندوة بمحضر إبليس في صورة شيخ نجدي .. الحديث بطوله (^١).
﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ أي: يَسجُنوك.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ١٣٤).
[ ٢ / ٤٥٤ ]
﴿قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا﴾ قيل: نزلت في النضر بن الحارث؛ كان قد تعلم من أخبار فارس والروم، فإذا سمع القرآن وفيه أخبار الأنبياء قال: لو شئت لقلت مثل هذا.
وقيل: هي في سائر قريش.
﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: أخبارهم المسطورة.
﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ﴾ الآية؛ قائلها (^١): النضر بن الحارث، أو سائر قريش؛ لمّا كذَّبوا النبي ﷺ دعوا على أنفسهم إن كان أمره هو الحق.
والصحيح أن الذي دعا بذلك أبو جهل. رواه البخاري ومسلم في كتابيهما (^٢).
وانتصب ﴿الْحَقَّ﴾؛ لأنه خبر كان.
وقال الزمخشري: معنى كلامهم جحودٌ؛ أي: إن كان هذا هو الحق فعاقبنا على إنكاره، ولكنه ليس بحق فلا نستوجب عقابًا، وليس مرادهم الدعاء على أنفسهم، إنما مرادهم نفيُ العقوبة عن أنفسهم (^٣).
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ إكرامٌ للنبي ﷺ.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: لو آمنوا واستغفروا فإن الاستغفار أمانٌ من العذاب.
_________________
(١) في د: «قالها».
(٢) أخرجه البخاري (٤٦٤٨)، ومسلم (٢٧٩٦).
(٣) انظر: الكشاف (٧/ ٨٧).
[ ٢ / ٤٥٥ ]
قال بعض السلف: كان لنا أمانان من العذاب؛ وهما: وجود النبي ﷺ، والاستغفار، فلما مات النبي ﷺ ذهب الأمان الواحد، وبقي الآخر (^١).
وقيل: الضمير في ﴿مُعَذِّبَهُمْ﴾ للكفار، وفي ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ للمؤمنين الذين كانوا بين أظهرهم.
﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ المعنى: أيُّ شيءٍ يمنع من عذابهم وهم يصدون المؤمنين من المسجد الحرام!.
والجملة في موضع الحال، وذلك هو (^٢) الموجب لعذابهم.
﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾ الضمير: للمسجد الحرام، أو لله تعالى.
﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ المكاء: التَّصفير بالفم، والتصدية: التَّصفيق باليد، وكانوا يفعلونهما إذ صلى المسلمون؛ ليخلطوا عليهم صلاتهم.
﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية؛ نزلت في إنفاق قريش في غزوة أحد.
وقيل: إنها نزلت في أبي سفيان بن حرب؛ فإنه استأجر ألفين من الأحابيش (^٣) فقاتل بهم النبي ﷺ يوم أحد.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسير (١/ ١٥١ - ١٥٣) من قول ابن عباس وأبي موسى الأشعري وأبي العلاء ﵃.
(٢) في أ، ب: «من».
(٣) في أ: «الأحباش»، وفي ب، ج، هـ: «الأحابش»، وفي سيرة ابن هشام (١/ ٣٧٣): «قال ابن إسحاق: والأحابيش: بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، والهون ابن خزيمة ابن مدركة، وبنو المصطلق من خزاعة. قال ابن هشام: تحالفوا جميعا، فسموا الأحابيش؛ لأنهم تحالفوا بوادٍ يقال له الأحبش بأسفل مكة».
[ ٢ / ٤٥٦ ]
﴿تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ أي: يتأسفون على إنفاقها من غير فائدة، أو يتأسفون في الآخرة.
﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ إخبارٌ بالغيب.
﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ معنى ﴿يَمِيزَ﴾: يفرّق بين الخبيث والطيب.
والخبيث هنا: الكفار، والطيب: المؤمنون.
وقيل: الخبيث: ما أنفقه الكفار، والطيب: ما أنفقه المؤمنون.
واللام في ﴿لِيَمِيزَ﴾ - على هذا - تتعلق بـ ﴿يُغْلَبُونَ﴾.
وعلى الأول: بـ ﴿يُحْشَرُونَ﴾.
﴿فَيَرْكُمَهُ﴾ أي: يضمّه ويجعل بعضه فوق بعض.
