[﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾].
﴿الم﴾ اختلف فيه وفي سائر حروف الهجاء في أوائل السور، وهي: ﴿المص﴾، و﴿الر﴾، و﴿المر﴾، و﴿كهيعص﴾، و﴿طه﴾، و﴿طسم﴾، و﴿طس﴾، و﴿يس﴾، و﴿ص﴾، و﴿ق﴾، و﴿حم﴾، و﴿عسق﴾، و﴿ن﴾.
فقال قومٌ: لا تفسَّر؛ لأنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلَّا الله.
قال أبو بكر الصديق: «لله في كل كتاب سرٌّ، وسرُّه في القرآن فواتح السور» (^١).
_________________
(١) لم أقف عليه مسندًا إلى أبي بكر ﵁، ونسبه الثعلبي في تفسير «الكشف والبيان» (١/ ١٣٦) إلى أبي بكر أيضًا، وفي «الدر المنثور» (١/ ١٢٧): «وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ بن حيان في التفسير عن داود بن أبي هند قال: كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور، فقال: يا داود إن لكل كتاب سرًّا، وإن سر هذا القرآن فواتح السور، فدعها وسل عما بدا لك».
[ ١ / ٢٦١ ]
وقال قوم: تفسَّر؛ ثم اختلفوا فيها:
فقيل: هي أسماء للسور.
وقيل: أسماء لله.
وقيل: أشياء (^١) أقسم الله بها.
وقيل: هي حروف مقطَّعة من كلمات؛ فالألف من: «الله»، واللام من: «جبريل»، والميم من: «محمد» ﷺ، ومِثْل ذلك في سائرها.
وورد في الحديث: أن بني إسرائيل فهموا أنها تدلُّ بعدد حروف «أبي جاد» على السنين التي تبقى هذه الأمةُ، وسمع النبيُّ ﷺ منهم ذلك فلم ينكره (^٢).
وقد جمع أبو القاسم السُّهَيلي (^٣) عددَها على ذلك، بعد أن أسقط المكرَّر، فبلغت تسعَ مئة وثلاثةً (^٤).
وإعراب هذه الحروف: يختلف بالاختلاف في معناها (^٥):
فيُتَصوَّر أن تكون في موضع رفع، أو نصب، أو خفض.
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «أسماء».
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٢٢٠).
(٣) هو أبو القاسم وأبو زيد، عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي الأندلسي المالقي السهيلي المالكي، صاحب كتاب «الروض الأُنُف» في شرح سيرة ابن هشام وغيره من التصانيف، توفي سنة (٥٨١ هـ). انظر: وفيات الأعيان، لابن خلكان (٣/ ١٤٣)، والديباج المذهب، لابن فرحون (١/ ٤٨٠).
(٤) انظر: الروض الأنف (٤/ ٤٢٠).
(٥) في د: «معانيها».
[ ١ / ٢٦٢ ]
فالرفع: على أنها مبتدأ، أو خبر ابتداء مضمر.
والنصب: على أنها مفعولة بفعل مضمر.
والخفض: على قول من جعلها مُقْسَمًا بها؛ كقولك: «اللهِ لأفعلَنَّ».
وإنما سُكِّنت لأنها لم يدخل عليها عاملٌ يقتضي حركة؛ فسكونها للوقف، لا للبناء، كقولك في العدد: «واحد، اثنان».
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ هو هنا: القرآن.
وقيل: التوراة والإنجيل.
وقيل: اللوح المحفوظ.
والأول هو الصحيح الذي يدلُّ عليه سياق الكلام، ويشهد (^١) له مواضع من القرآن المقصودُ فيها إثبات أن القرآن من عند الله؛ كقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ٢] يعني: القرآن باتفاق.
وخبر ﴿ذَلِكَ﴾: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
وقيل: خبره ﴿الْكِتَابُ﴾؛ فعلى هذا: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ جملة مستقلة؛ فيوقف عليها
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شكَّ أنه من عند الله؛ في نفس الأمر، وفي اعتقاد أهل الحق. ولم يعتبر اعتقاد أهل الباطل.
﴿فِيهِ﴾ خبر ﴿لَا﴾ (^٢)؛ فيوقف عليه.
_________________
(١) في ج، د: «وتشهد».
(٢) في ب، د: «وخبر ﴿لَا﴾: ﴿فِيهِ﴾».
[ ١ / ٢٦٣ ]
وقيل: خبرها محذوف؛ فيوقف على: ﴿لَا رَيْبَ﴾.
والأول أرجح؛ لتعيُّنه في قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ في مواضع أُخَرَ.
فإن قيل: فهلا قدَّم قوله: ﴿فِيهِ﴾ على الريب كقوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧]؟
فالجواب: أنه إنما قصد نفي الريب عنه، ولو قدَّم ﴿فِيهِ﴾ لكان إشارةً إلى أنَّ ثَمَّ كتابًا آخر فيه ريبٌ، كما أن ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ إشارة إلى أن خمر الدنيا فيها غول، وهذا المعنى يبعد قصده؛ فلم يقدَّم الخبر (^١).
﴿هُدًى﴾ هنا بمعنى: الإرشاد؛ لتخصيصه بالمتقين.
ولو كان بمعنى البيان لعمَّ؛ كقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وإعرابه:
خبر ابتداءٍ.
أو مبتدأ، وخبره: ﴿فِيهِ﴾ عند من يقف (^٢): ﴿لَا رَيْبَ﴾.
أو منصوب على الحال، والعامل فيه الإشارة.
﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ مُفتعلين؛ من التقوى، وقد تقدَّم معناه في «اللغات» (^٣).
_________________
(١) انظر: الكشاف للزمخشري (٢/ ٥٥).
(٢) في هامش هـ زيادة: «على».
(٣) انظر المادة (٩٥) في اللغات.
[ ١ / ٢٦٤ ]
* نتكلَّم في (^١) التقوى في ثلاثة فصول:
- الأوَّل: في فضائله المستنبطة من القرآن، وهي خمس عشرة:
[١] الهدى؛ لقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
[٢] والنُّصرة؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ [النحل: ١٢٨].
[٣] والولاية؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩].
[٤] والمحبة؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦].
[٥] والمعرفة؛ لقوله: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩].
[٦] والمخرج من الغمِّ.
[٧] والرزق من حيث لا يحتسب؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا﴾ الآية [الطلاق: ٢].
[٨] وتيسير الأمور؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤].
[٩] وغُفران الذنوب.
[١٠] وإعظام الأجور؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥].
[١١] وتقبل الأعمال؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
[١٢] والفلاح؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩].
_________________
(١) في د، وهامش أ: «على».
[ ١ / ٢٦٥ ]
[١٣] والبشرى؛ لقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤].
[١٤] ودخول الجنة؛ لقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [القلم: ٣٤].
[١٥] والنجاة من النار؛ لقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢].
- الفصل الثاني: البواعث على التقوى (^١) عشرة:
[١] خوف العقاب الأخراوي.
[٢] وخوف العقاب الدنياوي.
[٣] ورجاء الثواب الدنيوي.
[٤] ورجاء الثواب الأخروي.
[٥] وخوف الحساب.
[٦] والحياء من نظر الله، وهو مقام المراقبة.
[٧] والشُّكر على نعمه بطاعته.
[٨] والعلم؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
[٩] وتعظيم جلال الله، وهو مقام الهيبة.
[١٠] وصدق المحبة فيه؛ لقول القائل:
تعصي الإله وأنت تُظهرُ حبَّه! … هذا محالٌ في القياس بديعُ
_________________
(١) في ب، د زيادة: «وهي».
[ ١ / ٢٦٦ ]
لو كان حبُّك صادقًا لأطعته … إنَّ المحبَّ لمن يحبُّ مُطيعُ (^١)
ولله درُّ القائل:
قالت -وقد سألت عن حال عاشقها-: … بالله صفْهُ ولا تُنقص ولا تَزِدِ
فقلتُ: لو كان رهنَ الموت من ظمإٍ … وقلتِ: قفْ عن ورود الماء: لم يَرِدِ (^٢)
- الفصل الثالث: درجات التقوى خمس:
[١] أن يتَّقيَ العبد الكفر، وذلك مقام الإسلام.
[٢] وأن يتقي المعاصي والمحرَّمات، وهو مقام التوبة.
[٣] وأن يتقي الشبهات، وهو مقام الورع.
[٤] وأن يتقي المباحات، وهو مقام الزهد.
[٥] وأن يتقي حضور غير الله على قلبه، وهو مقام المشاهدة.
_________________
(١) البيتان لعبد الله بن المبارك، أوردهما ابن عساكر بإسناده في «تاريخ دمشق» (٣٢/ ٤٦٩)، وانظر: ديوان ابن المبارك، جمع وتحقيق ودراسة: د. مجاهد مصطفى بهجت.
(٢) البيتان لأبي القاسم أحمد بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم طباطبا الحسني الرسي المصري، كما في يتيمة الدهر لأبي منصور الثعالبي (١/ ٤٩٨)، ووفيات الأعيان (١/ ١٢٩)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٧/ ٨١٧)، ولفظ البيتين هكذا في المصادر: قالت لِطيفِ خيالٍ زارني ومضى … بالله صفْهُ ولا تَنقُص ولا تَزِدِ فقال: أبصرتُه لو مات من ظمإٍ … وقلتِ: قفْ عن ورود الماء: لم يَرِدِ ونُسب أيضًا إلى أبي المطاع ذي القرنين ابن ناصر الدولة كما في يتيمة الدهر (١/ ١١٨)، قال الذهبي: «ولم يصح».
[ ١ / ٢٦٧ ]
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ فيه قولان:
يؤمنون بالأمور المغيَّبات، كالآخرة وغيرها؛ فالغيب -على هذا-: بمعنى الغائب؛ إمَّا:
تسميةً بالمصدر، كعدْلٍ.
وإما تخفيفًا من فَعِيْل؛ كَمَيْت.
والآخر: يؤمنون في حال غيبتهم، أي: باطنًا وظاهرًا.
و﴿بِالْغَيْبِ﴾:
على القول الأوَّل: يتعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾.
وعلى الثاني: في موضع الحال.
ويجوز في ﴿الَّذِينَ﴾ أن يكون:
خفضًا على النعت.
أو نصبًا على إضمار فعل.
أو رفعًا على أنه خبر ابتداء.
﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ إقامتها: عملها؛ من قولك: «قامت السوق»، وشبه ذلك.
والكمال: المحافظة عليها في أوقاتها، وبالإخلاص لله في فعلها، وتوفية شروطها، وأركانها، وسننها، وفضائلها، وحضور القلب، والخشوع فيها، وملازمة الجماعة في الفرائض، والإكثار من النوافل.
[ ١ / ٢٦٨ ]
﴿يُنْفِقُونَ﴾ فيه ثلاثة أقوال:
الزكاة؛ لاقترانها مع الصلاة.
والثاني: أنه التطوُّع.
والثالث: العموم، وهو الأرجح؛ لأنه لا دليل على التخصيص.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ اخْتُلِفَ:
هل هم المذكورون قبلُ؛ فيكون (^١) من عطف الصفات؟ أو هم غيرهم - وهم مَنْ أسلم من أهل الكتاب -؛ فيكون عطفًا للمغايرة؟ أو مبتدأ، وخبره: الجملة بعده؟
﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: القرآن.
﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: التوراة، والإنجيل، وغيرهما من كتب الله ﷿.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيةُ فيمن سبق القدر أنه لا يؤمن، كأبي جهل.
فإن كان ﴿الَّذِينَ﴾ للجنس: فلفظها عامٌّ يراد به الخصوص.
وإن كان للعهد: فهو إشارةٌ إلى قوم بأعيانهم، وقد اختلف فيهم:
فقيل: المراد من قُتِل ببدر من كفار قريش.
وقيل: المراد حُيَيُّ بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديَّان.
﴿سَوَاءٌ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، و﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ فاعلٌ به؛ لأنه في تقدير المصدر.
_________________
(١) في أ زيادة: «قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾» ورمز لها أعلى السطر: «خ».
[ ١ / ٢٦٩ ]
أو ﴿سَوَاءٌ﴾ مبتدأ، و﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ خبره.
أو العكس؛ وهو أحسن.
و﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ على هذه الوجوه:
استئناف للبيان، أو للتأكيد.
أو خبر بعد خبر.
أو تكون الجملة اعتراضًا، و﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الخبر.
والهمزة في ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ لمعنى التسوية، قد انسلخت من معنى الاستفهام.
﴿خَتَمَ﴾ الآية تعليل لعدم إيمانهم، وهو عبارة عن إضلالهم؛ فهو مجاز.
وقيل: حقيقة، وأن القلب كالكف، يُقبض مع زيادة الضلال إصبعًا إصبعًا حتى يختم عليه.
والأوَّل أبرع.
﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ معطوف على ﴿قُلُوبِهِمْ﴾؛ فيوقف عليه.
وقيل: الوقف على ﴿قُلُوبِهِمْ﴾، والسمع راجع إلى ما بعده.
والأول أرجح؛ لقوله: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ [الجاثية: ٢٣].
﴿غِشَاوَةٌ﴾ مجاز باتفاق.
وفيه دليل على وقوع المجاز في القرآن، خلافًا لمن منعه.
ووحد السمع؛ لأنه مصدر في الأصل، والمصادر لا تجمع.
[ ١ / ٢٧٠ ]
[﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾].
﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ أصل الناس: أَنَاسٌ؛ لأنه مشتق من الأُنس، وهو اسم جمع، وحذفت الهمزة مع لام التعريف تخفيفًا.
﴿مَنْ يَقُولُ﴾ إن كانت اللام في ﴿النَّاسِ﴾: للجنس: فـ ﴿مَنْ﴾ موصوفة.
وإن جعلتها للعهد: فـ ﴿مَنْ﴾ موصولة.
وأفرد الضمير في ﴿يَقُولُ﴾ رَعْيًا للفظ: ﴿مَنْ﴾.
[ ١ / ٢٧١ ]
﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ هم المنافقون، وكانوا جماعة من الأوس والخزرج، رأسهم: عبد الله بن أبيّ بن سلول، يظهرون الإسلام ويسرُّون الكفر.
ويسمَّى الآن من كان كذلك: زنديقًا.
وهم في الآخرة: مخلَّدون في النار.
وأما في الدنيا:
فإن لم تقم عليهم بينةٌ: فحكمهم كالمسلمين في دمائهم وأموالهم.
وإن شهد على معتقدهم شاهدان عدلان:
فمذهب مالك: القتل، دون الاستتابة.
ومذهب الشافعي: الاستتابة وترك القتل.
فإن قيل: كيف جاء قولهم ﴿آمَنَّا﴾ جملةً فعلية، و﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ جملةً اسمية؛ فهلاَّ طابقتها؟
فالجواب: أن قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أبلغ وأوكد في نفي الإيمان عنهم من أن لو قال: «وما آمنوا» (^١).
فإن قيل: لم جاء قولهم: ﴿آمَنَّا﴾ مقيدًا بالله واليوم الآخر، و﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ مطلقًا؟
فالجواب: أنه يحتمل وجهين:
التقييد؛ وتَرَكَه (^٢) لدلالة الأوّل عليه.
_________________
(١) انظر: الكشاف (٢/ ١٥٧).
(٢) في ج، هـ: «وتُرِك».
[ ١ / ٢٧٢ ]
والإطلاق، وهو أعمُّ في سلبهم عن الإيمان (^١).
﴿يُخَادِعُونَ﴾ أي: يفعلون فعل المخادع، ويرومون الخَدْعَ بإظهار خلاف ما يسرُّون.
وقيل: معناه يخادعون رسول الله ﷺ.
والأول أظهر.
﴿وَمَا يُخَادِعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾ أي: وبالُ فعلهم راجعٌ عليهم.
وقرئ: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ - بفتح الياءِ من غير ألف -: مِنْ خَدَع، وهو أبلغ في المعنى؛ لأنه يقال: خادع: إذا رام الخداع، وخدع: إذا تمَّ له.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ حُذف معموله (^٢)، أي: لا يشعرون أنهم يخدعون أنفسهم.
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يَحتملُ:
أن يكون حقيقةً؛ وهو الألم الذي يجدونه من الخوف وغيره.
وأن يكون مجازًا؛ بمعنى الشك، أو الحسد.
﴿فَزَادَهُمُ﴾ يَحتمل: الدعاء والخبر.
﴿يُكَذِّبُونَ﴾ -بالتشديد- أي: يكذِّبون الرسول ﷺ.
وقرئ بالتخفيف؛ أي: يَكْذِبون في قولهم: آمنا.
_________________
(١) انظر: الكشاف (٢/ ١٥٩).
(٢) في ب، د: «مفعوله».
[ ١ / ٢٧٣ ]
﴿لَا تُفْسِدُوا﴾ أي: بالكفر والنميمة وإيقاع الشرِّ وغير ذلك.
﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ يحتمل:
أن يكون جحودًا للكفر؛ لقولهم: ﴿آمَنَّا﴾.
أو اعتقادًا أنهم على إصلاح
﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ أصحاب النبي ﷺ.
والكاف يحتمل: أن تكون للتشبيه، أو التعليل.
و﴿مَا﴾ يحتمل:
أن تكون كافّةً مُهَيِّئَةً (^١)؛ كما هي في «ربما».
وأن تكون مصدريةً.
﴿أَنُؤْمِنُ﴾ إنكارٌ منهم وتقبيحٌ.
﴿هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ ردٌّ عليهم، وإناطةٌ للسَّفه بهم.
وكذلك: ﴿هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾.
وجاء بالألف واللام؛ ليفيد حصر السفه والفساد فيهم، وأكَّده بـ «إنَّ» وبـ «أَلَا» التي تقتضي الاستئناف وتنبيه المخاطب.
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ كَذِبًا؛ خوفًا من المؤمنين.
﴿خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ هم: رؤساء الكفَّار (^٢).
_________________
(١) هذه الكلمة سقطت من ب، ج، هـ.
(٢) في ب، ج، هـ: «الكفر»، وكذا في هامش أ ورمز له بـ «خ».
[ ١ / ٢٧٤ ]
وقيل: شياطين الجن، وهو بعيد.
وتعدَّى «خلا» بـ «إلى»؛ لأنه ضُمِّن معنى: مشوا، أو ذهبوا، أو ركنوا.
وقيل: «إلى» بمعنى «مع»، أو بمعنى الباء.
وجاء قولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ بجملة اسمية؛ مبالغة وتأكيدًا بخلاف قولهم: ﴿آمَنَّا﴾؛ فإنه جاء بالفعل؛ لضعف إيمانهم.
﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ فيه ثلاثة أقوال:
تسمية العقوبة باسم الذنب؛ كقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤].
وقيل: يُملي لهم؛ بدليل قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾.
وقيل: يفعل بهم في الآخرة ما يظهر لهم أنه استهزاء بهم؛ كما جاء في سورة «الحديد»: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ الآية [الحديد: ١٣] (^١).
﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾: يزيدهم.
وقيل: يُملي لهم.
وقد ذُكر ﴿يَعْمَهُونَ﴾ (^٢).
﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ عبارةٌ عن تركهم الهدى مع تمكُّنهم منه، ووقوعهم في الضلالة؛ فهو مجاز بديع.
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: «لا إشكال فيما ذكر المؤلف من الوجوه؛ فلكل منها وجه. وأقربها الثاني والثالث؛ فإن في كل منهما استهزاءً بالفعل».
(٢) انظر المادة (٣٩٢) في اللغات.
[ ١ / ٢٧٥ ]
﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ترشيحٌ للمجاز؛ لمّا ذكر الشراءَ ذكر ما يتبعه من الربح والخسران.
وإسناد عدم الربح إلى التجارة مجازٌ -أيضًا-؛ لأن الرابح أو الخاسر هو التاجر.
﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ في هذا الشراء، أو على الإطلاق.
قال الزمخشري: نفى الربحَ في قوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ﴾، ونفى سلامة رأس المال في قوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (^١).
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ﴾ إن كان المثل -هنا- بمعنى: حالُهم وصفتهم: فالكاف للتشبيه.
وإن كان المثل بمعنى: الشبه: فالكاف زائدة.
﴿اسْتَوْقَدَ﴾ أي: أوقد.
وقيل: طلب الوقود؛ على الأصل في «استفعل».
﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾ إن تعدّى: فـ ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ مفعولٌ به.
وإن لم يتعدّ: فـ ﴿مَا﴾ زائدة، أو ظرفية.
﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي: أذهبه، وهذه الجملة جواب ﴿لَمَّا﴾؛ فالضمير في ﴿بِنُورِهِمْ﴾ عائدٌ على ﴿الَّذِي﴾؛ وهو على هذا بمعنى: «الذين»، وحذفُ النون منه لغةٌ.
_________________
(١) انظر: الكشاف (٢/ ٢٢٠).
[ ١ / ٢٧٦ ]
وقيل: جواب ﴿لَمَّا﴾ محذوفٌ تقديره: طَفِئتِ النار؛ و﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾: جملةٌ مستأنفةٌ، والضمير عائد على المنافقين؛ فعلى هذا يكون ﴿الَّذِي﴾ على بابه من الإفراد.
(والأول أرجح) (^١)، والأرجح: أنه إنَّما أُعيد عليه ضمير الجماعة؛ لأنه لم يُقصد بالذي: واحدٌ بعينه، إنما المقصود التشبيه بمن استوقد نارًا، سواء كان واحدًا أو جماعة، ثم أُعيد الضمير بالجمع ليطابق المشبَّه؛ لأنهم جماعة.
فإن قيل: ما وجه تشبيه المنافقين بصاحب النار التي أضاءت ثم أظلمت؟
فالجواب: من ثلاثة أوجه (^٢):
أحدها: أنَّ منفعتهم في الدنيا -بدعوى الإيمان- شبيهةٌ بالنور، وعذابهم في الآخرة شبيه بالظلمة بعده.
والثاني: أنَّ اختفاء كفرهم كالنور، وفضيحتهم بعده كالظلمة.
والثالث: أنَّ ذلك فيمن آمن منهم ثم كفر، فإيمانه نورٌ، وكفره بعده ظلمة.
ويرجِّح هذا قولُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [المنافقون: ٣].
فإن قيل: لم قال: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ولم يقل: «ذهب الله بضوئهم»؛ مشاكلةً لقوله: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾؟
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) انظر: المحرر الوجيز (١/ ١٣٤)؛ والكشاف (٢/ ٢٤٢).
[ ١ / ٢٧٧ ]
فالجواب: أنَّ ذهاب (^١) النور أبلغ؛ لأنه إذهاب للقليل والكثير، بخلاف الضوء؛ فإنما (^٢) يَنطلقُ (^٣) على الكثير.
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ يُحتمل أن يراد به: المنافقون، أو المستوقدون المشبَّه بهم.
وهذه الأوصاف مجازٌ، عبارةٌ عن عدم انتفاعهم بسمعهم وأبصارهم وكلامهم، وليس المراد فقدَ الحواسِّ.
﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ إن أريد به المنافقون فمعناه: لا يرجعون إلى الهدى.
وإن أريد به أصحاب النار فمعناه: أنهم متحيِّرون في الظلمة، لا يَبْرَحُونَ (^٤)، ولا يهتدون إلى الطريق.
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ عطف على: ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾، والتقدير: أو كصاحب صيِّبٍ.
و﴿أَوْ﴾ للتنويع؛ لأنَّ هذا مثل آخر ضربه الله للمنافقين.
والصيب: المطر، وأصله: صَيْوِب، ووزنه فَيْعِل، وهو مشتق من قولك: صاب يصوب.
وفي قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ إشارةٌ إلى قوَّته وشدَّة انصبابه.
_________________
(١) في هامش أ: «خ: إذهاب».
(٢) في ج، د، هـ: «فإنه».
(٣) في ب: «يطلق».
(٤) في ج، د: «لا يرجعون».
[ ١ / ٢٧٨ ]
قال ابن مسعود: إنَّ رجلين من المنافقين هربا إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر وأيقنا بالهلاك، فعزما على الإيمان، ورجعا إلى النبي ﷺ وحسن إسلامهما، فضرب الله ما نزل بهما مثلًا للمنافقين.
وقيل: المعنى: تشبيهُ المنافقين في حيرتهم في الدين وفي خوفهم على أنفسهم: بمن أصابه مطر فيه ظلمات ورعد وبرق، فضلَّ عن الطريق وخاف الهلاك على نفسه؛ وهذا التشبيه على الجملة.
وقيل: إنَّ التشبيه على التفصيل؛ فالمطر: مَثَلٌ للقرآن أو الإسلام، والظلمات: مثل لما فيه من الإشكال على المنافقين، والرعد: مثل لما فيه من الوعيد والزجر لهم، والبرق: مثل لما فيه من البراهين الواضحة.
فإن قيل: لم قال: ﴿وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ بالإفراد، ولم يجمعه كما جمع ﴿ظُلُمَاتٌ﴾؟
فالجواب: أنَّ الرعد والبرق مصدران، والمصدر لا يجمع.
ويحتمل أن يكونا اسمين، وترك جمعهما لأنهما في الأصل مصدران (^١).
﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ أي: من أجل الصواعق.
قال ابن مسعود: كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم؛ لئلا يسمعوا القرآن في مجلس النبي ﷺ.
فهو -على هذا- حقيقةٌ في المنافقين.
_________________
(١) انظر: الكشاف (٢/ ٢٦٩).
[ ١ / ٢٧٩ ]
والصواعق على هذا: ما يكرهون من القرآن، والموت: هو ما يتخوفونه؛ فهما مجازان.
وقيل: إنه راجع لأصحاب المطر المشبَّه بهم، فهو حقيقة فيهم.
والصواعق على هذا حقيقة، وهي التي تكون مع المطر من شدَّة الرعد، ونزول قطعة نار، والموت -أيضًا- حقيقة.
وقيل: إنه راجع للمنافقين على وجه التشبيه لهم في خوفهم بمن جعل أصابعه في أُذُنِه (^١) من شدة الخوف من المطر والرعد.
فإن قيل: لم قال: ﴿أَصَابِعَهُمْ﴾ ولم يقل: «أناملهم»؛ والأنامل هي التي تجعل في الآذان؟
فالجواب: أنَّ ذكر الأصابع أبلغ؛ لأنها أعظم من الأنامل؛ ولذلك جَمعها، مع أن الذي يجعل في الآذان السبابة خاصة (^٢).
﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ أي لا يفوتونه، بل هم تحت قهره، وهو قادر على عقابهم.
﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ إن رجع الضمير إلى أصحاب المطر -وهم الذين شبه بهم المنافقين-: فهو بيّن المعنى.
وإن رجع إلى المنافقين: فهو تشبيه بمن أصابه البرق على وجهين:
أحدهما: تكاد براهين القرآن تلوح لهم كما يُضيءُ البرق؛ وهذا مناسبٌ
_________________
(١) في أ: «آذانه».
(٢) انظر: الكشاف (٢/ ٢٧١).
[ ١ / ٢٨٠ ]
لتمثيل البراهين بالبرق حسبما تقدَّم.
والآخر: يكاد زجر القرآن ووعيده يأخذهم كما يكاد البرق يخطف أبصار أصحاب المطر المشبَّه بهم.
﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ إن رجع إلى أصحاب المطر فالمعنى: أنهم يمشون بضوء البرق إذا لاح لهم.
وإن رجع إلى المنافقين فالمعنى: أنه (^١) يلوح لهم من الحق ما يقرُبون به من الإيمان.
﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ إن رجع إلى أصحاب المطر فالمعنى: أنهم إذا زال عنهم الضوء وقفوا متحيّرين لا يعرفون الطريق.
وإن رجع إلى المنافقين فالمعنى:
أنه إذا ذهب عنهم ما لاح لهم من الإيمان: ثبتوا على كفرهم.
وقيل: إنَّ المعنى: كلما صلحت أحوالهم في الدنيا قالوا: هذا دين مبارك؛ فهذا مثل الضوء، وإذا أصابتهم شدَّةٌ أو مصيبة عابوا الدين وسخطوه؛ فهذا مثل الظلمة.
فإن قيل: لم قال مع الإضاءة: ﴿كُلَّمَا﴾، ومع الإظلام: ﴿وَإِذَا﴾؟
فالجواب: أنَّهم لما كانوا حِرَاصًا على المشي: ذكر معه ﴿كُلَّمَا﴾؛ لأنها تقتضي التكرار والكثرة (^٢).
_________________
(١) في أ: «أنهم» وفي الهامش: «خ: أنه».
(٢) انظر: الكشاف (٢/ ٢٧٨).
[ ١ / ٢٨١ ]
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية: إن رجع إلى أصحاب المطر فالمعنى: لو شاء الله لأذهب سمعهم بالرعد، وأبصارهم بالبرق.
وإن رجع إلى المنافقين فالمعنى: لو شاء الله لأوقع بهم العذاب والفضيحة؛ وجاءت العبارة عن ذلك بإذهاب سمعهم وأبصارهم.
والباء للتعدية؛ كما هي في قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾.
[ ١ / ٢٨٢ ]
[﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ الآية: لما قدَّم اختلاف الناس في الدين، وذكر ثلاث طوائف: المؤمنين، والكافرين، والمنافقين= أتبع ذلك بدعوة الخلق إلى عبادة الله.
وجاءت الدعوةُ عامةً لجميع الناس؛ لأن النبي ﷺ بعث إلى جميع الناس.
[ ١ / ٢٨٣ ]
﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ يدخل فيه: الإيمانُ به سبحانه، وتوحيده، وطاعته.
فالأمر بالإيمان به: لمن كان جاحدًا.
والأمر بالتوحيد: لمن كان مشركًا.
والأمر بالطاعة: لمن كان مؤمنًا.
﴿لَعَلَّكُمْ﴾ يتعلق:
بـ ﴿خَلَقَكُمْ﴾؛ أي خلقكم لتتقوه؛ كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
أو بفعل مقدَّر من معنى الكلام أي: دعوتُكم إلى عبادة الله؛ لعلكم تتقون؛ وهذا أحسن.
وقيل: يتعلق بقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾؛ وهذا ضعيف.
وإن كانت «لعل» للترجي فتأويله: أنه في حق المخلوقين؛ جريًا على عادة كلام العرب.
وإن كانت للمقاربة أو التعليل: فلا إشكال.
والأظهر فيها: أنها لمقاربة الأمر؛ نحو: «عسى»؛ فإذا قالها الله فمعناها: إطماع العباد، وهكذا القول فيها حيثما وردت في كلام الله تعالى.
﴿الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ تمثيلٌ؛ لَمَّا كانوا يقعدون وينامون عليها كالفراش؛ فهو مجاز.
وكذلك ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾.
[ ١ / ٢٨٤ ]
﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: «من»: للتبعيض، أو لبيان الجنس؛ لأن الثمر هو المأكول من الفواكه وغيرها.
والباء في ﴿بِهِ﴾: سببيةٌ، أو كقولك: «كتبت بالقلم»؛ لأنَّ الماء سببٌ في خروج الثمرات بقدرة الله تعالى.
﴿فَلَا تَجْعَلُوا﴾: «لا»:
ناهية.
أو نافية؛ وانتصب الفعل بإضمار «أن» بعد الفاء في جواب ﴿اعْبُدُوا﴾.
والأول أظهر.
﴿أَندَادًا﴾ يراد به هنا: الشركاء المعبودون مع الله جلَّ وعلا.
﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حُذف مفعوله مبالغةً وبلاغةً؛ أي: وأنتم تعلمون وحدانيته بما ذكر لكم من البراهين.
وفي ذلك بيان لقبح كفرهم بعد معرفتهم بالحق.
ويتعلَّق قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا﴾ بما تقدَّم من البراهين.
ويحتمل أن يتعلَّق بقوله: ﴿اعْبُدُوا﴾.
والأول أظهر.
* فوائد ثلاث:
الأولى: هذه الآية تضمنَّت دعوةَ الخلق إلى عبادة الله بطريقين:
أحدهما: إقامة البراهين بخِلقتهم وخلقة السموات والأرض والمطر والثمرات.
[ ١ / ٢٨٥ ]
والآخر: ملاطفةٌ جميلةٌ بذكر ما لله عليهم من الحقوق ومن الإنعام، فذكر أوَّلًا ربوبيته لهم، ثم ذكر خلقته لهم وآبائهم؛ لأن الخالق يستحقُّ أن يعبد، ثم ذكر ما أنعم به عليهم من جعل الأرض فراشًا والسماء بناءً، ومن إنزال المطر، وإخراج الثمرات؛ لأنَّ المنعم يستحق أن يعبد ويشكر، وانظر قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾، و﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ يدلك على ذلك؛ لتخصيصه ذلك بهم؛ فما أجملها من ملاطفةٍ وخطاب بديع!.
الثانية: المقصود الأعظم من هذه الآية: الأمر بتوحيد الله وترك ما عبد من دونه؛ لقوله في آخرها: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾، وذلك هو الذي يُترجَم عنه بقولنا: «لا إله إلا الله»؛ فيقتضي ذلك: الأمر بالدخول في دين الإسلام الذي قاعدته التوحيد، وقول «لا إله إلا الله».
الثالثة: تكرَّر في القرآن ذكر المخلوقات، والتنبيه على الاعتبار في الأرض والسموات والحيوان والنبات والرياح والأمطار والشمس والقمر والليل والنهار؛ وذلك أنها تدلُّ بالعقل على عشرة أمور؛ وهي:
[١] أن الله موجود؛ لأنَّ الصنعة دليل على الصانع لا محالة.
[٢] وأنه واحدٌ لا شريك له؛ لأنه لا خالق إلَّا هو (^١)، ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧].
