[﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾].
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ معنى ﴿سُبْحَانَ﴾ تنزيهٌ، وهو مصدر غير متصرف.
وأسرى وسرى: لغتان، وهو فعل غير متعدٍّ.
[ ٢ / ٧٨٩ ]
واختار ابن عطية أن يكون ﴿أَسْرَى﴾ هنا متعديًا؛ أي: أسرى الملائكةُ بعبده (^١)، وهذا بعيد.
والعبد هنا: هو نبينا محمد ﷺ، وإنما وصفه بالعبودية؛ تشريفًا له وتقريبًا.
﴿لَيْلًا﴾ إن قيل: ما فائدة قوله: ﴿لَيْلًا﴾ مع أن السُّرَى هو السير بالليل؟.
فالجواب: أنه أراد بقوله: ﴿لَيْلًا﴾ بلفظ التنكير تقليلَ مدَّة الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل مسيرة أربعين ليلة، وذلك أبلغ في الأعجوبة.
﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ يعني بالمسجد الحرام: مسجد مكة المحيط بالكعبة، وقد روي في الحديث أنه ﷺ قال: «بينما أنا نائم في الحجر إذ جاءني جبريل ..» (^٢).
وقيل: كان النبي ﷺ ليلة الإسراء في بيته، فالمسجد الحرام على هذا: مكة؛ أي: بلد المسجد الحرام.
وأما المسجد الأقصى: فهو بيت المقدس الذي بإيلياء، وسُمِّيَ الأقصى؛ لأنه لم يكن وراءه حينئذ مسجد.
ويحتمل أن يريد بـ ﴿الْأَقْصَى﴾: الأبعد؛ فيكون المقصود إظهار العجب في الإسراء إلى هذا الموضع البعيد في ليلة.
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٤٣٤).
(٢) أخرجه البخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤).
[ ٢ / ٧٩٠ ]
واختلف العلماء في كيفية الإسراء:
فقال الجمهور: كان بجسد النبي ﷺ وروحه.
وقال قوم: كان بروحه خاصة وكانت رؤيا نوم حقٌّ.
فحجة الجمهور: أنه لو كان منامًا لم تنكره قريش، ولم يكن في ذلك ما يكذِّب به الكفار، ألا ترى قول أم هانئ له: لا تخبرْ بذلك فيكذبك قومك؟.
وحجة من قال: إن الإسراء كان منامًا: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ [الإسراء: ٦٠]، وإنما تقال الرؤيا في المنام، ويقال فيما يُرى بالعين: رؤية، وفي الحديث أنه ﷺ قال: «بينما أنا بين النائم واليقظان ..» (^١) وذكر الإسراء، وقال في آخر الحديث: «فاستيقظت وأنا في المسجد الحرام ..».
وجمع بعض الناس بين الأدلة فقال: إن الإسراء كان مرتين: إحداهما: بالجسد، والأخرى: بالروح، وأن الإسراء بالجسد كان من مكة إلى بيت المقدس، وهو الذي أنكرته قريش، وأن الإسراء بالروح كان إلى السموات السبع، ليلة فرضت الصلوات الخمس، ولقي الأنبياء في السموات.
﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ صفة للمسجد الأقصى، والبركة حوله بوجهين: أحدهما: ما كان فيه وفي نواحيه من الأنبياء.
والآخر: كثرة ما فيه من الزروع والأشجار التي خصَّ الله بها الشام.
﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ أي: لنريَ محمدًا ﷺ تلك الليلة من العجائب، فإنه
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤).
[ ٢ / ٧٩١ ]
رأى السموات والجنة والنار وسدرة المنتهى والملائكة والأنبياء، وكلّمه الله تعالى حسبما ورد في أحاديث الإسراء، وهي في مصنفات الحديث فأغنى ذلك عن ذكرها هنا.
﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾ يَحتمل أن يعود الضمير: على ﴿الْكِتَابَ﴾، أو على ﴿مُوسَى﴾.
﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ أي: ربًّا تَكِلُون إليه أمركم.
و«أَنْ» يَحتمل أن تكون: مصدريةً، أو مفسّرة.
﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ منادى، وفي ندائهم بذلك تلطُّف وتذكير بنعمةٍ.
وقيل: هو مفعول ﴿تَتَّخِذُوا﴾.
ويتعيَّن معنى ذلك على قراءة مَنْ قرأ ﴿يَتَّخِذُوا﴾ بالياء.
ويعني بـ ﴿مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾: أولاده الثلاثة؛ وهم: سامٌ وحامٌ ويافثُ، ونساؤهم، ومنهم تناسل الناس بعد الطوفان.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ أي: كثير الشكر، كان يحمد الله على كل حال، وهذا تعليلٌ لما تقدّم؛ أي: كونوا شاكرين كما كان أبوكم نوح.
﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ قيل: إن ﴿قَضَيْنَا﴾ هنا بمعنى: أعلمنا وأخبرنا، كما قيل في: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦]، والكتاب على هذا: التوراة.
وقيل: قضينا إليه: من القضاء والقدر، والكتاب على هذا: اللوح
[ ٢ / ٧٩٢ ]
المحفوظ الذي كُتبت فيه مقادير الأشياء، و«إلى» بمعنى على.
﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ هذه الجملة بيانٌ للمقضيِّ، وهي في موضع جواب ﴿قَضَيْنَا﴾ إذا كان من القضاء والقدر؛ لأنه جرى مجرى القسم.
وإن كان بمعنى أعلمنا: فهو جواب قسم محذوف، تقديره: والله لتفسدن، والجملة في موضع معمول ﴿قَضَيْنَا﴾.
والمرَّتان المشار إليهما: إحداهما: قتل زكريا، والأخرى: قتل يحيى ﵇.
﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ من العلوِّ وهو الكبر (^١) والتَّجبُّر.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾ معناه: أنهم إذا أفسدوا في المرة الأولى بعث الله عليهم عبادًا له؛ لينتقم منهم على أيديهم.
واختلف في هؤلاء العبيد:
فقيل: جالوت وجنوده.
وقيل: بُخْتُ نَصَّرَ (^٢) ملك بابل.
﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ أي: تردَّدوا بينها بالفساد، روي أنهم قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة وخربوا المساجد وسَبَوْا منهم سبعين ألفًا.
﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: الدَّولة والغلبة على الذين بُعثوا
_________________
(١) في ب: «التكبر».
(٢) انظر التعليق في ١/ ٤٨٠.
[ ٢ / ٧٩٣ ]
عليكم، ويعني: رجوعَ الملكِ إلى بني إسرائيل، واستنقاذَ أسراهم، وقتل بخت نصَّر.
وقيل: قتل داود لجالوت.
﴿أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ أي: أكثر عددًا، وهو:
مصدر من قولك: نفَر الرجل: إذا خرج مسرعًا.
أو جمع نَفْرٍ.
﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ ﴿أَحْسَنْتُمْ﴾ الأول: بمعنى: فعل الحسنات، والثاني: بمعنى الإحسان، كقولك: أحسنتُ إلى فلان، ففيه تجنيسٌ، واللام فيه بمعنى «إلى»، وكذلك اللام في قوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ يعني: إذا أفسدوا في المرة الآخرة، بعث الله عليهم أولئك العباد للانتقام منهم، فـ ﴿الْآخِرَةُ﴾ صفة للمرة.
ومعنى ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾: يجعلونها تظهر فيها آثار الشر والسوء كقوله: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧].
واللام: لام كي، وهي تتعلَّق بـ «بعثنا» المحذوف؛ لدلالة الأول عليه. وقيل: هي لام الأمر.
﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ يعني: بيت المقدس.
﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ من التَّبَار، وهو الإهلاك وشدَّة الفساد.
[ ٢ / ٧٩٤ ]
﴿مَا عَلَوْا﴾ ﴿مَا﴾ مفعول ﴿يُتَبِّرُوا﴾؛ أي: يُهلِكوا ما غَلَبوا عليه من البلاد.