* * *
[ ٢ / ٤٥٧ ]
[﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾]
﴿إِنْ يَنتَهُوا﴾ يعني: عن الكفر؛ لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، ولا تصحُّ المغفرة إلاَّ به.
﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ يعني: إلى القتال.
﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ تهديدٌ بما جرى لهم يوم بدر، وبما جرى للأمم السالفة.
﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ الفتنة هنا: الكفر؛ فالمعنى: قاتلوهم حتى لا يبقى كفرٌ، فهو كقوله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٩٢٤)، ومسلم (٢٠).
[ ٢ / ٤٥٨ ]
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ لفظه عامٌّ يراد به الخصوص؛ لأن الأموال التي تؤخذ من الكفار:
منها ما يخمَّسُ؛ وهو ما أُخِذَ على وجه الغلبةِ بعد القتال.
ومنها ما لا يخمس، بل يكون جميعه لمن أخذه؛ وهو ما أخذه من كان ببلاد الحرب من غير إيجافٍ، وما طرحه العدو خوف الغرق.
ومنها ما يكون جميعه للإمام يأخذ منه حاجته، ويصرف سائره في مصالح المسلمين؛ وهو الفيءُ الذي لم يُوجَفَ عليه بخيل ولا ركاب.
﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية؛ اختلف في قَسْمِ الخُمسِ على هذه الأصناف:
فقال قوم: يصرف على ستة أسهم: سهم الله (^١) في عمارة الكعبة، وسهم النبي (^٢) ﷺ في مصالح المسلمين - وقيل: للوالي (^٣) بعده -، وسهمٌ لذوي القربى الذين لا تحلُّ لهم الصدقة، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.
وقال الشافعي: على خمسة أسهم، ولا يجعل لله سهمًا مختصًّا، وإنما بدأ - عنده - بالله؛ لأن الكلَّ مُلكه.
وقال أبو حنيفة: على ثلاثة أسهم: لليتامى، والمساكين، وابن السبيل.
وقال مالك: الخمس إلى اجتهاد الإمام، يأخذ منه كفايته، ويصرف الباقي في المصالح.
_________________
(١) في أ، ب: «لله».
(٢) في أ، ب: «للنبي».
(٣) في أ، ب، ج، هـ: «للموالي».
[ ٢ / ٤٥٩ ]
﴿إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ راجعٌ إلى ما تقدم، والمعنى: إن كنتم مؤمنين فاعلموا ما ذَكَر الله لكم من قسمة الخمس، واعملوا بحسَب ذلك ولا تخالفوه.
﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يعني: النبي ﷺ. والذي أنزل عليه: القرآن أو النصر.
﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ أي: التَّفرقة بين الحق والباطل، وهو يوم بدر.
﴿الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ يعني: المسلمين والكفار.
﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ العامل في ﴿إِذْ﴾: ﴿الْتَقَى﴾.
والعُدْوة: شَفِير الوادي، وقرئ بالضم والكسر؛ وهما لغتان.
و﴿الدُّنْيَا﴾: القريبة من المدينة، و﴿الْقُصْوَى﴾: البعيدة.
﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ يعني: العير التي كان فيها أبو سفيان، وكان قد نكب عن الطريق؛ خوفًا من النبي ﷺ، وكان جمعُ قريشٍ المشركين قد حال بين المسلمين وبين العير.
﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ أي: لو تواعدتم مع قريش ثم علمتم كثرتهم وقلَّتكم لاختلفتم ولم تجتمعوا معهم.
أو: لو تواعدتم لم يتفق اجتماعكم مثل ما اتفق بتيسير الله ولطفه.
﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ أي: يموت من مات ببدر عن إعذار وإقامة حجة عليه، ويعيش من عاش بعد البيان له.
وقيل: ﴿لِيَهْلِكَ﴾: يكفر، ﴿وَيَحْيَى﴾: يؤمن.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
وقرئ ﴿مَنْ حَيِيَ﴾ بالإظهار والإدغام؛ وهما لغتان.
﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية؛ كان رسول الله ﷺ قد رأى الكفار في نومه قليلًا، فأخبر بذلك أصحابه فقويت أنفسهم.
﴿لَفَشِلْتُمْ﴾ أي: جبنتم عن اللقاء.
﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ الآية؛ معناها: أنَّ الله أظهر كل طائفة قليلةً في عين الأخرى؛ ليقع التجاسر على القتال.