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله: (لأنه لا خالق إلَّا هو) توجيه لدلالة المخلوقات على أنه واحد؛ وهذا ليس بجيدٍ في صياغة الاستدلال؛ لأنه تعليل للشيء بنفسه؛ فكأنه قال: دلت على أنه واحد؛ لأنه واحد. ولا يخفى ما فيه.
[ ١ / ٢٨٦ ]
[٣ - ٦] وأنه حيٌّ، قدير، عالم (^١)، مُريد؛ لأنَّ هذه الصفات الأربع من شروط الصانع؛ إذ لا تصدر صنعة عمَّن عَدِم صفةً منها.
[٧] وأنه قديم؛ لأنه صانع للمحدثات، فيستحيل أن يكون مثلها في الحدوث.
[٨] وأنه باقٍ؛ لأن ما (^٢) ثبت قِدَمُه استحال عدمه.
[٩] وأنه حكيم؛ لأن آثار حكمته ظاهرة في إتقانه للمخلوقات، وتدبيره للملكوت.
[١٠] وأنه رحيم؛ لأن في كل ما خلق منافع لبني آدم، سخر لهم ما في السموات وما في الأرض.
وأكثر ما يأتي ذكر المخلوقات في القرآن في معرض الاستدلال على وجوده تعالى، أو على وحدانيته (^٣).
_________________
(١) في أ: «عليم».
(٢) في ب، د: «من».
(٣) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله: (وأكثر ما يأتي ذكر المخلوقات في القرآن في معرض الاستدلال على وجوده تعالى، أو على وحدانيته)، أقول: في هذا نظر؛ فإن المخاطبين ليسوا جاحدين لوجود الله؛ بل مشركين في العبادة؛ فالمقصود الأول من ذكر المخلوقات الاستدلال بها على توحيد الإلهية، وهم يقرون بأنه الخالق لهذه المخلوقات، فاحتجَّ عليهم بما أقروا به على ما أنكروه من توحيد الإلهية، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾، ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾، ولما قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ أتبع ذلك بقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ =
[ ١ / ٢٨٧ ]
فإن قيل: لم قصر الخطاب بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ على المخاطبين دون الذين من قبلهم، مع أنه أمر الجميع بالتقوى؟
فالجواب: أنه لم يقصره عليهم في المعنى، ولكنه غلّب المخاطبين على الغائبين في اللفظ، والمراد الجميع (^١).
فإن قيل: هلّا قال: «لعلكم تعبدون»؛ مناسبةً لقوله: ﴿اعْبُدُوا﴾؟
فالجواب: أنَّ التقوى غايةُ العبادة وكمالها؛ فكان قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أبلغَ وأوقعَ في النفوس (^٢).
﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ الآية إثبات لنبوة محمد ﷺ؛ بإقامة الدليل على أنَّ القرآن الذي جاء به من عند الله.
فلما قدّم إثبات الإلهية: أعقبها بإثبات النبوة.
فإن قيل: كيف قال: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ﴾، ومعلوم أنهم كانوا في ريب وفي تكذيب؟
فالجواب: أنه ذكر حرف «إنْ» إشارةً إلى أنَّ الريب بعيد عند العقلاء في
_________________
(١) = مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، فتضمّنت الآيتان الأمر بعبادته تعالى، والنهي عن الشرك به، وذكر المقتضي لذلك، وهو خلق الأولين والآخرين وخلق السماوات والأرض وما بينهما، ونظائر ذلك كثير.
(٢) انظر: الكشاف (٢/ ٢٩٧).
(٣) انظر: الكشاف (٢/ ٢٩٩).
[ ١ / ٢٨٨ ]
مثل هذا الأمر الساطع البرهان؛ فلذلك وضع حرف التوقع والاحتمال في الأمر (^١) الواقع؛ لبعد وقوع الريب وقبحه عند العقلاء، كما قال تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (^٢).
﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ هو النبي ﷺ.
والعبودية على وجهين:
عامة، وهي التي بمعنى الملك.
وخاصة، وهي التي يراد بها التشريف والتخصيص، وهي من أشرف أوصاف العباد، ولله در القائل:
لا تدعني إلَّا بيا عبده … فإِنَّه أشرفُ أسمائي (^٣)
﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ أمر يراد به التعجيز.
﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ الضمير عائد:
على: ﴿مَا نَزَّلْنَا﴾، وهو القرآن، و«من»: لبيان الجنس.
وقيل: يعود على النبي ﷺ؛ فـ «من» -على هذا-: لابتداء الغاية، ومعناه: من بشر مثله.
_________________
(١) في ج، هـ زيادة: «الماضي».
(٢) انظر: الكشاف (٢/ ٥٤).
(٣) هذا البيت ذكره أبو عبد الرحمن السلمي في «طبقات الصوفية» (ص: ٢٤٥) بإسناده إلى أبي عبد الله المغربي (ت ٢٩٩ هـ).
[ ١ / ٢٨٩ ]
والأول أرجح؛ لتعيُّنه (^١) في «يونس» و«هود».
ومعنى: ﴿مِثْلِهِ﴾: في فصاحته، وفيما تضمَّن من العلوم، والحكم العجيبة، والبراهين الواضحة.
﴿شُهَدَاءَكُم﴾: آلهتكم، أو أعوانكم، أو من يشهد لكم.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غير الله.
وقيل: هو من الدنيء الحقير؛ فهو مقلوب اللفظ.
﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ اعتراض بين الشرط وجوابه، فيه مبالغةٌ وبلاغةٌ، وهو إخبار ظهر مصداقُه في الوجود؛ إذ لم يقدر أحد أن يأتي بمثل القرآن، مع فصاحة العرب في زمان نزوله، وتصرُّفهم في الكلام، وحرصهم على التكذيب.
وفي الإخبار بذلك معجزةٌ أخرى.
وقد اختلف في عجز الخلق عنه على قولين:
أحدهما: أنه ليس في قدرتهم الإتيان بمثله، وهو الصَّحيح.
والثاني: أنه كان في قدرتهم وصُرِفوا عنه.
والإعجاز حاصل على الوجهين.
وقد بيَّنا سائر وجوه إعجازه في المقدمات (^٢).
_________________
(١) في ب، ج، د: «لتعيينه».
(٢) انظر صفحة ١١٨.
[ ١ / ٢٩٠ ]
﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ أي: فآمنوا؛ لتنجوا من النار، وعبر بالملازم عن ملازمه؛ لأنَّ ذكر النار أبلغ في التفخيم والتهويل والتخويف.
﴿وَقُودُهَا﴾ حطبها.
﴿وَالْحِجَارَةُ﴾ قال ابن مسعود: هي حجارة الكبريت؛ لسرعة اتِّقادها، وشدَّة حرِّها، وقبح رائحتها.
وقيل: الحجارة المعبودة.
وقيل: الحجارة على الإطلاق.
﴿أُعِدَّتْ﴾ دليلٌ على أنها قد خُلقت، وهو مذهب الجماعة وأهل السنة، خلافًا لمن قال: إنها تخلق يوم القيامة.
وكذلك الجنة.
﴿وَبَشِّرِ﴾ يحتمل أن يكون:
خطابًا للنبي ﷺ.
أو خطابًا لكل أحد، ورجَّح الزمخشري هذا (^١)؛ لأنه أفخم.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ دليلٌ على أنَّ الإيمان خلاف العمل؛ لعطفه عليه، خلافًا لمن قال: الإيمان اعتقاد، وقول، وعمل.
وفيه دليلٌ على أن السعادة بالإيمان مع الأعمال، خلافًا للمرجئة (^٢).
_________________
(١) انظر: الكشاف (٢/ ٣٤٣).
(٢) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: «في كلام المؤلف مسألتان: المسألة الأولى: قوله: «دليلٌ على أن الإيمان خلاف العمل؛ لعطفه عليه». =
[ ١ / ٢٩١ ]
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: تحت أشجارها وتحت مبانيها.
وهي: أنهار الماء، واللبن، والخمر، والعسل. وهكذا (^١) تفسيره حيث وقع.
وروي أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود (^٢).
﴿مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ﴾ «من» الأولى: للغاية، أو للتبعيض، أو لبيان الجنس. و«من» الثانية: لبيان الجنس.
﴿رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في الدنيا؛ بدليل قولهم: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦)﴾ [الطور: ٢٦] أي: في الدنيا، فإن في الجنة أجناس ثمر الدنيا، وإن كانت خيرًا منها في المطعم والمنظر.
_________________
(١) = أقول: ظاهره أنه يقرر هذا الاستدلال، وهو بهذا يوافق جميع طوائف المرجئة في الاستدلال بهذه الآية على إخراج الأعمال عن مسمى الإيمان، وأهل السنة يخالفونهم في أصل المسألة وفي الاستدلال بالآية، فيقولون: العمل من الإيمان، لدلائل كثيرة من الكتاب والسنة، كحديث وفد عبد القيس وحديث شعب الإيمان. ويقولون: العطف لا يقتضي المغايرة دائما، بل منه عطف الخاص على العام، ومن ذلك عطف الأعمال على الإيمان. المسألة الثانية: قوله: «وفيه دليل على أن السعادة بالإيمان مع الأعمال، خلافًا للمرجئة». أقول: هذا الاستدلال صحيح، ولكن قوله: «خلافا للمرجئة» لا يصح على الإطلاق؛ لأن مرجئة الفقهاء لا ينازعون في هذا، وإنما ينازع في هذا المرجئة الجهمية، القائلين: لا يضر مع الإيمان ذنب».
(٢) في ج، د: «وهذا».
(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٠٥).
[ ١ / ٢٩٢ ]
﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ أي: يشبه ثمر الدنيا في جنسه.
وقيل: يشبه بعضه بعضًا في المنظر، ويختلف في المطعم.
والضمير المجرور يعود على: المرزوق الذي يدلُّ عليه المعنى.
﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ أي: من الحيض وأقذار النساء ومن سائر الأقذار التي لا تختصُّ بالنساء، كالبول وغيره.
ويحتمل أن يريد: طهارة الطِّباع، وطيب الأخلاق.
﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾ تأوَّل قومٌ أن معناه: لا يترك؛ لأنهم زعموا أنَّ الحياء مستحيل على الله؛ لأنه -عندهم-: انكسارٌ يمنع من الوقوع في أمرٍ.
وليس كذلك؛ وإنما هو: كرم وفضيلة تمنع من الوقوع فيما يعاب.
ويردُّ عليهم: قوله ﷺ: «إن الله حييٌّ كريم يستحي من العبد إذا رفع إليه يديه أن يردَّهما صفرًا» (^١) (^٢).
﴿أَنْ يَضْرِبَ﴾ سبب الآية: أنَّه لمَّا ذُكر في القرآن الذباب والنمل والعنكبوت عاب الكفار ذلك.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٤٨٨)، والترمذي (٣٥٥٦) وابن ماجه (٣٨٦٥) جميعهم من حديث سلمان الفارسي ﵁.
(٢) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: «كلام المؤلف مستقيم، على مذهب أهل السنة؛ لأنه تضمن إثبات الحياء لله على ما يليق به، وأنكر على من زعم أنه ممتنع على الله، مما أوجب لهم تحريف الآية بتأويل الحياء بالترك، واستدل المؤلف لما ذهب إليه بالحديث، وهو استدلال صحيح».
[ ١ / ٢٩٣ ]
وقيل: لما ضرب المثلين المتقدِّمين في المنافقين تكلَّموا في ذلك؛ فنزلت الآية ردًّا عليهم.
﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ إعراب ﴿بَعُوضَةً﴾:
مفعول بـ ﴿يَضْرِبَ﴾، و﴿مَثَلًا﴾ حال.
أو ﴿مَثَلًا﴾ مفعول، و﴿بَعُوضَةً﴾ بدل منه، أو عطف بيان.
أو هما مفعولان بـ ﴿يَضْرِبَ﴾؛ لأنها - على هذا المعنى - تتعدَّى إلى مفعولين، كجعل.
و﴿مَا﴾: صفة للنكرة، أو زائدة.
﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ في الكِبَر.
وقيل: في الصِّغَر. والأول أظهر.
﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾؛ لأنه لا يستحيل على الله أن يذكر ما شاء، ولأن ذكر تلك الأشياء فيه حكمةٌ، وضَرْبُ أمثالٍ، وبيانٌ للناس، ولأنَّ الصادق جاء بها من عند الله.
﴿مَاذَا أَرَادَ﴾ لفظه: الاستفهام، ومعناه: الاستبعاد والاستهزاء والتكذيب.
وفي إعراب ﴿مَاذَا﴾ وجهان:
أن تكون «ما» مبتدأً، و«ذا» خبره، وهي موصولة.
وأن تكون كلمة مركَّبة في موضع نصب على المفعول بـ ﴿أَرَادَ﴾.
[ ١ / ٢٩٤ ]
و﴿مَثَلًا﴾ منصوب على: الحال، أو التمييز.
﴿يُضِلُّ بِهِ﴾ من كلام الله؛ جوابًا للذين قالوا: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾.
وهو -أيضًا- تفسيرٌ لما أراد الله بضرب المثل من الهدى والضلال.
﴿عَهْدَ اللَّهِ﴾ مطلقٌ في العهود، وكذلك ما بعده من القطع والفساد.
ويحتمل:
أن يشارَ بنقض عهد الله إلى اليهود؛ لأنهم نقضوا العهد الذي أخذ الله عليهم في الإيمان بمحمد ﷺ.
ويشار بقطع ما أمر الله به أن يوصل إلى قريش؛ لأنهم قطعوا الأرحام التي بينهم وبين المؤمنين.
ويشار بالفساد في الأرض إلى المنافقين؛ لأن الإفساد (^١) من أفعالهم، حسَبما تقدَّم في وصفهم (^٢).
﴿مِيثَاقِهِ﴾ الضمير: للعهد، أو لله تعالى.
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ موضعُها (^٣): الاستفهام، ومعناها هنا: الإنكار والتوبيخ.
_________________
(١) في ب، د: «الفساد».
(٢) في ب، ج، هـ: «صفتهم».
(٣) في ب، ج، هـ: «موضوعها».
[ ١ / ٢٩٥ ]
﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا﴾ أي: معدومين، أو في أصلاب الآباء، أو نُطَفًا في الأرحام.
﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ أي: أخرجكم إلى الدنيا.
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ الموت المعروف.
﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بالبعث.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للجزاء.
وقيل: الحياة الأولى: حين أخرجهم من صلب آدم لأخذ العهد.
وقيل: في الحياة الثانية: إنها في القبور.
والراجح القول الأول؛ لتعيُّنه في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الحج: ٦٦].
* فوائد ثلاث:
الأولى: هذه الآية في معرض الردِّ على الكفار، وإقامة البرهان على بطلان قولهم.
فإن قيل: إنما يصحُّ الاحتجاج عليهم بما يعترفون به، فكيف يحتجُّ عليهم بالبعث وهم منكرون له؟
فالجواب: أنهم أُلزِموا، من ثبوت ما اعترفوا به من الحياة والموت، ثبوتَ البعث؛ لأن القدرة صالحة لذلك كلّه.
الثانية: قوله: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا﴾ في موضع الحال.
[ ١ / ٢٩٦ ]
فإن قيل: كيف جاء دون «قد» وهي لازمة مع الفعل الماضي إذا كان في موضع الحال؟
فالجواب: أنه قد جاء بعد الماضي مستقبل، والمراد: مجموع الكلام؛ كأنه يقول: وحالكم هذه؛ فلذلك لم تلزم «قد» (^١).
الثالثة: عطف ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بالفاء؛ لأن الحياة إثْرُ العدم، لا تراخي بينهما، وعطف ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ و﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بـ «ثم»؛ للتَّراخي الذي بينهما.
﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ دليلٌ على إباحة الانتفاع بما في الأرض.
﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي: قصد لها.
والسماء -هنا-: جنس؛ ولأجل ذلك أعاد عليها بَعْدُ ضميرَ الجماعة.
﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ أي: أتقن خَلْقَتهنَّ؛ كقوله: ﴿فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧]. وقيل: جعلهنَّ سواءً.
* فائدة: هذه الآية تقتضي أنه خلق السماء بعد الأرض، وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النازعات: ٣٠] ظاهرهُ خلاف ذلك؛ والجواب من وجهين:
أحدهما: أن الأرض خُلِقت قبل السماء، ودُحِيت بعد ذلك، فلا تعارض.
والآخر: أن تكون «ثمَّ» لترتيب الإخبار.
_________________
(١) انظر: الكشاف (٢/ ٤١٣).
[ ١ / ٢٩٧ ]
[﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾].
﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾ جمع مَلَك، واختلف في وزنه:
فقيل: فَعْلٌ؛ فالميم أصلية، ووزن ملائكة على هذا: فعائلة.
وقيل: هو من الألوكة، وهي الرِّسالة، فوزنه مَفْعَلٌ وأصله: مَأْلُكٌ، ثم حذفت الهمزة، ووزن ملائكة على هذا: مَفَاعِلة، ثم قلب وأخرت الهمزة؛ فصار: مَعَافِلة؛ وذلك بعيد.
﴿خَلِيفَةً﴾ هو آدم ﵇؛ لأنَّ الله استخلفه في الأرض.
وقيل: ذُرِّيته؛ لأنَّ بعضهم يخلف بعضًا.
[ ١ / ٢٩٨ ]
والأوَّل أرجح، ولو أراد الثاني لقال: خلفاء.
﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ الآية؛ سؤالٌ محضٌ؛ لأنهم استبعدوا أن يستخلف الله مَنْ يعصيه.
وليس فيه اعتراضٌ؛ لأنَّ الملائكة منزَّهون عنه.
وإنما علِموا أنَّ بني آدم يفسدون:
بإعلام الله إياهم بذلك.
وقيل: كان في الأرض جنٌّ فأفسدوا، فبعث الله إليهم ملائكةً فقتلتهم، فقاس الملائكة بني آدم عليهم.
﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ﴾ اعترافٌ، والتزام للتسبيح، لا افتخارٌ ولا منَّةٌ.
﴿بِحَمْدِكَ﴾ أي: حامدين لك، والتقدير: نسبِّح مُلتبسين (^١) بحمدك؛ فهو في موضع الحال.
﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ يحتمل:
أن تكون الكاف مفعولًا، ودخلت عليها اللام؛ كقولك: ضربتُ لزيدٍ.
أو أن يكون المفعول محذوفًا، أي: نقدِّسك، على معنى: ننزِّهك أو نعظِّمك، وتكون اللام في ﴿لَكَ﴾ للتعليل؛ أي: لأجلك.
أو يكون التقدير: نقدِّس أنفسنا -أي نطهِّرها- لك.
﴿أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: ما يكون في بني آدم من الأنبياء والأولياء،
_________________
(١) في ب، د، هامش أ ورمز له بـ «خ»: «متلبسين».
[ ١ / ٢٩٩ ]
وغير ذلك من المصالح والحكمة.
﴿الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ أي: أسماء بني آدم.
أو (^١) أسماء أجناس الأشياء، كتسمية الفرس والشجرة وغير ذلك.
﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ أي: عرض المسمّيات، وهي أشخاص بني آدم، أو (^٢) أجناس الأشياء.
﴿أَنْبِئُونِي﴾ أمرٌ على وجه التعجيز.
﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: في قولكم: إنَّ الخليفة يُفسد في الأرض ويسفك الدماء.
وقيل: إن كنتم صادقين في جواب السؤال والمعرفة بالأسماء.
﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ اعترافٌ.
﴿أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ أي: أنبئ الملائكة بأسماء ذرِّيتك، أو بأسماء أجناس الأشياء.
﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ السجود له على وجه التحيَّة.
وقيل: عبادة لله، وآدم كالقبلة.
﴿فَسَجَدُوا﴾ روي أنَّ أوَّل من سجد إسرافيل؛ ولذلك جازاه الله بولاية اللوح المحفوظ (^٣).
_________________
(١) في ج، هـ: «و».
(٢) في ج، هـ: «و».
(٣) أخرجه ابن عساكر بإسناده في «تاريخ دمشق» (٧/ ٣٩٨).
[ ١ / ٣٠٠ ]
﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ استثناءٌ متصلٌ عند من قال: إنه كان مَلَكًا.
ومنقطع عند من قال: إنه كان من الجن.
﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ لقوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢].
﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ قيل: كفر بإبايته من السجود؛ وذلك بناء على أن المعصية كفر.
والأظهر: أنه كفر باعتراضه على الله، وتسفيهه له في أمره بالسجود لآدم، وليس كفره كفر جحود؛ لاعترافه بالربوبية.
﴿وَزَوْجُكَ﴾ هي حواء، خلقها الله من ضِلَعِ آدم.
ويقال: زوجةٌ، وزوجٌ؛ وهذا أفصح.
﴿الْجَنَّةَ﴾ هي جنةُ الخلد عند الجماعة وأهل السنة، خلافًا لمن قال: هي غيرها.
﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾ النهي عن القرب يقتضي النهي عن الأكل بطريق الأولى، وإنما نهى عن القرب سدًّا للذريعة؛ فهذا أصل في سد الذرائع.
﴿الشَّجَرَةَ﴾ قيل: هي شجرة العنب، وقيل: شجرة التين، وقيل: الحنطة.
وذلك مفتقر إلى نقل صحيح، واللفظ مبهم.
﴿فَتَكُونَا﴾ عطف على ﴿تَقْرَبَا﴾.
أو: نصب بإضمار «أنْ» بعد الفاء في جواب النهي.
﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ متعدٍّ: من زَلَلِ القدم.
[ ١ / ٣٠١ ]
و﴿أَزَالَهُمَا﴾ بالألف: من الزوال.
﴿عَنْهَا﴾ الضمير عائد:
على الجنة.
أو على الشجرة؛ فتكون «عن» -على هذا- سببية.
* فائدة: اختلفوا في أكل آدم الشجرة:
فالأظهر: أنه كان على وجه النِّسيان؛ لقوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥].
وقيل: سَكِر من خمر الجنة، وحينئذٍ أكل منها؛ وهذا باطل؛ لأن خمر الجنة لا تُسكِر.
وقيل: أكلها عمدًا، وهي معصية صغرى؛ وهذا عند من أجاز على الأنبياء الصغائر.
وقيل: تأوَّل آدم أن النهي كان عن شجرة معينة، فأكل من غيرها من جنسها.
وقيل: لما حلف له إبليس صدَّقه؛ لأنه ظنَّ أنه لا يحلف أحدٌ كاذبًا.
﴿اهْبِطُوا﴾ خطاب لآدم وزوجه وإبليس؛ بدليل: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.
﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ موضعُ استقرار؛ وهو في مدَّة الحياة.
وقيل: في بطن الأرض بعد الموت.
﴿وَمَتَاعٌ﴾ ما يتمتَّع به.
[ ١ / ٣٠٢ ]
﴿إِلَى حِينٍ﴾ إلى الموت.
﴿فَتَلَقَّى﴾ أي: أخذ وقَبِلَ على قراءة الجماعة.
وقرأ ابن كثير بنصب "آدم" ورفع الكلمات؛ فـ ﴿تَلَقَّى﴾ - على هذا -: من اللقاء.
﴿كَلِمَاتٍ﴾ هي قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]؛ بدليل ورودها في «الأعراف».
وقيل غير ذلك.
﴿اهْبِطُوا﴾ كُرِّر؛ لِيُناط به ما بعده.
ويحتمل: أن يكون أحدُ الهبوطين من السماء، والآخر من الجنة.
وأن يكون هذا الثاني: لذريّة آدم؛ لقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم﴾، والأول: لآدم وزوجه وإبليس.
وروي أن آدم نزل بسَرَنْديب من أرض الهند، وحواء بجدَّة، وإبليس بالأُبُلَّة (^١).
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم﴾ «إنْ»: شرطية، و«ما» زائدة؛ للتأكيد.
والهدى هنا يراد به: كتاب (^٢) الله ورسالاته.
﴿فَمَنْ تَبِعَ﴾ شرطٌ، وهو جواب الشرط الأول.
وقيل: ﴿فَلَا خَوْفٌ﴾ جواب الشرطين.
_________________
(١) الأُبُلَّة: بلدة قريبة من البصرة في العراق. انظر: معجم البلدان (١/ ٧٦).
(٢) في ب: «كتب».
[ ١ / ٣٠٣ ]
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ لمَّا قدَّم دعوة الناس عمومًا، وذكر مبدأهم: دعا بني إسرائيل خصوصًا، وهم اليهود.
وجرى الكلام معهم من هنا إلى حزب: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾.
فتارةً دعاهم بالملاطفة وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم.
وتارة بالتخويف.
وتارةً بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم، وذكر العقوبات التي عاقبهم.
* فذكر من النِّعم عليهم عشرة أشياء، وهي:
[١] ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩].
[٢] و﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠].
[٣] و﴿بَعَثْنَاكُم مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦].
[٤] و﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧].
[ ١ / ٣٠٤ ]
[٥] و﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧].
[٦] و﴿عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٢].
[٧] و﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤].
[٨] و﴿يَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨].
[٩] و﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣].
[١٠] و﴿فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠].
* وذكر من سوء أفعالهم عشرة أشياء:
[١] قولهم: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣].
[٢] و﴿اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٢].
[٣] وقولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣].
[٤] و﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩].
[٥] و﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١].
[٦] و﴿يُحَرِّفُونَهُ﴾ [البقرة: ٧٥].
[٧] و﴿تَوَلَّيْتُم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٤].
[٨] و﴿قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٧٤].
[٩] و﴿وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٥].
[١٠] و﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [النساء: ١٥٥].
[ ١ / ٣٠٥ ]
* وذكر من عقوباتهم عشرة أشياء:
[١ - ٢ - ٣] ﴿مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١].
[٤] و﴿يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩].
[٥] و﴿فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤].
[٦] و﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة: ٦٥].
[٧] و﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٥٩].
[٨] و﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة: ٥٥].
[٩] و﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣].
[١٠] و﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠].
وهذا كُله جرى لآبائهم المتقدمين، وخوطب به المعاصرون لمحمد ﷺ؛ لأنهم متبعون لهم راضون بأحوالهم.
* وقد وَبَّخ المعاصرين (^١) لمحمد ﷺ بتوبيخات أخر، وهي عشرة:
[١] كتمانهم أمر محمد ﷺ مع (^٢) معرفتهم به.
[٢] و﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ [النساء: ٤٦].
_________________
(١) في ب، د، هـ: «وَبَّخَ المعاصرون».
(٢) في د: «بعد».
[ ١ / ٣٠٦ ]
[٣] و﴿يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩].
[٤ - ٥] و﴿تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٥].
[٦] وحرصهم على الحياة.
[٧] وعداوتهم لجبريل.
[٨] واتباعهم للسحر.
[٩] وقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٨].
[١٠] وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤].
﴿نِعْمَتِيَ﴾ اسم جنس؛ فهي مفردة بمعنى الجمع، ومعناها عام في جميع النِّعم التي على بني إسرائيل مما اشترك فيه معهم غيرهم، أو اختصوا هم به، كالمن والسلوى.
وللمفسرين فيه أقوال؛ تُحمل على أنها أمثلة، واللفظ يعمُّ جميعها.
﴿بِعَهْدِي﴾ مطلق في كل ما أخذ عليهم من العهود.
وقيل: الإيمان بمحمد ﷺ، وذلك قوي؛ لأنه مقصود الكلام.
﴿بِعَهْدِكُمْ﴾ دخول الجنة.
﴿وَإِيَّايَ﴾ مفعول بفعل مضمر مؤخَّر؛ لانفصال الضمير، وليفيد الحصر، يفسره: ﴿فَارْهَبُونِ﴾؛ لأنَّه قد أخذ معمولَه (^١).
_________________
(١) في د: "مفعوله".
[ ١ / ٣٠٧ ]
وكذلك: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾.
﴿بِمَا أَنزَلْتُ﴾ يعني: القرآن.
﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ أي: مصدِّقًا للتوراة.
* وتصديقُ القرآن للتوراة وغيرِها، وتصديقُ محمدٍ ﷺ للأنبياء المتقدمين له ثلاثة معان:
أحدها: أنهم أخبروا به، ثم ظهر كما قالوا؛ فتبيَّن صدقهم في الإِخبار به.
والآخر: أنه ﷺ أخبر أنهم أنبياء، وأن الله أنزل عليهم الكتب؛ فهو مصدِّقٌ لهم؛ أي: شاهدٌ بصدقهم.
والثالث: أنه ﷺ وافقهم فيما في كتبهم من التوحيد وذكر الدار الآخرة وغير ذلك من عقائد الشرائع؛ فهو مصدق لهم؛ لاتفاقه معهم في الإِيمان بذلك.
﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ الضمير عائد على القرآن.
وهذا نهيٌ عن المسابقة إلى الكفر به، ولا يقتضي إباحة الكفر به في ثاني حالٍ؛ لأن هذا مفهوم معطَّل، بل يقتضي الأمر بمبادرتهم إلى الإِيمان به؛ لما يجدون في كتبهم من ذكره، ولما يعرفون من علاماته.
﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الاشتراء هنا: استعارة في الاستبدال؛ كقوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾.
والآيات هنا: هي الإِيمان بمحمدٍ ﷺ.
[ ١ / ٣٠٨ ]
والثمن القليل: ما ينتفعون به في الدنيا من بقاء رئاستهم، وأخذ الرُّشَا على تغيير أمر محمد ﷺ، وغير ذلك.
وقيل: كانوا يعلِّمون دينهم بالأجرة فنُهوا عن ذلك.
واحتجَّ الحنفية بهذه الآية على منع الأُجرة (^١) على تعليم القرآن.
﴿الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ الحق هنا يراد به: نبوة محمد ﷺ، والباطل: الكفر به.
وقيل: الحق: التوراة، والباطل: ما زادوا فيها.
﴿وَتَكْتُمُوا﴾ معطوف على النهي.
أو منصوب بإضمار «أنْ» في جواب النهي، والواو بمعنى الجمع.
والأول أرجح؛ لأنَّ العطف يقتضي النهي عن كل واحد من الفعلين، بخلاف النصب بالواو؛ فإنه إنما يقتضي النهي عن الجمع بين الشيئين، لا النهي عن كل واحد على انفراده.
﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون أنه حق.
﴿الصَّلَاةَ﴾ و﴿الزَّكَاةَ﴾ يراد بها: صلاة المسلمين وزكاتهم؛ فهو يقتضي الأمر بالدخول في الإسلام.
﴿وَارْكَعُوا﴾ خصَّص الركوع بعد ذكر الصلاة؛ لأنَّ صلاة اليهود بلا ركوع، فكأنه أمر بصلاة المسلمين التي فيها الركوع.
وقيل: الركوع: الخضوع والانقياد.
_________________
(١) في ج، هـ: «الإجارة».
[ ١ / ٣٠٩ ]
﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ هم المسلمون؛ فيقتضي ذلك: الأمر بالدخول في دينهم. وقيل: الأمر بالصلاة مع الجماعة.
﴿أَتَأْمُرُونَ﴾ تقريع وتوبيخ لليهود.
﴿بِالْبِرِّ﴾ عام في أنواعه؛ فوبخهم على أمر الناس به وتركهم له.
وقيل: كان الأحبار يأمرون مَنْ نصحوه في السرّ باتباع محمد ﷺ، ولا يتَّبعونه. وقال ابن عباس: كانوا يأمرون باتباع التوراة، ويخالفونها في جحدهم منها صفة محمد ﷺ.
﴿وَتَنْسَوْنَ﴾ أي: تتركون، وهذا تقريع.
﴿تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ حجة عليهم.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ توبيخ.
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قيل: معناه: استعينوا بهما على مصائب الدنيا، وقد روي أنَّ رسول الله ﷺ: «كان إذا حزبه (^١) أمر فزع إلى الصلاة» (^٢)، ونُعي إلى ابن عباس أخوه قُثَم فصلى ركعتين وقرأ الآية (^٣).
وقيل: استعينوا بهما على طلب الآخرة.
وقيل: الصبر هنا الصوم.
_________________
(١) في ج، هـ: «حزنه»، وفي ب، د: «أحزنه»، والمثبت هو الموافق لما في الرواية.
(٢) أخرجه أحمد (٢٣٢٩٩)، وأبو داود (١٣١٩).
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٦٢٠).
[ ١ / ٣١٠ ]
وقيل: الصلاة هنا الدعاء.
﴿وَإِنَّهَا﴾ الضمير عائد:
على العبادة التي تضمنها الصبر والصلاة.
أو على الاستعانة.
أو على الصلاة.
﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ أي: شاقَّةٌ صعبة.
﴿يَظُنُّونَ﴾ هنا: يتيقَّنون.
* * *
[ ١ / ٣١١ ]
[﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾].
﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي أهل زمانهم.
وقيل: تفضيلٌ من وجهٍ ما، وهو كثرةُ الأنبياء و(^١) غيرُ ذلكَ.
﴿لَا تَجْزِي﴾ لا تغني، و﴿شَيْئًا﴾: مفعولٌ بهِ.
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «أو».
[ ١ / ٣١٢ ]
أو صفةٌ لمصدر محذوف.
والجملة في موضع الصفة، وحُذِف الضميرُ؛ أي: فيه.
﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ ليس نفي الشفاعة مطلقًا؛ فإنَّ مذهب أهل الحق ثبوتُ شفاعة النبي ﷺ، وشفاعة الملائكة والأنبياء والمؤمنين، وإنما المراد: أنه لا يشفع أحدٌ إلَّا بعد أن يأذن الله له؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ولقوله: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣]، ولقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، وانظر ما ورد في الحديث أنَّ رسول الله ﷺ يسجد يوم القيامة يستأذن في الشفاعة، فيقال له: «اشفع تشفع» (^١).
فكلُّ ما ورد في القرآن من نفي الشفاعة مطلقًا يحمل على هذا؛ لأنَّ المطلق يحمل على المقيد، فليس في هذه الآيات المطلقة دليل للمعتزلة على نفي الشفاعة.