وقيل: إن ﴿مَا﴾ ظرفيةٌ؛ أي: يفسدوا مدَّة عُلُوِّهم.
﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ خطابٌ لبني إسرائيل، ومعناه: ترجيةٌ لهم بالرحمة إن تابوا بعد المرة الثانية.
﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ خطابٌ - أيضًا - لبني إسرائيل؛ أي: إن عدتم إلى الفساد عدنا إلى عقابكم، وقد عادوا؛ فبعث الله عليهم محمدًا ﷺ وأمته يقتلونهم ويُذِلُّونهم إلى يوم القيامة.
﴿حَصِيرًا﴾ أي: سجنًا، وهو من الحَصْر.
وقيل: أراد به ما يفرش ويبسط، كالحصير المعروف.
﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ أي: الطريقة والحالة التي هي أقوم.
وقيل: يعني لا إله إلا الله.
واللفظ أعم من ذلك.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
[﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢) وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾].
﴿وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ المعنى: ذمّ وعتاب لما يفعله الناس عند الغضب من الدعاء على أنفسهم وأموالهم وأولادهم، وأنهم يدعون بالشر في ذلك الوقت كما يدعون بالخير وفي وقت التثبت (^١).
وقيل: إن الآية نزلت في النضر بن الحارث حين قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية، وقد تقدّم أن قائلها أنه أبو جهل (^٢).
_________________
(١) في ب، هـ: «التثبيت».
(٢) انظر صفحة ٤٥٥.
[ ٢ / ٧٩٦ ]
﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ الإنسان هنا وفي الذي قبله: اسم جنس.
وقيل: يعني هنا آدم، وهو بعيد.
﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن يراد أن الليل والنهار آيتان في أنفسهما، فتكون الإضافة في آية الليل وآية النهار كقولك: مسجد الجامع؛ أي: الآية التي هي الليل، والآية التي هي النهار، ومحو آية الليل على هذا: كونه مظلمًا.
والوجه الثاني: أن يراد بآية الليل القمر، وآية النهار الشمس، ومحو آية الليل على هذا: كون القمر لم يُجعَل له ضوء كضوء الشمس.
﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ يحتمل أن يريد: النهار بنفسه، أو الشمس. ومعنى ﴿مُبْصِرَةً﴾ تُبصَر فيها الأشياء.
﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: لتتوصلوا بضوء النهار إلى التصرف في معايشكم، ولتعلموا - باختلاف الليل والنهار، أو بمسير الشمس والقمر -: عدد السنين وحساب الأشهر والأيام.
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ انتصب ﴿وَكُلَّ﴾ بفعل مضمر، والتفصيل: البيان.
﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ انتصب ﴿وَكُلَّ﴾ بفعل مضمر، والطائر هنا: العَمَل، والمعنى: أن عمله لازم له.
وقيل: ﴿طَائِرَهُ﴾ ما قُدِّر عليه وله من خير وشر، والمعنى على هذا: أن كل ما يلقى الإنسان قد سبق به القضاء، وإنما عبَّر عن ذلك بالطائر؛ لأن العرب
[ ٢ / ٧٩٧ ]
كانت عادتها التيمن والتشاءم بالطير.
وقوله: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ أي: هو كالقلادة أو الغُلِّ، لا ينفكُّ عنه.
﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ يعني: صحيفة أعماله بالحسنات والسيئات.
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ تقديره: يقال له: اقرأ.
﴿حَسِيبًا﴾ أي: محاسبًا، أو من الحساب؛ بمعنى العدد.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ معناه حيث وقع: لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، والوزر في اللغة: الثِّقَل والحِمْل، ويراد به هنا: الذنوب.
ومعنى ﴿تَزِرُ﴾ تحمل، و﴿وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: وزر نفس أخرى.
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ قيل: إن هذا في حكم الدنيا؛ أي: أن الله لا يهلك أمةً إلَّا بعد الإعذار إليهم بإرسال رسول إليهم.
وقيل: هو عام في الدنيا والآخرة، وأن الله لا يعذب في الآخرة قومًا إلَّا وقد أرسل إليهم رسولًا فكفروا به وعصوه، ويدلُّ على ذلك قوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى﴾ [الملك: ٨ - ٩]، ومن هذا يؤخذ حكم أهل الفترات.
واستدلَّ أهل السنة بهذه الآية على أن التكليف لا يلزم العباد إلَّا من الشرع، لا من مجرد العقل.
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ في تأويل ﴿أَمَرْنَا﴾ هنا ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن يكون في الكلام حذف تقديره: أمرنا مترفيها بالخير
[ ٢ / ٧٩٨ ]
والطاعة فعصوا وفسقوا.
والثاني: أن يكون ﴿أَمَرْنَا﴾ عبارةً عن القضاء عليهم بالفسق؛ أي: قضينا عليهم ففسقوا.
والثالث: أن يكون ﴿أَمَرْنَا﴾ بمعنى كثَّرنا، واختاره أبو علي الفارسي.
وأما على قراءة ﴿آمَرْنَا﴾ بمدّ الهمزة فهو بمعنى كثَّرنا.
وأما على قراءة ﴿أَمَّرْنَا﴾ بتشديد الميم فهو من الإمارة؛ أي: جعلناهم أمراء ففسقوا.
والمترفُ: الغنيُّ المتنعّمُ بالدنيا.
﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ أي: القضاء الذي قضاه الله.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ﴾ القرن: مئة سنة، وقيل: أربعون.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ الآية في الكفار الذين يريدون الدنيا، ولا يؤمنون بالآخرة، على أن لفظها أعم من ذلك.
والمعنى: أنهم يعجّل الله لهم حظًّا من الدنيا بقيدين:
أحدهما: تقييد المقدار المعجَّل بمشيئة الله.
والآخر: تقييد الشخص المعجَّل له بإرادة الله، و﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ بدلٌ من ﴿لَهُ﴾، وهو بدل بعضٍ من كل.
﴿مَدْحُورًا﴾ أي: مبعدًا، أو مهانًا.
﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ أي: عمل لها عملها.
[ ٢ / ٧٩٩ ]
﴿كُلًّا نُمِدُّ﴾ انتصب ﴿كُلًّا﴾ بـ ﴿نُمِدُّ﴾، وهو من المَدَد، ومعناه: نزيدهم من عطائنا.
﴿هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ﴾ بدلٌ من ﴿كُلًّا﴾، والإشارة إلى الفريقين المتقدّمَيْن. ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ يعني: رزق الدنيا.
وقيل: من الطاعات لمن أراد الآخرة، ومن المعاصي لمن أراد الدنيا. والأول أظهر.
﴿مَحْظُورًا﴾ أي: ممنوعًا.
﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يعني: في رزق الدنيا.
﴿لَا تَجْعَلْ﴾ خطابٌ لواحد، والمراد به جميع الخلق؛ لأن المخاطب غير معين.
﴿مَذْمُومًا﴾ أي: يذمُّه الله وخيار عباده.
﴿مَخْذُولًا﴾ أي: غير منصور.
[ ٢ / ٨٠٠ ]
[﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩) أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾].
﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ أي: حكم وألزم وأوجب.
أو أمر، ويدلُّ على ذلك ما في مصحف ابن مسعود: «ووصَّى ربك».
﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ «أن» مفسِّرة، أو مصدرية على تقدير: بأن لا تعبدوا.
[ ٢ / ٨٠١ ]
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ﴾ هي «إن» الشرطية دخلت عليها «ما» المؤكّدة، وجوابها: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾.
والمعنى: الوصية ببر الوالدين إذا كبرا، أو كبر أحدهما، وإنما خصَّ حاله الكبَر؛ لأنهما حينئذٍ أحوجُ إلى البر والقيام بمؤنتهما؛ لضعفهما.
ومعنى ﴿عِنْدَكَ﴾ أي: في بيتك وتحت كنَفِك.