* * *
[ ٢ / ٤٦١ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)﴾].
﴿رِيحُكُمْ﴾ أي: قوَّتكم ونشاطكم؛ وذلك استعارةٌ.
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ يعني: قريشًا الكفار حين خرجوا لبدرٍ.
﴿بَطَرًا﴾ أي: اعتداءً (^١) وتكبُّرًا.
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية؛ لما خرجت قريش إلى بدر تصوَّر لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك، فقال لهم: إني جار لكم من قومي -وكانوا قد خافوا من قومه-، ووعدهم النصر (^٢).
﴿نَكَصَ﴾ أي: رجع إلى وراءَ.
﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ رأى (^٣) الملائكةَ تقاتل.
_________________
(١) في هامش أ: «عتوًّا».
(٢) في أ، ب: «بالنصر».
(٣) في أ، ب، ج: «أي».
[ ٢ / ٤٦٢ ]
[﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾].
﴿يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ الذين كانوا بالمدينة.
وقيل: الذين كانوا مع الكفار، وهم نفرٌ من قريش؛ منهم: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن ربيعة بن الأسود، وعلي بن أمية بن خلف، والعاصي بن منبّه بن الحجاج؛ وكانوا قد أسلموا ولم يهاجروا وخرجوا يوم بدر مع الكفار فقالوا هذه المقالة.
﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ أي: اغترَّ المسلمون بدينهم، فأدخلوا أنفسهم فما لا طاقة لهم به.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ ذلك فيمن قُتل يوم بدر.
﴿وَأَدْبَارَهُمْ﴾ أي: أَسْتَاهَهُم، وقيل: ظهورهم.
[ ٢ / ٤٦٣ ]
﴿وَذُوقُوا﴾ هذا من قول الملائكة لهم؛ تقديره: ويقولون لهم: ذوقوا.
والقول المحذوف ومعموله معطوف على ﴿يَضْرِبُونَ﴾.
ويحتمل أن يكون ما بعده:
من قول الملائكة.
أو يكون مستأنفًا.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ تقديره عند سيبويه: الأمر ذلك، والباء سببية.
والمعنى: أن الله لا يغيرُ نعمةً على عبيده حتى يغيروا هم بالكفر والمعاصي.
﴿كَدَأْبِ﴾ ذُكِر في «آل عمران» (^١).
﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾ يريد: بني قريظة.
﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ أي: افعل بهم من النقمة ما يَزجُر غيرهم.
﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ أي: نقضًا للعهد.
﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: ردَّ العهد الذي بينك وبينهم.
والمفعول محذوف؛ تقديره: فانبذ إليهم عهدهم.
﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: على مَعْدلة.
وقيل: معناه: أن تستوي معهم في العلم بنقض العهد.
_________________
(١) انظر ١/ ٥١٧.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
[﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾].
﴿وَلَا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ أي: لا تظنَّ أنهم فاتوا ونجوا بأنفسهم.
﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ أي: لا يفوتون في الدنيا، ولا في الآخرة.
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ﴾ الضمير:
للذين يُنبذ إليهم العهد.
أو للذين لا يُعجزون.
وحكمه عامٌّ في جميع الكفار.
﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ قال رسول الله ﷺ: «أَلَا إن القوة الرمي» (^١).
﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الزَّمخشري: الرِّباط: اسم للخيل التي تربط في سبيل الله (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٩١٧).
(٢) انظر: الكشاف (٧/ ١٤١).
[ ٢ / ٤٦٥ ]
ابن عطية: رباط الخيل: جمع رَبْط، أو مصدر (^١).
﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ يعني: الكفار.
﴿وَآخَرِينَ﴾ يعني: المنافقين، وقيل: بني قريظة، وقيل: الجن؛ لأنها تنفر من صهيل الخيل، وقيل: فارس.
والأول أرجح؛ لقوله: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١].
قال السهيلي: لا ينبغي أن يقال فيهم شيء؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾، فكيف يعلمهم أحد! (^٢).
وهذا لا يلزم؛ لأن معنى قوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾: لا تعرفونهم؛ أي: لا تعرفون آحادهم وأعيانهم، وقد يُعرف صنفهم من الناس، ألا ترى أنه قال مثل ذلك في المنافقين.
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ السَّلم هنا: المهادنة.
والآية منسوخة بآية (^٣) القتال في «براءة»؛ لأن مهادنة كفار العرب لا تجوز.