﴿عَدْلٌ﴾ هنا: فدية.
﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ جمع؛ لأنَّ النفس المذكورة يراد بها نفوس.
﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم﴾ تقديره: اذكروا إذ نجيناكم، أي: نجينا آباءكم.
وجاء الخطاب للمعاصرين للنبي ﷺ؛ لأنهم ذريَّتهم وعلى دينهم ومتبعون لهم، فحكمهم كحكمهم، وكذلك فيما بعد هذا:
من تَعداد النعم؛ لأنَّ الإنعام على الآباء إنعامٌ على الأبناء.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤).
[ ١ / ٣١٣ ]
ومن ذكر مساوئهم؛ لأنَّ ذريتهم راضون بها.
﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ المراد: من فرعون وآله؛ وحذف لدلالة المعنى.
وآل فرعون: هم جنوده وأشياعه وآل دينه، لا قرابته خاصة.
ويقال: إنَّ اسمه: الوليد بن مصعب، وهو من ذرية عمليق.
ويقال: «فرعون»: لكل مَنْ ولي مصر.
وأصل «آل»: أهل، ثم أبدل من الهاء همزةٌ، وأبدل من الهمزة ألفٌ.
* فائدة: كلُّ ما ذُكر في هذه السورة من الأخبار معجزاتٌ للنبي ﷺ؛ لأنه أخبر بها من غير تعلُّم.
﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أي: يُلزِمونه لكم، وهو استعارة من السَّوم في البيع.
وفسَّر سوء العذاب بقوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ ولذلك لم يعطفه هنا.
وأما حيث عطفه في سورة «إبراهيم» فيحتمل:
أن يراد بـ ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ غير ذلك؛ فيكون عطف مغايرة.
أو أراد به ذلك؛ وعطفه لاختلاف اللفظ.
وكان سبب قتل فرعون لأبناء بني إسرائيل:
أنه أخبره الكهان والمنجمون أنَّ هلاكه على يد مولود ذكرٍ من بني إسرائيل.
[ ١ / ٣١٤ ]
وقيل: إنَّ آل فرعون تذاكروا وعد الله لإبراهيم بأن يجعل في ذرّيته ملوكًا وأنبياء فحسدهم (^١) على ذلك.
وروي: أنه وكَّل بالنساء رجالًا يحفظون من يحمل منهنَّ (^٢).
وقيل: بل وكَّل على ذلك القوابل؛ ولأجل هذا قيل: معنى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾: يُفتّشون الحيا من كل امرأة، وهو فرجها، وهذا بعيد. والأظهر: أنه من الحياة ضدَّ الموت.
﴿فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ أي: فصلناه، وجعلناه فِرَقًا، اثني عشر طريقًا، على عدد الأسباط.
والباء: سببية، أو للمصاحبة. والبحر المذكور هنا: هو بحر القُلْزُوم.
﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ هي: شهر ذي قعدة وعشر ذي الحجة. وإنما خصَّ الليالي بالذكر لأنَّ التاريخ بها، والأيام تابعة لها، والمراد: أربعين ليلة بأيامها.
﴿اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: اتخذتموه إلها؛ فحذف لدلالة المعنى.
﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: (^٣) بعد غيبته في الطُّور.
﴿الْكِتَابَ﴾ هنا: التوراة.
_________________
(١) في ب، د: «فحسدوهم».
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٦٤٦).
(٣) في ب، ج، د زيادة: «من».
[ ١ / ٣١٥ ]
﴿وَالْفُرْقَانَ﴾ أي: المفرّق بين الحق والباطل، وهو صفة للتوراة؛ عطف عليها لاختلاف اللفظ.
وقيل: الفرقان هنا: فَرَق البحر.
وقيل: المعنى: آتينا موسى الكتاب، وآتينا محمّدًا الفرقان؛ وهذا بعيد؛ لما فيه من الحذف من غير دليل عليه.
﴿فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ أي: يقتل بعضكم بعضًا؛ كقوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١].
وروي: أن من لم يعبد العجل قُتل من عبده (^١).
وروي: أنَّ الظلام أُلْقي عليهم فقتل بعضهم بعضًا، حتى بلغ القتلى سبعين ألفًا، فعفا الله عنهم (^٢).
وإنما خصَّ هنا اسم البارئ؛ لأن فيه توبيخًا للذين عبدوا العجل؛ كأنه يقول: كيف عبدتم غير الذي برأكم. ومعنى البارئ: الخالق.
﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ قبله محذوف؛ لدلالة الكلام عليه، وهو فحوى الخطاب، أي: ففعلتم ما أُمرتم به من القتل فتاب عليكم.
﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ تعدَّى باللام؛ لأنه تضمَّن معنى الانقياد.
﴿جَهْرَةً﴾ عيانًا.
﴿الصَّاعِقَةُ﴾ الموت.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٤٠).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٦٨٠).
[ ١ / ٣١٦ ]
وكانوا سبعين، وهم الذين اختارهم موسى وحملهم إلى الطور، فسمعوا كلام الله، ثم طلبوا الرؤية فعوقبوا؛ لسوء أدبهم، وجرأتهم على الله.
﴿وَظَلَّلْنَا﴾ أي: جعلنا الغمام فوقهم كالظُّلة يقيهم حرَّ الشمس، وكان ذلك في التِّيه.
وكذلك أنزل عليهم فيه المنَّ والسلوى لما عَدِموا الطعام.
وقد فسَّرنا ﴿الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ في «اللغات» (^١).
﴿كُلُوا﴾ معمول لقول محذوف.
﴿هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ بيت المقدس، وقيل: أريحاء، وقيل: قريب من بيت المقدس.
﴿فَكُلُوا﴾ جاء هنا بالفاء التي للترتيب؛ لأن الأكل بعد الدخول فيها.
وجاء في «الأعراف» بالواو بعد قوله: ﴿اسْكُنُوا﴾؛ لأن الأكل مقارن للسكنى.
﴿سُجَّدًا﴾ قيل: معناه رُكَّعًا؛ لأن الدخول لا يتأتَّى معه السجود.
وقيل: متواضعين.
﴿حِطَّةٌ﴾ تقدَّم في «اللغات» (^٢).
﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: نزيدهم أجرًا إلى المغفرة.
_________________
(١) انظر المادتين: (٣٠٥)، (٤٩٣) في اللغات.
(٢) انظر المادة (١٣٤) في اللغات.
[ ١ / ٣١٧ ]
﴿فَبَدَّلَ﴾ روي أنه قالوا: حنطة.
وروي: حبة في شعرة.
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني: المذكورين، ووضع الظاهر موضع المضمر؛ لقصد ذمهم بالظلم.
وكرَّره زيادة في تقبيح أمرهم.
﴿رِجْزًا﴾ روي أنهم أصابهم الطاعون، فمات منهم سبعون ألفًا.
* * *
[ ١ / ٣١٨ ]
[﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠) وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾].
﴿اسْتَسْقَى﴾ طَلَبَ السُّقْيا لمَّا عطشوا في التيه.
﴿الْحَجَرَ﴾ كان مربَّعًا؛ ذراعًا في ذراع، تنفجر من كل جهة ثلاث عيون.
وروي: أنَّ آدم كان أهبطه من الجنة.
وقيل: هو جنس غير معيَّن؛ وذلك أبلغ في الإعجاز.
﴿فَانفَجَرَتْ﴾ قبله محذوف تقديره: فضربه فانفجرت.
﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ أي: موضع شربهم، وكانوا اثني عشر سِبْطًا؛ لكل سبط عينٌ.
﴿كُلُوا﴾ أي: من المنِّ والسلوى.
﴿وَاشْرَبُوا﴾ من الماء المذكور.
﴿وَفُومِهَا﴾ هي الثوم. وقيل: الحنطة.
﴿أَدْنَى﴾ من الدنيء الحقير.
وقيل: أصله «أدون»، ثم قُلب بتأخير عينه وتقديم لامه.
[ ١ / ٣١٩ ]
﴿مِصْرًا﴾ قيل: البلد المعروف؛ وصُرِف لسكون وسطه.
وقيل: هو غير معين فهو نكرة؛ لما روي أنهم نزلوا بالشام.
والأول أرجح؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] يعني: مصر.
﴿وَضُرِبَتْ﴾ أي قُضِي عليهم بها، وأُلزموها.
وجعله الزمخشري استعارة؛ مِنْ ضربِ القُبَّة؛ لأنها تعلو الإنسان وتحيط به (^١).
﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾ الفاقة، وقيل: الجزية.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ الإشارة إلى: ضرب الذِّلَّة، والمسكنة، والغضب.
والباء للتعليل.
﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الآيات المتلوة، أو العلامات.
﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ معلوم أنه لا يقتل نبيٌّ إلا بغير حق، وإنما نصَّ عليه تشنيعًا لقبح فعلهم، ولأنهم اجترؤوا على قتلهم مع معرفتهم بأنه بغير حق؛ وذلك أقبح.
* فائدة: قال هنا: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بالتعريف، فاللام للعهد؛ لأنه قد تقرَّرت الموجبات لقتل النفس.
وقال في الموضع الآخر من «آل عمران»: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ٢١]
_________________
(١) انظر: الكشاف (٢/ ٥٠٧).
[ ١ / ٣٢٠ ]
بالتنكير؛ لاستغراق النفي؛ لأن تلك نزلت في المعاصرين لمحمد ﷺ.
﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ يحتمل:
أن يكون تأكيدًا للأول.
أو تكون الإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى القتل والكفر، والباء لتعليل ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: اجترأوا على الكفر وقتل الأنبياء لمَّا انهمكوا في العصيان والعدوان.
* * *
[ ١ / ٣٢١ ]
[﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾].
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية: قال ابن عباس: نسخها: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].
وقيل: معناها: إنَّ هؤلاء الطوائف من آمن منهم إيمانًا صحيحًا فله أجره؛ فيكون في حق المؤمنين: الثبات إلى الموت، وفي حق غيرهم: الدخول
[ ١ / ٣٢٢ ]
في الإسلام؛ فلا نسخ.
وقيل: إنها فيمن كان قبل بعث النبي ﷺ؛ فلا نسخ.
﴿مَنْ آمَنَ﴾ مبتدأ، خبره: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾، والجملة خبر ﴿إِنَّ﴾.
أو: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ بدل، و﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾.
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ لما جاء موسى بالتوراة أبوا أن يقبلوها؛ فرفع الجبل فوقهم وقيل لهم: إن لم تأخذوها وقع عليكم.
﴿بِقُوَّةٍ﴾ جدّ في تعلم التوراة، أو العمل بها.
﴿اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ اصطادوا فيه الحوت، وكان محرّمًا عليهم.
﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ عبارةٌ عن مسخهم.
و﴿خَاسِئِينَ﴾: صفة، أو خبر ثان؛ ومعناه: مُبْعَدين كما يُخسأ الكلب.
﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ الضمير للفعلة؛ وهي المسخ.
﴿نَكَالًا﴾ أي: عقوبةً لما تقدّم من ذنوبهم وما تأخّر.
وقيل: عبرةً لمن تقدّم ومن تأخّر.
﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قصَّتُها: أن رجلًا من بني إسرائيل قَتل قريبَه ليرثه، وادَّعى على قوم أنهم قتلوه، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة، ويضربوا القتيل ببعضها، ففعلوا، فقام وأخبر بمن قتله، ثم عاد ميتًا.
﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ جفاءً وقلَّة أدب، أو تكذيب.
﴿فَارِضٌ﴾ مسنّةٌ.
[ ١ / ٣٢٣ ]
﴿بِكْرٌ﴾ صغيرة.
﴿عَوَانٌ﴾ متوسطة.
﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: بين ما ذُكر؛ ولذلك قال: ﴿ذَلِكَ﴾ مع أن الإشارة إلى شيئين.
﴿صَفْرَاءُ﴾ من الصفرة المعروفة.
وقيل: سوداء؛ وهو بعيد.
والظاهر: صفراء كلُّها.
وقيل: القرن والظلف فقط؛ وهو بعيد.
﴿فَاقِعٌ﴾ شديد الصفرة.
﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ لحسن لونها. وقيل: لِسِمَنِها ومنظرها كلِّه.
﴿لَا ذَلُولٌ﴾ أي: غير مذلَّلةٍ للعمل.
﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ أي: تحرثها، وهو داخل تحت النفي على الأصح.
﴿وَلَا تَسْقِي﴾ لا يسقى عليها.
﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ من العمل، أو من العيوب.
﴿لَا شِيَةَ﴾ لا لُمعة غير الصفرة؛ وهو من «وشَى»؛ ففاؤه واو محذوفة، كعِدَةٍ.
﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ العامل في الظرف: ﴿جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾.
[ ١ / ٣٢٤ ]
وقيل: العامل فيه مضمر تقديره: الآن نذبحها.
والأول أظهر.
فإن كان قولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ تكذيبًا: فهذا تصديق.
وإن كان غير ذلك فالمعنى: بالحق البين.
﴿وَمَا كَادُوا﴾؛ لعصيانهم وكثرة سؤالهم عن شأنها.
أو لغلاء البقرة؛ فقد جاء أنها كانت ليتيم، وأنهم اشتروها بوزنها ذهبًا.
أو لقلة وجود تلك الصفات؛ فقد روي أنهم لو ذبحوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم، ولكنهم شدّدوا فشُدّد عليهم.
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ هو أوّل قصة البقرة؛ فرتبته التقديم قبل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾!.
قال الزمخشري: إنما أُخّر لتعدّد توبيخهم بقصتين؛ وهما: ترك المسارعة إلى الأمر، وقتل النفس؛ ولو قدّم لكان قصةً واحدة بتوبيخ واحد (^١).
﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ أي اختلفتم؛ وهو من المدارأة؛ أي: المدافعة.
﴿مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ من أمر القتيل، ومَن قتله.
﴿اضْرِبُوهُ﴾ القتيل، أو قبره.
﴿بِبَعْضِهَا﴾ مطلقٌ. وقيل: الفَخِذ. وقيل: اللسان. وقيل: الذنَب.
﴿كَذَلِكَ﴾ إشارة إلى حياة القتيل، واستدلالٌ بها على الإحياء للبعث.
_________________
(١) انظر: الكشاف (٢/ ٥٣٨).
[ ١ / ٣٢٥ ]
وقبله محذوف لا بدَّ منه؛ وهو: ففعلوا ذلك فقام القتيل.
* فائدة: استدلَّ المالكية بهذه القصة على قبول قول المقتول: «فلان قتلني»؛ وهو ضعيف؛ لأن هذا المقتول قام بعد موته ومعاينة الآخرة، وقصَّته معجزة لنبيٍّ، فلا يتأتَّى أن يكذب المقتول، بخلاف غيره
واستدلوا -أيضًا- بها على أن القاتل لا يرث؛ ولا دليل فيها على ذلك.
﴿قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ خطاب لبني إسرائيل.
﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: بعد إحياء القتيل، وما جرى في القصة من العجائب.
وذلك بيانٌ لقبح قسوة قلوبهم بعد ما رأوا تلك الآيات.
﴿أَوْ أَشَدَّ﴾ عطف على موضع الكاف.
أو: خبر ابتداء؛ أي: هي أشَدُّ.
و﴿أَوْ﴾ هنا إمَّا:
للإبهام.
أو للتخيير؛ كأنَّ من علم حالها مخيَّرٌ بين أن يشبهها بالحجارة، أو بما هو أشد قسوة، كالحديد.
أو للتفصيل؛ أي: فيهم كالحجارة، وفيهم أشَدُّ.
وإنما قال: ﴿أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ ولم يقل «أقسى» مع أن فعل القسوة يبنى منه «أفعل»: لكون ﴿أَشَدُّ﴾ أدلَّ على فرط القسوة.
[ ١ / ٣٢٦ ]
﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ﴾ الآية: تفضيلٌ للحجارة على قلوبهم.
﴿يَهْبِطُ﴾ أي: يتردَّى من عُلُو إلى سُفْل (^١).
والخشية: عبارة عن انقيادها.
وقيل: حقيقة؛ وأن كل حجر يهبط فمن خشية الله.
* * *
_________________
(١) في أ: «أسفل».
[ ١ / ٣٢٧ ]
[﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾].
﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ خطاب للمؤمنين.
و﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ يعني: اليهودَ، وتعدَّى باللام؛ لما تضمن معنى الانقياد.
﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ السبعون الذي سمعوا كلام الله على الطور، ثم حرفوه.
وقيل: بنو إسرائيل، حرفوا التوراة.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (^١) بيانٌ لقبح فعلهم.
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ قالها من ادَّعى الإسلام من اليهود.
وقيل: قالوها ليدخلوا إلى المؤمنين ويسمعوا أخبارهم.
_________________
(١) في هامش أ: «خ: حالهم».
[ ١ / ٣٢٨ ]
﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ توبيخٌ.
﴿بِمَا فَتَحَ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
بما حكم عليهم من العقوبات.
وبما في كتبهم من ذكر محمد ﷺ.
وبما فتح الله عليهم من الخير والإنعام.
وكلُّ وجهٍ حجةٌ عليهم؛ ولذلك قالوا: ﴿لِيُحَاجُّوكُم بِهِ﴾.
﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ قيل: في الآخرة.
وقيل: أي: في حكم ربكم وما أنزل في كتابه؛ فعنده بمعنى: حكمه.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ من بقية كلامهم؛ توبيخًا لقومهم.
﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ الآية: من كلام الله؛ ردًّا عليهم، وفضيحةً لهم.
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ أي: لا يقرؤون ولا يكتبون؛ فهم ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾.
والمراد: قوم من اليهود. وقيل: من المجوس؛ وهذا غير صحيح؛ لأن الكلام كلَّه مع اليهود.
﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ تلاوةً بغير فهم، أو أكاذيب، أو ما تتمناه النفس.
﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ تحقيق لافترائهم.
﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ عرَضَ الدنيا؛ من الرئاسة، أو (^١) الرشوة، وشبه ذلك.
_________________
(١) في ب، ج، د: «و».
[ ١ / ٣٢٩ ]
﴿يَكْسِبُونَ﴾ من الدنيا، أو من الذنوب.
﴿أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ أربعين يومًا عددَ عبادتهم العجل.
وقيل: سبعة أيام.
﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾ الآيةَ: تقريرٌ يقتضي إبطال قولهم.
﴿بَلَى﴾ تحقيقٌ:
لطول مكثهم في النار.
أو لقولهم ما لا يعلمون.
﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ الآيةُ في الكفار؛ لأنها ردٌّ على اليهود، ولقوله بعدها: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، فلا حجة فيها لمن قال بتخليد العصاة في النار.
[ ١ / ٣٣٠ ]
[﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾].
﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ جوابٌ لقسم (^١)؛ يدلُّ عليه: الميثاق.
وقيل: خبر بمعنى النهي؛ ويرجحه قراءة: «لا تعبدوا».
وقيل: الأصل: «بأن لا تعبدوا»، ثم حذفت الباء، و«أنْ».
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾ يتعلق بـ ﴿إِحْسَانًا﴾.
أو: بمحذوف، تقديره: أحسنوا، ووُكِّد بـ ﴿إِحْسَانًا﴾.
﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ القرابة.
﴿وَالْيَتَامَى﴾ جمع يتيم؛ وهو من فقد والده قبل البلوغ.
واليتيم من سائر الحيوان: مَنْ فقد أمه.
_________________
(١) في ب، هـ: «القسم».
[ ١ / ٣٣١ ]
وجاء الترتيب في هذه الآية بتقديم الأهمّ: فقدَّم الوالدين؛ لحقّهما الأعظم، ثم القرابة؛ لأن فيهم أجرُ الإحسان وصلة الرحم، ثم اليتامى؛ لقلة حيلتهم، ثم المساكين.
﴿لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ أي: لا يسفك بعضكم دم بعض.
وإعرابه: مثل: ﴿لا تَعْبُدُونَ﴾.
﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ لا يخرج بعضكم بعضًا.
﴿أَقْرَرْتُمْ﴾ بالميثاق، واعترفتم بلزومه.
﴿وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ بأخذ الميثاق عليكم.
﴿هَؤُلاء﴾ منصوب -على التخصيص- بفعل مضمر.
وقال ابن الباذش (^١): مبتدأ، وخبره ﴿أَنتُمْ﴾، و﴿تَقْتُلُونَ﴾ حالٌ لازمة تمّ بها المعنى (^٢).
﴿تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ كانت قريظة حلفاء الأوس، والنَّضير حلفاء الخزرج، وكان كل فريق يقاتل الآخر مع حلفائه، وينفيه من موضعه إذا ظفر به.
﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ أي: تتعاونون.
_________________
(١) هو أبو الحسن علي بن أحمد بن خلف بن محمد بن الباذش الأنصاري الغرناطي، نحويٌّ عالم بعلوم العربية، من شيوخ ابن عطية، ووالد أبي جعفر أحمد، صاحب «الإقناع» في القراءات، توفي سنة (٥٢٨ هـ). انظر: الإحاطة في أخبار غرناطة، لابن الخطيب (٤/ ٧٨).
(٢) انظر: المحرر الوجيز (١/ ٢٧٣).
[ ١ / ٣٣٢ ]
﴿تُفَادُوهُم﴾ قرئ: بالألف وبحذفها؛ والمعنى واحد.
وكذلك ﴿أُسَارَى﴾ بالألف وحذفها؛ جمع أسير.
﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ﴾ الضمير: للإخراج من ديارهم، و﴿هُوَ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿مُحَرَّمٌ﴾، و﴿إِخْرَاجُهُمْ﴾ بدل.
أو: الضمير للأمر والشأن، و﴿إِخْرَاجُهُمْ﴾: مبتدأ، و﴿مُحَرَّمٌ﴾ خبره، والجملة خبر الضمير.
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ فداؤهم الأسارى؛ موافقةً لما في كتابهم (^١).
﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ القتلُ والإخراج من الديار؛ مخالفةً لما في كتابهم.
﴿خِزْيٌ﴾ الجزية، أو الهزيمة لقريظة والنضير وغيرهم، أو مطلقٌ.
_________________
(١) في أ، ج، هـ: «كتبهم».
[ ١ / ٣٣٣ ]
[﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣) قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾].
﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ أي: جئنا من بعده بالرسل؛ وهو مأخوذ من القفا؛ أي: جاء بالثاني في قفا الأول.
﴿الْبَيِّنَاتِ﴾ المعجزات؛ من إحياء الموتى وغير ذلك.
[ ١ / ٣٣٤ ]
﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ جبريل. وقيل: الإنجيل. وقيل: الاسم الذي كان يُحيي به الموتى.
والأول أرجح؛ لقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢]، ولقوله ﷺ لحسان: «اللهم أيِّده بروح القدس» (^١).
﴿تَقْتُلُونَ﴾ جاء مضارعًا مبالغةً؛ لأنه أريد استحضاره في النفوس، أو لأنهم حاولوا قتل محمد ﷺ لولا أن الله عصمه.
﴿غُلْفٌ﴾ جمع أغلف؛ أي: عليها غلاف -وهو الغشاء- فلا تَفْقَهُ.
﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ ردٌّ عليهم، وبيانُ أن عدم فهمهم بسبب كفرهم.
﴿فَقَلِيلًا﴾ أي: إيمانًا قليلًا يؤمنون، و﴿مَا﴾ زائدة.
ويجوز أن تكون القلة:
بمعنى العدم.
أو على أصلها؛ لأن من دخل منهم في الإسلام قليل، أو لأنهم آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض.
﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ هو القرآن.
﴿مُصَدِّقٌ﴾ تقدَّم أن له ثلاثة معانٍ (^٢).
﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ أي يستنصرون (^٣) على المشركين؛ إذا قاتلوهم قالوا:
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٤٨٥).
(٢) انظر صفحة ٣٠٨.
(٣) في ب، د: «ينتصرون».
[ ١ / ٣٣٥ ]
«اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان». ويقولون لأعدائهم من المشركين: «قد أظلَّ زمان نبي يخرج فنقتلكم معه قتلَ عادٍ وإرم».
وقيل: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ أي: يَعْرِفُونَ الناس بالنبي ﷺ؛ فالسين -على هذا- للمبالغة؛ كالسين في: استعجب واستسخر (^١).
وعلى الأول: للطلب.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَا عَرَفُوا﴾ القرآن، والإسلام، ومحمد ﷺ.
قال المبرِّد: ﴿كَفَرُوا﴾ جواب «لما» الأولى والثانية، وأعيدت الثانية لطول الكلام، ولقصد التأكيد.
وقال الزَّجَّاج: ﴿كَفَرُوا﴾ جواب «لما» الثانية، وحُذف جواب الأولى؛ للاستغناء عنه بذلك.
وقال الفرَّاء: جواب «لما» الأولى: ﴿فَلَمَّا﴾، وجواب الثانية: ﴿كَفَرُوا﴾.
﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: عليهم؛ يعني: اليهودَ، ووضع الظاهر موضع المضمر؛ ليدلَّ أن اللعنة بسبب كفرهم.
واللام:
للعهد.
أو للجنس؛ فيدخلون فيها مع غيرهم من الكفار.
_________________
(١) في د: «واستخرج».
[ ١ / ٣٣٦ ]
﴿بِئْسَمَا﴾ فاعلُ «بئس» مضمر، و«ما» مفسِّرة له، و﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ هو المذموم.
وقال الفَرَّاء: ﴿بِئْسَمَا﴾ مركب؛ كحبذا.
وقال الكسائي: «ما» مصدرية؛ أي: اشتراؤهم؛ فهي فاعلة.
﴿اشْتَرَوْا﴾ هنا بمعنى: باعوا.
﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ في موضع خبر ابتداء.
أو: مبتدأ؛ كاسم المذموم في «بئس».
أو: مفعول من أجله.
أو: بدل من الضمير في ﴿بِهِ﴾.
﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ القرآن، أو التوراة؛ لأنهم كفروا بما فيها من ذكر محمد ﷺ.
﴿أَنْ يُنَزِّلَ﴾ في موضع مفعول من أجله.
﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ القرآن، والرسالة.
﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني: محمدًا ﷺ.
والمعنى: أنهم إنما كفروا حسدًا لمحمد ﷺ لما تفضَّل الله عليه بالرسالة.
﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ أي: بغضب؛ لكفرهم بمحمد ﷺ على غضب: لكفرهم بعيسى ﵇.
[ ١ / ٣٣٧ ]
أو لعبادتهم العجل.
أو لقولهم: عزير ابن الله.
ولغير ذلك من قبائحهم.
﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ القرآن.
﴿بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ التوراة.
﴿بِمَا وَرَاءَهُ﴾ أي: بما بعده؛ وهو القرآن.
﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ ردٌّ عليهم فيما ادَّعوا من الإيمان بالتوراة، وتكذيبٌ لهم.
وذكر الماضي بلفظ المستقبل إشارةً إلى ثبوته؛ فكأنه دائمٌ لمَّا رضي هؤلاء به.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ شرطيةٌ؛ بمعنى القدح في إيمانهم، وجوابها يدل عليه ما قبل.
أو نافيةٌ؛ فيوقف قبلها.
والأول أظهر.
﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يعني: المعجزات؛ كالعصا، وفَلْق البحر، وغير ذلك.
﴿اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ ذُكر هنا على وجه الذمّ لهم، والإبطال لقولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾.
وكذلك رفعُ الطور.
وذُكر قبل هذا على وجه تعداد النِّعم؛ لقوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٢]،
[ ١ / ٣٣٨ ]
و﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [البقرة: ٦٤].
وعطفه بـ «ثُمَّ» في الموضعين؛ إشارةٌ إلى قبح ما فعلوه من ذلك.
﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ الضمير لموسى ﵇؛ أي: من بعد غيبته في مناجاة الله على جبل الطور.
﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ أي: سمعنا قولك وعصينا أمرك.
ويحتمل أنَّ (^١) قالوه: بلسان المقال، أو بلسان الحال.
﴿وَأُشْرِبُوا﴾ عبارةٌ عن تمكُّن حُب العجل من قلوبهم؛ فهو مجاز، تشبيهًا بشرب الماء، أو بشرب الصِّبْغ في الثوب.
وفي الكلام محذوف؛ أي: أُشربوا حُبَّ العجل.
وقيل: إن موسى برَدَ العجل بالمِبرَدِ، ورمى بُرَادته في الماء فشربوه؛ فالشُّرب على هذا حقيقة.
ويردُّ هذا قوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾.
﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ الباء: سببيَّةٌ للتعليل، أو بمعنى المصاحبة.
﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ إسنادُ الأمر إلى إيمانهم مجازٌ؛ على وجه التَّهكُّمِ؛ كقوله: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود: ٨٧].
وكذلك إضافة الإيمان إليهم.
و﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾: شرطٌ، أو نفيٌ.
_________________
(١) في ب، د زيادة: «يكون».
[ ١ / ٣٣٩ ]
﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ بالقلب واللسان، أو باللسان خاصةً.
وذلك أمرٌ على وجه التعجيز والتبكيت؛ لأنه مَنْ علم أنه من أهل الجنة اشتاق إليها.
وورد: أنهم لو تمنوا الموت لماتوا في الحين.
وقيل: إن ذلك معجزة للنبي ﷺ دامت طول حياته.
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ إن قيل: لم قال في هذه السورة: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾، وفي سورة «الجمعة»: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾ فنفى هنا بـ «لن» وفي الجمعة بـ «لا»؟
فقال شيخنا الأستاذ أبو جعفر ابن الزبير: الجواب: أنه لما كان الشرط في «البقرة» مستقبلًا وهو قوله: ﴿إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً﴾ = جاء جوابه بـ «لن» التي تخلّص الفعل للاستقبال، ولما كان الشرط في «الجمعة» حالًا وهو قوله: ﴿إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ﴾ = جاء جوابه بـ «لا» التي تدخل على الحال، وقد تدخل على المستقبل (^١).
﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾ أي: بسبب ذنوبهم وكفرهم.
﴿عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ تهديدٌ لهم.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون عطفًا على ما قبله؛ فيوصل به.
والمعنى: أن اليهود أحرصُ على الحياة من الناس ومن الذين أشركوا،
_________________
(١) انظر: ملاك التأويل، لأبي جعفر بن الزبير (١/ ٢٢٧).
[ ١ / ٣٤٠ ]
فَحُمِلَ على المعنى؛ كأنه قال: أحرص من الناس ومن الذين أشركوا.
وخصَّ الذين أشركوا بالذكر بعد دخولهم في عموم الناس؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، فأفرط حبُّهم للحياة الدنيا.
والآخر: أن يكون ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ ابتداءَ كلامٍ؛ فيوقف على ما قبله.
والمعنى: من الذين أشركوا قومٌ ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، فحُذِفَ الموصوف.
وقيل: أراد به المجوس؛ لأنهم يقولون لملوكهم: «عِشْ ألف سنة».
والأول أظهر؛ لأن الكلام إنما هو في اليهود، وعلى الثاني يَخْرُجُ الكلام عنهم.
﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ﴾ الآية: فيها وجهان:
أحدهما: أن يكون ﴿هُوَ﴾ عائدًا على ﴿أَحَدُهُمْ﴾، و﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ فاعل بـ ﴿مُزَحْزِحِهِ﴾.
والآخر: أن يكون ﴿هُوَ﴾ للتعمير، و﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ بدل.
* * *
[ ١ / ٣٤١ ]
[﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾]
﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية سببها: أَنَّ اليهود قالوا للنبي ﷺ: جبريل عدوُّنا؛ لأنه مَلَك الشدائد والعذاب؛ فلذلك لا نؤمن بك، ولو جاءك ميكائيل لآمنا بك؛ لأنه مَلَك الأمطار والرحمة.
﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ فيه وجهان:
الأول: فإن الله نزَّل جبريلَ.
والآخر: فإن جبريل نزَّل القرآن، وهذا أظهر؛ لأنَّ قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من أوصاف القرآن.
[ ١ / ٣٤٢ ]
والمعنى: الردُّ على اليهود بأحد وجهين:
أحدهما: من كان عدوًّا لجبريل فلا ينبغي له أن يعاديه؛ لأنه نزَّله على قلبك؛ فهو مستحق للمحبة، ويؤكد هذا قوله: ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾.
والثاني: من كان عدوًّا لجبريل فإنما عاداه لأنه نزَّله على قلبك، فكأنَّ هذا تعليلٌ لعداوتهم لجبريل.
﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ ذُكِرَا بعد الملائكة تجريدًا؛ للتشريف والتعظيم.
﴿أَوَكُلَّمَا﴾ الواو: للعطف.
وقال الأخفش: زائدة.
﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُم﴾ نزلت في مالك بن الصَّيْف اليهودي، وكان قد قال: والله ما أُخذ علينا عهدٌ أن نؤمن بمحمد.
﴿رَسُولٌ﴾ يعني: محمّدًا ﷺ.
﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ يعني: القرآن، أو التوراة؛ لما فيها من ذكر محمد ﷺ.
﴿وَاتَّبَعُوا﴾ أي: اليهود الذين في زمان محمد ﷺ، أو المتقدّمون.
﴿مَا تَتْلُو﴾ هو مِنْ: القراءة، أو الاتّباع.
﴿عَلَى مُلْكِ﴾ أي: في ملك، أو على عهدِ ملك سليمان.
﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ تبرئةٌ له مما نسبوه إليه؛ وذلك أن سليمان ﵇ دفن السحر ليُذهبه، فأخرجوه بعد موته، ونسبوه إليه، وقالت اليهود: إنما كان سليمان ساحرًا.
[ ١ / ٣٤٣ ]
وقيل: إنَّ الشياطين استرقوا السمع وألقوه إلى الكهان، فجمع سليمان ما كتبوا من ذلك ودفنه، فلما مات قالوا: ذلك علم سليمان.