﴿أُفٍّ﴾ حيث وقعت: اسم فعل، معناها: قولٌ مكروه يقال عند الضجر ونحوه، وإنما المراد بها أقل كلمة مكروهة تصدر من الإنسان، فنهى الله تعالى أن يقال ذلك للوالدين، فأولى وأحرى أن لا يقال لهما ما فوق ذلك.
ويجوز في «أفّ» الكسر والفتح والضم، وهي حركات بناء، وأما تنوينها فهو للتنكير.
﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ من الانتهار؛ وهو الإغلاظ في القول.
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ استعارةٌ في معنى التواضع لهما والرفق بهما، فهو كقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]، وأضافه إلى الذُّلِّ مبالغةً في المعنى؛ كأنه قال: الجناح الذليل.
و«من» في قوله: ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ للتعليل؛ أي: من أجل إفراط الرحمة لهما والشفقة عليهما.
﴿لِلْأَوَّابِينَ﴾ قيل: معناه الصالحين، وقيل: المسبّحين، وهو مشتقٌّ من الأَوْبة بمعنى الرجوع؛ فحقيقته: الراجعين إلى الله.
[ ٢ / ٨٠٢ ]
﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ خطاب لجميع الناس لصلة قرابتهم والإحسان إليهم.
وقيل: هو خطاب خاص بالنبي ﷺ أن يؤتي قرابته حقَّهم من بيت المال.
والأول أرجح.
﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ﴾ الآية؛ معناها: إن أعرضت عن ذوي القربى والمساكين وابن السبيل إذا لم تجد ما تعطيهم؛ فقل لهم كلامًا حسنًا، وكان النبي ﷺ إذا سأله أحد فلم يكن عنده ما يعطيه أعرض عنه، حياءً منه، فأُمِر بحسن القول مع ذلك، وهو أن يقول: رزقكم الله وأعطاكم الله وشبه ذلك.
والميسور: مشتق من اليُسر.
﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ مفعول من أجله، يحتمل:
أن يتعلَّق بقوله: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ والمعنى على هذا: أنه يعرض عنهم انتظارًا لرزق يأتيه، فيعطيه إياهم، فالرحمة على هذا: هو ما يرتجيه من الرزق.
أو يتعلق بقوله: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾؛ أي: ابتغ رحمة ربك بقولٍ ميسور، والرحمة على هذا: هي الأجر والثواب.
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ استعارةٌ في معنى: غاية البخل؛ كأن البخيل حبست يده عن الإعطاء (^١)، وشُدَّت إلى عنقه.
_________________
(١) في ب: «العطاء».
[ ٢ / ٨٠٣ ]
﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ استعارةٌ في معنى: غاية الجود، فنهى الله عن الطرفين، وأمر بالتوسط بينهما، كقوله: ﴿إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧].
﴿مَلُومًا﴾ أي: يلومك صديقك على كثرة عطائك وإضرارك بنفسك.
أو يلومك من يستحقُّ العطاء؛ لأنك لم تترك ما تعطيه.
أو يلومك سائر الناس على التبذير في العطاء.
﴿مَحْسُورًا﴾ أي: منقطعًا بك لا شيء عندك، وهو من قولهم: حسر السفرُ البعير: إذا أتعبه حتى لم تبقَ له قوةٌ (^١).
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: يوسِّع على من يشاء، ويضيق على من يشاء؛ فلا تهتمَّ بما تراه من ذلك؛ فإن الله أعلم بمصالح عباده.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ ذُكِر في «الأنعام» (^٢).
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الحقُّ الموجب لقتل النفس: هو ما ورد في الحديث من قوله ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس أخرى» (^٣).
وتتصل (^٤) بهذه الأشياء أشياءُ أُخر؛ لأنها في معناها، كالحرابة،
_________________
(١) في ب، هـ: «يُبقِ له قوةً».
(٢) انظر صفحة ٣٢٠.
(٣) تقدم تخريجه في صفحة ٣٢٠.
(٤) في أ، ب، هـ: «ويتصل».
[ ٢ / ٨٠٤ ]
وترك الصلاة، ومنع الزكاة.
﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ المظلوم هنا: مَنْ قُتِلَ بغير حق.
والولي: هو ولي المقتول وسائر العَصَبة، وليس النساء من الأولياء عند مالك.
والسلطان الذي جعل الله له: هو القصاص، أو تخييره (^١) بين العفو والقصاص.
﴿فَلَا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ﴾ نهى عن أن يسرف وليُّ المقتول؛ بأن يقتل غير قاتل وليه، أو يقتل اثنين بواحد، أو غير ذلك من وجوه التعدي.
وقرئ ﴿فلا تُسْرِفْ﴾ بالتاء؛ خطابًا للقاتل، أو لوليِّ المقتول.
﴿إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ الضمير: للمقتول، أو لوليه، ونصره: هو القصاص.
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ ذُكر في «الأنعام» (^٢).
قال بعضهم (^٣): ﴿لَا تَقْرَبُوا﴾ و﴿لَا تَقْتُلُوا﴾ معطوفات على ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ (^٤).
والظاهر: أنها مجزومات بالنهي؛ بدليل قوله بعدها: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ و﴿وَلَا تَمْشِ﴾.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «وتخيره».
(٢) انظر صفحة ٣٢١.
(٣) قاله الطبري في تفسيره (١٤/ ٥٧٧).
(٤) في ج زيادة: «وذلك خطأ»، ولم ترد في شيء من النسخ الأخرى، ويظهر أنها زيادة مقحمة؛ بدليل أنه أن ابن جزي وجَّه هذا الإعراب كما سيأتي قريبًا.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
ويصحُّ أن تكون معطوفات إذا جعلنا ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ مجزومًا على النهي، و«أن» مفسّرة.
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ عامٌّ في العهود مع الله، ومع الناس.
﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون من معنى (^١) الطلب؛ أي: يُطْلَب الوفاء به.
والثاني: أن يكون المعنى: يُسأل عنه يوم القيامة، هل وفَّى به أم لا.
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ﴾ قيل: القسطاس الميزان، وقيل: العدل.
وقرئ بكسر القاف، وهي لغةٌ.
﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: أحسن عاقبةً ومآلًا، وهو من آل: إذا رجعَ.
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ المعنى: لا تقل ما لا تعلم من ذمِّ الناس وشبه ذلك، واللفظ مشتق من قَفَوْتُه: إذا اتبعته.
﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى السمع والبصر والفؤاد، وإنما عاملها معاملة العقلاء في الإشارة بـ ﴿أُولَئِكَ﴾؛ لأنها حواسٌ لها إدراك.
والضمير في ﴿عَنْهُ﴾ يعود على ﴿كُلُّ﴾، ويتعلَّق ﴿عَنْهُ﴾ بـ ﴿مَسْئُولًا﴾ والمعنى: أن الإنسان يُسأل عن سمعه وبصره وفؤاده.
وقيل: الضمير يعود على: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، والمعنى على هذا: أن السمع والبصر والفؤاد هي التي تُسأل عما ليس لها به علم، وهذا بعيد.
_________________
(١) لم ترد هذه الكلمة في أ، ب، هـ.
[ ٢ / ٨٠٦ ]
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ المَرَحُ: الخيلاء والكِبْرُ في المشية.
وقيل: هو إفراط السرور بالدنيا.
وإعرابه: مصدر في موضع الحال.
﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ أي: لن تجعل فيها خَرْقًا بمشيك عليها، والخَرْقُ هو: القطع.
وقيل: معناه: لا تقدر أن تستوفي جميعها بالمشي.
والمراد بذلك: تعليل النهي عن الكبر والخيلاء؛ أي: إذا كنت أيها الإنسان لا تقدر على خرق الأرض، ولا على مطاولة الجبال؛ فكيف تتكبر وتختال في مشيك؟!، وإنما الواجب عليك التواضع.
﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ الإشارة إلى ما تقدم من المنهيات، والمكروه هنا: بمعنى الحرام، لا على اصطلاح الفقهاء في أن المكروه دون الحرام.