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ قيل: المراد: بين قلوب الأوس والخزرج؛ إذ كانت بينهما عداوة فذهبت بالإسلام.
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (٤/ ٢٢٧).
(٢) انظر: التعريف والإعلام، للسهيلي (ص: ١٢٠).
(٣) في ب، ج، هـ: «بآيات».
[ ٢ / ٤٦٦ ]
واللفظ عام.
﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عطفٌ على اسم الله.
وقال الزمخشري: مفعول معه، والواو بمعنى «مع»؛ أي: حسبك وحسب من اتبعك اللهُ (^١).
* * *
_________________
(١) انظر: الكشاف (٧/ ١٤٦).
[ ٢ / ٤٦٧ ]
[﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾].
﴿إِنْ يَكُنْ مِنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ الآية؛ إخبارٌ يتضمَّن:
وعدًا، بشرط الصبر.
ووجوبَ ثبوت الواحد للعشرة، ثم نُسخ بوجوب ثبوت (^١) الواحد للاثنين.
﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أي: يقاتلون على غير دين ولا بصيرة؛ فلا يثبتون.
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ لما أخذ الأسرى يوم بدر أشار أبو بكر بحياتهم، وأشار عمر بقتلهم، فنزلت الآية؛ عتابًا على استبقائهم.
﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يبالغ في القتل.
﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ عتابٌ لمن رغب في فداء الأسارى.
﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الكتاب:
ما قضاه الله في الأزل من العفو عنهم.
_________________
(١) في أ، ب: «بثبوت».
[ ٢ / ٤٦٨ ]
وقيل: ما قضاه من تحليل الغنائم لهم.
﴿فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ يراد به: الأُسارى، أو فداؤهم.
ولما نزلت الآية قال رسول الله ﷺ: «لو نزل عذاب ما نجا منه غيرك يا عمر» (^١).
﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ إباحةٌ للغنائم، ولفداء الأُسارى.
* * *
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٢٨٣).
[ ٢ / ٤٦٩ ]
[﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾].
﴿إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ أي: إن علم في قلوبكم إيمانًا جبر عليكم ما أُخذ منكم من الفدية.
قال العباس: فيَّ نزلت؛ وكان افتدى يوم بدر، ثم أعطاه رسول الله ﷺ من المال ما لم يقدر أن يحمله، فقال: قد أعطاني الله خيرًا مما أُخذ مني، وأنا أرجو أن يغفر لي (^١).
﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ الآية؛ تهديدٌ لهم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخر السورة؛ مقصدها: بيان منازل المهاجرين، والأنصار، والذين آمنوا ولم يهاجروا بعد الحديبية.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٢٨٥).
[ ٢ / ٤٧٠ ]
فبدأ أولًا بالمهاجرين، ثم ذكر الأنصار - وهم الذين آووا ونصروا -، وأثبت الولاية بينهم، وهي ولاية التعاون والتناصر.
وقيل: هي ولاية الميراث، ثم نُسخت بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾.
﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ﴾ لما نفى الولاية بين المؤمنين الذين هاجروا وبين المؤمنين الذين لم يهاجروا: أمر بنصرهم إن استنصروا بالمؤمنين، إلّا إذا استنتصروا على قوم بينهم وبين المؤمنين عهد، فلا ينصرونهم عليهم.
﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿إِلَّا﴾ هنا مركّبة من «إن» الشرطية و«لا» النافية.
والضمير في ﴿تَفْعَلُوهُ﴾:
لولاية المؤمنين ومعاونتهم.
أو لحفظ الميثاق الذي في قوله: ﴿إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.
أو للنصر الذي في قوله: ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾.
والمعنى: إن لم تفعلوا ذلك تكن فتنة.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ الآية؛ ثناءٌ على المهاجرين والأنصار، ووعد لهم.
والرزق الكريم: في الجنة.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ﴾ يعني: الذين هاجروا بعد الحديبية وبيعة الرضوان.
[ ٢ / ٤٧١ ]
﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ قيل: هي ناسخة للتوارث بين المهاجرين والأنصار.
وقال مالك: ليست في الميراث.
وقال أبو حنيفة: هي في الميراث؛ وأوجب بها ميراث الخال والعمة وغيرهما من ذوي الأرحام.
﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: في القرآن، وقيل: في اللوح المحفوظ.
* * *
[ ٢ / ٤٧٢ ]