﴿الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ بتعليم (^١) السحر، أو بالعمل به، أو بنسبته إلى سليمان ﵇.
﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾ نفي.
أو: عطف على: ﴿السِّحْرَ﴾.
أو: على: ﴿مَا تَتْلُو﴾.
﴿الْمَلَكَيْنِ﴾ إن كانت «ما» نافيةً: فذلك تبرئةٌ لهما من إنزال السحر عليهما.
إلَّا أن ذلك يردُّه آخر الآية.
وإن كانت معطوفةً بمعنى «الذي» فالمعنى: أنهما أُنزِل عليهما ضربٌ من السحر؛ ابتلاءً من الله لعباده، أو ليُعرف فيُحذر منه.
وقرئ: ﴿الْمَلِكَيْنِ﴾ بكسر اللام؛ وقال الحسن: هما عِلْجان، فعلى هذا: يتعيَّن أن تكون «ما» غير نافية.
﴿بِبَابِلَ﴾ موضعٌ معروف.
﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ اسمان عَلَمان.
وهما: بدل من ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾، أو عطف بيان.
_________________
(١) في أ، ب، ج، هـ: «بتعلُّم»، والمثبت موافق لما في المحرر الوجيز (١/ ٢٩٩).
[ ١ / ٣٤٤ ]
﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أي محنةٌ؛ وذلك تحذيرٌ من السحر.
﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ أي بتعلُّم السحر.
ومن هنا أخذ مالكٌ أن الساحر يقتل كفرًا.
﴿يُفَرِّقُونَ﴾ زوال العصمة، أو المنع من الوطء.
﴿يَضُرُّهُمْ﴾ أي: في الآخرة.
﴿عَلِمُوا﴾ أي: اليهود، أو الشياطين.
﴿اشْتَرَاهُ﴾ أي: اشتغل به، وذكر الشراء؛ لأنهم كانوا يُعطون الأجرة عليه.
﴿شَرَوْا﴾ هنا بمعنى: باعوا.
﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ من الثواب؛ وهو جواب: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾.
وإنما جاء جوابُها بجملة اسمية، وعدل عن الفعلية؛ لما في ذلك من الدَّلالة على إثبات الثواب واستقراره.
وقيل: الجواب محذوف؛ أي: لأثيبوا.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ في الموضعين: نفيٌ لعلمهم.
فإن قيل: كيف نفاه وقد أثبته في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾؟
فالجواب: أنهم لم ينفعهم علمُهم؛ فكأنهم لم يعلموا (^١).
_________________
(١) انظر: الكشاف (٣/ ٢٤).
[ ١ / ٣٤٥ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥) مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠) وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾].
﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ كان المسلمون يقولون للنبي ﷺ: يا رسول الله راعنا؛ وذلك من المراعاة، أي: راقبنا وانظرنا، فكان اليهود يقولونها ويعنون بها: معنى الرعونة على وجه الإذاية للنبي ﷺ، وربما كانوا ينونونها على معنى النداء، فنهى الله المسلمين أن يقولوا هذه الكلمة؛ لاشتراك معناها بين ما قصده المسلمون وما قصده اليهود، فالنهي سدًّا (^١) للذريعة.
وأمروا أن يقولوا: ﴿انظُرْنَا﴾؛ لخلوّه عن ذلك الاحتمال المذموم؛
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «سدٌّ».
[ ١ / ٣٤٦ ]
وهو من النظر، أو الانتظار.
وقيل: إنما نُهي المسلمون عنها؛ لما فيها من الجفاء وقلَّة التوقير.
﴿وَاسْمَعُوا﴾ عطف على ﴿وَقُولُوا﴾، لا على معمولها.
والمعنى: الأمر بالطاعة والانقياد.
﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جنس يعمُّ نوعين: أهل الكتاب، والمشركين من العرب؛ ولذلك فسَّره بهما.
ومعنى الآية: أنهم لا يحبُّون أن ينزل الله خيرًا على المسلمين.
﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ «من»: للتبعيض. وقيل: زائدة؛ لتقدُّم النفي في قوله: ﴿مَا يَوَدُّ﴾.
﴿بِرَحْمَتِهِ﴾ قيل: القرآن. وقيل: النبوة. والعموم أولى.
ومعنى الآية: الردُّ على من كره الخير للمسلمين.
﴿مَا نَنْسَخْ﴾ أي: نُزِيل حكمه ولفظه، أو أحدهما.
وقرئ: بضم النون؛ أي: نأمر بنسخه.
﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ من النسيان؛ وهو ضدُّ الذكر، أي: ينساها النبي ﷺ بإذن الله؛ كقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧].
أو بمعنى الترك؛ أي:
نتركها غير منزلةٍ.
أو غير منسوخة.
[ ١ / ٣٤٧ ]
وقرئ بالهمز: بمعنى التأخير؛ أي: نؤخِّر إنزالها، أو نسخها.
﴿بِخَيْرٍ﴾ في خفَّة العمل، أو في الثواب، أو أعمُّ.
﴿قَدِيرٌ﴾ استدلالٌ على جواز النسخ؛ لأنه من المقدورات، خلافًا لليهود -لعنهم الله-؛ فإنهم أحالوه على الله.
وهو جائز عقلًا، وواقع شرعًا؛ فكما نسخت شريعتهم ما قبلها، نسخها ما بعدها.
﴿تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ أي: تطلبوا منه الآيات.
ويحتمل السؤال عن العلم.
والأول أرجح؛ لما بعده، فإنه شبَّه بسؤالهم لموسى، وهو قولهم له: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣].
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أي: تمنَّوا.
ونزلت الآية في حُيَي بن أخطب، وأخيه أبي ياسر، وأشباههما من اليهود، الذين كانوا يحرصون على فتنة المسلمين، ويطمعون أن يردُّوهم عن الإسلام.
﴿حَسَدًا﴾ مفعولٌ من أجله، أو مصدرٌ في موضع الحال، والعامل فيه ما قبله؛ فيجب وصله معه.
وقيل: هو مصدر، والعامل فيه محذوف تقديره: يحسدونكم حسدًا؛ فعلى هذا يوقف على ما قبله.
والأول أظهر وأرجح.
[ ١ / ٣٤٨ ]
﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ يتعلَّق بـ ﴿حَسَدًا﴾. وقيل: بـ ﴿وَدَّ﴾.
﴿فَاعْفُوا﴾ منسوخٌ بالسيف.
﴿بِأَمْرِهِ﴾ يعني: إباحةَ قتالهم، أو وصولَ آجالهم.
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾ الآية: أي: قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلَّا من كان يهوديًّا، وقالت النصارى: لن يدخلها إلَّا من كان نصرانيًّا.
﴿هُودًا﴾ يعني: اليهود، وهذه الكلمة: جمع هائد، أو مصدر وصف به. وقال الفرَّاء: حذفت منه ياءُ «يهودٍ» على غير قياس.
﴿أَمَانِيُّهُمْ﴾ أكاذيبهم، أو ما يتمنَّونه.
﴿هَاتُوا﴾ أمرٌ على وجه التعجيز، والردِّ عليهم؛ وهو من: هاتي يُهاتي، ولم يُنطَق به. وقيل: أصله: آتُوا، وأُبدل من الهمزة هاء.
﴿بَلَى﴾ إيجاب لما نَفَوا؛ أي: يدخلها من ليس يهوديًّا، ولا نصرانيًّا.
﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ أي: دخل في الإسلام، أو أخلص.
وذكَر الوجه لشرفه، والمراد: جملة الإنسان.
[ ١ / ٣٤٩ ]
[﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩) وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾].
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾ الآية: سببها: اجتماع نصارى نجران مع يهود المدينة؛ فذمَّت كل طائفة الأخرى.
﴿وَهُمْ يَتْلُونَ﴾ تقبيحٌ لقولهم مع تلاوتهم الكتاب.
﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ المشركون من العرب؛ لأنهم لا كتاب لهم.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ لفظه: الاستفهام، ومعناه (^١): لا أحد أظلم منه - حيث وقع -.
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «لفظها .. ومعناها».
[ ١ / ٣٥٠ ]
﴿مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ قريشٌ منعت الكعبة، أو النصارى منعوا بيت المقدس، أو على العموم.
﴿خَائِفِينَ﴾ في حق قريش: قوله ﷺ: «لا يحج بعد هذا العام مشرك» (^١).
وفي حق النصارى: ضَرْبُهم عند بيت المقدس، أو الجزية.
﴿خِزْيٌ﴾ في حق قريش: غَلَبَتُهم وفتح مكة.
وفي حق النصارى: فتح بيت المقدس، أو الجزية (^٢).
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ في الحديث الصحيح: أنهم صلَّوا ليلةً في سفر إلى غير القبلة بسبب الظلمة؛ فنزلت (^٣).
وقيل: هي في تنفُّل المسافر حيثما توجَّهت به دابته.
وقيل: هي راجعة إلى ما قبلها؛ أي: إن مُنعتم من مساجد الله فصلوا حيث كنتم.
وقيل: إنها احتجاجٌ على من أنكر تحويل القبلة؛ فهي كقوله بعد هذا: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢] الآية.
والقول الأوَّل هو الصحيح؛ ويؤخذ منه: أن من أخطأ القبلة فلا تجب الإعادة عليه، وهو مذهب مالك.
_________________
(١) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٣٩٣٥)، وأحمد في المسند (٥٩٤).
(٢) قوله: «أو الجزية» سقط من ب، ج، هـ، د.
(٣) أخرجه الترمذي (٣٤٥)، وابن ماجه (١٠٢٠).
[ ١ / ٣٥١ ]
﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ المراد به هنا: كقوله: ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢] أي: رضاه.
وقيل: معناه الجهة التي وَجَّهنا إليها.
وأما قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] و﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]: فهو من المتشابه الذي يجب التسليم له من غير تكييف، ويُرَدُّ علمه إلى الله.
وقال الأصوليون: هو عبارة عن الذات، أو عن الوجود.
وقال بعضهم: هو صفة ثابتة بالسمع (^١).
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله: «(وجه الله) المراد به هنا: كقوله: (ابتغاء وجه الله) أي: رضاه» إلخ. أقول: ذكر في هذا السياق ثلاث آيات ورد فيها ذكر الوجه، فذكر في الآية الأولى قولين: الأول: أن المراد بالوجه في الآية كقوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾، وفسره بالرضا. الثاني: أن المراد الجهة التي وجهنا الله إليها، يريد: القبلة. وذكر في الآية الثالثة قولين في تفسير الوجه: أحدهما: قول أهل التأويل، وهو أن المراد بالوجه الذات، أو الوجود. الثاني: أن ذكر الوجه من المتشابه الذي يجب التسليم له، وردُّ علمه إلى الله. أقول: وفيما ذكره حقٌّ وباطل؛ فتفسيره الوجه في الآية الأولى بالجهة، حقٌّ، وبه قال كثير من السلف. وتفسيره الوجه في الآية الأولى والثانية بالرضا خطأ، فالوجه لا يعرف في اللغة بالرضا، لكن سياق الآية يتضمن هذا المعنى، والممنوع أن يكون المراد بالوجه الرضا، وتفسير الوجه في الآية الثالثة بالذات والوجود خطأ، وهو تفسير أهل التأويل من نفاة الصفات. =
[ ١ / ٣٥٢ ]
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ﴾ قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقالت الصابئون وبعض العرب: الملائكة بنات الله.
﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهٌ له عن قولهم.
﴿بَلْ لَهُ﴾ الآية: ردٌّ عليهم؛ لأن الكلَّ مُلكه، والعبودية تنافي البنوَّة.
﴿قَانِتُونَ﴾ أي: طائعون منقادون.
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾ أي: مخترعها وخالقها ابتداءً.
﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أي: قدَّره، أو أمضاه.
قال ابن عطية: «يتَّجه في الآية المعنيان؛ فعلى مذهب أهل السنة: قدَّر في الأزل وأمضى فيه، وعلى مذهب المعتزلة: أمضى عند الخلق والإيجاد» (^١).
قلت: لا يكون ﴿قَضَى﴾ هنا بمعنى قدَّر؛ لأن القدَر قديم، و«إذا» تقتضي الحدوث والاستقبال؛ وذلك يناقض القِدَم. وإنما ﴿قَضَى﴾ هنا بمعنى:
_________________
(١) = القول الثاني: مما ذكره ابن جزي: أن الوجه في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ من المتشابه، والمتشابه عندهم ما لا يعلم معناه إلا الله، وهذا مذهب أهل التفويض، وهم من النفاة، وهم يقابلون أهل التأويل. وما ذكره عن بعضهم أن الوجه صفةٌ ثابتة بالسمع، فهو حقٌّ، فلا يجوز نفيه ولا تأويله، بل يجب إثباته على ما يليق به سبحانه، وأنه لا يماثل وجوه العباد، وليس هو من المتشابه؛ لأن معناه معقول، والكيف مجهول. والله أعلم.
(٢) المحرر الوجيز (١/ ٣٣١).
[ ١ / ٣٥٣ ]
أَمضى أو فعل أو أوجد؛ كقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] (^١).
وقد قيل: إنه بمعنى حتّم الأمر، أو بمعنى حكم.
والأمر هنا: بمعنى الشيء (^٢)، وهو واحد الأمور، وليس بمصدر: أمر يأمر.
﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ قال الأصوليون: إن هذا عبارة عن نفوذ قدرة
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: أقول: القضاء من الله في القرآن يأتي لمعان:
(٢) قضى الخلق، بمعنى فرغ من خلقه، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾.
(٣) قضى بمعنى حكم، وهو نوعان: الأول: شرعي، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ومعناه أمر ووصّى. والثاني: كوني، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، ومعناه: أراد كونه. كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤٠)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٨٢). وعلى هذا فتفسير قضى بأمضى في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾، أظهر؛ لأن المعنى: إذا أراد الله كون ما سبق في علمه وكتابه قال له: كُنْ فيكون، وهذا هو معنى الإمضاء، أي إتمام الأمر الذي قدّره الله في علمه وكتابه. ولهذا أقول: ما وجّه به المؤلف ابن جزي اختياره، وهو أن معنى قضى: أمضى، وجيه. ويأتي قضى في القرآن مضمنا معنى أوحى أو أوصل، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ (٦٦)، وقال سبحانه: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾. كما يأتي القضاء بمعنى الحكم شاملا للمعنيين الكوني والشرعي، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾، كما يأتي القضاء بمعنى الفصل بين المختلفين، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
(٤) في أ: «الشأن»، وفي الهامش: «خ: الشيء».
[ ١ / ٣٥٤ ]
الله تعالى، وليس بقولٍ حقيقي؛ لأنه إن كان قول: ﴿كُنْ﴾ خطابًا للشيء في حال عدمه لم يصحَّ؛ لأن المعدوم لا يخاطب، وإن كان خطابًا للشيء في حال وجوده لم يصحَّ؛ لأنه قد كان، وتحصيل الحاصل غير مطلوب.
وحملَهُ المفسِّرون على حقيقته، وأجابوا عن ذلك بأربعة أوجه:
أحدها: أن الشيء الذي يقول الله له: ﴿كُنْ﴾ هو موجودٌ في علم الله؛ وإنما يقول له: ﴿كُنْ﴾ ليخرجه إلى العيان لنا.
والثاني: أن قول: ﴿كُنْ﴾ لا يتقدَّم على وجود الشيء ولا يتأخر عنه. قاله الطبري (^١).
والثالث: أن ذلك خطابٌ لمن كان موجودًا على حالة، فيؤمر بأن يكون على حالة أخرى، كإحياء الموتى، ومسخ الكفار. وهذا ضعيف؛ لأنه تخصيص من غير مخصِّص.
والرابع: أن معنى: ﴿يَقُولُ لَهُ﴾: يقول من أجله؛ فلا يلزم خطابه.
والأوَّل أحسن هذه الأجوبة.
وقال ابن عطية: «تلخيص المعتقد في هذه الآية: أن الله ﷿ لم يزل آمرًا للمعدومات بشرط وجودها، فكل ما في الآية مما يقتضي الاستقبال: فهو بحسب المأمورات؛ إذ المحدثات تجيء بعد أن لم تكن» (^٢) (^٣).
_________________
(١) تفسير الطبري (٢/ ٤٧٠).
(٢) المحرر الوجيز (١/ ٣٣٢).
(٣) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله: (وأجابوا عن ذلك بأربعة أوجه) إلخ، أقول: كل هذه الأقوال الأربعة ليس فيها انفصال عن الإشكال الذي ذكروه، والراجح =
[ ١ / ٣٥٥ ]
﴿فَيَكُونُ﴾ رُفِعَ على الاستئناف.
قال سيبويه: معناه: فهو يكونُ.
وقال غيره: ﴿فَيَكُونُ﴾ عطفٌ على ﴿يَقُولُ﴾، واختاره الطبري (^١).
قال ابن عطية: «وهو فاسدٌ من جهة المعنى؛ لأنه يقتضي أن القول مع التكوين والوجود» (^٢).
وفي هذا نظر.
_________________
(١) = منها القول الأول كما اختاره المؤلف، وأرجح منه القول الرابع، وإن كان المؤلف قد ضعَّفه، ويشهد له قوله تعالى في خلق آدم وعيسى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، ولعل الجواب الذي يرفع الإشكال الذي ذكروه أن الأمر الوارد في الآيات ليس أمر تكليف للمخاطب بفعل شيء في نفسه أو في غيره، بل هو أمر تكوين يوجب كون الشيء الذي أراده الله، كما أراد، فيكون الموجب لكونه - أي وجوده - إرادته تعالى وقوله، كما جمع الله بينهما في الآيات: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وحدوث المحدثات بإرادته وكلامه سبحانه يستلزم قدرته على كل شيء، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وأما قول ابن عطية ﵀ فليس فيه جواب، بل يزيد الإشكال، لقوله: «لم يزل آمرًا للمعدومات بشرط وجودها»، فمضمون قوله أنه تعالى لم يزل آمرًا للمعدومات الموجودات، وهذا ممتنع، وسبب الإشكال عندهم اعتقاد أن الأمر أمر تكليف الذي يُطلب به من المأمور فعلٌ يفعله بعلم وإرادة، والصواب أن الأمر أمرُ تكوين، كما تقدم. وانظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٨/ ١٨١).
(٢) تفسير الطبري (٢/ ٤٧٢).
(٣) المحرر الوجيز (١/ ٣٣١).
[ ١ / ٣٥٦ ]
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ هم هنا وفي الموضع الأول: كفارُ العرب على الأصحّ.
وقيل: هنا هم اليهود والنصارى.
﴿قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم﴾ يعني: اليهود والنصارى على القول بأن ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ كفارُ العرب.
وأما على القول بأن ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ اليهودُ والنصارى: فالذين من قبلهم هم أمم الأنبياء المتقدمين.
﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ لولا هنا: عَرْض، والمعنى: أنهم قالوا: لن نؤمن حتى يكلّمنَا الله، أو تأتينا آية؛ أي: دلالةٌ من المعجزات؛ كقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] وما بعده.
﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الضمير لـ ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ولـ ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم﴾.
وتشابهُ قلوبهم: هو في الكفر، أو في طلب ما لا يصحُّ أن يُطلَب؛ وهو قولهم (^١): ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾.
﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾ أخبر تعالى أنه قد بيَّن الآيات الدالةَ على وحدانيته، وعلى صدق رسوله ﷺ، فكيف تُطلَب الآيات بعد بيانها؟، ولكن إنما فهمها الذين يوقنون؛ فلذلك خصَّهم بالذكر، بخلاف الكفار المعاندين؛ فإنهم لا تنفعهم الآيات؛ لعنادهم.
_________________
(١) في ج، هـ: «كقولهم».
[ ١ / ٣٥٧ ]
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ خطاب لمحمد ﷺ.
والمراد بالحق: التوحيد، وكل ما جاءت به الشريعة.
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: تبشر المؤمنين بالجنة، وتنذر الكفار بالنار، وهذا معناه حيث وقع.
﴿وَلَا تَسْأَلْ﴾ بالجزم: نهي.
وسببها: أن النبي ﷺ سأل عن حال آبائه في الآخرة فنزلت.
وقيل: إن ذلك على معنى التهويل؛ كقولك: «لا تسأل عن (^١) فلان»؛ لشدة حاله.
وقرأ غير نافع: بضم التاء واللام؛ أي: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾ في القيامة عن ذنوبهم.
﴿مِلَّتَهُمْ﴾ ذُكرت مفردة وإن كانت ملتين؛ لأنهما متفقتان في الكفر، فكأنهما ملة واحدة.
﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ ردّ على اليهود والنصارى، والمعنى: أنَّ الذي أنت عليه يا محمد هو الهدى الحقيقي؛ لأنه هدى من عند الله، بخلاف ما يدّعيه اليهود والنصارى.
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ جمع هوى، ويعني به: ما هم عليه من الأديان الفاسدة، والأقوال المضلة؛ لأنهم اتبعوها بغير حجة، بل بهوى النفوس.
_________________
(١) في د زيادة: «حال».
[ ١ / ٣٥٨ ]
والضمير: لليهود والنصارى.
والخطاب: لمحمد ﷺ، وقد عَلِمَ الله أنه لا يتبع أهواءهم، ولكن قال ذلك على وجه التهديد لو وقع ذلك؛ فهو على معنى الفرض والتقدير.
ويحتمل أن يكون خطابًا له ﷺ، والمراد غيرُه.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني: المسلمين؛ و﴿الْكِتَابَ﴾ -على هذا-: القرآن.
وقيل: هم من أسلم من بني إسرائيل؛ و﴿الْكِتَابَ﴾ -على هذا-: التوراة.
ويحتمل العموم؛ ويكون ﴿الْكِتَابَ﴾: اسم جنس.
﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ أي: يقرؤونه كما يجب من التدبُّر له، والعمل به.
وقيل: معناه يتَّبعونه حق اتباعه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
والأول أظهر؛ فإن التلاوةَ، وإن كانت تقال بمعنى القراءة، وبمعنى الاتّباع؛ فإنها أظهر في معنى القراءة (^١)، لا سيما إذا كانت تلاوةً للكتاب.
ويحتمل أن تكون هذه الجملة: في موضع خبر ﴿الَّذِينَ﴾؛ فيتمُّ الكلام، ويوقَف عليها.
ويحتمل أن تكون هذه الجملة: في موضع الحال، ويكون الخبر ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، وهذا أرجح؛ لأنَّ مقصودَ الكلام الثناءُ عليهم بالإيمان، أو إقامةُ الحجة بإيمانهم على غيرهم ممن لم يؤمن.
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «التلاوة».
[ ١ / ٣٥٩ ]
[﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾].
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية: تقدَّم الكلام على نظيرتها (^١).
﴿وَإِذِ ابْتَلَى﴾ أي: اختبر، والعامل في «إذ»: فعلٌ مضمر تقديره: اذكرْ. أو قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ﴾.
﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ قيل: هي مناسك الحج.
وقيل: خصال الفطرة؛ وهي: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقصُّ الشارب، وإعفاء اللحية، وقص الأظافر، ونتف الإبطين، وحلق
_________________
(١) انظر صفحة ٣١٢.
[ ١ / ٣٦٠ ]
العانة، والختان، والاستنجاء.
وقيل: هي ثلاثون خصلةً؛ عشرٌ ذُكرت في «براءة» من قوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾، وعشرٌ في «الأحزاب» من قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾، وعشرٌ في «المعارج» من قوله: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾.
﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: عَمِلَ بهنَّ.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ استفهامٌ، أو رغبة.
﴿عَهْدِي﴾ الإمامة (^١).
﴿الْبَيْتَ﴾ الكعبة.
﴿مَثَابَةً﴾ اسم مكان؛ من قولك: ثاب: إذا رجع؛ لأنَّ الناس يرجعون إليه عامًا بعد عام.
﴿وَاتَّخِذُوا﴾ بالفتح: إخبارٌ عن المتَّبعين لإبراهيم ﵇.
وبالكسر: أمرٌ لهذه الأمَّة، وافق قولَ عمر ﵁: «لو اتخذتَ من مقام إبراهيم مصلَّى» (^٢).
وقيل: أمرٌ لإبراهيم وشيعته.
وقيل: لبني إسرائيل؛ فهو - على هذا - عطفٌ على قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِي﴾؛ وهذا بعيد.
_________________
(١) في ب، د: «الأمانة».
(٢) أخرجه البخاري (٤٠٢).
[ ١ / ٣٦١ ]
﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ هو الحَجَر الذي صَعِد به (^١) حين بنى الكعبة.
وقيل: المسجد الحرام.
﴿وَعَهِدْنَا﴾ عبارةٌ عن الأمر والوصية.
﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ عبارةٌ عن بُنيانِه بنيَّةٍ خالصةٍ؛ كقوله: ﴿أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ [التوبة: ١٠٨].
وقيل: المعنى طهّراه من عبادة الأصنام.
﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ هم الذين يطوفون بالكعبة. وقيل: الغرباء القادمون على مكة. والأول أظهر.
﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ هم المعتكفون (^٢). وقيل: المصلّون. وقيل: المجاورون من الغرباء. وقيل: أهل مكة.
والعكوف في اللغة: اللُّزوم.
﴿بَلَدًا﴾ يعني: مكةَ.
﴿آمِنًا﴾ أي: مما يصيب غيرَه من الخسف والعذاب.
وقيل: آمنًا من إغارة الناس على أهله؛ لأنَّ العرب كان يُغير بعضهم على بعض، وكانوا لا يتعرَّضون لأهل مكة، وهذا أرجح؛ لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا
_________________
(١) في د: «عليه».
(٢) في د زيادة: «في المسجد».
[ ١ / ٣٦٢ ]
جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
فإن قيل: لم قال في «البقرة»: ﴿هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ وفي «إبراهيم»: ﴿هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾، فعرَّف البلد في «إبراهيم» ونكّره في «البقرة»؟
فعن ذلك ثلاثةُ أجوبةٍ:
الجواب الأول: قاله أستاذُنا الشيخُ أبو جعفرِ بنُ الزبيرِ، وهو أنه تقدَّمَ في «البقرة» ذِكْرُ البيتِ في قولهِ: ﴿الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ (^١)، وذِكْرُ البيتِ يقتضي بالملازمةِ ذِكْرَ البلدِ الذي هو فيهِ، فلم يحتجْ إلى تعريفهِ، بخلافِ آيةِ «إبراهيم»؛ فإنهُ لم يتقدَّمْ قَبْلَها ما يقتضي ذِكْرَ البلدِ، ولا المعرفةَ بهِ، فذكَرَه بلامِ التعريفِ.
الجواب الثاني: قاله السهيليُّ، وهو أن النبيَّ ﷺ كان بمكة حين نزلت آية «إبراهيم»؛ لأنها مكيَّةٌ، فلذلك قال فيه: ﴿الْبَلَدَ﴾ بلام التعريف التي للحضور؛ كقولك: «هذا الرجل» وهو حاضرٌ، بخلاف آية «البقرة»؛ فإنها مدنيَّةٌ، ولم تكن مكةُ حاضرةً حين نزولها، فلم يعرِّفها بلام الحضور.
وفي هذا نظر؛ لأن ذلك الكلام حكاية عن إبراهيم ﵇، فلا فرق بين نزوله بمكة أو المدينة.
الجواب الثالث: قاله بعض المشارقة (^٢)، أنه قال: ﴿هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ قبل
_________________
(١) هذه الآية متأخرة عن الآية التي يتكلم عنها، فكأنه سبق قلم من ابن جزي ﵀، والمراد آية: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً﴾ ..؛ فهي المتقدمة عليها، وهي التي ذكرها ابن الزبير في «ملاك التأويل» (١/ ٢٣٤) الذي نقل منه ابن جزي هذا الجواب.
(٢) يعني به: أبا عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني، المعروف بالخطيب الإسكافي، =
[ ١ / ٣٦٣ ]
أن يكون بلدًا، فكأنه قال: اجعل هذا الموضع بلدًا آمنًا، وقال: ﴿هَذَا الْبَلَدَ﴾ بعد ما صار بلدًا.
وهذا يقتضي أن إبراهيم دعا بهذا الدعاء مرتين؛ والظاهر أنه مرة واحدة، حُكي لفظه فيها على وجهين.
﴿مَنْ آمَنَ﴾ بدل بعض من كل.
﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: قال الله: وأرزق من كفر؛ لأن الله يرزق في الدنيا المؤمن والكافر.
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ﴾ على حذف القول؛ أي: يقولان ذلك.
﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ أي: عَلّمْنا مواضع الحج. وقيل: العبادات.
﴿فِيهِمْ﴾ أي: في ذريتنا.
﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ هو محمد ﷺ؛ ولذلك قال ﷺ: «أنا دعوة إبراهيم» (^١).
والضمير المجرور: لذرية إبراهيم وإسماعيل، وهم العرب الذين من نسل عدنان.
وأما الذين من نسل قحطان فاختلف هل هم من ذرية إسماعيل أم لا؟
﴿الْكِتَابَ﴾ هنا: القرآن.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ هنا: السنة.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أي: يطهرهم من الكفر والذنوب.
_________________
(١) = قاله ذلك في كتابه «درة التنزيل وغرة التأويل» (١/ ٢٨٢).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٤٠٢)، والطبري في تفسيره (٢/ ٥٧٢) واللفظ له.
[ ١ / ٣٦٤ ]
[﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾].
﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ منصوب على التشبيه بالمفعول به.
وقيل: الأصل: «في نفسه»؛ ثم حذف الجارُّ فانتصب.
وقيل: تمييز.
﴿وَأَوْصَى بِهَا﴾ أي: بالكلمة والملَّة.
[ ١ / ٣٦٥ ]
﴿وَيَعْقُوبُ﴾ بالرفع: عطف على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾؛ فهو مُوصٍ.
وقرئ بالنصب: عطفًا على ﴿بَنِيهِ﴾؛ فهو مُوصًى.
﴿أَمْ كُنتُمْ﴾ «أم» هنا منقطعة، معناها الاستفهام والإنكار.
﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ كان عمه؛ والعم يسمى أبًا.
﴿وَقَالُوا كُونُوا﴾ أي: قالت اليهود: كونوا هودًا، وقالت النصارى: كونوا نصارى.
﴿بَلْ مِلَّةَ﴾ منصوب بإضمار فعل.
﴿لَا نُفَرِّقُ﴾ أي: لا نؤمن بالبعض دون البعض، وهذا برهانٌ؛ لأن كل من أتى بالمعجزة فهو نبيّ، فالكفر ببعضهم والإيمان ببعضهم تناقض.
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾ وعدٌ ظهر مصداقُه بقتل بني قريظة، وإجلاء بني النَّضير، وغير ذلك.
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أي دينه، وهو استعارةٌ من صبغ الثوب وغيره.
ونصبه:
على الإغراء.
أو على المصدر من المعاني المتقدمة.
أو بدل من: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾.
﴿كَتَمَ شَهَادَةً﴾ هي الشهادة بأن الأنبياء على الحنيفية.
[ ١ / ٣٦٦ ]
﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يتعلق:
بـ ﴿كَتَمَ﴾.
أو بـ ﴿عِندَهُ﴾؛ كأنَّ المعنى: شهادة تخلَّصت له من الله.
* * *
[ ١ / ٣٦٧ ]
[﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾].
﴿سَيَقُولُ﴾ ظاهرهُ: الإعلام بقولهم قبل وقوعه.
إلَّا أن ابن عباس قال: نزلت بعد قولهم.
﴿السُّفَهَاءُ﴾ هنا: اليهود، أو المشركون، أو المنافقون.
﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ أي: ما ولَّى المسلمين عن قبلتهم الأولى -وهي بيت المقدس- إلى الكعبة؟.
﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ﴾ الآية: ردٌّ عليهم بأن الله يحكم ما يريد، ويولِّي عباده حيث شاء؛ لأن الجهات كلَّها له.
[ ١ / ٣٦٨ ]
﴿وَكَذلِكَ﴾ أي: كما هديناكم جعلناكم وَسَطًا؛ أي: خيارا (^١).
﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أي: تشهدون يوم القيامة بإبلاغ الرسل إلى قومهم.
﴿عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ أي: بأعمالكم، قال ﷺ: «أقول كما قال أخي عيسى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] الآية» (^٢).
فإن قيل: لم قدَّم المجرور في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ وأخره في قوله: ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾؟
فالجواب: أنَّ تقديم المعمولات يفيد الحصر، فقدَّم المجرور في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾؛ لاختصاص شهادة النبي ﷺ بأمته، ولم يقدّمه في قوله: ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾؛ لأنه لم يقصد الحصر (^٣).
﴿الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ فيها قولان:
أحدهما: أنها الكعبة، وهو قول ابن عباس.
والآخر: أنها بيت المقدس، وهو قول قتادة وعطاء والسُّدّي.
وهذا مع ظاهر قوله: ﴿كُنْتَ عَلَيْهَا﴾؛ لأنَّ النبي ﷺ كان يصلي إلى بيت المقدس، ثم انصرف عنه إلى الكعبة.
وأما قول ابن عباس: فتأويله بوجهين:
الأول: أنَّ «كنت» بمعنى «أنت».
_________________
(١) في أ، ج، هـ: «أخيارًا».
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٤٩)، ومسلم (٢٨٦٠).
(٣) انظر: الكشاف (٣/ ١٣٤).
[ ١ / ٣٦٩ ]
والثاني: قيل: إن النبي ﷺ صلى إلى الكعبة قبل بيت المقدس.
وإعراب ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾:
مفعولٌ به ﴿جَعَلْنَا﴾.
أو صفة لـ ﴿الْقِبْلَةَ﴾.
ومعنى الآية على القولين: اختبارٌ وفتنة للناس بأمر القبلة.