وإعراب ﴿مَكْرُوهًا﴾: نعت لـ ﴿سَيِّئُهُ﴾، أو بدل منها، أو خبر ثان لـ ﴿كَانَ﴾.
﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ خطابٌ على وجه التوبيخ للعرب الذين قالوا: إن الملائكة بنات الله، والمعنى: كيف يَجعل لكم الأعلى من النسل وهو الذكور، ويتخذُ لنفسه الأدنى وهو البنات؟!.
ومعنى ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ﴾: خصَّكم.
﴿قَوْلًا عَظِيمًا﴾ أي: عظيم النُّكر والشناعة.
[ ٢ / ٨٠٧ ]
[﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١) قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤) وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨) وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾].
﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا تَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ هذا احتجاج على الوحدانية، وفي معناه قولان:
أحدهما: أن المعنى: لو كان مع الله آلهة لابتغوا سبيلًا إلى التقرب إليه بعبادته وطاعته، فيكون من جملة عباده.
والآخر: لابتغوا سبيلًا إلى إفساد مُلْكِهِ ومعاندته في قدرته، ومعلوم أن ذلك لم يكن؛ فلا إله إلا هو.
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ﴾ الآية؛ اختلف في كيفية هذا التسبيح:
فقيل: هو تسبيح بلسان الحال؛ أي: بما تدلُّ عليه صنعتها من قدرة وحكمة.
[ ٢ / ٨٠٨ ]
وقيل: إنه تسبيح حقيقة، وهذا أرجح؛ لقوله: ﴿وَلَكِن لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.
﴿جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ في معناه قولان:
أحدهما: أن الله أخبر نبيه ﷺ أنه يستره من الكفار إذا أرادوا به شرًّا، ويحميه (^١) منهم.
والآخر: أنه يحجب (^٢) الكفار عن فهم القرآن، وهذا أرجح؛ لما بعده. والمستور هنا:
قيل: معناه مستور عن أعين الخلق؛ لأنه من لطف الله وكفايته، فهو من المغيبات.
وقيل: معناه ساترًا.
﴿أَكِنَّةً﴾ جمع كِنان؛ وهو الغطاء، و﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ مفعول من أجله تقديره: كراهةَ أن يفقهوه، وهذه كلها استعارات في إضلالهم.
﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ الآية؛ معناها: إذا ذكرت في القرآن وحدانية الله تعالى فرَّ المشركون عن ذلك؛ لما فيه من رفض آلهتهم وذمِّها.
و﴿نُفُورًا﴾ مصدر في موضع الحال.
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ كانوا يستمعون القرآن على وجه الاستهزاء، والضمير في ﴿بِهِ﴾ عائدٌ على «ما»؛ أي: نعلم ما يستمعون به من الاستهزاء.
_________________
(١) في ج، د: «ويحجبه».
(٢) في ب، هـ: «حجب».
[ ٢ / ٨٠٩ ]
﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ جماعةٌ يتناجون، أو هم ذو نجوى، والنجوى: كلام السِّرِّ.
﴿رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ قيل: معناه جُنَّ فسُحِر.
وقيل: معناه ساحر.
وقيل: هو من السَّحَر - بفتح السين -؛ وهو الرئة؛ أي: بشرًا ذا سحر مثلكم، وهذا بعيد.
﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ أي: مثلوك بالساحر، والشاعر، والمجنون.
﴿فَضَلُّوا﴾ عن الحق.
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إلى الهدى؛ ونزلت الآية في الوليد بن المغيرة، وأصحابه من الكفار.
﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ الآية؛ معناها: إنكارهم للبعث، واستبعادهم أن يخلقهم الله خلقًا جديدًا بعد فنائهم.
والرُّفات: الذي بَلِيَ حتى صار غبارًا وفتاتًا.
وقد ذُكر في «الرعد» اختلاف القراء في الاستفهامين (^١).
﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ المعنى: لو كنتم حجارة أو حديدًا لقَدَرْنا على بعثكم وإحيائكم، مع أن الحجارة والحديد أصلب الأشياء وأبعدها عن
_________________
(١) انظر صفحة ٦٦٩.
[ ٢ / ٨١٠ ]
الرطوبة التي في الحياة؛ فأولى وأحرى أن نبعث أجسادكم ونحيي عظامكم البالية، فذكَرَ الحجارة والحديد تنبيهًا بهما على ما هو أسهل في الحياة منهما.
ومعنى قوله: ﴿كُونُوا﴾ أي: كونوا في الوهم والتقدير، وليس المراد به التَّعجيز كما قال بعضهم في ذلك.
﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ قيل: يعني السموات والأرض والجبال.
وقيل: بل أحال على فكرتهم عمومًا في كل ما هو كبير عندهم؛ أي: لو كنتم حجارة أو حديدًا أو شيئًا أكبر عندكم من ذلك وأبعد عن الحياة؛ لقَدَرْنا على بعثكم.
﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ أي: يحرِّكونها تحريك المستبعد للشيء، أو المستهزئ.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ أي: متى يكون البعث.
﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ الدعاء هنا: عبارةٌ عن البعث بالنفخ في الصور.
والاستجابة: عبارةٌ عن قيامهم من القبور طائعين منقادين.
و﴿بِحَمْدِهِ﴾ في موضع الحال؛ أي: حامدين له.
وقيل: معنى ﴿بِحَمْدِهِ﴾: بأمره.
﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني: لبثتم في الدنيا، أو في القبور.
[ ٢ / ٨١١ ]
[﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧) وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨) وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩) وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾].
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ العباد هنا: المؤمنون؛ أمرهم أن يقول بعضهم لبعض كلامًا لينا طيبًا.
وقيل: أن يقولوه للمشركين، ثم نسخ بالسيف.
وإعراب ﴿يَقُولُوا﴾ كقوله: ﴿يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] في «إبراهيم»، وقد ذكر (^١).
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِهِ﴾ قيل: يعني الملائكة.
_________________
(١) انظر صفحة ٧٠٤.
[ ٢ / ٨١٢ ]
وقيل: عيسى وأمه وعُزيرًا (^١).
وقيل: نفرٌ من الجن كان العرب يعبدونهم.
والمعنى: أنهم لا يقدرون على كشف الضرِّ عنكم، فكيف تعبدونهم؟!.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ المعنى: أن أولئك الآلهة الذين تدعون من دون الله يبتغون القربة إلى الله، ويرجونه، ويخافونه، فكيف تعبدونهم معه؟!.
وإعراب ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، و﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ صفة له، و﴿يَبْتَغُونَ﴾ خبره، والفاعل في ﴿يَدْعُونَ﴾ ضميرٌ للكفار (^٢)، وفي ﴿يَبْتَغُونَ﴾ للآلهة (^٣) المعبدودين.
وقيل: إن الضمير في ﴿يَدْعُونَ﴾ و﴿يَبْتَغُونَ﴾ للأنبياء المذكورين قبلُ في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾.
و﴿الْوَسِيلَةَ﴾ هي ما يُتوسَّل به ويُتقرب.
﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ بدلٌ من الضمير في ﴿يَبْتَغُونَ﴾؛ أي: يبتغي الوسيلة من هو أقرب منهم، فكيف بغيره؟.
أو ضُمِّن معنى «يحرصون»؛ فكأنه قال: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله بالاجتهاد في طاعته.
_________________
(١) في ج، د: «وعزيرٌ» بالمنع من الصرف، وهو مختلف في صرفه ومنعه من الصرف، كما سبق كلام ابن جزي عنه في سورة التوبة، صفحة ٤٨٨.
(٢) في ج، د: «الكفار» بدون لفظة «ضمير».
(٣) في ب، ج: «الآلهة».
[ ٢ / ٨١٣ ]
ويحتمل أن يكون المعنى: أنهم يتوسلون بأيهم أقرب.