فأما على قول قتادة: فإن الصلاة إلى بيت المقدس:
فتنةٌ للعرب؛ لأنهم كانوا يعظِّمون الكعبة.
أو فتنةٌ لمن أنكر تحويلها؛ وتقديره على هذا: ما جعلنا صرف القبلة التي كنت عليها؛ وهذا أظهر؛ لأن الفتنة إنما وقعت عند صرف القبلة.
وأما على قول ابن عباس: فإن الصلاة إلى الكعبة:
فتنةٌ لليهود؛ لأنهم يعظِّمون بيت المقدس، وهم مع ذلك ينكرون النسخ، فأنكروا صرف القبلة.
أو فتنةٌ لضعفاء المسلمين، حتى رجع بعضهم عن الإسلام حين صُرِفت القبلة.
﴿لِنَعْلَمَ﴾ أي: العلم الذي تقوم به الحجة على العبد، وهو: إذا ظهر في الوجود ما علمه الله.
﴿يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ عبارةٌ عن الارتداد عن الإسلام، وهو تشبيهٌ بمن رجع يمشي إلى وراء.
[ ١ / ٣٧٠ ]
﴿وَإِنْ كَانَتْ﴾ «إِنْ» مخففة من الثقيلة.
واسم «كان»: ضمير الفِعْلة؛ وهي التحول عن القبلة.
﴿إِيمَانَكُمْ﴾ هنا: قيل: صلاتكم إلى بيت المقدس؛ واستدلَّ به من قال: إنَّ الأعمال من الإيمان.
وقيل: معناه ثبوتكم على الإيمان حين انقلب غيركم بسبب تحويل القبلة.
﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ كان النبي ﷺ يرفع رأسه إلى السماء؛ رجاء أن يؤمر بالصلاة إلى الكعبة.
﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾ جهته.
﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ خبر يتضمن النهي.
ووُحِّدت ﴿قِبْلَتَهُمْ﴾ وإن كانت جهتين؛ لاستوائهما في البطلان.
﴿وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ لأنَّ اليهود يستقبلون المغرب، والنصارى المشرق.
﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أي: يعرفون القرآن، أو النبي ﷺ، أو أمر القبلة.
﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ مبالغةٌ في وصف المعرفة، وقال عبد الله بن سلام: «معرفتي بالنبي ﷺ أشدُّ من معرفتي بابني؛ لأن ابني قد يمكن فيه الشكُّ» (^١).
_________________
(١) انظر: تفسير البغوي (١/ ١٦٤).
[ ١ / ٣٧١ ]
[﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾].
﴿وَلِكُلٍّ﴾ أي: لكل أحد، أو لكل طائفة.
﴿وِجْهَةٌ﴾ أي: جهة، ولم تحذف الواو؛ لأنه ظرف مكان.
وقيل: إنه مصدر ثبتت فيه الواو على غير قياس.
﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ أي: موليها وجهه.
وقرئ: ﴿مُوَلَّاهَا﴾ أي: ولاه الله إليها (^١).
والمعنى: أن الله تعالى جعل لكل أمة قبلة.
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ أي: بادروا إلى الأعمال الصالحة.
﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾ أي: يبعثكم من قبوركم.
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ كُرّر تأكيدًا، أو ليناط به ما بعده.
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾ الآية؛ معناها: أن الصلاة إلى الكعبة ترفع
_________________
(١) في د: «إياها».
[ ١ / ٣٧٢ ]
حجة المعترضين من الناس.
فإن أريد بالناس اليهود: فحجتهم أنهم يجدون في كتبهم أنَّ النبي ﷺ يصلي إلى الكعبة، فلما صلَّى إليها لم تبق لهم حجة على المسلمين.
وإن أريد (^١) قريش: فحجتهم أنهم قالوا: قبلة آبائه أولى به.
﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: من يتكلم بغير حجة ويعترض التحوُّل إلى الكعبة.
والاستثناء متصل؛ لأنه استثناء من عموم الناس.
ويحتمل الانقطاع؛ على أن يكون استثناء ممن له حجة، فإن الذين ظلموا هم الذين ليس لهم حجة.
﴿وَلِأُتِمَّ﴾ متعلق بمحذوف؛ أي: فعلت ذلك لأتمَّ.
أو: معطوف على: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾.
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا﴾ متعلق:
بقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ﴾.
أو بقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾.
والأول أظهر.
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال سعيد بن المسيب: معناه: اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب.
_________________
(١) في د زيادة: «بهم».
[ ١ / ٣٧٣ ]
وقيل: اذكروني بالدعاء والتسبيح ونحو ذلك.
وقد أكثر المفسّرون - لا سيما المتصوّفة - في تفسير هذا الموضع بألفاظ لها معانٍ مخصوصةٌ؛ ولا دليل على التخصيص.
وبالجملة: هذه الآية بيان لشرف الذكر، وبيّنها قولُ رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه: «أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإٍ ذكرته في ملإٍ خيرٍ منهم» (^١).
والذكر ثلاثة أنواع: ذكر بالقلب، وباللسان، وبهما معًا.
واعلم أن الذكر أفضلُ الأعمال على الجملة، وإن ورد في بعض الأحاديث تفضيل غيره من الأعمال كالصلاة وغيرها؛ فإنَّ ذلك لما فيها من معنى الذكر والحضور مع الله تعالى.
والدليل على فضيلة الذكر من ثلاثة أوجه:
الأول: النصوص الواردة بتفضيله على سائر الأعمال، قال رسول الله ﷺ: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «ذكر الله» (^٢).
وسئل رسول الله ﷺ: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: «ذكر الله»، قيل: الذكر
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٤٠٥) ومسلم (٢٦٧٥).
(٢) أخرجه أحمد (٢١٧٠٢)، (٢٢٠٧٩)، (٢٧٥٢٥)، والترمذي (٣٣٧٧)، وابن ماجه (٣٧٩١).
[ ١ / ٣٧٤ ]
أفضل أم الجهاد في سبيل الله؟ فقال: «لو ضَرَب المجاهد بسيفه في الكفار حتى ينقطع سيفه ويختضب دمًا: لكان الذاكرُ الله أفضلَ منه» (^١).
الوجه الثاني: أن الله تعالى حيثما أمر بالذكر أو أثنى على الذاكرين: اشترط فيه الكثرة؛ فقال: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]، و﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]، ولم يشترط ذلك في سائر الأعمال.
الوجه الثالث: أن في الذكر مزيَّةً هي له خاصة ليست لغيره؛ وهي الحضور في الحضرة العليَّة، والوصول إلى القرب الذي عَبَّر عنه ما ورد في الحديث من المجالسة والمعيَّة؛ فإن الله تعالى يقول: «أنا جليس من ذكرني» (^٢)، ويقول: «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني».
وللناس في المقصد بالذكر مقامان:
فقصد (^٣) العامة: اكتساب الأجور.
ومقصد (^٤) الخاصة: القرب والحضور.
وما بين المقامين بَوْن بعيد، فكم بين من يأخذ أجره وهو من وراء حجاب، وبين من يُقرَّب حتى يكون من خواص الأحباب! (^٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١١٧٢٠)، والترمذي (٣٣٧٦).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٤٥)، والبيهقي في الشعب (٢/ ١٧١).
(٣) في د: «فمقام».
(٤) في د: «ومقام».
(٥) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله: «وللناس في المقصد بالذكر مقامان» إلخ. أقول: تضمن كلامه هذا ﵀ أن الذاكرين نوعان؛ عامةٌ وخاصةٌ، وأن مقصود العامة بالذكر اكتسابُ الأجر، وأن مقصود الخاصة القربُ من الله، ويدخل في الخاصة =
[ ١ / ٣٧٥ ]
واعلم أن الذكر على أنواع كثيرة: فمنها التهليل، والتسبيح، والتكبير، والتحميد، والحوقلة، والحسبلة، وذكرُ كلِّ اسم من أسماء الله تعالى، والصلاةُ على النبي ﷺ، والاستغفار، وغير ذلك.
ولكل ذكرٍ خاصيَّةٌ وثمرة:
فأما التهليل: فثمرته التوحيد، أعني: التوحيد الخاص؛ فإن التوحيد العام حاصل لكل مؤمن.
وأما التكبير: فثمرته التعظيم والإجلال لذي الجلال.
وأما الحمد والأسماء التي معناها الإحسان والرحمة، كالرحمن والرحيم والكريم والغفَّار وشبه ذلك: فثمرتها ثلاث مقامات؛ وهي:
_________________
(١) = الأنبياء والصديقون، وهذا التقسيم والتفاضل بين الذاكرين صحيح، وهذا يجري في كل الطاعات، فالمؤمنون منهم الأبرار أصحاب اليمين، ومنهم المقربون السابقون، كما جاء هذا التقسيم في سورة الواقعة وسورة الإنسان والمطففين، ومنه ما ذكر في سورة فاطر. ولكن يُستدرك على الشيخ ابن جزي ﵀ ما يوهمه كلامه من أن الخاصة لا طمع لهم في الأجور، وهذا يخالف ما وصف الله به أنبياءه وأولياءه، من رجاء رحمته وخوف عذابه، مع طلب القرب في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، فهم يعبدون الله في ثلاثة مقامات: مقام الحب، والخوف، والرجاء. وكلامه ﵀ يوهم ما تقوله جهلة الصوفية من أن العارف لا يعبد الله طمعًا في جنته، ولا خوفًا من ناره، ويردُّ هذا الزعم آيات كثيرة من كتاب الله ﷿، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
[ ١ / ٣٧٦ ]
الشكر، وقوة الرجاء، والمحبة؛ فإنَّ المحسن محبوب لا محالة.
وأما الحوقلة والحسبلة: فثمرتها التوكل على الله، والتفويض إلى الله، والثقة بالله.
وأما الأسماء التي معناها الاطلاع والإدراك، كالعليم والسميع والبصير والقريب وشبه ذلك: فثمرتها المراقبة.
وأما الصلاة على النبي ﷺ: فثمرتها شدَّة المحبة فيه، والمحافظة على اتباع سنته.
وأما الاستغفار: فثمرته الاستقامة على التقوى، والمحافظة على شروط التوبة، مع انكسار القلب بسبب الذنوب المتقدمة.
ثم إنَّ ثمرات الذكر بجميع الأسماء والصفات مجموعة في الذكر الفرد (^١)؛ وهو قولنا: «الله، الله»؛ فذلك هو الغاية وإليه المنتهى (^٢).
_________________
(١) في ج، د: «المفرد».
(٢) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله: «ثم إنّ ثمرات الذكر بجميع الأسماء والصفات …» إلخ. يتضمن أمرين؛ حقًا وباطلا: الأول: أن جميع معاني أسماء الله الحسنى يتضمنها الاسم الشريف الله، وهذا حقٌّ. الثاني: أن أفضل الذكر هو ذكر الله بالاسم المفرد: الله الله، وهذا باطل، وذلك لأمور:
(٣) أن الذكر بالاسم المفرد من بدع الصوفية، ولا أصل له في كتاب ولا سنة. فاختيار المؤلف لذلك زلةٌ منه عفا الله عنه.
(٤) أن كل ما ورد من ألفاظ الذكر في الكتاب والسنة هو من الكلام المركب: كسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. =
[ ١ / ٣٧٧ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧) إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾].
﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قد ذُكر (^١).
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ أي: بمعونته.
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ قيل: إنها نزلت في الشهداء المقتولين في غزوة بدر، وكانوا أربعة عشر رجلًا، لمّا قتلوا حزِن عليهم
_________________
(١) = ٣ - أن الاسم المفرد لا يفيد فائدة تامة، كما هو مقرر في علم النحو. لذلك لا يحصل بالاسم المفرد إيمان ولا كفر، فلا يدخل الكافر في الإسلام بذكره الاسم المفرد: الله، ولا يكفر من قال: لا إله إلا الله، وامتنع عن ذكر الاسم المفرد. لذلك: لا يجزئ الإتيان بالاسم المفرد في المواضع التي يستحب أو يجب فيها نوعٌ من الأذكار الشرعية.
(٢) انظر صفحة ٣١٠.
[ ١ / ٣٧٨ ]
أقاربهم، فنزلت الآية مبيِّنةً لمنزلة الشهداء عند الله، ومسلِّيَّةً لأقاربهم.
ولا يخصِّصها نزولها فيهم؛ بل حكمها على العموم في الشهداء.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم﴾ أي: نختبركم.
وحيث ما جاء الاختبار في حق الله فمعناه: أن يظهر في الوجود ما في علمه؛ لتقوم الحجة على العبد، وليس كاختبار الناس بعضهم بعضًا؛ لأن الله يعلم ما كان وما يكون.
والخطاب بهذا الابتلاء:
للمسلمين.
وقيل: لكفار قريش.
والأول أظهر؛ لقوله بعدها: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ يعني: من الأعداء.
﴿وَالْجُوعِ﴾ بالجدب.
﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ بالخسارة.
﴿وَالْأَنفُسِ﴾ بالقتل.
﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ بالجوائح.
وقيل: ذلك كلُّه بسبب الجهاد.
﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ اللام للملك؛ والمالك يفعل في مُلكه ما يشاء.
﴿رَاجِعُونَ﴾ تذكَّروا الآخرة؛ لتهون عليهم مصائب الدنيا، وفي الحديث
[ ١ / ٣٧٩ ]
الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: «من أصابته مصيبة فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في (^١) مصيبتي (^٢) واخلف لي خيرًا منها: أخلف الله له خيرًا مما أصابه». قالت أم سلمة: «فلما مات زوجي أبو سلمة قلت ذلك؛ فأبدلني الله به رسول الله ﷺ» (^٣).
* فائدة: ورد ذكر الصبر من القرآن في أكثر من سبعين موضعًا، وذلك لعظمة موقعه في الدين.
قال بعض العلماء: كلُّ الحسنات لها أجر محصور من عشرة أمثالها إلى سبع مئة ضِعفٍ، إلا الصبر؛ فإنه لا يحصر أجره؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
وذكر الله للصابرين ثمانية أنواع من الكرامة:
أولها: المحبة، قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
والثاني: النصرة، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥].
والثالث: غُرفات الجنة، قال: ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥].
والرابع: الأجر الجزيل، قال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
_________________
(١) في ب، د: «على».
(٢) في أ، د: «هذه».
(٣) أخرجه مسلم (٩١٨).
[ ١ / ٣٨٠ ]
والأربعة الأخرى: المذكورة في هذه الآية:
فمنها البِشارة، قال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
والصلاة والرحمة والهداية، قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.
والصبر على أربعة أوجه:
[١ -] صبرٌ على البلاء؛ وهو منع النفس من التسخُّط والهلع والجزع.
[٢ -] وصبر على النعم؛ وهو تقييدها بالشكر، وعدم الطغيان، وعدم التكبُّر بها.
[٣ -] وصبر على الطاعات؛ بالمحافظة والدوام عليها.
[٤ -] وصبر عن المعاصي؛ بكفِّ النفس عنها.
وفوق الصبر: التسليم؛ وهو ترك الاعتراض والتسخُّط ظاهرًا، وترك الكراهة باطنًا.
وفوق التسليم: الرِّضا بالقضاء؛ وهو سرور النفس بفعل الله، وهو صادر عن المحبة، وكلُّ ما يفعل المحبوب محبوب.
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ جبلان صغيران بمكة.
﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أي: معالم دينه، واحدها: شعيرةٌ، أو شعارةٌ.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ إباحةٌ للسعي بين الصفا والمروة.
والسعي بينهما واجب عند مالك والشافعي.
[ ١ / ٣٨١ ]
وإنما جاء بلفظ يقتضي الإباحة؛ لأن بعض الصحابة امتنعوا من السعي بينهما؛ لأنه كان في الجاهلية على الصفا صنمٌ يقال له: إسافٌ، وعلى المروة صنم يقال له: نائلة، فخافوا أن يكون السعي بينهما تعظيمًا للصَّنمين، فرفع الله ما وقع في نفوسهم من ذلك.
ثم إنَّ السعي بينهما واجب (^١) بالسنَّة؛ قالت عائشة ﵂: «سنَّ رسول الله ﷺ السعي بين الصفا والمروة، وليس لأحد تركه» (^٢).
وقيل: إن الوجوب يؤخذ من قوله: ﴿شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ وهذا ضعيف؛ لأنَّ شعائر الله منها واجبةٌ، ومنها مندوبة.
وقد قيل: إنَّ السعي مندوبٌ.
﴿يَطَّوَّفَ﴾ أصله: يتطوَّف؛ ثم أدغمت التاء في الطاء.
وهذا الطواف يراد به: السعي سبعة أشواط.
﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ عامٌ في أفعال البر.
أو خاصٌّ في السعي بين الصفا والمروة؛ فيقتضي أن السعي بينهما تطوُّعٌ، ويؤخذ الوجوب من السنة.
أو معنى ﴿تَطَوَّعَ﴾: التطوُّع بحجٍّ بعد حجِّ الفريضة.
﴿الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ اليهود؛ كتموا أمر محمد ﷺ.
_________________
(١) في ج، هـ: «وجب».
(٢) أخرجه البخاري (١٦٤٣)، ومسلم (١٢٧٧).
[ ١ / ٣٨٢ ]
﴿فِي الْكِتَابِ﴾ التوراة هنا.
﴿اللَّاعِنُونَ﴾ الملائكة والمؤمنون.
وقيل: المخلوقات إلَّا الثَّقلين.
وقيل: البهائم؛ لما يصيبهم من الجدب بذنوب الكاتمين للحقِّ.
﴿وَبَيَّنُوا﴾ إنَّما شرط في توبتهم أن يبينوا؛ لأنهم كتموا.
﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ هم المؤمنون؛ فهو عامٌ يراد به الخصوص؛ لأن المؤمنين هم الذين يُعتدُّ بلعنهم للكفار.
وقيل: يلعنهم جميع الناس في الآخرة.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في اللعنة. وقيل: في النار.
﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ مِنْ أنظر: إذا أخَّر؛ أي: لا يؤخَّرون عن العذاب ولا يمهلون.
أو من نظر؛ لقوله: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]؛ إِلَّا أنَّ هذا يتعدَّى بـ «إلى».
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الواحد له ثلاثة معانٍ، كلُّها صحيحة في حق الله تعالى:
أحدها: أنه لا ثاني له؛ فهو نفي للعدد.
والآخر: أنه لا شريك له ولا نظير.
[ ١ / ٣٨٣ ]
والثالث: أنه واحدٌ لا يتبعَّض ولا ينقسم (^١).
وقد فُسِّر المراد به هنا في قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
واعلم أن توحيد الخلق لله تعالى على ثلاث درجات:
الأولى: توحيد عامة المسلمين؛ وهو الذي يعصم النفس والمال في الدنيا، ويُنجي من الخلود في النار في الآخرة، وهو نفي الشركاء والأنداد، والصاحبة والأولاد، والأشباه والأضداد.
الدرجة الثانية: توحيد الخاصة؛ وهو أن يرى الأفعالَ كلَّها صادرةً من الله وحده، ويشاهد ذلك بطريق المكاشفة، لا بطريق الاستدلال، فإنَّ معرفة ذلك بطريق الاستدلال حاصلةٌ لكلِّ مؤمن، وإنما مقام الخاصة: يقين في القلب بعلمٍ ضروري لا يحتاج إلى دليل، وثمرة هذا العلم: الانقطاع إلى الله، والتوكل عليه وحده، واطِّراح جميع الخلق، فلا يرجو إلا الله، ولا يخاف أحدًا سواه؛ إذ ليس يرى فاعلًا إلَّا إياه، ويرى جميع
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله: «الواحد له ثلاثة معان …» إلخ. أقول: ما ذكره في معنى الواحد، وأن المعاني الثلاثة صحيحة في حق الله؛ سقيمٌ في الجملة، وقد جرى في ذلك على طريقة المتكلمين في تقسيم التوحيد، ويؤخذ عليه وعليهم أمور: أنهم لم يذكروا توحيد الإلهية المتضمن توحيد العبادة، الذي هو معنى لا إله إلا الله. أن ما ذكروه غايته أن يتضمن توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون. أن بعض عباراتهم في هذا التقسيم فيها إجمال؛ كنفي النظير والشبيه، فإن المعطلة - كالمعتزلة ومن وافقهم - يدخلون في ذلك نفي الصفات. قولهم: «إنه واحدٌ في ذاته ولا يتجزأ»، هو حقٌّ في ظاهره، لكنهم يدخلون فيه أيضًا: نفي علوه تعالى على خلقه.
[ ١ / ٣٨٤ ]
الخلق في قبضة القهر، ليس بيدهم شيءٌ من الأمر، فيطرح الأسباب، وينبذ الأرباب.
والدرجة الثالثة: ألَّا يرى في الوجود إلَّا الله وحده، فيغيب عن النظر إلى المخلوقات، حتى كأنها عنده معدومةٌ.
وهذا هو الذي تسمّيه الصوفية: مقام الفناء؛ بمعنى الغيبة عن الخلق؛ حتى إنه قد يفنى عن نفسه، وعن توحيده، أي: يغيب عن ذلك باستغراقه في مشاهدة الله (^١).
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله: «واعلم أن توحيد الخلق لله تعالى على ثلاث درجات …» إلخ. أقول: هذا التقسيم للناس في التوحيد يشبه ما ذكره من تقسيمه للناس في مقصودهم من الذكر، وقد تقدم التنبيه إلى ما فيه، وكذلك نقول هنا: إن ما ذكره من تفاضل الناس في التوحيد صحيح، ولكنه سلك في التعبير عن ذلك طريق الصوفية؛ إذ جعله ثلاث درجات: توحيد العامة، وتوحيد الخاصة، وتوحيد خاصة الخاصة. وفسّر كل درجة من هذه الدرجات، كما هي عند الصوفية، ولا إشكال فيما فسّر به توحيد العامة إلا من حيث تخصيصه بالعامة، ولكن يؤخذ على المؤلف ما فسّر به الدرجة الثانية والثالثة مقرًّا لهما، وقد تضمن كلامه ﵀ عدة إشكالات:
(٢) قوله: «فيطرح الأسباب»، أقول: هذا قولٌ مجملٌ يحتمل أمورًا: أ - فإن كان لاعتقاد عدم تأثيرها، فهذا جحدٌ لما تضافرت الأدلة العقلية والشرعية على إثباته، وهو تأثير الأسباب في مسبّباتها، وهذا مذهب الجهمية ومن وافقهم؛ كالأشاعرة. بـ وإن كان لاعتقاد عدم شرعية العمل بها، فهذا مخالفٌ لموجب الشرع، كقوله ﷺ: «احرص على ما ينفعك»، وقوله للرجل: «اعقلها وتوكل»، وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وشواهد ذلك كثيرة. =
[ ١ / ٣٨٥ ]
[﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ
_________________
(١) = ج - وإن كان اطراح الأسباب بترك الاعتماد عليها؛ فهذا حق، وهو من تحقيق التوكل على الله.
(٢) قوله في الدرجة الثالثة: «ألا يرى في الوجود إلا الله وحده …» إلخ. أقول: قوله هذا لفظه يحتمل أن يعتقد ألا موجود إلا الله، وهذا هو القول بوحدة الوجود، وهو قول ملاحدة الصوفية الاتحادية، والمؤلف لا يريد هذا المعنى؛ لأنه فسَّره بقوله: «حتى كأنها عنده معدومة. وهذا هو الفناء عند الصوفية، وهو الغيبة عن الخلق؛ حتى أنه يفنى عن نفسه وعن توحيده». وقد جعل المؤلف هذه الدرجة بهذا التفسير أعلى درجات التوحيد، وهي الفناء عن شهود ما سوى الله، أي عدم الشعور بما سوى الله من المخلوقات، وقد غلط في هذا عفا الله عنه، فإن الفناء والغيبة نقص ليس بكمال، فضلا عن أن يكون من الدين، فضلا عن أن يكون أعلى مقامات الدين. قال شيخ الإسلام في العقيدة التدمرية: «الفناء الثاني: وهو الذي يذكره بعض الصوفية، وهو أن يفنى عن شهود ما سوى الله تعالى …، بحيث قد يغيب عن شهود نفسه لما سوى الله تعالى؛ فهذا حال ناقص …، ومن جعل هذا نهاية السالكين فهو ضال ضلالًا مبينا، وكذلك من جعلة من لوازم طريق الله فهو مخطئ، بل هو من عوارض طريق الله التي تعرض لبعض الناس دون بعض».
[ ١ / ٣٨٦ ]
مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾].
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية؛ ذكر فيها ثمانية أصنافٍ من المخلوقات؛ تنبيهًا على ما فيها من العبر، واستدلالًا على التوحيد المذكورُ قبلها في قولهِ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.
﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: اختلاف وصفهما من الضياءِ والظلامِ، والطولِ والقصرِ.
وقيل: المعنى: أنَّ أحدهما يخلفُ (^١) الآخر.
﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ من التجارةِ وغيرها.
﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ إرسالها من جهاتٍ مختلفةٍ؛ وهي الجهات الأربعِ وما بينها، وبصفاتٍ مختلفة؛ فمنها مُلْقِحَةٌ للشجر، وعَقِيمٌ، وصِرٌّ، وللنصرِ، وللهلاكِ.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ اعلمْ أنَّ محبة العبد لربه على درجتينِ:
أحدهما: المحبة العامةُ التي لا يخلو عنها كل مؤمنٍ؛ وهي واجبةٌ.
والأخرى: المحبة الخاصَّةُ التي ينفردُ بها العلماء الربانيون، والأولياء، والأصفياء.
وهي أعلى المقاماتِ، وغايةُ المطلوباتِ؛ فإن سائر مقامات الصالحينَ، كالخوفِ، والرجاء، والتوكلِ، وغيرِ ذلك؛ هي مبنيَّةٌ على حظوظِ النفوس،
_________________
(١) في أ، ب، د: «يخلفه».
[ ١ / ٣٨٧ ]
ألا ترى أن الخائف إنما يخاف على نفسه، وأن الراجي إنما يرجو منفعةَ نفسه؟، بخلاف المحبة؛ فإنها من أجل المحبوب؛ فليست من المعاوضات (^١).
واعلم أن سبب محبة الله: معرفته؛ فتقوى المحبةُ على قدر قوَّة المعرفة، وتضعف على قدر ضعف المعرفة؛ فإن الموجب للمحبة أحدُ أمرين،
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله: «اعلم أن محبة العبد لربه على درجتين …» إلخ. أقول: تضمن كلامه تعظيم مقام المحبة، وأن العباد فيها متفاضلون، وهذا صحيح، ولكنه - عفا الله عنه - هوّن من مقامات الخوف والرجاء والتوكل، وقال: إن غايتها حظ النفس، بينما غاية المحبة المحبوب. وهذا لا يُسَلّم له في الجانبين، فمقامات الخوف والرجاء والتوكل غايتها إجلال الله وتعظيمه، والخضوع له والإقرار بربوبيته وكمال غناه، كيف وقد أثنى الله على ملائكته بمقام الخوف فقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقال سبحانه: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وأثنى الله على أنبيائه وأوليائه بمقام الخوف والرجاء والتوكل فقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقال عن رسله ﷺ: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذيتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢]. وأما مقام المحبة - مع علو قدره - فلا يستغنى به عن مقام الخوف والرجاء، كما تزعم الصوفية، ومع ذلك فللنفس حظٌّ في مقام الحب، وهو ما تجده من اللذة في مشاهدة جمال المحبوب وكماله، فلا بد من التعبد لله بكل هذه المقامات، حبًّا ورجاءً وخوفًا وتوكلًا. قال بعض السلف: من عبد الله تعالى بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حَروريّ، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن.
[ ١ / ٣٨٨ ]
أو كلاهما إذا اجتمعا، ولا شكَّ أنهما اجتمعا في حق الله تعالى على غاية الكمال:
فالموجب الأوَّل: الحسن والجمال.
والآخر: الإحسان والإجمال.
فأما الجمال: فهو محبوب بالطبع؛ فإنَّ الإنسان بالضرورة يحبُّ كلَّ ما يستحسن.
والإجمال: مثل جمال الله في حكمته البالغة، وصنائعه البديعة، وصفاته الجميلة الساطعة الأنوار، التي تَرُوقُ العقولَ وتُبهج القلوبَ.
وإنما يُدرَك جمالُه تعالى بالبصائر، لا بالأبصار.
وأما الإحسان؛ فقد جُبلت القلوبُ على حبِّ من أحسن إليها.
وإحسانُ الله إلى عباده متواتر، وإنعامه عليهم باطن وظاهر، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ويكفيك أنه يحسن إلى المطيع والعاصي، والمؤمن والكافر، وكلُّ إحسانٍ يُنسب إلى غيره فهو - في الحقيقة - منه وحده، فهو المستحقُّ للمحبة وحده.
واعلمْ أن محبة الله إذا تمكَّنت من القلب ظهرت آثارها على الجوارح؛ من الجدِّ في طاعته، والنشاط لخدمته، والحرص على مرضاته، والتلذُّذِ بمناجاته، والرضا بقضائه، والشوقِ إلى لقائه، والأنس بذكره، والاستيحاش من غيره، والفرار من الناس، والانفراد في الخلوات،
[ ١ / ٣٨٩ ]
وخروج الدنيا من القلب، ومحبة كلِّ ما يحبه اللهُ، (وكلِّ من يحب اللهَ) (^١) وإيثارِ الله على كل من سواه.
قال الحارث المحاسبيُّ: المحبة مَيْلُك إلى المحبوب بكليَّتك، ثم إيثارك له على نفسك وروحك، ثم موافقته سرًّا وجهرًا، ثم علمك بتقصيرك في حبه (^٢).
﴿وَلَوْ تَرَى﴾ من رؤية العين، و﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مفعولٌ، وجواب «لو» محذوف؛ وهو العامل في ﴿أَنَّ﴾.
والتقدير: لو ترى الذين ظلموا لعلمتَ أنَّ القوة لله، أو لعلموا أنَّ القوة لله.
وقرئ ﴿يَرَى﴾ بالياء: وهو - على هذه القراءة - من رؤية القلب، و﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فاعل، و﴿أَنَّ الْقُوَّةَ﴾ مفعول ﴿يَرَى﴾، وجواب «لو» محذوف.
والتقدير: لو يرى الذين ظلموا أنَّ القوة لله لندموا، أو لاستعظموا ما حلَّ بهم.
﴿إِذْ تَبَرَّأَ﴾ بدلٌ من: ﴿إِذْ يَرَوْنَ﴾.
أو استئنافٌ؛ والعامل فيه محذوف تقديره: اذكر.
_________________
(١) سقط من ج، د، هـ.
(٢) أورده القشيري بإسناده إلى الحارث في الرسالة القشيرية (٢/ ٤٩٠).
[ ١ / ٣٩٠ ]
﴿الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ هم: الآلهة، أو الشياطين، أو الرؤساء من الكفَّار. والعموم أولى.
﴿الأَسْبَابُ﴾ هنا: الوُصلات من الأرحام والمودَّات.
﴿أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ﴾ أي: سيّئاتهم. وقيل: حسناتهم إذ لم تقبل منهم. أو: ما عملوه لآلهتهم.
* * *
[ ١ / ٣٩١ ]
[﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾].
﴿كُلُوا﴾ أمرٌ محمول على الإباحة.
﴿حَلَالًا﴾ حالٌ من: ﴿مَا فِي الأَرْضِ﴾.
أو مفعولٌ بـ ﴿كُلُوا﴾.
أو صفة لمفعول محذوف؛ أي: شيئًا حلالًا.
﴿طَيِّبًا﴾ يحتمل أن يريد: الحلالَ، أو اللذيذ.
﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ ما يأمر به؛ وأصله من: خُطوة الشيء.
وقال المنذر بن سعيد: يحتمل أن يكون من الخطيئة، ثم سهلت همزته.
وقرئ: بضم الطاء وإسكانها؛ وهما لغتان.
[ ١ / ٣٩٢ ]
﴿بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ المعاصي.
﴿وَأَنْ تَقُولُوا﴾ الإشراك، وتحريم الحلال؛ كالبَحِيرة وغير ذلك.
﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ ردٌّ على قولهم: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ﴾.
والآيةُ في كفَّار العرب. وقيل: في اليهود.
والمعنى: أتتبعونهم (^١) ولو كانوا لا يعقلون؟، فدخلت همزة الإنكار على واو الحال.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية؛ في معناها قولان:
الأول: تشبيه الذين كفروا بالبهائم في قلَّة فهمهم وعدم استجابتهم لمن يدعوهم.
ولا بد في هذا من محذوف؛ وفيه وجهان:
أحدهما: أن يكون المحذوف أوَّلَ الآية، والتقدير: مثل داعي الذين كفروا إلى الإيمان ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ أي: يصيح ﴿بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ وهي البهائم التي لا تسمع ﴿إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ ولا تعقل معناه.
والآخر: أن يكون المحذوف بعد ذلك، والتقدير: مثل الذين كفروا كمثل مَدْعُوٍّ الذي ينعق.
ويكون ﴿دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ على الوجهين: مفعولًا بـ ﴿يَسْمَعُ﴾.
والنعيق: هو زجر الغنم، والصياح عليها.
_________________
(١) في ج، هـ: «أيتَّبعونهم».
[ ١ / ٣٩٣ ]
فعلى هذا القول: شبّه الكفار: بالغنم، وشبه داعيهم: بالذي يزجرها ويصيح عليها.
والقول الثاني: تشبيه الذين كفروا في دعائهم وعبادتهم لأصنامهم بمن ينعق بما لا يسمع؛ لأن الأصنام لا تسمع شيئًا.
ويكون ﴿دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ على هذا منقطعًا؛ أي: أن الداعي يتعب نفسه بالدعاء والنداء لمن لا يسمعه من غير فائدة.