﴿مَحْذُورًا﴾ من الحذر؛ وهو الخوف.
﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يحتمل هذا الكلام وجهين:
أحدهما: أن يكون بالموت والفناء الذي لا بدَّ منه.
والآخر: أن يكون بأمر من الله يأخُذُ (^١) المدينة دفعةً فيهلكها، وهذا أظهر؛ لأن الأول معلوم لا يفتقر إلى الإخبار به.
والهلاك والتعذيب المذكوران في الآية هما في الحقيقة لأهل القرى؛ أي: مهلكو أهلها أو معذِّبوهم.
وروي: أن هلاك مكة بالحبشة، والمدينة بالجوع، والكوفة بالتُّرك، والأندلس بالخيل.
وسئل الأستاذ أبو جعفر بن الزبير عن غرناطة، فقال: أصابها العذاب يومَ قتل الموحدين بها في ثورة ابن هود، وأما هلاك قرطبة وإشبيلية وطليطلة وغيرها فأخذُ الروم لها.
﴿فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ يعني: اللوح المحفوظ.
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ الآيات هنا يراد بها: التي يقترحها الكفار، فإذا رأوها ولم يؤمنوا أهلكهم الله.
_________________
(١) في أ، ب، ج، هـ: «بأخذ».
[ ٢ / ٨١٤ ]
وسبب الآية: أن قريشًا اقترحوا على رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصَّفا ذهبًا، فأخبر الله أنه لم يفعل ذلك لئلا يكذِّبوا فيهلكوا، وعبَّر بالمنع عن ترك ذلك.
و﴿أَنْ نُرْسِلَ﴾ في موضع نصب، و﴿أَنْ كَذَّبَ﴾ في موضع رفع.
ثم ذكر ناقة ثمود تنبيهًا على ذلك؛ لأنهم اقترحوها فكانت (^١) سبب هلاكهم.
ومعنى ﴿مُبْصِرَةً﴾: بينةً واضحةَ الدلالة.
﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ إن أراد بالآيات هنا المقترحة: فالمعنى: أنه يرسل بها تخويفًا من العذاب العاجل وهو الإهلاك.
وإن أراد المعجزات غير المقترحة: فالمعنى: أنه يرسل بها تخويفًا من عذاب الآخرة؛ ليراها الكافر فيؤمن.
وقيل: المراد بالآيات هنا الزلازل والرعد والكسوف وغير ذلك من المخاوف.
﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ المعنى: اذكر إذ أوحينا إليك أن ربك أحاط بقريش؛ يعني: بشَّرناك بقتلهم يوم بدر، وذلك قوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ [القمر: ٤٥]، وإنما قال: ﴿أَحَاطَ﴾ بلفظ الماضي وهو لم يقع؛ لتحقيقه (^٢) وصحة وقوعه بَعْدُ.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «وكانت».
(٢) في ب: «لتحققه».
[ ٢ / ٨١٥ ]
وقيل: المعنى: أحاط بالناس في منعك وحياطتك منهم، كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ اختلف في هذه الرؤيا:
فقيل: إنها الإسراء:
فمن قال إنه كان في اليقظة: فالرؤيا بمعنى الرؤية بالعين.
ومن قال إنه كان في المنام: فالرؤيا منامية (^١).
والفتنة على هذا: تكذيب الكفار بذلك، وارتداد بعض المسلمين حينئذ.
وقيل: إنها رؤيا النبي ﷺ في منامه هزيمة الكفار وقتلهم ببدر، والفتنة على هذا: تكذيب قريش بذلك وسخريتهم به.
وقيل: إنها رؤياه أنه يدخل مكة، فعجَّل في سنة الحديبية فردَّ عنها، فافتتن بعض المسلمين بذلك.
وقيل: رأى في المنام أن بني أمية يصعدون على منبره؛ فاغتمَّ بذلك (^٢).
﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ يعني: شجرة الزقوم، وهي معطوفة على ﴿الرُّؤْيَا﴾؛ أي: جعل الرؤيا والشجرة فتنة للناس؛ وذلك أن قريشًا لما سمعوا أن في جهنم شجرة زقوم سخروا من ذلك وقالوا: كيف تكون شجرة في النار والنار تحرق الشجر؟ وقال أبو جهل: ما أعرف الزقوم إلَّا التمر بالزُّبْد.
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «منامة»، وفي د: «منامه».
(٢) في ج، د: «لذلك».
[ ٢ / ٨١٦ ]
فإن قيل: أين لُعنت شجرة الزقوم في القرآن؟
فالجواب: أن المراد: لعنةُ آكلها.
وقيل: اللعنة بمعنى الإبعاد؛ لأنها في أصل الجحيم.
﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ الضمير لكفار قريش.
[ ٢ / ٨١٧ ]
[﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥) رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩) وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾]
﴿طِينًا﴾ تمييزٌ، أو حالٌ مِنْ ﴿مَنْ﴾، أو من مفعول ﴿خَلَقْتَ﴾.
﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ الكاف من ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ للخطاب، لا موضع لها من الإعراب، و﴿هَذَا﴾ مفعول بـ «أرأيت»، والمعنى: أخبرني عن هذا الذي كَرَّمته علي - أي: فضلته -؛ لم فضلته وأنا خير منه؟، فاختصر الكلام بحذف (^١) ذلك.
وقال ابن عطية: ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ هنا بمعنى: أتأمَّلت ونحوه، لا بمعنى أخبرني (^٢).
_________________
(١) في ج: «فحذف».
(٢) المحرر الوجيز (٥/ ٥٠٦).
[ ٢ / ٨١٨ ]
﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ معناه: لأُميلَنَّهم وأقودهم، وهو مأخوذ من: تحنيك الدابة؛ وهو أن يشدَّ على حنكها بحبلٍ فتقاد.
﴿قَالَ اذْهَبْ﴾ قال ابن عطية: ﴿اذْهَبْ﴾ وما بعده من الأوامر: صيغة أمر على وجه التَّهديد (^١).
وقال الزمخشري: ليس المراد الذهاب الذي هو ضدُّ المجيء، وإنما معناه: امض لشأنك الذي اخترته؛ خذلانًا له وتخلية (^٢).
ويحتمل عندي: أن يكون معناه: الطرد والإبعاد.
﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾ كان الأصل أن يقال: «جزاؤهم» بضمير الغيبة؛ ليرجع إلى ﴿مَنْ تبعك﴾، ولكنه ذكره بلفظ الخطاب؛ تغليبًا للمخاطب على الغائب، وليدخل إبليس معهم.
﴿جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ مصدر في موضع الحال، والموفور: المكمَّل.
﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ أي: اخدع واستخفَّ.
﴿بِصَوْتِكَ﴾ قيل: يعني الغناء والمزامير.
وقيل: الدعاء إلى المعاصي.
﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم﴾ أي: هوِّل، وهو من الجَلَبة، وهو الصياح.
﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ الخيل هنا يراد به (^٣): الفرسان الراكبون على خيل،
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٥٠٨).
(٢) انظر: الكشاف (٩/ ٣٣٠).
(٣) في أ، د، هـ: «بها».
[ ٢ / ٨١٩ ]
والرَّجْل: جمع راجل؛ وهو الذي على رجليه:
فقيل: هو مجاز واستعارة بمعنى: افعل جَهْدَك.
وقيل: إن له من الشياطين خيلًا ورجلًا.
وقيل: المراد: فرسان الناس ورجالهم المتصرفون في الشر.
﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ مشاركته في الأموال: هي بكسبها بالربا، وإنفاقها في المعاصي وغير ذلك.
ومشاركته في الأولاد: هي بالاستيلاد بالزنا، وتسمية الولد عبد شمس وعبد الحارث وشبه ذلك.
﴿وَعِدْهُمْ﴾ يعني: المواعيد الكاذبة؛ من شفاعة الأصنام وشبه ذلك.
﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ يعني: المؤمنين الذين يتوكلون على الله؛ بدليل قوله بعد ذلك: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾، ونحوه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ [النحل: ٩٩].
﴿يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ أي: يجريها ويسيرها، والفلك هنا: جمع، وابتغاء الفضل: في التجارة وغيرها.
﴿الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ يعني: خوف الغرق.
﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ضلَّ هنا: بمعنى تَلَف وفُقد؛ أي: تلف عن أوهامكم وخواطركم كل من تدعونه إلَّا الله وحده، فلجأتم إليه حينئذ دون غيره، فكيف تعبدون غيره وأنتم لا تجدون في تلك الشدة إلَّا إياه؟!.
﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا﴾ أي: كفورًا بالنعم، والإنسان هنا: جنس.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
﴿أَفَأَمِنتُمْ﴾ الهمزة للتوبيخ، والفاء للعطف؛ أي: أنجوتم من البحر فأمنتم الخسف في البر؟!.
﴿حَاصِبًا﴾ يعني: حجارةً، أو ريحًا شديدة ترمي بالحصباء.
﴿وَكِيلًا﴾ أي: قائمًا بأموركم، وناصرًا لكم.
﴿قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ يعني: الذي يقصف ما يلقى؛ أي: يكسره.
﴿تَبِيعًا﴾ أي: مطالبًا بثأركم؛ أي: لا تجدون مَنْ ينتصر لكم منا، كقوله: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: ١٥].
﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ يعني: فضَّلهم على الجن وعلى سائر الحيوان، ولم يفضلهم على الملائكة؛ ولذلك قال: ﴿عَلَى كَثِيرٍ﴾، وأنواع التفضيل كثيرة لا تحصى، وقد ذكر المفسرون منها: كون الإنسان يأكل بيده، وكونه منتصب القامة، وهذه أمثلة.
[ ٢ / ٨٢١ ]
[﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢) وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥) وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧)﴾].
﴿بِإِمَامِهِمْ﴾ قيل: يعني بنبيهم؛ يقال: يا أمة فلان.
وقيل: يعني: كتابهم الذي نزل عليهم.
وقيل: كتابهم الذي فيه أعمالهم.
﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ الفتيل: هو الخيط الذي في شق نواة التمرة، والمعنى: أنهم لا يظلمون من أعمالهم قليلًا ولا كثيرًا، فعبر بأقل الأشياء؛ تنبيهًا على الأكثر.
﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ الإشارة بـ ﴿هَذِهِ﴾ إلى الدنيا.
والعمى يراد به: عمى القلب؛ أي: من كان في الدنيا أعمى عن الهدى (^١) والصواب فهو في يوم القيامة أعمى؛ أي: حيران يائس من الخير.
ويحتمل أن يريد بالعمى في الآخرة: عمى البصر؛ كقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].
_________________
(١) في ب: «الهداية».
[ ٢ / ٨٢٢ ]
وإنما جعل الأعمى في الآخرة أضل سبيلًا؛ لأنه حينئذ لا ينفعه الاهتداء.
ويجوز في ﴿أَعْمَى﴾ الثاني:
أن يكون صفةً كالأول.
وأن يكون من «أفعل» التي للتفضيل، وهذا أقوى؛ لقوله ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ فعطف ﴿وَأَضَلُّ﴾ الذي هو من «أفعل من كذا» على ما هو شبهه.
وقال سيبويه: لا يجوز أن يقال: هو أعمى من كذا.
ولكن إنما يمتنع ذلك في عمى البصر، لا في عمى القلب.
﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية؛ سببها: أن قريشًا قالوا للنبي ﷺ: اقبل (^١) بعض أمرنا ونُقبل على بعض أمرك.
وقيل: إن ثقيفًا طلبوا من النبي ﷺ أن يؤخّرهم بعد إسلامهم سنة يعبدون فيها اللات والعزى، والآية على هذا القول مدنية.
﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ الافتراء هنا يراد به: مخالفة ما أوحى إليه في القرآن أو في غيره.
﴿وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ أي: لو فعلت ما أرادوا منك لاتخذوك خليلا.
﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾ «لولا» تدل على امتناع شيء لوجود غيره، فدلت هنا على امتناع مقاربة النبي ﷺ الركونَ إليهم؛ لأجل تثبيت الله له وعصمته.
_________________
(١) في د زيادة: «على».
[ ٢ / ٨٢٣ ]
و﴿كِدْتَ﴾ تقتضي -أيضًا- نفي الركون؛ لأن معنى كاد فلان يفعل كذا: أنه لم يفعله؛ فانتفى الركون إليهم ومقاربته، فليس في ذلك غضٌّ من جانب النبي ﷺ؛ لأن التثبيت منعه من مقاربة الركون إليهم، ولو لم يثبته الله لكانت مقاربته للركون إليهم شيئًا قليلًا، وأما مع التثبيت فلم يركن قليلًا ولا كثيرًا، ولا قارب ذلك.
﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ أي: ضعف عذابهما لو فعل ذلك.
﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الضمير لقريش، كانوا قد همّوا أن يخرجوا النبي ﷺ من مكة، وذلك قبل الهجرة، فالأرض هنا يراد بها: مكة؛ لأنها بلده.
﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: لو أخرجوك لم يلبثوا بعد خروجك من مكة إلَّا قليلًا، فلما خرج النبي ﷺ مهاجرًا من مكة إلى المدينة، لأجل إذاية قريش له ولأصحابه، لم يبقوا بعد ذلك إلَّا قليلًا، وقتلوا يوم بدر.
﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ انتصب ﴿سُنَّةَ﴾ على المصدر، ومعناه: العادة؛ أي: هذه عادة الله مع رسله.
[ ٢ / ٨٢٤ ]
[﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)﴾].
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ هذه الآية إشارةٌ إلى الصلوات المفروضة:
فدلوك الشمس: زوالها، والإشارة إلى الظهر والعصر.
وغسق الليل: ظلمته، وذلك إشارة إلى المغرب والعشاء.
وقرآن الفجر: صلاة الصبح.
وانتصب ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾:
بالعطف على موضع اللام في قوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾؛ فإن اللام فيه ظرفية بمعنى «عند».
وقيل: هو عطف على ﴿الصَّلَاةَ﴾.
وقيل: مفعول بفعل مضمر تقديره: اقرأ قرآن الفجر.
وإنما عبَّر عن صلاة الصبح بقرآن الفجر؛ لأن القرآن فيها أكثر من غيرها؛ لأنها تصلى بسورتين طويلتين.
[ ٢ / ٨٢٥ ]
﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ أي: تشهده ملائكة الليل والنهار، فيجتمعون فيه؛ إذ تصعد ملائكة الليل وتنزل ملائكة النهار.
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ لما أمر بالفرائض أمر بعدها بالنوافل.
و﴿مِنَ﴾ للتبعيض، والضمير في ﴿بِهِ﴾ للقرآن.
والتهجُّد: السهر؛ وهو ترك الهجود، ومعنى الهجود: النوم؛ فالتفعُّل هنا: للخروج عن الشيء، كالتَّحرُّج والتأثُّم في الخروج عن الإثم والحرج.
﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ يعني: الشفاعة يوم القيامة، وانتصب ﴿مَقَامًا﴾ على الظرف.
﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الآية؛ المدخل: دخوله إلى المدينة، والمخرج: خروجه من مكة.
وقيل: المدخل: في القبر، والمخرج: إلى البعث.
واختار ابن عطية أن يكون على العموم في جميع الأمور (^١).
﴿سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ قيل: معناه: حجة تنصرني بها وتُظْهِر (^٢) بها صدقي.
وقيل: قوة ورئاسة تنصرني بها على الأعداء، وهذا أظهر.
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ الحق: الإيمان، والباطل: الكفر.
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ ﴿مِنَ﴾: لبيان الجنس، أو للتبعيض.
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٥٣٠).
(٢) في أ، ب: «ويَظْهر».