فعلى هذا: شبه الكفار: بالناعق.
﴿صُمٌّ﴾ وما بعده: راجع إلى الكفار؛ وذلك يقوّي التأويل الأول.
ورفعه: على إضمار مبتدإ.
﴿وَاشْكُرُوا﴾ الآية؛ دليلٌ على وجوب الشكر؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
﴿الْمَيْتَةَ﴾ ما مات حتف أنفه، وهو عمومٌ خُصَّ منه: الحوت والجراد.
وأجاز مالك أكل الطافي من الحوت، ومنعه أبو حنيفة.
ومنع مالكٌ أكْلَ (^١) الجراد حتى يُسبَّب موتها (^٢) بقطع عضوٍ منها، أو وضعها في الماء، أو غير ذلك، وأجازه عبد الحكم دون ذلك.
﴿وَالدَّمَ﴾ يريد: المسفوح؛ لتقييده بذلك في سورة «الأنعام».
_________________
(١) هذه الكلمة سقطت من ج، هـ.
(٢) في ب: «في موتها».
[ ١ / ٣٩٤ ]
ولا خلاف في إباحة ما خالط اللحم من الدم.
﴿وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ هو حرامٌ؛ سواء ذُكّي أو لم يذكَّ.
وكذلك شحمُه بإجماع، وإنما خصَّ اللحم بالذكر؛ لأنه الغالب في الأكل، ولأن الشحم تابعٌ له؛ ولذلك من حلف أن لا يأكل لحمًا فأكل شحمًا حنث، بخلاف العكس.
﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ﴾ أي: صِيحَ؛ لأنهم كانوا يصيحون باسم من ذُبح له، ثم استعمل في النية في الذبيحة.
﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ الأصنام وشبهها.
﴿اضْطُرَّ﴾ بالجوع، أو بالإكراه.
وهو مشتق من الضرورة، ووزنه: افتُعِل، وأبدل من التاء طاءٌ.
﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ قيل: باغٍ على المسلمين، وعادٍ عليهم؛ ولذلك لم يرخِّص مالك - في رواية عنه - للعاصي بسفره أن يأكل الميتة، والمشهور عنه: الترخيص له.
وقيل: باغٍ باستعمالها من غير اضطرار.
وقيل: باغٍ أي: متزيِّد على إمساك رَمَقِه؛ ولهذا لم يُجِز الشافعيُّ للمضطرِّ أن يشبع من الميتة، وقال مالك: بل يشبع ويتزوَّد.
﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ رفعٌ للحرج.
ويجب على المضطرِّ أكلُ الميتة؛ لئلا يقتل نفسه بالجوع، وإنما تدل الآية على الإباحة، ويؤخذ الوجوب من غيرها.
[ ١ / ٣٩٥ ]
واختلف: هل يباح له أكل الميتة والدم والخنزير، أو أكل ما عدا الخنزير؟
واختلف: هل يباح له أكل ميتة ابن آدم أم لا؟ فمنعه مالك، وأجازه الشافعي؛ لعموم الآية.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ اليهود.
﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ أي: أكلهم للدنيا يقودهم إلى النار؛ فوضع السبب موضع المسبَّب.
وقيل: يأكلون النار حقيقةً في جهنم.
﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ عبارةٌ عن غضبه عليهم.
وقيل: لا يكلّمهم بما يحبونه (^١).
﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ لا يثني عليهم.
﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ﴾ تعجبُ:
من جُرأتهم على ما يقودهم إلى النار.
أو من صبرهم على عذاب النار في الآخرة.
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾: «عبارةٌ عن غضبه عليهم» إلخ. أقول: فسَّر نفي الكلام بأحد وجهين: - بالغضب اللازم من ترك الكلام، وهو من التفسير باللازم. - أو بترك كلام مخصوص، وهو ما يحبونه ويسرهم. والثاني هو المناسب؛ لظاهر اللفظ، والله أعلم.
[ ١ / ٣٩٦ ]
وقيل: إنه استفهام؛ و﴿أَصْبَرَهُمْ﴾ بمعنى: صَبَّرَهُمْ، وهذا بعيد؛ وإنما حمل قائله عليه اعتقاده أن التعجب مستحيل على الله؛ لأنه استعظام خفي سببه.
وذلك لا يلزم؛ فإنه في حق الله غير خفي السبب.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى العذاب.
ورفعه: بالابتداء، أو بفعل مضمر.
﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ الباء سببية.
﴿نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ القرآن هنا.
﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالواجب، أو بالإخبار الحق (^١)؛ أي: الصادق.
والباء فيه: سببية، أو للمصاحبة.
﴿الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى؛ و﴿الْكِتَابِ﴾ على هذا: التوراة والإنجيل.
وقيل: ﴿الَّذِينَ اخْتَلَفُوا﴾: العرب؛ و﴿الْكِتَابِ﴾ على هذا: القرآن.
ويحتمل جنس الكتاب (^٢) في الموضعين.
﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي: بعيد من الحق والاستقامة.
_________________
(١) في د: «بالحق».
(٢) في ج، د: «الكتب».
[ ١ / ٣٩٧ ]
[﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩) كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾].
﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ الآية؛ خطاب لأهل الكتاب؛ لأن المغرب قبلة اليهود، والمشرق قبلة النصارى، أي: إنما البرُّ التوجه إلى الكعبة.
وقيل: خطاب للمؤمنين؛ أي: ليس البرُّ الصلاة خاصة، بل البر جميع الأشياء المذكورة بعد هذا.
﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ لا يصح أن يكون ﴿مَنْ آمَنَ﴾ خبرًا عن ﴿الْبِرَّ﴾؛ فتأويله:
لكنَّ صاحب البر مَنْ آمن.
أو لكن البرَّ برُّ من آمن.
أو يكون البر مصدرا وُصِفَ به.
[ ١ / ٣٩٨ ]
﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ صدقةُ التطوُّع، وليست بالزكاة؛ لقوله بعد ذلك: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾.
﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ الضمير عائد على ﴿الْمَالَ﴾؛ كقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] الآية؛ وهو الراجح من طريق المعنى، وعودُ الضمير على الأقرب.
وهو على هذا تتميمٌ؛ وهو من أدوات البيان.
وقيل: يعود على مصدر ﴿وَآتَى﴾.
وقيل: على الله.
﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ وما بعده: مرتبٌ بتقديم الأهم والأفضل؛ لأن الصدقة على القرابة صدقةٌ وصلةٌ، بخلاف مَنْ بعدهم، ثم اليتامى؛ لصغرهم وحاجتهم، ثم المساكين؛ للحاجة خاصة.
﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ الغريب، وقيل: الضَّيف (^١).
﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ وإن كانوا غير محتاجين.
﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ عتقها.
﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ أي: العهد مع الله، ومع الناس.
﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ نُصِبَ بإضمار فعل.
﴿فِي الْبَأْسَاءِ﴾ الفقر.
﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ المرض.
_________________
(١) في ج، د، هـ: «الضعيف»، والمثبت موافق لما فسره به في «اللغات» مادة (٤٨٨).
[ ١ / ٣٩٩ ]
﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ القتال.
﴿صَدَقُوا﴾ في القول، والفعل، والعزيمة.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ أي: شُرع لكم.
وليس بمعنى: فُرِض؛ لأن وليَّ المقتول مخيَّرٌ بين القصاص والدية والعفو.
وقيل: بمعنى فرض؛ أي: فُرِض:
على القاتل: الانقيادُ للقصاص.
وعلى وليِّ المقتول: أن لا يتعداه إلى قتل غيره؛ كفعل الجاهلية.
وعلى الحكَّام: التمكينُ من القصاص.
﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى﴾ ظاهره: اعتبار التَّساوي بين القاتل والمقتول في الحرية والذكورية، وأن لا يقتل حرٌّ بعبد، ولا ذكر بأنثى.
إلا أن العلماء أجمعوا على قتل الذكر بالأنثى.
ورأى قوم: أن يُعطي أولياؤها حينئذٍ نصف الدية لأولياء الرجل المقتصِّ منه؛ خلافًا لمالك والشافعي وأبي حنيفة.
وأما قتل الحرِّ بالعبد: فهو مذهب أبي حنيفة، خلافًا لمالك والشافعي.
فعلى هذا:
لم يأخذ أبو حنيفة بشيءٍ من ظاهر الآية؛ لا في الذكورية ولا في الحرية؛ لأنها عنده منسوخة.
[ ١ / ٤٠٠ ]
وأخذ مالك بظاهرها في الحرية لا في الذكورية، وتأويلها عنده:
أن قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ عموم يدخل فيه: الذكر بالذكر، والأنثى بالأنثى، والأنثى بالذكر، والذكر بالأنثى، ثم كرَّر قوله: ﴿وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى﴾ تجريدًا؛ للتأكيد؛ لأن بعض العرب كانوا إذا قُتلت منهم أنثى قتلوا بها ذكرًا؛ تكبُّرًا وعدوانًا.
وقد يتَّجه قول مالك على نسخ جميعها، ثم يكون عدم قتل الحرّ بالعبد من السنة، وهو قوله ﷺ: «لا يقتل حرّ بعبد» (^١).
والناسخ لها على القول بالنسخ: عموم قوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، على أن هذا ضعيف؛ لأنه إخبار عن حكم بني إسرائيل.
﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ الآية؛ فيها تأويلان:
أحدهما: أن المعنى: من قُتل فعفي عنه فعليه أداءُ الدية بإحسان، وعلى أولياء المقتول اتِّباعه بها بمعروف.
فعلى هذا: «مَنْ»: كناية عن القاتل، وأخوه: هو المقتول، أو وليُّه، و﴿عُفِيَ﴾ من العفو عن القصاص؛ وأصله أن يتعدى بـ «عن»، وإنما تعدَّى هنا باللام؛ لأنه كقولك: «تجاوزت لفلان عن ذنبه».
والثاني: أن المعنى: مَنْ أعطيتَه الدية فعليه اتِّباع بمعروف، وعلى القاتل أداءٌ بإحسان.
فعلى هذا: «مَنْ»: كناية عن أولياء المقتول، وأخوه: هو القاتل
_________________
(١) أخرجه البيهقي (١٦/ ١٩١)، والدارقطني (٤/ ١٥٣).
[ ١ / ٤٠١ ]
أو عاقلته (^١)، و﴿عُفِيَ﴾ بمعنى: يُسِّرَ؛ كقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] أي: ما تيسَّر، ولا إشكال في تعدِّي عُفِيَ باللام على هذا المعنى.
﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ﴾ إشارةٌ إلى جواز أخذ الدية؛ لأن بني إسرائيل لم تكن عندهم دية، وإنما هو القصاص.
﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾ أي: قتل قاتل ولِيِّه بعد أن أخذ منه الدية.
﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ القصاص منه. وقيل: عذاب الآخرة.
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ بمعنى قولهم: «القتل أنفى للقتل»؛ أي: أن القصاص يردعُ الناس عن القتل.
وقيل: المعنى: أن القصاص أقلُّ قتلًا؛ لأنه قتل واحد بواحد، بخلاف ما كان في الجاهلية من اقتتال قبيلتي القاتل والمقتول، حتى يُقتل بسبب ذلك جماعةٌ.
﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ كانت فرضًا قبل الميراث، ثم نسخها آيةُ المواريث، مع قوله ﷺ: «لا وصية لوارث» (^٢)، وبقيت الوصية مندوبةً لمن لا يرث من الأقربين.
وقيل: معناها الوصية بتوريث الوالدين والأقربين على حسب الفرائض؛ فلا تعارض بينها وبين المواريث، ولا نسخ.
والأول أشهر.
_________________
(١) في أ، د: «أو على عاقلته».
(٢) أخرجه الترمذي (٢١٢٠)، وأبو داود (٢٨٧٠)، وابن ماجه (٢٧١٣)، وأحمد (١٧٦٦٣).
[ ١ / ٤٠٢ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾].
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ أي: فُرِضَ.
﴿كَمَا كُتِبَ﴾ القصد بقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وبقوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾: تسهيلُ الصيام على المسلمين، وكأنه اعتذارٌ عن كَتْبِه عليهم، ومُلاطفةٌ جميلة.
والذي كُتب على الذين من قبلنا:
الصيام مطلقًا.
[ ١ / ٤٠٣ ]
وقيل: كتب على الذين من قبلنا رمضان، فبدّلوه.
﴿أَيَّامًا﴾ منصوبٌ: بـ ﴿الصِّيَامُ﴾، أو بمحذوف.
ويبعد انتصابه بـ ﴿تَتَّقُونَ﴾.
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ الآية؛ إباحةٌ للفطر مع المرض والسفر، وقد يجب الفطر إذا خاف الهلاك.
وفي الكلام عند الجمهور محذوف يسمى: فحوى الخطاب؛ وتقديره: فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فأفطر: فعليه عدَّةٌ من أيام أخر.
ولم يقل الظاهرية بهذا المحذوف؛ فرأوا أنَّ صيام المريض والمسافر لا يصحُّ، وأوجبوا عليه عدَّةً من أيام أخر، وإن صام في رمضان.
وهذا منهم جهلٌ بكلام العرب.
وليس في الآية ما يقتضي تحديدَ السفر، وبذلك قال الظاهرية.
وحدُّه في مشهور مذهب مالك: أربعة بُرُدٍ.
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ قيل: يطيقونه من غير مشقة؛ فيفطرون ويكفّرون، ثم نسخ جواز الإفطار بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
وقيل: يطيقونه بمشقةٍ؛ كالشيخ الهَرِمِ، فيجوز له الفطر، ويكفّر بالإطعام، فلا نسخ على هذا.
﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ أي: صام ولم يأخذ بالفطر والكفارة؛ وذلك على القول بالنسخ.
وقيل: تطوَّع بالزيادة في مقدار الإطعام، وذلك على القول بعدم النسخ.
[ ١ / ٤٠٤ ]
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾: مبتدأٌ.
أو خبر ابتداء مضمر.
أو بدلٌ مِنْ ﴿الصِّيَامُ﴾.
﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ابن عباس: أنزل القرآن جملةً واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر من رمضان، ثم نزل به جبريل على النبي ﷺ بطول عشرين سنة.
وقيل: المعنى: أُنزل في شأنه القرآن؛ كقولك: «أنزل القرآن في فلان».
وقيل: المعنى: ابتُدِئَ فيه إنزال القرآن.
﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى﴾ أي: أن القرآن هدى، ثم هو - مع ذلك - من مبيِّنات (^١) الهدى؛ وذلك أن الهدى على نوعين: مطلق، وموصوف بالبيان.
فالهدى الأوَّل - هنا -: على الإطلاق.
وقوله: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى﴾ أي: وهو من الهدى المبيِّن؛ فهو من عطف الصفات؛ كقولك: «فلان عالمٌ وجليلٌ من العلماء».
﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾ أي: كان حاضرًا غير مسافر، و﴿الشَّهْرَ﴾: منصوبٌ على الظرفية.
﴿الْيُسْرَ﴾ و﴿الْعُسْرَ﴾: على الإطلاق.
_________________
(١) في د: «بينات».
[ ١ / ٤٠٥ ]
وقيل: اليسر: الفطر في السفر، والعسر: الصوم فيه.
﴿وَلِتُكْمِلُوا﴾ متعلّق بمحذوف تقديره: شرع.
أو: عطف على: ﴿الْيُسْرَ﴾.
﴿الْعِدَّةَ﴾ الأيام التي أفطر فيها.
﴿وَلِتُكَبِّرُوا﴾ التكبير يوم العيد، أو مطلق.
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ مقيد بمشيئة الله، وموافقة القدر.
وهذا جواب من قال: كيف لا يستجاب الدعاء مع وعد الله بالاستجابة؟ (^١).
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله: «مقيد بمشيئة الله …» إلخ. أقول: تضمن كلامه هذا أن وعد الله باستجابة دعاء الداعي مشروط بمشيئة الله، وهذا حق؛ فإنَّ فعله تعالى إنما يكون بمشيئة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨]، وأدلة ذلك كثيرة في القرآن. ومشروط ثانيًا بموافقة القدر، أي أن يكون المطلوب قد سبق القدر بكونه، وفي هذا إجمال؛ فإن أراد أنه مقدّر بدون حصول هذا الدعاء، فهذا يؤول إلى أن يكون الدعاء لا أثر له في حصول المطلوب، وهذا هو الظاهر من مراده، فإنَّ هذا يجري على مذهب نفاة تأثير الأسباب، والدعاء من الأسباب، وهو مذهب الأشاعرة، والظاهر أن المؤلف ممن يذهب هذا المذهب. وإن أراد أنه مقدّر الحصول بذلك الدعاء فهو حقٌّ، لكن يصير التقييد بذلك كالتقييد للمشيئة؛ فإنه لا يكون إلا ما سبق به القدر، كما لا يكون إلا ما شاء الله تعالى، فتَخَلُّفُ المطلوب يرجع إلى أن الله لم يقدّر حصوله في سابق علمه وكتابه. وما كان كذلك فإنه لا يشاؤه سبحانه. فالمشيئة والقدر متلازمان، فما شاءه فقد سبق به علمه وكتابه، وما عَلِمَه وكتبه فإنه تعالى يشاؤه، فلا يكون إلا ما يشاء، ولا يكون إلا ما سبق به علمه وكتابه. والله أعلم.
[ ١ / ٤٠٦ ]
﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أي: في امتثال ما دعوتهم إليه من الإيمان والطاعة.
﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ الآية؛ كان الأكل والجماع محرَّمًا بعد النوم في ليل رمضان، فجرت في ذلك قصة لعمر بن الخطاب (^١) ولصِرْمَة بن مالك (^٢)؛ فأحلهما الله؛ تخفيفًا على عباده.
﴿الرَّفَثُ﴾ هنا: الجماع، وإنما تعدَّى بـ ﴿إِلَى﴾؛ لأنه في معنى الإفضاء.
﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ تشبيهٌ بالثياب؛ لاشتمال كل واحد من الزوجين على الآخر، وهذا تعليلٌ للإباحة.
﴿تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: تأكلون وتجامعون بعد النوم في رمضان.
﴿فَتَابَ﴾ ﴿وَعَفَا﴾ أي: غفر ما وقعتم فيه من ذلك.
وقيل: رفع عنكم ذلك الحكم.
﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ إباحةٌ.
﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قيل: الولد يبتغى بالجماع.
وقيل: الرخصة في الأكل والجماع لمن نام في ليل رمضان بعد منعه.
﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بيانٌ للخيط الأبيض، لا للأسود؛ لأنَّ الفجر ليس له سواد.
_________________
(١) أخرجها أحمد في المسند (١٥٧٩٥).
(٢) أخرجها البخاري (١٩١٥)، ووقع في اسمه اختلاف كثير، ذكره ابن حجر في الإصابة (٥/ ٢٤٨)، فقيل: صرمة بن مالك كما أورده المؤلف، وقيل: قيس بن صرمة كما في رواية البخاري، وقيل غير ذلك.
[ ١ / ٤٠٧ ]
والخيط -هنا- استعارةٌ؛ يراد بالخيط الأبيض: بياض الفجر، وبالخيط الأسود: سواد الليل.
وروي أن قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ نزل بعد ذلك؛ بيانًا لهذا المعنى؛ لأنَّ بعضهم جعل خيطًا أبيض وخيطًا أسود عند وساده، وأكل حتى تبيَّن له، فقال له النبي ﷺ: «إنما هو بياض النهار وسواد الليل» (^١).
﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ أي: إلى أوّل الليل، وهو غروب الشمس؛ فمن أفطر قبل ذلك: فعليه القضاء والكفارة.
ومن شك هل غربت أم لا فأفطر: فعليه -أيضًا- القضاء والكفارة.
وقيل: القضاء فقط.
وقالت عائشة ﵂: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾: يقتضي المنع من الوصال، وقد جاء ذلك في الحديث (^٢).
﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ تحريمٌ للمباشرة حين الاعتكاف.
قال الجمهور: المباشرة -هنا-: الجماع وما دونه.
وقيل: الجماع فقط.
﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ دليلٌ على جواز الاعتكاف في كلِّ مسجد؛ خلافًا لمن قال: لا اعتكاف إلَّا في المسجد الحرام، ومسجد المدينة، وبيت المقدس.
وفيه -أيضًا- دليلٌ على أن الاعتكاف لا يكون إلَّا في المساجد، لا في
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٩١٦)، ومسلم (١٠٩٠).
(٢) أخرجه البخاري (١٩٦٥)، ومسلم (١١٠٣).
[ ١ / ٤٠٨ ]
غيرها، خلافًا لمن أجازه في غيرها من مفهوم الآية.
﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: أحكامه التي أمر بالوقوف عندها.
﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ أي لا تُقارِبوا (^١) مخالفتها.
واستدلَّ بعضهم به على سدِّ الذرائع؛ لأنَّ المقصود النهي عن المخالفة للحدود؛ لقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم نهى - هنا - عن مقاربة المخالفة؛ سدًّا للذريعة.
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، كالقمار، والغصب، وجحد الحقوق، وغير ذلك.
﴿وَتُدْلُوا﴾ عطف على: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾.
أو: نصب بإضمار «أنْ».
وهو من: أدلى الرجل بحجَّته: إذا قام بها.
والمعنى: نهيٌ عن أن يحتجَّ بحجة باطلة؛ ليصل بها إلى أكل مال الناس.
وقيل: نهيٌ عن رشوة الحكَّام بالأموال للوصول إلى أكل أموال الناس.
فالباء:
على الأول: سببية.
وعلى الثاني: للإلصاق.
﴿بِالْإِثْمِ﴾ الباء: سببية، أو للمصاحبة.
_________________
(١) في أ، ب: «لا تقربوا».
[ ١ / ٤٠٩ ]
والإِثم:
على القول الأوَّل في ﴿وَتُدْلُوا﴾: إقامة الحجة الباطلة؛ كشهادة الزور، والأيمان الكاذبة.
وعلى القول الثاني: الرشوة.
﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون أنكم على الباطل؛ وذلك مبالغةٌ في المعصية والجرأة.
* * *
[ ١ / ٤١٠ ]
[﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾].
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ سببها: أنهم سألوا عن الهلال، وما فائدة مَحاقِه وكماله ومخالفته لحال الشمس.
والهلال: ليلتان من أوّل الشهر، وقيل: ثلاثٌ، ثم يقال له: قمر.
﴿مَوَاقِيتُ﴾ جمع ميقات؛ لمحلّ الديون، والأكرية، وانقضاء العِدَد، وغير ذلك.
ثم ذكر الحجّ؛ اهتمامًا بذكره، وإن كان قد دخل في المواقيت للناس.
[ ١ / ٤١١ ]
﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ﴾ الآية؛ كان قومٌ إذا رجعوا من الحج لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها، وإنما يدخلون من ظهورها، ويقولون: لا يحولُ بيننا وبين السماء شيءٌ؛ فنزلت الآية إعلامًا أنَّ ذلك ليس من البرِّ.
وإنما ذَكَر ذلك بعد ذِكْر الحج؛ لأنه كان عندهم من تمام الحج.
وقيل: إن المعنى: ليس البر أن تسألوا عن الأهِلَّة وغيرها مما لا فائدة لكم فيه؛ فتأتون الأمور على غير ما يجب.
فعلى هذا: ﴿الْبُيُوتَ﴾ و﴿أَبْوَابِهَا﴾ و﴿ظُهُورِهَا﴾ استعاراتٌ؛ يراد بالبيوت: المسائل، وظهورها (^١): السؤال عما لا يفيد، وأبوابها: السؤال عما يحتاج إليه.
﴿الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ تأويله مثل: ﴿الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ (^٢).
﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ كان القتال غيرَ مباح في أوَّل الإسلام، ثم أُمِر بقتال الكفار الذين يقاتلون المسلمين دون من لم يقاتل؛ وذلك مقتضى هذه الآية، ثم أُمِر بقتال جميع الكفار في قوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] و﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]؛ فهذه الآية منسوخة.
وقيل: إنها مُحكمة؛ وأنَّ المعنى: قاتلوا الرجال الذين هم بحال من يقاتلكم (^٣)، دون النساء والصبيان الذين لا يقاتلونكم.
والأوَّل أرجح وأشهر.
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «فظهورها».
(٢) انظر صفحة ٣٩٨.
(٣) في ب، ج، هـ: «يقاتلونكم».
[ ١ / ٤١٢ ]
﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ أي: بقتال من لم يقاتلكم؛ على القول الأول.
وبقتال النساء والصبيان؛ على القول الثاني.
﴿وَأَخْرِجُوهُم مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ أي: من مكة؛ لأنَّ قريشًا أخرجوا منها المسلمين.
﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي: فتنةُ المؤمن عن دينه أشدُّ عليه من قتله.
وقيل: كفر الكفار أشدُّ من قتل المؤمنين (^١) لهم في الجهاد.
﴿عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ منسوخ بقوله: ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]، وذلك يقوِّي نسخ: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾.
﴿فَإِنِ انتَهَوْا﴾ أي: عن الكفر فأسلموا؛ بدليل قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ وإنما يغفر للكافر إذا أسلم.
﴿لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: لا يبقى دينُ كفرٍ.
﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ﴾ الآية؛ نزلت لما صدَّ الكفار النبيَّ ﷺ والمسلمين (^٢) عن دخول مكة للعمرة عام الحديبية في شهر ذي قعدة، فدخلها في العام الذي بعده في شهر ذي قعدة.
أي: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ﴾ الذي دخلتم فيه مكة ﴿بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الذي صُددتم فيه عن دخولها.
﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ أي: حرمةُ الشهر والبلد حين دخلتموها: قصاصٌ
_________________
(١) في ج، هـ: «المؤمن».
(٢) هذه الكلمة سقطت من ب، ج، هـ.
[ ١ / ٤١٣ ]
بحرمة الشهر والبلد حين صُددتم عنها.
﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ تسميةٌ للعقوبة باسم الذنب؛ أي: قاتلوا مَنْ قاتَلكم، ولا تبالوا بحرمة من صدّكم عن مكة.
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أبو أيوب الأنصاري: المعنى: لا تشتغلوا بأموالكم عن الجهاد.
وقيل: لا تتركوا النفقة في الجهاد؛ خوف العيلة.
وقيل: لا تقنطوا من التوبة.
وقيل: لا تقتحموا المهالك.
والباء في ﴿بِأَيْدِيكُمْ﴾: زائدة.
وقيل: التقدير: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم.
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أي: أكملوهما إذا ابتدأتم عملهما (^١).
ابنُ عباس: إتمامهما (^٢): إكمال المناسك.
عليٌّ: إتمامهما (^٣): أن تحرم بهما من دارك.
ولا حجَّة فيه لمن أوجب العمرة؛ لأن الأمر إنما هو بالإتمام، لا بالابتداء.
_________________
(١) في ج، هـ: «أكملوها إذا ابتدأتم عملها».
(٢) في ب، ج، هـ: «إتمامها».
(٣) في ب، ج، هـ: «إتمامها».
[ ١ / ٤١٤ ]
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ المشهور في اللغة: أَحصره المرض -بالألف-، وحصره العدوُّ.
وقيل: بالعكس.
وقيل: هما بمعنى واحدٍ.
فقال مالك: ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ هنا: بالمرض على مشهور اللغة؛ فأوجب عليه الهديَ، ولم يوجبه على من حصره العدوُّ.
وقال الشافعي وأشهب: يجب الهديُ على من حصره العدو، وحَمَلَا الآيةَ على ذلك، واستدلَّا بنحر النبي ﷺ الهديَ بالحديبية.
وقال أبو حنيفة: يجب الهديُ على المحصر بعدوٍّ وبمرضٍ.
﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ أي: فعليكم ما استيسر من الهدي؛ وذلك شاةٌ.
﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ خطابٌ للمحصر بمرض عند مالك؛ لأنه لا يتحلَّل بالحلق حتى يبلغ الهديُ محلَّه أي: موضع نحره؛ وهو:
مكة أو منى عند مالك.
وقال الشافعي: محلُّه: حيث أُحصر.
وقيل: هو (^١) خطابٌ للمُحصر وغيره.
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ الآية؛ نزلت في كعب بن عُجْرة حين رآه النبي ﷺ فقال له: «لعلَّك تؤذيك هوامُّ رأسك؟» فقال: نعم، فقال له
_________________
(١) في ب، ج، هـ «هي».
[ ١ / ٤١٥ ]
رسول الله ﷺ: «احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك بشاة» (^١).
(فمعنى الآية: أنَّ من كان الحج واضطرَّه مرضٌ (^٢) أو قَمْلٌ إلى حلق رأسه قبل يوم النحر: جاز له حلقه؛ وعليه صيام، أو صدقة، أو نسك) (^٣) حسبما تفسَّر في الحديث.
وقاس الفقهاء على حلق الرأس: سائر الأشياء التي يُمَنع الحاج منها، إلَّا الصيدَ، ووطء النساء.
وقصَّر الظاهريةُ ذلك على حلق الرأس.
ولا بدَّ في الآية من مضمر لا يستقلُّ الكلام دونه، وهو المسمى: فحوى الخطاب؛ وتقديرها: فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه فحلق رأسه فعليه فديةٌ.
﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾ أي: من المرض؛ على قول مالك.
ومن العدوِّ؛ على قول غيره.
والمعنى: إذا كنتم بحال أَمْن؛ سواءٌ تقدَّم مرض أو خوف عدوٍّ، أو لم يتقدَّم.
﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ التمتُّع عند مالك وغيره: هو أن يعتمر الإنسان في
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٨١٤)، ومسلم (١٢٠١).
(٢) في د: «واضطرَّ لمرضٍ».
(٣) سقط من ب، ج، هـ.
[ ١ / ٤١٦ ]
أشهر الحج، ثم يحجُّ من عامِهِ؛ فهو قد تمتع بإسقاط أحد السفرين للحج أو العمرة.
وقال عبد الله بن الزبير: التمتع: هو أن يُحصَر عن الحج بعدُ حتى يفوته الحج، فيعتمر عمرةً يتحلل بها من إحرامه، ثم يحج من قابل قضاءً لحجته؛ فهو قد تمتع بفعل الممنوعات في الحج من وقت تحلله بالعمرة إلى الحج القابل.
وقيل: التمتع: هو قِرَان الحج والعمرة.
﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ شاة.
﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ وقتُها: من إحرامه إلى يوم عرفة، فإن فاته: صام أيام التشريق.
﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ أي: إلى بلادكم، أو في الطريق.
﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ فائدته: بيان أن السبعة تصام بعد الثلاثة؛ فتكون عشرة، ورفعٌ لتوهم أنَّ السبعة بدلٌ من الثلاثة.
وقيل: هو مثل الفَذْلَكَة؛ وهو قول الناس بعد الأعداد: «فذلك كذا».
وقيل: كاملةٌ في الثواب.
﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يعني: غير أهل مكة وذي طُوى بإجماع.
وقيل: أهل الحرم كلُّه.
وقيل: من كان دون المواقيت.
[ ١ / ٤١٧ ]
وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى الهدي أو الصيام؛ أي: إنما يجب الهدي - أو الصيام بدلًا منه - على الغرباء، لا على أهل مكة.
وقيل: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى التمتع.
* * *
[ ١ / ٤١٨ ]
[﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢) وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾].
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ التقدير: أشهرُ الحجِّ أشهرٌ.
أو: الحجُّ في أشهرٍ.
[ ١ / ٤١٩ ]
وهي: شَوَّال، وذو القَعَدة، وذو الحِجَّة.
وقيل: العَشر الأوّل منه.
وينبني على ذلك: من أخّر طواف الإفاضة إلى آخر ذي حِجَّة:
فعليه دمٌ على القول بالعَشر الأول.
ولا دمَ عليه على القول بجميع الشهر.
واختلف فيمن أحرم بالحج قبل هذه الأشهر:
فأجازه مالكٌ على كراهة.
ولم يُجزه الشافعيُّ وداود؛ لتعيين هذا الأشهر لذلك؛ فكأنها كوقت الصلاة.
﴿فَمَنْ فَرَضَ﴾ أي: ألزم الحجَّ نفسَه.
﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ الرفث: الجماع. وقيل: الفحش من الكلام. والفسوق: المعاصي. والجدال: المراء مطلقًا.
وقيل: المجادلة في مواقف الحج.
وقيل: النسيء الذي كانت العرب تفعله.
﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ قيل: احملوا زادًا في السفر.
وقيل: تزوّدوا للآخرة بالتقوى، وهو الأرجح؛ لما بعده.
[ ١ / ٤٢٠ ]
﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ التجارة في أيام الحج، أباحها الله تعالى.
وقرأ ابن عباس: «فضلًا من ربكم في مواسم الحج».
﴿أَفَضْتُم﴾ اندفعتم جملةً واحدة.
﴿مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ اسمُ عَلَمٍ للموقف.
والتنوين فيه في مقابلة النون في جمع المذكر، لا تنوين صَرْفٍ؛ فإن فيه التعريف والتأنيث.
﴿الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ المزدلفة.
والوقوف بها سُنَّةٌ.
﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾ الكاف للتعليل.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ﴾ «إن» مخففة من الثقيلة؛ ولذلك جاءت اللام في خبرها.
﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل الهُدى.
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أنه أمر للحُمْسِ (^١)؛ وهم قريش ومَن تبعهم، كانوا يقفون بالمزدلفة لأنها حرمٌ، ولا يقفون بعرفة مع سائر الناس؛ لأنها حِلٌّ، ويقولون: نحن أهل الحرم؛ فلا نقف إلَّا بالحرم، فأمرهم الله تعالى أن
_________________
(١) الحُمْس: لقب قريش، ومن ولدت قريش وكنانةُ وجديلةُ قيسٍ، وهم: فَهْمٌ وَعدوانُ ابنا عمرو بن قيس عيلان، وبنو عامر بن صعصعة، سُمُّوا حُمْسًا؛ لتحمُّسهم في دينهم، أي: تشدُّدهم فيه، وكذا في الشجاعة فلا يطاقون، أو لالتجائهم بالحَمْساء، وهي الكعبةُ؛ لأن حجرها أبيضُ إلى السَّواد. انظر: تاج العروس (١٥/ ٥٥٥).