[ ٢ / ٨٢٦ ]
والمراد بالشفاء: أنه يشفي القلوب من الريب (^١) والجهل.
ويحتمل أن يريد: نفعه من الأمراض؛ بالرُّقى به والتعويذ.
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ﴾ الآية؛ المراد بالإنسان هنا: الجنس؛ لأن ذلك من سجيّة الإنسان.
وقيل: إنما يراد الكافر؛ لأنه هو الذي يُعرض عن الله.
﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أي: بعد، وذلك تأكيدٌ وبيان للإعراض.
وقرئ ﴿نَاءَ﴾، وهو بمعنى واحد.
﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ أي: مذهبه وطريقته التي تشاكله.
_________________
(١) في أ، ب: «الريبة».
[ ٢ / ٨٢٧ ]
[﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾].
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ السائلون: اليهود، وقيل: قريش بإشارة اليهود.
والروح هنا:
عند الجمهور: هو الذي في الجسم، وقد يقال فيه: النفس.
وقيل: الروح هنا جبريل.
وقيل: القرآن.
والأول هو الصواب لدلالة ما بعده على ذلك.
﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي: من الأمور التي استأثر الله بها، ولم يُطْلِع عليها خلقه.
وكانت اليهود قد قالت لقريش: اسألوه عن الروح، فإن لم يجبكم فيه بشيء فهو نبيٌّ، وذلك أنه كان عندهم في التوراة: أن الروح مما انفرد الله بعلمه.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
وقال ابن بريدة: لقد مضى النبي ﷺ وما يعرف الروح (^١).
ولقد كثر اختلاف الناس في النفس والروح، وليس في أقوالهم في ذلك ما يعوَّل عليه.
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ خطاب عام لجميع الناس؛ لأن علمهم قليل بالنظر إلى علم الله.
وقيل: خطاب لليهود خاصة.
والأول أظهر؛ لأن فيه إشارةً إلى أنهم لا يَصِلون إلى العلم بالروح.
﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: إن شئنا ذهبنا بالقرآن، فمحوناه من الصدور والمصاحف.
وهذه الآية متصلة المعنى بقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: في قدرتنا أن نذهب بالذي أوحينا (^٢) إليك فلا يبقى عندكم شيءٌ من العلم.
﴿وَكِيلًا﴾ أي: من يتوكل بردِّه وإعادته بعد ذهابه.
﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ يحتمل أن يكون:
استثناء متصلًا؛ بمعنى: أن رحمة ربك تردُّ القرآن بعد ذهابه لو ذهب.
أو استثناء منقطعًا؛ بمعنى: أن رحمة ربك تمسكه عن الذهاب.
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ عجز الخلق عن الإتيان بالقرآن؛ لما تضمنه من العلوم الإلهية، والبراهين
_________________
(١) أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده إلى عبد الله بن بريدة في كتاب العظمة (٣/ ٨٦٧).
(٢) في أ، ب، هـ: «أوحي».
[ ٢ / ٨٢٩ ]
الواضحة، والمعاني العجيبة التي لم يكن الناس يعلمونها، ولا يصلون إليها، ثم جاءت فيه على الكمال.
وقال أكثر الناس: إنهم عجزوا عنه لفصاحته وحسن نظمه.
ووجوه إعجازه كثيرة قد ذكرنا في غير هذا منها خمسة عشر وجهًا (^١).
﴿ظَهِيرًا﴾ أي: معينًا.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: بيَّنا لهم كل شيء من العلوم النافعة، والبراهين القائمة، والحجج الواضحة.
وهذا يدلُّ على إن إعجاز القرآن بما فيه من المعاني والعلوم كما ذكرنا.
﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ الكفور: الجحود، وانتصب بقوله: ﴿أَبَى﴾؛ لأنه في معنى النفي.
﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ الذين قالوا هذا القول: هم أشراف قريش، طلبوا من النبي ﷺ أنواعًا من خوارق العادات، وهي التي ذكرها الله في هذه الآية.
وقيل: إن الذي قاله عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، وكان ابن عمة النبي ﷺ، ثم أسلم بعد ذلك.
والينبوع: العين، قالوا له: إن مكة قليلة الماء ففجِّرْ لنا فيها عينًا من الماء.
_________________
(١) ذكر في المقدمة في الباب الحادي عشر عشرة أوجه من الإعجاز، وذكر هذه الأوجه العشرة أيضًا في كتابه «النور المبين في قواعد عقائد الدين» (ص: ٦٧).
[ ٢ / ٨٣٠ ]
﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ﴾ إشارةٌ إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩].
﴿كِسَفًا﴾ بفتح السين: جمع كِسْفة؛ وهي القطعة.
وقرئ بالإسكان؛ أي: قِطَعًا واحِدًا.
﴿قَبِيلًا﴾ قيل: معناه مقابلة ومعاينة.
وقيل: ضامنًا شاهدًا بصدقك، والقبالة في اللغة: الضمان.
﴿بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ أي: من ذهب.
﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ تعجبٌ من اقتراحاتهم، و(^١) تنزيهٌ لله عن قولهم: ﴿تَأْتِيَ بِاللَّهِ﴾، وعن أن يَطْلُبَ منه هذه الأشياء التي طلبها الكفار؛ لأن ذلك سوءُ أدبٍ.
﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ أي: إنما أنا بشر؛ فليس في قدرتي شيءٌ مما طلبتم، وأنا رسول؛ فليس علي إلا التبليغ.
_________________
(١) في ج: «أو».
[ ٢ / ٨٣١ ]
[﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾].
﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ المعنى: أن الذي منع الناس من الإيمان هو إنكارهم لبعث الرسل (^١) من البشر.
﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ﴾ الآية؛ معناها: أنه لو كان أهل الأرض ملائكة لكان الرسول إليهم ملكًا، ولكنهم بشر؛ فالرسول إليهم بشر من جنسهم.
ومعنى ﴿مُطْمَئِنِّينَ﴾: ساكنين في الأرض.
﴿شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ ذُكر في «الأنعام» (^٢).
﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ قيل: هي استعارات بمعنى أنهم يوم القيامة حيارى.
_________________
(١) في أ، د، هـ: «الرسول».
(٢) انظر صفحة ٢٤٩.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
وقيل: هي حقائق، وأنهم يكونون عَمِيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا حين قيامهم من قبورهم.
﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ معناه في اللغة: سكن لهبها، والمراد هنا: كلما أكلت لحومهم فسكن لهبها بُدِّلوا أجسادًا أُخَرَ، ثم صارت ملتهبة أكثر مما كانت.
﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا﴾ استبعاد للحشر، وقد تَقَدَّمَ معنى الرفات (^١)، والكلام في الاستفهامين (^٢).
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ﴾ الآية؛ احتجاج على الحشر؛ فإن السموات والأرض أكبر من الإنسان، فكما قَدَّرَ الله على خلقتها؛ فأولى وأحرى أن يقدر على إعادة جسد الإنسان بعد فنائه.
والرؤية في الآية رؤية قلب.
﴿أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ القيامة، أو أجل الموت.
﴿قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ «لو» حرف امتناع، ولا يليها إِلَّا الفِعْلُ ظَاهِرًا أو مضمرًا، فلا بد من فعل يُقَدَّرُ هنا بعدها تقديره: لو تملكون، ثم فَسَّرَهُ بـ ﴿تَمْلِكُونَ﴾ الظاهر، و﴿أَنتُمْ﴾ تَأْكِيد لِلضَّمِيرِ الذي في «تملكون» المُضْمَرِ.
﴿خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ أي: الأموال والأرزاق.
﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ﴾ أي: لو ملكتم الخزائن لأمسكتم عن الإعطاء خشية الفقر، فالمراد بالإنفاق: عاقبة الإنفاق؛ وهو الفقر.
_________________
(١) انظر صفحة ٨١٠.
(٢) انظر سور الرعد صفحة ٦٦٩.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
ومفعول ﴿لَأَمْسَكْتُمْ﴾: محذوفٌ.
وقال الزمخشري: لا مفعول له؛ لأن معناه: بَخِلتم؛ من قولهم للبخيل: ممسك (^١).
ومعنى الآية: وصف الإنسان بالشح وخوف الفقر، بخلاف وصف الله تعالى بالجود والغنى.
_________________
(١) انظر: الكشاف (٩/ ٣٨٦).
[ ٢ / ٨٣٤ ]
[﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤) وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾].
﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ الخمس منها: الطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم، والأربع: انقلاب عصاه حية، وإخراج يده بيضاء، وحَلُّ العُقْدَة من لسانه، وفَلْق البحر.
وقد عُدَّ فيها: رفع الطور فوقهم، وانفجار الماء من الحجر، على أن يسقط اثنان من الأُخَر.
وقد عَدَّ فيها -أيضًا-: السنون، والنقص من الثمرات.
وروي أن بعض اليهود سأل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «هي ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان ليقتله، ولا تسحروا،
[ ٢ / ٨٣٥ ]
ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا المحصنات، ولا تفروا يوم الزحف، وعليكم خاصةً اليهود أن لا تعدوا في السبت» (^١).
﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: اسأل المعاصرين لك من بني إسرائيل عما ذكرنا من قصة موسى؛ لتزداد يقينا، والآية - على هذا - خطاب لمحمد ﷺ.
وقال الزمخشري: إن المعنى: قلنا لموسى: اسأل بني إسرائيل من فرعون؛ أي: اطلب منه أن يرسلهم معك، فهو كقوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥]، فالأمر في قوله ﴿فَاسْأَلْ﴾ لموسى على إضمار القول.
وقال - أيضا -: يحتمل أن يكون المعنى: اسأل بني إسرائيل أن يعضدوك ويكونوا معك (^٢).
وهذا أيضًا على أن يكون الخطاب لموسى.
والأول أظهر.
﴿إِذْ جَاءَهُمْ﴾ الضمير لبني إسرائيل، والمراد: آباؤهم الأقدمون.
والعامل في ﴿إِذْ﴾:
على القول الأول: ﴿آتَيْنَا مُوسَى﴾، أو فعل مضمر.
والعامل فيه على قول الزمخشري: القول المحذوف.
﴿مَسْحُورًا﴾ هنا وفي «الفرقان»: أي: سُحِرتَ فاختلط عقلك.
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (١٨٠٩٢)، والترمذي (٢٧٣٣)، (٣١٤٤)، والنسائي في الكبرى (٣/ ٤٤٩)، (٨/ ٤٣).
(٢) انظر: الكشاف (٩/ ٣٨٨).
[ ٢ / ٨٣٦ ]
وقيل: معناه: ساحر.
﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ - بفتح التاء - خطاب لفرعون، والمعنى: أنه علم أن الله أنزل الآيات، ولكنه كفر بها (^١) عنادًا، كقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤].
والإشارة بـ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إلى الآيات.
﴿مَثْبُورًا﴾ أي: مُهْلَكًا، وقيل: مغلوبًا، وقيل: مصروفًا عن الخير.
قابل موسى قول فرعون: ﴿لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ بقوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾.
﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُم مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعني: أرض مصر.
﴿اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ يعني: أرض الشام.
﴿لَفِيفًا﴾ أي: جميعًا مختلطين.
﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ الضمير للقرآن، و﴿بِالْحَقِّ﴾ معناه في الموضعين: بالواجب من المصلحة والسَّداد.
وقيل: معنى الأول كذلك، ومعنى الثاني: ضد الباطل؛ أي: بالحق في أخباره وأوامره ونواهيه.
﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ انتصب بفعل مضمر يدل عليه ﴿فَرَقْنَاهُ﴾، ومعناه: بيَّناه وأوضحناه.
_________________
(١) في ج، هـ: «كَذَّبها».
[ ٢ / ٨٣٧ ]
﴿عَلَى مُكْثٍ﴾ قيل: معناه على تمهُّلٍ وترتيلٍ في قراءته.
وقيل: على طول مدة نزوله شيئًا فشيئًا من حين بعث النبي ﷺ إلى وفاته، وذلك عشرون سنة، وقيل: ثلاث وعشرون.
﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ أُمِرَ باحتقارهم وعدم الاكتراث بهم، كأنه يقول: سواء آمنتم أو لم تؤمنوا؛ لأنكم لستم بحجة، وإنما الحجة أهل العلم من قبله، وهم المؤمنون من أهل الكتاب.
﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ يعني: المؤمنين من أهل الكتاب.
وقيل: الذين كانوا على الحنيفية قبل البعثة؛ كزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل.
والأول أظهر.
وهذه الجملة تعليلٌ لما تقدَّم، والمعنى: إن لم تؤمنوا به أنتم، فقد آمن به من هو أعلم منكم.
﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ أي: لناحية الأذقان، كقولهم: خرَّ لليدين وللفم.
والأذقان: جمع ذَقَنٍ، وهو أسفل الوجه حيث اللحية.
وإنما كرّر ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾؛ لأن الأول للسجود، والثاني للبكاء.
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ سببها: أن الكفار سمعوا رسول الله ﷺ يدعو: «يا الله يا رحمن»، فقالوا: كان محمد يأمرنا بدعاء إله واحد، وها هو يدعو إلهين!، فنزلت الآية مبينة أن قوله: «الله أو الرحمن» اسمان لمسمى واحد، وأنه مخيَّر في الدعاء بأيِّ الاسمين شاء.
[ ٢ / ٨٣٨ ]
والدعاء في الآية بمعنى التسمية؛ كقولك: دعوت ولدي زيدًا، لا بمعنى النداء.
﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ﴿أَيًّا﴾ اسم شرط منصوب بـ ﴿تَدْعُوا﴾، والتنوين فيه عوضٌ من المضاف إليه، و﴿مَا﴾ زائدة للتأكيد، والضمير في ﴿لَهُ﴾ لله تعالى، وهو المسمَّى، لا الاسم.
والمعنى: أيَّ هذين الاسمين تدعو فحسنٌ؛ لأن الله له الأسماء الحسنى فوَضع قوله: ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ موضع الجواب، وهو في المعنى تعليل للجواب؛ لأنه إذا حسُنت أسماؤه كلُّها حسن هذان الاسمان.
﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ المخافتة: هي الإسرار.
وسبب الآية: أن رسول الله ﷺ جهر بالقرآن في الصلاة، فسمعه المشركون، فسبُّوا القرآن ومن أنزله، فأمر رسول الله ﷺ بالتوسُّط بين الإسرار والجهر؛ ليُسمع أصحابه الذين يصلون معه، ولا يُسمع المشركين.
وقيل: المعنى: لا تجهر بصلاتك كلها، ولا تخافت بها كلها، واجعل منها سرًا وجهرًا، حسبما أحكمته السنة.
وقيل: الصلاة هنا الدعاء.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ أي: ليس له ناصر يمنعه من الذُّلِّ؛ لأنه تعالى عزيز، فلا يفتقر إلى وليٍّ يحميه، فنفى الولاية على هذا المعنى؛ لأنه غنيٌّ عنها، ولم ينف الولاية على وجه المحبة والكرامة لمن شاء من عباده.
وحكى الطبري أن قوله: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ ردٌّ على النصارى واليهود، الذين
[ ٢ / ٨٣٩ ]
نسبوا لله ولدًا، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ﴾ ردّ على المشركين، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ ردّ على الصابئين في قولهم: لولا أولياء الله لذلَّ الله، تعالى الله عن قولهم (^١).
﴿وَكَبِّرْهُ﴾ معطوف على ﴿قُلِ﴾، ويحتمل هذا التكبير:
أن يكون بالقلب؛ وهو التعظيم.
أو باللسان؛ وهو أن يقول: «الله أكبر» مع قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية.
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (١٥/ ١٣٩).
[ ٢ / ٨٤٠ ]