[ ١ / ٤٢١ ]
يقفوا بعرفة مع الناس ويُفيضوا منها.
وقد كان النبي ﷺ قبل ذلك يقف مع الناس بعرفة؛ توفيقًا من الله تعالى له.
والقول الثاني: أنها خطاب لجميع الناس؛ ومعناها: أفيضوا من المزدلفة إلى منى.
فـ ﴿ثُمَّ﴾ على هذا القول: على بابها من الترتيب.
وأما على القول الأول: فليست للترتيب، بل للعطف خاصة.
قال الزمخشري: هي كقولك: «أحسن إلى الناس، ثم لا تحسن إلَّا إلى كريم»؛ فإنَّ معناها: التفاوت بين ما قبلها وما بعدها، وأن ما بعدها آكدُ (^١).
﴿قَضَيْتُم مَنَاسِكَكُمْ﴾ فرغتم من أعمال الحج.
﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ لأن الإنسان كثيرًا ما يذكر آباءه (^٢).
وقيل: كانت العرب يذكرون آباءهم مفاخرةً عند الجمرة، فأُمروا بذكر الله عوضًا من ذلك.
﴿آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ كان الكفار إنما يدعون بخير الدنيا خاصة؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة.
﴿فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قيل: العمل الصالح. وقيل: المال. وقيل: المرأة الصالحة.
_________________
(١) الكشاف (٣/ ٣٠٣).
(٢) في ب، ج، هـ: «أباه».
[ ١ / ٤٢٢ ]
﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ الجنة.
﴿نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ يُحتملُ أَنْ تَكُونَ «مِنْ»:
سَبَبِيَّةٌ؛ أي: لهم نصيب عند الله؛ من أجل ما كسبوا من الحسنات.
وأن تكون لبيان الجنس؛ أي: لهم نصيب من الحسنات التي اكتسبوها، والنصيب - على هذا -: الثواب.
﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ فيهِ وجهان:
أحدهما: أَنْ يُرادُ به: سرعةُ مجيءِ يوم القيامة.
والآخرُ: أَنْ يُرادُ به: سرعةُ وقوعِ الحسابِ يوم القيامة؛ لأنَّ الله لا يحتاج إلى عِدَّةٍ ولا فكرة.
وقيل لِعليٍّ ﵁: كيف يحاسب الله الناس على كثرتهم؟ قال: «كما يَرْزُقُهُم على كثرتهم» (^١).
﴿فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ ثلاثة بعد يوم النحرِ؛ وهي أيامُ التشريقِ.
والذكرُ فيها: التكبير في أدبار الصلواتِ، وعند رمي الجمارِ، وغير ذلك.
﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ﴾ أي: انصرفَ في اليوم الثاني من أيامِ التشريقِ.
﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾ أي: إلى اليوم الثالثِ فرمى فيه بقية الجمارِ.
_________________
(١) لم أقفْ عليه مُسندًا.
[ ١ / ٤٢٣ ]
وأما المتعجل: فقيل: يترك رمي جمار اليوم الثالث. وقيل: يُقدّمها في اليوم الثاني.
﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في الموضعين:
قيل: إنه إباحةٌ للتعجل والتأخر.
وقيل: إنه إخبارٌ عن غفران الإثم -وهو الذنب- للحاجّ؛ سواءٌ تعجل أو تأخر.
﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ أمّا على القول بأن معنى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ إباحةٌ؛ فالمعنى: أن الإباحة في التعجل والتأخر لمن اتقى أن يأثم فيهما؛ فقد أبيح له ذلك من غير إثم.
وأمّا على القول: بأن معنى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ إخبار بغفران الذنوب؛ فالمعنى: أن الغفران إنما هو لمن اتقى الله في حجه؛ كقوله ﷺ: «من حج هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق: خرج من ذنوبه كيومَ ولدته أمه» (^١).
فاللام متعلقة: إمّا بالغفران، أو الإباحة (^٢) المفهومين من الآية.
﴿مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ الآية؛ قيل: نزلت في الأخنس بن شُريق؛ فإنه أظهر الإسلام، ثم خرج فقتل دوابَّ المسلمين وأحرق لهم زرعًا.
وقيل: في المنافقين.
وقيل: عامة في كل من كان على هذه الصفة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٨٢٠)، ومسلم (١٣٥٠).
(٢) في د: «بالإباحة».
[ ١ / ٤٢٤ ]
﴿فِي الْحَيَاةِ﴾ متعلق بـ ﴿قَوْلُهُ﴾؛ أي: يعجبك ما يقول في أمر الدنيا.
ويحتمل أن يتعلَّق بـ ﴿يُعْجِبُكَ﴾.
﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ﴾ أي: يقول: الله يعلم إنِّي لصادق.
﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ شديد الخصومة.
﴿تَوَلَّى﴾ أدبر بجسده، أو أعرض بقلبه.
وقيل: صار واليًا.
﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ على القول بأنها في الأخنس: فإهلاك الحرث: حرقه للزرع، وإهلاك النسل: قتله للدواب.
وعلى القول بالعموم: فالمعنى: مبالغةٌ في الفساد، وعبَّر عن ذلك بإهلاك الحرث والنسل؛ لأنهما قوامُ معيشة بني آدم، فإن الحرث: هو الزرع والفواكه وغير ذلك من النبات، والنسل: هو الإبل والبقر والغنم، وغير ذلك مما يتناسل.
﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ المعنى: أنه لا يطيع مَنْ أمره بالتقوى؛ تكبرًا وطغيانًا.
والباء يحتمل أن تكون: سببيةً، أو بمعنى «مع».
وقال الزمخشري: هي كقولك: أخذ الأمير الناسَ بكذا أي: ألزمهم إيَّاه؛ فالمعنى: حملته العزة على الإثم (^١).
_________________
(١) الكشاف (٣/ ٣١٨).
[ ١ / ٤٢٥ ]
﴿مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ أي: يبيعها.
قيل: نزلت في صهيب. وقيل: على العموم.
وبيع النفس: في الهجرة، أو الجهاد.
وقيل: في تغيير المنكر، وأنَّ الذي قبلها: فيمن غُيِّر عليه فلم ينزجر.
﴿السَّلْمِ﴾ بفتح السين:
المسالمة، والمراد بها هنا: عقد الذمة بالجزية.
فالأمر على هذا: لأهل الكتاب، وخوطبوا بـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ لإيمانهم بأنبيائهم وكتبهم المتقدمة.
وقيل: هو الإسلام.
وكذلك هو بكسر السين. فيكون الخطاب لأهل الكتاب؛ على معنى الأمر لهم بالدخول في الإسلام.
وقيل: إنها نزلت في قوم من اليهود أسلموا وأرادوا أن يعظموا السبت كما كانوا؛ فالمعنى على هذا: ادخلوا في الإسلام، واتركوا سواه (^١).
ويحتمل: أن يكون الخطاب للمسلمين؛ على معنى: الأمر بالثبوت عليه، أو (^٢) الدخول في جميع شرائعه من الأوامر والنواهي.
_________________
(١) في د: «ما سواه».
(٢) في أ، ب: «و».
[ ١ / ٤٢٦ ]
﴿كَافَّةً﴾ عموم في: المخاطبين، أو في شرائع الإسلام.
﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ تهديدٌ لمن زلَّ بعد البيان.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون.
﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ تأويله عند المتأولين: يأتيهم عذاب الله في الآخرة، أو أمره في الدنيا.
وهي عند السلف الصالح ومن تبعهم: من المتشابه؛ فيجب الإيمان بها من غير تكييف.
ويحتمل أن لا تكون من المتشابه؛ لأنَّ قوله: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ بمعنى: يطلبون ذلك بجهلهم؛ كقولهم: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ [البقرة: ١١٨].
﴿فِي ظُلَلٍ﴾ جمع ظُلَّة؛ وهو: ما علاك من فوق.
فإن كان ذلك لأمرِ الله: فلا إشكال.
وإن كان لله: فهو من المتشابه (^١).
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله: «(يأتيهم الله) تأويله عند المتأولين: يأتيهم عذاب الله في الآخرة، أو أمره في الدنيا. إلخ، أقول: ذَكر في معنى قوله تعالى: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ قولين: الأول: تفسير المتأولين، بما ذكره من عذاب الله في الآخرة أو أمره في الدنيا، وهذه طريقة أهل التأويل من نفاة الصفات. الثاني: أن الآية من المتشابه، والمتشابه عند المؤلف وأمثاله ما لا يعلم معناه إلا الله، وزعم ابن جزي أن هذا هو مذهب السلف ومن تبعهم، ونسبة هذا إلى السلف باطلة، فهذه الآية وأمثالها من نصوص الصفات عند السلف مفهومة المعنى، وهم يثبتون =
[ ١ / ٤٢٧ ]
﴿الْغَمَامِ﴾ السحاب.
﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ فُرغ منه؛ وذلك كنايةٌ عن وقوع العذاب.
* * *
_________________
(١) = ما دلت عليه من الصفات والأفعال، ولكن قول المؤلف: «فيجب الإيمان بها من غير تكييف» كلام حق يشبه ما جاء عن السلف في نصوص الصفات: أمروها كما جاءت من غير كيف. لكن يكون في كلام المؤلف نوع تناقض، فجعلها من المتشابه يقتضي عدم الفهم لمعناها، وقوله: «يجب الإيمان بها من غير تكييف» يقتضي فهمها وإثبات معناها، ففي تقريره لما زعم أنه مذهب السلف اضطراب. وفي كلامه ﵀ عن الآية اضطراب آخر، فبينما يتعلق الكلام في: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ ينتقل إلى أن يكون متعلقا بقوله: ﴿يَنْظُرُونَ﴾، وذلك في قوله: «ويحتمل أن لا تكون من المتشابه»، ثم يفسر ﴿يَنْظُرُونَ﴾ يطلبون. والمعروف في اللغة والتفسير أن ينظرون المتعدي معناه: ينتظرون، كقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾، وفي هذا تهديد للمكذبين، والصواب أن الآية تدل على أن الله يأتي يوم القيامة كيف شاء، كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾. وقول المؤلف: «فإن كان ذلك لأمر الله فلا إشكال، وإن كان لله: فهو من المتشابه» لعله يريد إن كانت الظلل شيئا مخلوقا بأمر الله فلا إشكال، وهو كما قال، وإن كانت الظلل صفة لله فهي من المتشابه، ولا موجب لهذا التردد، بل الظلل مخلوقة قطعا، وهي بأمر الله، ولا يجوز أن تكون من ذات الله أو صفته، فلا موجب لهذا التردد، ومن أحسن ما عبر به عن قوله: (في ظلل) أي: مع ظلل. ففي على هذا بمعنى مع والله أعلم.
[ ١ / ٤٢٨ ]
[﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢) كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾].
﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ على وجه التَّوبيخ لهم، وإقامةِ الحجة عليهم.
﴿مِنْ آيَةٍ﴾ معجزات موسى، أو الدلالات (^١) على نبوَّة محمد ﷺ.
﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ﴾ وعيدٌ.
﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ كفارُ قريش سخروا من فقراء المسلمين، كبلالٍ وصهيب.
﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ هم المؤمنون الذين سخر الكفارُ منهم.
﴿فَوْقَهُمْ﴾ أي: أحسنُ حالًا منهم.
_________________
(١) في ب، د: «الدلالة».
[ ١ / ٤٢٩ ]
ويحتمل فوقيَّة المكان؛ لأنَّ الجنَّة في السماء.
﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ إن أراد في الآخرة: فـ ﴿مَنْ﴾ كنايةٌ عن المؤمنين.
والمعنى: ردٌّ على الكفار؛ أي: إنْ رزَقَ اللهُ الكفارَ في الدنيا؛ فإن المؤمنين يُرزقون في الآخرة.
وإن أراد في الدنيا: فيحتمل:
أن تكون ﴿مَنْ﴾ كنايةً عن المؤمنين؛ أي: سيرزقهم، ففيه وعدٌ لهم.
وأن تكون كنايةً عن الكافرين؛ أي: أنَّ رِزْقَهم في الدنيا بمشيئة الله، لا على وجه الكرامة لهم.
﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ إن كان للمؤمنين: فيحتمل أن يريد:
بغير تضييق.
أو من حيث لا يحتسبون.
أو لا يحاسبون عليه.
وإن كان للكفار: فمن غير تضييق.
﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: متَّفقين في الدين:
قيل: كفارٌ؛ في زمان نوح ﵇.
وقيل: مؤمنون؛ ما بين آدم ونوح، أو مَنْ كان مع نوح في السفينة.
وعلى ذلك يقدَّر: فاختلفوا بعد اتفاقهم؛ ويدلُّ عليه: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩].
[ ١ / ٤٣٠ ]
﴿الْكِتَابَ﴾ هنا: جنس، أو مع كل نبي كتابه (^١).
﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ الضمير المجرور يعود:
على ﴿الْكِتَابَ﴾.
أو على الضمير المجرور المتقدم.
وقال الزمخشري: يعود على «الحق» (^٢).
وأما الضمير في ﴿أُوتُوهُ﴾: فيعود على ﴿الْكِتَابَ﴾.
والمعنى: تقبيحُ الاختلاف بين الذين أوتوا الكتاب بعد أن جاءتهم البينات.
﴿بَغْيًا﴾ أي: حسدًا، أو عدوانًا.
وهو: مفعولٌ من أجله، أو مصدرٌ في موضع الحال.
﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: أُمَّةَ محمد ﷺ.
﴿لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: للحقِّ فيما اختلفوا فيه.
فـ «ما» بمعنى: الذي، وقبلها مضاف محذوف.
والضمير في ﴿اخْتَلَفُوا﴾: لجميع الناس.
يريد: اختلافهم في الأديان، فهدى الله المؤمنين لدين الحق.
_________________
(١) في ج، هـ: «كتاب».
(٢) الكشاف (٣/ ٣٣٩).
[ ١ / ٤٣١ ]
وتقدير الكلام: فهدى الله الذين آمنوا لإصابة ما اختلف فيه الناس من الحق.
و«من» في قوله: ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾ لبيان الجنس؛ أي (^١): جنسُ ما وقع فيه الخلاف (^٢).
﴿بِإِذْنِهِ﴾ قيل: بعلمه. وقيل: بأمره.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ خطابٌ للمؤمنين على وجه التشجيع لهم، والأمرِ بالصبر على الشدائد.
﴿وَلَمَّا يَأْتِكُم﴾ أي: لا تدخلون الجنة حتى يصيبكم مثلُ ما أصاب مَنْ كان قبلكم.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ أي: حالهم، وعبَّر عنه بالمثل؛ لأنه في شدَّته يُضرَب به المثل.
﴿وَزُلْزِلُوا﴾ بالتخويف والشدائد.
﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ يحتمل:
أن يكون جوابًا للذين قالوا: متى نصر الله؟
أو أن يكون إخبارًا مستأنفًا.
وقيل: إن الرسول قال ذلك لمَّا قال الذين معه: متى نصر الله؟.
﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ إن أُريد بالنفقة الزكاة: فذلك منسوخ.
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «أعني».
(٢) كذا في د، وهامش أ ورمز له بـ «خ»، وفي أ، ب، ج، هـ: «جنسَ المختلف فيه».
[ ١ / ٤٣٢ ]
والصواب: أن المراد التطوُّع؛ فلا نسخ.
وقدَّم في الترتيب الأهمَّ فالأهم.
وورد السؤال عن المنفَق، والجواب عن مَصْرِفه؛ لأنه كان المقصود بالسؤال، وقد حصل الجواب عن المنفق في قوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ إن كان على الأعيان: فنسخه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]، فصار القتال فرض كفاية.
وإن كان على الكفاية: فلا نسخ.
﴿كُرْهٌ﴾ مصدرُ: كَرِهَ (^١)؛ للمبالغة، أو اسمُ مفعول؛ كالخبز بمعنى: المخبوز.
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا﴾ حضٌّ على القتال.
* * *
_________________
(١) كذا في أ، ب، د، وفي هامش أ: "خ: ذُكر"، وفي ج، هـ: "مصدرٌ ذكَرَهُ".
[ ١ / ٤٣٣ ]
[﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠) وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾].
﴿الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ جنسٌ، وهي أربعة أشهر: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.
﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ بدلٌ من ﴿الشَّهْرِ﴾؛ وهو مقصود السؤال.
﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ أي: ممنوعٌ؛ ثم نسخه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وذلك بعيد؛ فإن ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ عمومٌ في الأمكنة، لا في الأزمنة.
[ ١ / ٤٣٤ ]
ويظهر أنَّ ناسخه: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] بعد ذكر الأشهر الحرم؛ فإنَّ (^١) التقدير: قاتلوا فيها؛ ويدلُّ عليه: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦].
ويحتمل أن يكون المراد: وقوع القتال في الشهر الحرام؛ أي: إباحته حسبما استقرَّ في الشرع؛ فلا تكون الآية منسوخةً، بل ناسخة لما كان في أوَّل الإسلام من تحريم القتال في الأشهر الحرم.
﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ابتداءٌ، وما بعده معطوف عليه، و﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ خبرُ الجميع.
أي: أنَّ هذه الأفعال القبيحة التي فعلها الكفار أعظمُ عند الله من القتال في الشهر الحرام الذي عَيَّر به الكفارُ المسلمين في سرية عبد الله بن جحش حين قاتل في أوَّل يوم من رجب.
وقد قيل: إنه ظنَّه آخرَ يوم من جُمادَى.
﴿وَالْمَسْجِدِ﴾ عطفٌ على: ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
﴿حَتَّى يَرُدُّوكُمْ﴾ قال الزمخشري: «حتى» هنا: للتعليل (^٢).
﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ ذهب مالك إلى أن المرتدَّ يحبط عمله بنفس الارتداد؛ سواءٌ رجع إلى الإسلام، أو مات على الارتداد، ومن ذلك: انتقاض وضوئه، وبطلان صومه.
_________________
(١) في د: «فكأنَّ».
(٢) الكشاف (٣/ ٣٥٠).
[ ١ / ٤٣٥ ]
وذهب الشافعيُّ إلى أنه لا يحبط إلَّا إن مات كافرًا؛ لقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾.
وأجاب المالكية: بأنَّ قوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: جزاءٌ على الردة، وقوله: ﴿أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: جزاءٌ على الموت على الكفر.
وفي ذلك نظر.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية؛ نزلت في عبد الله بن جحش وأصحابه.
﴿الْخَمْرِ﴾ كلُّ مسكر؛ من العنب وغيره.
﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ القمار. وكان ميسر العرب بالقداح في لحم الجزور.
ثم يدخل في ذلك: النَّرْدُ والشَّطْرنج وغيرهما.
وروي: أنَّ السائل عنهما كان حمزة بن عبد المطلب ﵁.
﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ نصٌّ في التحريم وأنهما من الكبائر؛ لأن الإثم حرام؛ لقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
خلافا لمن قال: إنما حرَّمتها آيةُ «المائدة»، لا هذه الآية.
﴿وَمَنَافِعُ﴾ في الخمر: التلذُّذ والطرب. وفي القمار: الاكتساب به.
ولا يدلُّ ذكرُ المنافع على الإباحة؛ قال ابن عباس: المنافع قبل التحريم، والإثم بعده.
﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ﴾ تغليبٌ (^١) للإثم على المنفعة، وذلك -أيضًا- بيانٌ للتحريم.
_________________
(١) في ج، هـ: «تغليبًا».
[ ١ / ٤٣٦ ]
﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ أي: السَّهلَ من غير مشقة.
وقراءة الجماعة: بالنصب، بإضمار فعل؛ مشاكلةً للسؤال؛ (على أن يكون ﴿مَاذَا﴾ مركبًا مفعولًا بـ ﴿يُنْفِقُونَ﴾.
وقرأ أبو عمرو: بالرفع بالابتداء؛ مشاكلةً للسؤال)؛ (^١) على أن يكون «ما» مبتدأ، و«ذا» خبره.
﴿تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: في أمرهما.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ كانوا قد تجنبوا اليتامى تورُّعًا؛ فنزلت إباحة (^٢) مخالطتهم بالإصلاح لهم.
فإن قيل: لم جاء ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ بالواو ثلاث مرات، وبغير واو ثلاث مرات قبلها؟
فالجواب: أن سؤالهم عن المسائل الثلاث الأول وقع في أوقات متفرقة؛ فلم تأت (^٣) بحرف عطف، وجاءت الثلاثة الأخيرة بالواو؛ لأنها كانت متناسقة (^٤).
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ تحذيرٌ من الفساد، وهو أكل أموال اليتامى.
(﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ لضيَّقَ عليكم بالمنع من مخالطتهم.
_________________
(١) سقط من ب، ج، هـ.
(٢) في د: «فنزلت الآية بإباحة».
(٣) في ب، ج، هـ: «يأت».
(٤) انظر: الكشاف (٣/ ٣٧٤).
[ ١ / ٤٣٧ ]
ابنُ عباس: لأهلككم بما سبق من أكلكم لأموال اليتامى) (^١).
﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾ أي: لا تتزوجوا.
والنكاح: مشترك بين الوطء والعقد.
﴿الْمُشْرِكَاتِ﴾ عُبَّاد الأوثان من العرب، فلا تتناول اليهود ولا النصارى المباح نكاحُهُنَّ في «المائدة»، فلا تعارض بين الموضعين، ولا نسخ.
خلافًا لمن قال: آيةُ «المائدة» نسخت هذه.
ولمن قال: هذه نسخت آيةَ «المائدة»؛ فمنع نكاح الكتابيات.
ونزلت الآية بسبب مَرْثَدِ الغَنَويِّ، أراد أن يتزوج امرأة مشركة.
﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ أي: أمةٌ لله؛ حرَّةً كانت أو مملوكةً.
وقيل: أمةٌ مملوكة مؤمنة خيرٌ من حرَّةٍ مشركة.
﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ في الجمال، والمال، وغير ذلك.
﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: لا تُزوِّجوهم نساءكم.
وانعقد الإجماع على أن الكافر لا يتزوَّج مسلمة؛ سواء كان كتابيًّا أو غيره.
واستدلَّ المالكية على وجوب الولاية في النكاح بقوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾؛ لأنه أسند نكاح النساء إلى الرجال.
﴿وَلَعَبْدٌ﴾ أي: عبدٌ لله. وقيل: مملوكٌ.
_________________
(١) سقط من ب، ج، هـ.
[ ١ / ٤٣٨ ]
﴿أُولَئِكَ﴾ المشركات والمشركون.
﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ إلى الكفر الموجب للنار.
﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بإرادته، أو علمه.
* * *
[ ١ / ٤٣٩ ]
[﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾].
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ سألَ عن ذلك عبّاد بن بِشر وأُسيد بن الحُضَير؛ قالا لرسول الله ﷺ: ألا نجامع النساء في المحيض، خلافًا لليهود؟.
﴿هُوَ أَذًى﴾ مُستقذَرٌ، وهذا تعليلٌ لتحريم الجماع في المحيض.
﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ أي: اجتنبوا جماعهنَّ.
وقد فَسَّرَ ذلك الحديثُ بقوله: «لتشدَّ عليها إزارها، وشأنك بأعلاها» (^١).
﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: ينقطع عنهنَّ الدمُ.
﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلن بالماءِ.
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (١٥٩).
[ ١ / ٤٤٠ ]
وتعلَّقَ الحُكمُ:
بالغاية الأخيرة عند مالك والشافعي؛ فلا يجوز عندهما وطء الحائض حتى تغتسل.
وبالغاية الأولى عند أبي حنيفة؛ فأجاز الوطء عند انقطاع الدم، وقبل الغُسل.
وقرئ: ﴿حَتَّى يَطَّهَّرْنَ﴾: بالتشديد، ومعنى هذه القراءة: بالماء؛ فتكون الغايتان (^١) بمعنى واحدٍ، وذلك حجة لمالك.
﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ﴾ قُبُل المرأة.
﴿التَّوَّابِينَ﴾ من الذُّنوب.
﴿الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ بالماء، أو من الذُّنوب.
﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ أي: موضعُ حرثٍ؛ وذلك تشبيه للجماع في إلقاء النطفة وانتظار الولد: بالحرث في إلقاء البذر وانتظار الزرع.
﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: كيف شئتم من الهيئات، أو متى شئتم.
لا: أين شئتم؛ لأنه يُوهِم الإتيان في الدبر، وقد افترى مَنْ نسَب جوازه إلى مالك، وقد تبرَّأ هو من ذلك وقال: إنما الحرث في موضع الزرع.
﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: الأعمال الصالحة (^٢).
_________________
(١) في ج، هـ: «الغاية».
(٢) في ب، د: «الصالحات».
[ ١ / ٤٤١ ]
﴿عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ أي: لا تكثروا الحلف بالله فتبتذلوا اسمه.
و﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ على هذا: علةٌ للنهي؛ فهو مفعولٌ من أجله، أي: نُهيتُم (^١) عن كثرة الحلف كي تبرُّوا.
وقيل: المعنى: لا تحلفوا على أن تبرُّوا وتتقوا، وافعلوا البرَّ والتقوى دون يمين.
فـ ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ على هذا: هو المحلوف عليه.
والعُرضةُ على هذين القولين كقولك: «فلان عرضةٌ لفلان»: إذا أكثر التعرُّضَ له.
وقيل: ﴿عُرْضَةً﴾ مَانع؛ من قولك: «عرض له أمرٌ»: حالَ بينه وبين كذا.
أي: لا تمتنعوا بالحلف بالله من فعل البرِّ والتقوى، ومن ذلك يمين أبي بكر الصديق أن لا ينفق على مِسْطح.
فـ ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ على هذا: علَّةٌ لامتناعهم؛ فهو مفعولٌ من أجله، أو مفعولٌ بـ ﴿عُرْضَةً﴾؛ لأنها بمعنى مانع.
﴿بِاللَّغْوِ﴾ الساقط.
وهو عند مالك: قولُكَ (^٢): «نعم والله»، و«لا والله»، الجاري على اللسان من غير قصدٍ، وفاقًا للشافعي.
_________________
(١) في د: «نهيتكم».
(٢) في ب، د: «كقولك».
[ ١ / ٤٤٢ ]
وقيل: أن يحلف على الشيء يظنُّه على ما حلف عليه، ثم يظهر خلافه، وفاقًا لأبي حنيفة.
وقال ابن عباس: اللغو: الحلف حين الغضب.
وقيل: اللغو: اليمين على المعصية.
والمؤاخذةُ: العقاب، أو وجوب الكفارة.
﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي: قصدتْ؛ فهو خلاف اللغو.
وقال ابن عباس: هو اليمين الغموس؛ وذلك أن يحلف على الكذب متعمِّدًا. وهو حرام إجماعًا.
وليس فيه كفارةٌ عند مالك، خلافًا للشافعي.
﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ يحلفون على ترك وطئهنَّ.
وإنما تعدى بـ ﴿مِنْ﴾؛ لأنه تضمَّن معنى البعد منهن.
ويدخل في عموم قوله: ﴿لِلَّذِينَ﴾: كل حالف؛ حرًّا كان أو عبدًا.
إلا أن مالكًا جعل مدة إيلاء العبد شهرين، خلافًا للشافعي.
ويدخل في إطلاق الإيلاء: اليمينُ بكل ما يلزم عنه حكمٌ، خلافًا للشافعي في قصره الإيلاءَ على الحلفِ بالله؛ ووجهُه: أنها اليمين الشرعية.
ولا يكون مُؤْلِيًا - عند مالك والشافعي - إلَّا إذا حلف على مدَّةٍ أكثرَ من أربعة أشهر.
وعند أبي حنيفة: أربعة أشهر فصاعدًا.
[ ١ / ٤٤٣ ]
فإذا انقضت الأربعة الأشهر:
وُقِف المؤلي (^١) عند مالك والشافعي، فإمَّا فاء، وإلَّا طلَّق.
فإن أبى: طلَّق عليه الحاكم.
وقال أبو حنيفة: إذا انقضت الأربعة الأشهر: وقع الطلاق دون توقيف.
ولفظ الآية يحتمل القولين.
﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ رجعوا إلى الوطء، وكفَّروا عن اليمين.
﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: يغفر ما في الإيلاء من الإضرار بالمرأة.
﴿عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ العزيمة:
على قول مالك: التطليق، أو الإباية؛ فيطلِّقُ عليه الحاكم.
وعند أبي حنيفة: ترك الفيءِ حتى تنقضي الأربعة الأشهر.
والطلاق في الإيلاء:
رجعيّ عند مالك.
بائنٌ عند الشافعي وأبي حنيفة.
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ بيانٌ للعِدَّة، وهو عمومٌ مخصوص؛ خرجت منه:
الحاملُ بقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
واليائسة والصغيرة بقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤] الآية.
_________________
(١) هذه الكلمة لم ترد في ب، ج، هـ.
[ ١ / ٤٤٤ ]
والتي لم يُدخل بها بقوله: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
فيبقى حكمها: في المدخول بها، وهي في سنّ مَنْ تحيض.
وقد خصّ مالك منها: الأمة؛ فجعل عدَّتها قُرأين.
و﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ خبرٌ بمعنى الأمر.
﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ انتصب ﴿ثَلَاثَةَ﴾ على أنه مفعولٌ به؛ هكذا قال الزمخشري (^١).
و﴿قُرُوءٍ﴾: جمع قُرْءٍ؛ وهو مشترك - في اللغة- بين الطُّهر والحيض.
فحمله مالك والشافعي على الطُّهر؛ لإثبات التاء في ﴿ثَلَاثَةِ﴾، فإن الطهر مذكَّر، والحيض مؤنث، ولقول عائشة: الأقراء هي الأطهار.
وحمله أبو حنيفة على الحيض؛ لأنه الدليل على براءة الرحم، وذلك مقصود العدّة.
فعلى قول مالك: تنقضي العدة بالدخول في الحيضة الثالثة، إذا طلقها في طهر لم يمسّها فيه.
وعند أبي حنيفة: بالطهر منها.
﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ يعني: الحمل والحيض.
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ جمع بَعْل؛ وهو هنا الزوج.
﴿فِي ذَلِكَ﴾ أي: في زمان العدة.
_________________
(١) الكشاف (٣/ ٣٩٤).
[ ١ / ٤٤٥ ]
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ من الاستمتاع، وحسن المعاشرة.
﴿دَرَجَةٌ﴾ في الكرامة. وقيل: الإنفاقُ. وقيل: كونُ الطلاق بيده.
* * *
[ ١ / ٤٤٦ ]
[﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾].
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ بيانٌ لعدد الطلاق الذي يُرْتَجع منه دون زوجٍ آخَر.
وقيل: بيانٌ لعدد الطلاق الذي يجوز إيقاعه، وهو طلاق السُّنَّة.
﴿فَإِمْسَاكٌ﴾ ارتجاعٌ. وهو مرفوعٌ: بالابتداء، أو بالخبر.
﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ حُسْنِ المعاشرة، وتوفيةِ الحقوق.
﴿أَوْ تَسْرِيحٌ﴾ هو تركُهَا حتى تنقضي العدةُ، فتَبِينَ منه.
﴿بِإِحْسَانٍ﴾ المتعة.
وقيل: التسريح هنا: الطلقة الثالثة بعد الاثنتين، وروي في ذلك حديثٌ ضعيف (^١).
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ١٣٠).
[ ١ / ٤٤٧ ]
وهو بعيد؛ لأنَّ قوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ هو الطلقة الثالثة، وعلى ذلك يكون تكرارًا، أو طلقةً رابعة لا معنى لها.
﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا﴾ الآية؛ نزلت بسبب ثابت بن قيس، اشتكت به امرأته إلى رسول الله ﷺ فقال لها: «أتردّين عليه حديقته؟» قالت: نعم، فدعاه فطلّقها على ذلك (^١).
وحكمها على العموم.
وهي خطاب للأزواج في حكم الفدية؛ وهي الخلع.
وظاهرها أنه: لا يجوز الخلع إلّا إذا خاف الزوجان ألّا يقيما حدود الله، وذلك إذا ساء ما بينهما وقبحت معاشرتهما.
ثم إن المخالعة على أربعة أحوال:
الأول: أن تكون من غير ضرر من الزوج ولا من الزوجة:
فأجازها مالك وغيره؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ الآية [النساء: ٤].
ومنعها قومٌ؛ لقوله في هذه الآية: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾.
والثاني: أن يكون الضرر منهما جميعًا:
فمنعه مالك في المشهور؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩].
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ١٣٩).
[ ١ / ٤٤٨ ]
وأجازه الشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾.
والثالث: أن يكون الضرر من الزوجة خاصةً:
فأجازه الجمهور؛ لظاهر هذه الآية.
والرابع: أن يكون الضرر من الزوج خاصة:
فمنعه الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ الآية [النساء: ٢٠].
وقد منع بعضهم الخلع مطلقًا؛ لقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾ الآية.
وأجازه أبو حنيفة مطلقًا، وقوله في ذلك مخالف للكتاب والسنة.
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ خطاب للحكَّام والمتوسطين في هذا الأمر.
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ هذه هي الطلقة الثالثة بعد الطلقتين المذكورتين في قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾.
﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أجمعت الأُمَّة على أن النكاح هنا هو العقد، مع الدخول والوطء؛ لقوله ﷺ للمطلَّقة ثلاثًا حين أرادت الرجوع إلى مطلّقها قبل أن يمسَّها الزوج الآخر: «لا؛ حتى تذوقي عُسيلته ويذوق عسيلتك» (^١).
وروي عن سعيد بن المسيب أن العقد يُحلُّها دون وطء، وهو قول مرفوض؛ لمخالفته للحديث، وخرقه للإجماع.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٦٣٩)، ومسلم (١٤٣٣).
[ ١ / ٤٤٩ ]
وإنما يُحِلُّ (^١) عند مالك إذا كان:
النكاحُ صحيحًا لا شبهة فيه.
والوطءُ مباحًا في غير حيض، ولا إحرام، ولا اعتكاف، ولا صيام، خلافًا لابن الماجشون في الوطء غير المباح.
وأما نكاح المحلّل: فحرام، ولا يُحلُّ الزوجة لزوجها عند مالك، خلافًا لأبي حنيفة.
والمعتبر في ذلك: نية المحلّل، لا نية المرأة، ولا المحلّل له.
وقال قوم: من نوى التحليل منهم أفسد.
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعني: هذا الزوج الثاني.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي: على الزوجة والزوج الأول.
﴿أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ أي: أوامره فيما يجب من حقوق الزوجيَّة.
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية؛ خطاب للأزواج.
وهو نهي عن أن يطوّل الرجل العدّة على المرأة؛ مضارَّةً منه لها، بأن يرتجع قرب انقضاء العدّة، ثم يطلّق بعد ذلك.
ومعنى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ في هذا الموضع: قاربن انقضاء العدَّة، وليس المراد: انقضاؤها؛ لأنه ليس بيده إمساكٌ حينئذٍ.
ومعنى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾: راجعوهنَّ.
_________________
(١) في د: «تحل».
[ ١ / ٤٥٠ ]
و﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ هنا: قيل: هو الإشهاد. وقيل: النفقة.
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية؛ هذه الأخرى خطاب للأولياء.
وبلوغ الأجل هنا: انقضاء العدة.
و﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أي: لا تمنعوهنَّ.
﴿أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ أي: يراجعن الأزواج الذين طلقوهنَّ.
قال السهيلي: نزلت في مَعقِل بن يسار، كان له أخت، فطلَّقها زوجها ثم أراد مراجعتها وأرادت هي مراجعته، فمنعها أخوها (^١).
وقيل: نزلت في جابر بن عبد الله؛ وذلك أنَّ رجلًا طلق أخته وتركها حتى تمَّتْ عدتُها، ثم أراد ارتجاعها، فمنعها جابر وقال: تركتَها وأنت أملكُ بها، لا زوَّجْتُكها أبدًا، فنزلت الآية.
و﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ هنا: الصداق. وقيل: الإشهاد.
وهذه الآية تقتضي ثبوت حقِّ الولي في إنكاح وليته، خلافًا لأبي حنيفة.
﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ خطاب للنبي ﷺ، أو لكلِّ أحد على حِدَتِهِ؛ ولذلك وحَّد ضمير الخطاب.
﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى﴾ خطاب للمؤمنين، والإشارة إلى ترك العَضْل.
ومعنى ﴿أَزْكَى﴾: أطيبُ للنفس.
ومعنى ﴿وَأَطْهَرُ﴾: للدين والعِرض.
_________________
(١) انظر: التعريف والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام، للسهيلي، تحقيق: النقراط، ص: ٦٩.
[ ١ / ٤٥١ ]
[﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤) وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾].
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ خبر بمعنى الأمر.
* وتقتضي الآية حكمين:
* الأول: مَنْ يُرْضِعُ الولد:
مذهبُ (^١) مالك: أن المرأة يجب عليها رضاع ولدها ما دامت في عصمة والده، إلَّا أن تكون شريفةً لا يُرضع مثلُها، فلا يلزمها ذلك.
وإن كان والدهُ قد مات وليس للولد (^٢) مال:
لزمها إرضاعه في المشهور.
_________________
(١) في د: «فمذهب».
(٢) في د: «للابن» وكذا في هامش أ ورمز لها بـ «خ».
[ ١ / ٤٥٢ ]
وقيل: أجرة رضاعه على بيت المال.
وإن كانت مطلقةً بائنًا (^١): لم يلزمها رضاعه؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، إلَّا أن تشاء هي؛ فهي أحقُّ به بأجرة المثل.
وإن (^٢) لم يقبل غيرها: وجب (^٣) عليها إرضاعه.
ومذهب الشافعي وأبي حنيفة: أنها لا يلزمُها إرضاعه أصلًا، والأمر في هذه الآية عندهما على الندب.
وقال أبو ثور: يلزمها على الإطلاق؛ لظاهر الآية، فحملها على الوجوب.
وأما مالك: فحَمَلها في موضع على الوجوب، وفي موضع على الندب، وفي موضع على التَّخيير، حسبما ذكرنا (^٤) من التقسيم في المذهب.
* الحكم الثاني: مدَّةُ الرَّضاع:
وقد ذكرها في قوله: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ وإنما وصفهما بكاملين؛ لأنه يجوز أن يقال في حولٍ وبعض آخر: حولان، فرَفع ذلك الاحتمال.
وأباح الفطام قبل تمام الحولين بقوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.
_________________
(١) في د: «طلقةً بائنة».
(٢) في ب، ج، هـ: «فإن».
(٣) في ب، ج، هـ: «فيجب».
(٤) في ب، ج، هـ: «ذكروا».
[ ١ / ٤٥٣ ]
واشترط أن يكون الفطام عن تراضي الأبوين بقوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾ الآية.
فإن لم يكن على الولد ضررٌ في الفطام فلا جناح عليهما.
ومن دعا منهما إلى تمام الحولين: فذلك له.
وأما بعد الحولين: فمن دعا منهما إلى الفطام فذلك له.
وقال ابن عباس: إنما يَرضعُ حولين مَنْ مكث في البطن ستة أشهر، فمن مكث سبعةً فرَضاعه: ثلاثة وعشرون شهرًا، وإن مكث تسعةً فرضاعه: أحَدٌ وعشرون؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ في هذه النفقة والكسوة قولان:
أحدهما: أنها أجرة رضاع الولد، أوجبها الله للأم على الوالد، وهو قول الزمخشري (^١) وابن العربي (^٢).
والثاني: أنها نفقة الزوجات على الإطلاق، قال منذر بن سعيد البَلُّوطيُّ: هذه الآية نصٌّ في وجوب نفقة الرجل على زوجته، وعلى هذا حملها ابن الفَرَس (^٣).
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ هنا: أي: على قدْر حال الزوج في ماله، والزوجةِ في منصبها، وقد بيَّن ذلك بقوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
_________________
(١) انظر: الكشاف (٣/ ٤١٦).
(٢) انظر: أحكام القرآن، لابن العربي (١/ ٢٠٣).
(٣) انظر: أحكام القرآن، لابن الفرس (١/ ٣٤٠).
[ ١ / ٤٥٤ ]
﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ قرئ:
بفتح الراء -لالتقاء الساكنين-؛ على النهي.
وبرفعهما؛ على الخبر، ومعناه النهي.
ويحتمل على كل واحد من الوجهين:
أن يكون الفعل مسندًا إلى الفاعل؛ فيكون ما قبل الآخر مكسورًا قبل الإدغام.
أو يكون مسندًا إلى المفعول، فيكون مفتوحًا.
والمعنى على الوجهين: النهي عن إضرار أحد الوالدين بالآخر بسبب الولد.
ويدخل في عموم النهي: وجوه الضرر كلها.
والباء في قوله ﴿بِوَلَدِهَا﴾ و﴿بِوَلَدِهِ﴾: سببية.
والمراد بقوله: ﴿مَوْلُودٌ لَهُ﴾: الوالد، وإنما ذكره بهذا اللفظ؛ إعلامًا بأنَّ الولد يُنسب له، لا للأم.
﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ اختلف في الوارث:
فقيل: وارث المولود له.
وقيل: وارث الصبي لو مات.
وقيل: هو الصبي نفسه.
وقيل: مَنْ بَقِي من أبويه.
[ ١ / ٤٥٥ ]
واختلف في المراد بقوله: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾:
فقال مالك وأصحابه: عدم المضارة، وذلك يجري مع كل قول في الوارث؛ لأن ترك الضرر واجب على كل أحد.
وقيل: المراد: أجرة الرضاع في النفقة والكسوة، ويختلف هذا القول بحسب الاختلاف في الوارث:
فأما على القول بأن الوارث هو الصبي: فلا إشكال؛ لأن أجرة رضاعه في ماله.
وأما على سائر الأقوال:
فقيل: إن الآية منسوخة؛ فلا تجب أجرة الرضاع على أحدٍ غير الوالد.
وقيل: إنها مُحْكَمَة؛ فتجب أجرة الرضاع على وارث الصبي لو مات، أو على وارث الوالد، وهو قول قتادة والحسن البصري.
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا﴾ إباحةٌ لاتخاذ الظُّئُر.
﴿إِذَا سَلَّمْتُم مَا آتَيْتُم﴾ أي: دفعتم أجرة الرضاع.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ الآية؛ عموم في كل متوفى عنها؛ سواء توفي زوجها قبل الدخول أو بعده.
إلا الحامل؛ فعدَّتها وضع حملها؛ سواء وضعته قبل الأربعة الأشهر والعشرِ أو بعدها عند مالك والشافعي وجمهور العلماء.
وقال علي بن أبي طالب: عدَّتها أبعدُ الأجلين.
وخصَّ مالكٌ من ذلك: الأمةَ؛ فعدَّتها في الوفاة: شهران وخمسُ ليالٍ.
[ ١ / ٤٥٦ ]
و﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ معناه: عن التزوج.
وقيل: وعن (^١) الزينة؛ فيكون أمرًا بالإحداد.
وإعراب ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ، وخبره: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ على تقدير: أزواجهم يتربصنَ.
وقيل: التقدير: وأزواجُ الذين يتوفون منكم يتربصن.
وقال الكوفيون: الخبرُ عن ﴿وَالَّذِينَ﴾ متروكٌ، والقصد: الإخبار عن أزواجهم.
﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ من التزوج والزينة ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^٢) هنا: إذا كان غير منكر. وقيل: معناه الإشهاد.
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ﴾ الآية؛ إباحةٌ للتعريض بخطبة المرأة المعتدَّة.
ويقتضي ذلك: النهيَ عن التَّصريح.
ثم أباح ما يُضمر في النفس بقوله: ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ﴾.
﴿سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ أي: تذكرونهنَّ (^٣) في نفوسكم، وبألسنتكم لمن يَخفُّ عليكم.
_________________
(١) في د: «عن» بلا واو.
(٢) في ب، د، هـ: «فالمعروف».
(٣) في ب، ج، هـ: «تذكروهنَّ».
[ ١ / ٤٥٧ ]
وقيل: أي ستخطبونهنَّ إن لم تُنهَوا (^١) عن ذلك.
﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ أي: لا تواعدوهنَّ في العِدَّة خُفيةً بأن تتزوجوهنَّ بعد العدة.
وقال مالك فيمن يَعِدُ (^٢) في العِدَّة ثم يتزوج بعدها: فراقها أحب إليَّ، ثم يكون خاطبًا من الخُطَّاب.
وقال ابن القاسم: يجب فراقها.
﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ استثناءٌ منقطع.
والقول المعروف: هو ما أُبيح من التَّعريض؛ كقوله: «إنكم لأكْفَاءٌ كرام»، وقوله: «إن الله سيفعل معكِ خيرًا»، وشبه ذلك.
﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ الآية؛ نهيٌ عن عقد النكاح قبل تمام العدة.
و﴿الْكِتَابُ﴾ هنا: القَدْر الذي شُرع من المدَّة.
ومَن تزوَّج امرأةً في عدَّتها فرَّق بينهما اتفاقًا.
فإن دخل بها حرُمت عليه على التأبيد عند مالك، خلافًا للشافعي وأبي حنيفة.
واختُلف عن مالك في تأبيد التحريم إذا لم يدخل بها، أو إذا دخل ولم يطأها.
* * *
_________________
(١) في ج، د: «تنتهوا».
(٢) في د: «يواعد».
[ ١ / ٤٥٨ ]
[﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾].
﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية؛ قيل: إنها إباحة للطلاق قبل الدخول.
لمَّا نُهي عن التزوُّج بمعنى الذَّوق، وأُمر بالتزوُّج طلب العِصمة ودوام الصُّحبة: ظنَّ قومٌ أن من طلَّق قبل البناء وقع في المنهيِّ عنه، فنزلت الآية رافعةً للجُناح في ذلك.
وقيل: إنها في بيان ما يلزم من الصَّداق والمتعة في الطلاق قبل الدخول. وذلك أن مَنْ طلَّق قبل الدخول:
فإن كان لم يَفرض لها صداقًا - وذلك في نكاح التَّفويض -: فلا شيءَ عليه من الصداق؛ لقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية، فالمعنى: لا طلب عليكم بشيءٍ من الصداق.
[ ١ / ٤٥٩ ]
ويؤمر بالمتعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾.
وإن كان قد فَرَض لها: فعلية نصف الصداق؛ لقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾.
ولا مُتعة عليه؛ لأن المتعة إنما ذُكِرت لمن لم يفرض لها؛ فقوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا﴾ «أو» فيه بمعنى الواو.
﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي: أحسنوا إليهنَّ، وأعطوهنَّ شيئًا عند الطلاق.
والأمر بالمتعة مندوبٌ عند مالك، واجبٌ عند الشافعي.
﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ أي: يُمَتَّعُ كلُّ واحد على قَدْر ما يجد.
و﴿الْمُوسِعِ﴾: الغني، و﴿الْمُقْتِرِ﴾: الضَّيق الحال.
وقرئ بإسكان دال ﴿قَدَرُهُ﴾ وفتحها؛ وهما بمعنىً.
و﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ هنا: أي: لا حَمْل فيه، ولا تكلف على أحد الجانبين.
﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ تعلَّق الشافعي في وجوب المتعة بقوله: ﴿حَقًّا﴾.
وتعلق مالك في الندب بقوله: ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾؛ لأنَّ الإحسان تطوُّعٌ بما لا يلزم.
﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية؛ بيانٌ أن المطلَّقة قبل الدخول لها نصف الصداق إذا كان قد فُرض لها صداقٌ مسمًّى، بخلاف نكاح التفويض.
﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ النون فيه: نون جماعة النسوة؛ يريد: المطلَّقات.
[ ١ / ٤٦٠ ]
والعفو هنا: بمعنى الإسقاط.
أي: للمطلقات قبل الدخول نصف الصداق، إلَّا أن يُسقِطْنَه، وإنما يجوز إسقاط المرأة إذا كانت مالكةً أمر نفسها.
﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ قال ابن عباس ومالك وغيرهما: هو الوليُّ الذي تكون المرأة في حَجره، كالأب في ابنته المحجورة، والسيد في أَمَته، فيجوز له أن يسقط نصف الصداق الواجب له بالطلاق قبل الدخول.
وأجاز شُريحٌ إسقاط غير الأب من الأولياء.
وقال علي بن أبي طالب والشافعي: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ هو الزوج.
وعفْوه: أن يعطي النصف الذي سقط عنه من الصداق.
ولا يجوز عندهم أن يُسقِط الأبُ النصف الواجب لابنته.
وحجة مالك: أن قوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ في الحال؛ والزوج ليس بيده بعد الطلاق عقدةُ نكاح.
وحجة الشافعي: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ فإِنَّ الزوج إذا تطوَّع بإعطاء النصف الذي لا يلزمه فذلك فضلٌ، وأما إسقاط الأب لحقِّ ابنته فليس فيه تقوى؛ لأنه إسقاط (^١) حقِّ الغير.
﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ قيل: إنه يعني إسقاط المرأة نصف صداقها، أو دفع الرجل النصف الساقط عنه.
_________________
(١) في ج، د: «أسقط».
[ ١ / ٤٦١ ]
واللفظ أعمُّ من ذلك.
﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ جرَّد ذكرها بعد دخولها في ﴿الصَّلَوَاتِ﴾؛ اعتناءً بها.
وهي:
الصبح عند مالك وأهل المدينة.
والعصر عند عليِّ بن أبي طالب؛ لقوله ﷺ: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر» (^١).
وقيل: هي الظهر.
وقيل: المغرب.
وقيل: العشاء الآخرة.
وقيل: الجمعة.
وسُمِّيت وسطى:
لتوسُّطها في عدد الركعات، على القول بأنها المغرب؛ لأنها بين الركعتين والأربع.
أو لتوسُّط وقتها:
على القول بأنها الصبح؛ لأنها متوسطةٌ بين الليل والنهار.
وعلى القول بأنها الظهر أو الجمعة؛ لأنها في وسط النهار.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٦٢٨).
[ ١ / ٤٦٢ ]
أو لفضلها؛ من الوسط؛ وهو الخيار، وعلى هذا يجري اختلاف الأقوال فيها.
﴿وَقُومُوا لِلَّهِ﴾ معناه: في صلاتكم.
﴿قَانِتِينَ﴾ هنا: ساكتين؛ وكانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت.
قاله ابن مسعود، وزيد بن أرقم.
وقيل: خاشعين.
وقيل هنا: طول القيام.
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ من عدوٍّ، أو سَبُعٍ، أو غير ذلك مما يخاف منه على النفس.
﴿فَرِجَالًا﴾ جمع راجل؛ أي: على رجليه.
﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾ جمع راكبٍ.
أي: صلوا كيفما كنتم من ركوب أو غيره، وذلك في صلاة المُسايفة.
ولا يُنقَص فيها من ركعتين في السفر، وأربع في الحضر عند مالك.
﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ الآية؛ قيل: المعنى: إذا زال الخوف فصلوا الصلاة التي عَلِمتموها؛ وهي التامة.
وقيل: إذا أمنتم فاذكروا الله كما علَّمكم هذه الصلاة التي تُجزِئكم في حال الخوف.
فالذكر:
على القول الأوَّل: بمعنى الصلاة.
[ ١ / ٤٦٣ ]
وعلى الثاني: بمعنى الشكر.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ هذه الآية منسوخة.
ومعناها: أن الرجل إذا مات كان لزوجته أن تقيم في منزلهِ سنةً، ويُنْفَق عليها من ماله، وذلك وصيةً لها.
ثم نُسِخ إقامتُها سنةً: بالأربعةِ الأشهرِ والعشرِ.
ونُسِخت النفقة: بالربعِ أو الثمنِ الذي لها في الميراث؛ حَسَبما ذُكِر في سورة «النساء».
وإعراب ﴿وَصِيَّةً﴾: مبتدأٌ، وخبره:
﴿لِأَزْوَاجِهِمْ﴾.
أو مضمرٌ تقديره: فعليهم وصيةٌ.
وقرئت بالنصب: على المصدر؛ تقديره: ليوصوا وصيةً.
و﴿مَتَاعًا﴾: نُصب على المصدر.
﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ أي: ليس لأولياء الميت إخراجُ المرأة.
﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ معناه: إذا كان الخروج من قِبَل المرأة فلا جناح على أحد فيما فعلت في نفسها من تزوُّجٍ وزينةٍ.
﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ عامٌّ في إمتاع كلِّ مطلَّقةٍ؛ وبعمومه أخذ أبو ثور.
[ ١ / ٤٦٤ ]
واستثنى الجمهور: المطلقة قبل الدخول، وقد فُرِض لها؛ بالآية المتقدمة.
واستثنى مالك: المختلعة والملاعنة.
﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ يدلُّ على وجوب المتعة؛ وهي الإحسان للمطلقات؛ لأن التقوى واجبةٌ.
ولذلك قال بعضهم: نزلت مؤكِّدةً للمتعة؛ لأنه نزل قبلها: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، فقال رجل: فإن لم أرد أن أحسن لم أمتع، فنزلت: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
* * *
[ ١ / ٤٦٥ ]
[﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾].
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ رؤية قلب.
﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ وهم قومٌ من بني إسرائيل، أُمروا بالجهاد فخافوا الموت بالقتال، فخرجوا من ديارهم فرارًا من ذلك، فأماتهم الله؛ لِيُعرِّفهم أنهم لا ينجيهم من الموت شيءٌ.
وقيل: بل فرُّوا من الطاعون.
﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ جمع ألفٍ؛ قيل: ثمانون ألفًا. وقيل: ثلاثون ألفًا. وقيل: ثمانية آلاف.
[ ١ / ٤٦٦ ]
وقيل: هو من الأُلفة؛ وهذا ضعيف.
﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ عبارةٌ عن إماتتهم.
وقيل: إن مَلَكين صاحا بهم: «موتوا!»، فماتوا.
﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ ليستوفوا آجالهم.
﴿وَقَاتِلُوا﴾ خطابٌ لهذه الأمة.
وقيل: للذين أماتهم الله ثم أحياهم.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ استفهامٌ يراد به: الطلب، والحضُّ على الإنفاق.
وذكَّر لفظ القَرْض؛ تقريبًا للأفهام؛ لأن المنفق ينتظر الثواب، كما ينتظر المسلف ردَّ ما أسلف.
وروي: أن الآية نزلت في أبي الدَّحداح حين تصدَّق بحائطٍ لم يكن له غيره.
﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ أي: خالصًا طيِّبًا من حلال، من غير منٍّ ولا أذى.
﴿فَيُضَاعِفُهُ﴾ قرئ:
بالتشديد والتخفيف.
وبالرفع: على الاستئناف، أو عطفًا على ﴿يُقْرِضُ﴾.
وبالنصب: في جواب الاستفهام.
﴿أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ عشرةً فما فوقها إلى سبع مئة.
﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ إخبارٌ يراد به: الترغيب في الإنفاق.
[ ١ / ٤٦٧ ]
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ﴾ رؤيةُ قلبٍ، وكانوا قومًا نالتهم الذِّلَّة من أعدائهم، فطلبوا الإذن في القتال، فلما أُمِروا به كرهوه.
﴿لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ قيل: اسمه شَمْوِيل (^١). وقيل: شَمْعون.
﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾ أي: قاربتُم، وأراد النبيُّ المذكور أن يتوثَّق منهم.
ويجوز في السين من ﴿عَسَيْتُمْ﴾: الكسرُ، والفتحُ؛ وهو أفصح ولذلك انفرد نافع بالكسر.
وأمَّا إذ لم يتصل بـ «عسى» ضمير: فلا يجوز فيها إلا الفتح.
﴿طَالُوتَ مَلِكًا﴾ قال وهب بن مُنَبِّه: أوحى الله إلى نبيهم إذا دخل عليك رجل فنشَّ الدُّهنُ (^٢) الذي في القَرْن (^٣): فهو مَلِكُهم.
وقال السُّدِّيُّ: أرسل الله إلى نبيهم عصًا، وقال له: إذا دخل عليك رجلٌ على طول هذه العصا فهو ملكهم؛ فكان ذلك طالوت.
﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ روي أنه كان دَبَّاغًا، ولم يكن من بيت المُلْك.
والواو في قوله: ﴿وَنَحْنُ﴾ واوُ الحال.
_________________
(١) في أ، ب، د: «سمويل».
(٢) نشَّ الماء والدهن وغيرهما يَنِشُّ نَشًّا ونَشِيشًا: صَوَّتَ عند الغليان. انظر: لسان العرب (٨/ ٢٤٤).
(٣) قال الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على تفسير الطبري (٥/ ٣٠٧): «القرن: قرن الثور وغيره، وكأنه أراد هنا: القنينة التي يكون فيها الدهن والطيب، وكأنهم كانوا يتخذونها من قرون البقر وغيرها، وقد سموا المحجمة التي يحتجم بها «قرنا» ولم أجد هذا الحرف بهذا المعنى في كتب اللغة، ولكنه صحيح كما رأيت».
[ ١ / ٤٦٨ ]
والواو في قوله: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ﴾: لعطف الجملة على الأخرى.
﴿بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ كان عالمًا بالعلوم، وقيل: بالحروب. وكان أطولُ رجلٍ (^١) يصل إلى مَنكِبَيه.
﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ردٌّ عليهم في اعتقادهم أن الملك يُستحقُّ بالبيت أو المال.
﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ كان هذا التابوتُ قد تركه موسى عند يُوشَع، فجعله يوشع في البَرِّيَّة، فبعث الله ملائكةً حملته حتى جعلته (^٢) في دار طالوت.
وفيه قَصَصٌ كثيرٌ غير ثابت.
﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ قيل: ريحٌ لها رأسٌ ووجه كوجه الإنسان.
وقيل: طَسْتٌ من ذهب تُغسَل فيه قلوبُ الأنبياء.
وقيل: رحمةٌ.
وقيل: وقارٌ.
﴿وَبَقِيَّةٌ﴾ ابنُ عباس: هي عصا موسى ورُضَاض الألواح (^٣).
وقيل: العصا والنَّعلان.
_________________
(١) في د: «الناس».
(٢) في ج، د، هـ: «جعلوه».
(٣) رُضاضُ الشيء: كُسارُه أي: ما تكسَّر منه، وقِطَعه، وفُتاته، ورضَّ الشيءَ رَضًّا: كسرَه فصار قِطعًا. انظر: لسان العرب (٩/ ١٤).
[ ١ / ٤٦٩ ]
وقيل: ألواحُ من التوراة.
﴿آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ يعني: أقاربهما.
وقال الزمخشري: يعني الأنبياء من بني إسرائيل (^١).
ويحتمل أن يريد موسى وهارون، وأقحم الآل.
* * *
_________________
(١) الكشاف (٣/ ٤٦٤).
[ ١ / ٤٧٠ ]
[﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢) تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾].
﴿فَصَلَ طَالُوتُ﴾ أي: خرج من موضعه إلى الجهاد.
﴿بِنَهَرٍ﴾ قيل: هو نهر فلسطين.
﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ﴾ الآية؛ اختبر طاعتهم بمنعهم من الشرب.
﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً﴾ رخَّص لهم في الغرفة باليد.
وقُرِئَ: بفتح الغين؛ وهو المصدر، وبضمها؛ وهو الاسم.
﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قيل: كانوا ثمانين ألفًا، فشربوا منه كلُّهم إلَّا ثلاثَ مئةٍ وبضعة عشر، عددَ أصحاب بدر، فأمَّا من شرب فاشتدَّ عليه.
[ ١ / ٤٧١ ]
العطش، وأما من لم يشرب فلم يعطش.
﴿بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ كان كافرًا عدوًّا لهم، وهو ملك العمالقة.
ويقال: إن البربر من ذريته.
﴿يَظُنُّونَ﴾ أي: يوقنون؛ وهم أهل البصائر من أصحابه.
﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ كان داود في جند طالوت، فقتل جالوت، فأعطاه الله ملك بني إسرائيل.
وفي ذلك قصصٌ كثير غير صحيح.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ هنا: النبوة، أو الزَّبور.
﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ صنعة الدروع، ومنطق الطَّير، وغير ذلك.
﴿وَلَوْلَا دِفَاعُ اللَّهِ﴾ الآية؛ منَّةٌ على العباد بدفع بعضهم ببعض.
وقرئ: ﴿دِفَاعُ﴾ بالألف، و﴿دَفْعُ﴾ بغير ألف؛ والمعنى متفقٌ.
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ الإشارةُ إلى جماعتهم.
﴿فَضَّلْنَا﴾ نصٌّ في التفضيل في الجملة، من غير تعيين مفضول؛ كقوله ﷺ: «لا تخيروا بين الأنبياء» (^١)، و«لا تفضلوني على يونس بن مَتَّى» (^٢)، فإنَّ معناه: النهي عن تعيين المفضول؛ لأنه تنقيصٌ له، وذلك غيبةٌ ممنوعة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٤١٢)، ومسلم (٢٣٧٤).
(٢) هذا اللفظ حكم عليه شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه «نقلٌ باطل»، انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٢٢٤). والثابت قوله ﷺ: «لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن مَتَّى» أخرجه البخاري (٣٣٩٥)، ومسلم (٢٣٧٦).
[ ١ / ٤٧٢ ]
وقد صرَّح ﷺ بفضله على جميع الأنبياء بقوله: «أنا سيد ولدِ آدم» (^١) لا بفضله على واحدٍ بعينه؛ فلا تعارض بين الحديثين.
﴿مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ موسى ﵇.
﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ﴾ قيل: هو محمد ﷺ؛ لتفضيله على الأنبياء بأشياء كثيرة.
وقيل: هو إدريس؛ لقوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]؛ فالرِّفعة على هذا: في المسافة.
وقيل: هو مطلقٌ في كل من فضَّله الله منهم.
﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: مِنْ بعد الأنبياء، والمعنى: بعدَ كلِّ نبيٍّ، لا بعد الجميع.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ كرَّره تأكيدًا، و(^٢) ليبني عليه ما بعده.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (٢٢٧٨) واللفظ له.
(٢) في ب، د: «أو».
[ ١ / ٤٧٣ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾].
﴿أَنفِقُوا﴾ يعمُّ الزكاةَ والتطوُّعَ.
﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أي: لا يتصرَّف أحدٌ في ماله، والمراد (^١): لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق في الدنيا.
ويدخل فيه: نفي الفدية؛ لأنها شراء الإنسان نفسه.
﴿وَلَا خُلَّةٌ﴾ أي: مودَّةٌ نافعة؛ لأنَّ كلَّ أحد يومئذٍ مشغولٌ بنفسه.
﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ أي: ليس في يوم القيامة شفاعة إلَّا بإذن الله؛ فهي في الحقيقة رحمةٌ من الله للمشفوع فيه، وكرامةٌ للشافع، ليس فيها تحكُّمٌ على الله.
وعلى هذا يُحمَل ما ورد من نفي الشفاعة في القرآن؛ أعني: أنها لا تقع إلَّا بإذن الله؛ فلا تعارض بينه وبين إثباتها.
_________________
(١) في ب، د: «والمعنى».
[ ١ / ٤٧٤ ]
وحيثما كان سياقُ الكلام في أهوال يوم القيامة، والتخويف بها: نُفيت الشفاعة على الإطلاق؛ مبالغةً في التهويل.
وحيثما كان سياقُ الكلام تعظيمَ الله: نُفيت الشفاعة إلَّا بإذنه.
﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ قال عطاء بن دينار: الحمد لله الذي قال هكذا، ولم يقل: «الظالمون هم الكافرون» (^١).
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ هذه آية الكرسي، وهي أعظم آية في القرآن حسبما ورد في الحديث (^٢)، وجاء فيها فضلٌ كبير في الحديث الصحيح وفي غيره.
﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ تنزيهٌ لله تعالى عن الآفات البشرية.
والفرق بين السِّنَة والنوم: أن السنة هي ابتداء النوم، لا نفسُه؛ كقول القائل:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . … في عينه سِنَةٌ وليس بنائمِ (^٣)
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ استفهامٌ يراد به نفيُ الشفاعة إلَّا بإذن الله، فهي في الحقيقة راجعةٌ إليه.
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الضميران عائدان على مَنْ يعقل؛ ممَّن تضمَّنه قولُه: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٥٢٦).
(٢) تقدم تخريجه في صفحة ..
(٣) هذا عجز بيت لعديّ بن الرّقاع العاملي، في ديوانه (ص: ١٢٢)، وصدره: «وَسْنَانُ أَقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ»، وهو ضمن قصيدة يمدح بها الوليد بن عبد الملك.
[ ١ / ٤٧٥ ]
والمعنى: يعلم ما كان قبلهم وما يكون بعدهم.
وقال مجاهد: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: الآخرة.
﴿مِنْ عِلْمِهِ﴾ من معلوماته؛ أي: لا يعلم عباده من معلوماته إلَّا ما شاء هو أن يَعلَموهُ (^١).
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ الكرسيُّ: مخلوقٌ عظيم بين يدي العرش، وهو أعظم من السموات والأرض، وهو بالنسبة إلى العرش كأصغر شيء.
وقيل: ﴿كُرْسِيُّهُ﴾: علمه.
وقيل: ﴿كُرْسِيُّهُ﴾: ملكه.
﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾ أي: لا يُثقِلُه، ولا يَشُقُّ عليه.
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ المعنى: أن دين الإسلام في غاية الوضوح وظهور
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البرَّاك: قوله: ﴿مِنْ عِلْمِهِ﴾ من معلوماته إلخ؛ أقول: اقتصر المؤلف ﵀ على أحد القولين، وهو أن المراد بعلمهِ معلوماته سبحانه، وجعل المنفي عن العباد هو علمهم بمعلومات الرب، والمنفيُّ في الآية هو الإحاطة ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾، والإحاطة أخصُّ من مطلق العلم، ولكن كل منهما منتفٍ عن العباد، فلا يعلم العباد إلا ما علمهم اللهُ، ولا يحيطون بشيء علما إلا بما شاء سبحانه، وفي الآية قول آخر، وهو أن المراد بالعلم هو المتعلِّقُ بذاته سبحانه وأسمائه وصفاته، فعلى هذا يكون المراد من العلم العلم الإلهي، وهذا القول هو الراجح، وذلك لأمرين:
(٢) لأن قوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾، ورد في أثناء آية الكرسي، التي هي أعظم آية في كتاب الله؛ لأنها اشتملت على جماع أسماء الله وصفاته.
(٣) أن لهذا القول شاهدًا من القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].
[ ١ / ٤٧٦ ]
البراهين على صحته، بحيث لا يُحتاج أن يُكرَه أحدٌ على الدخول فيه، بل يدخل فيه كلُّ ذي عقلٍ سليم من تلقاء نفسه، دون إكراه؛ ويدلُّ على ذلك قوله: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ أي: قد تبيَّن أن الإسلام رشدٌ، وأن الكفر غيٌّ؛ فلا يفتقر بعد بيانه إلى إكراه.
وقيل: معناها الموادعة، وأن لا يُكرَه أحدٌ بقتالٍ على الدخول في الإسلام؛ ثم نُسخت بالقتال، وهذا ضعيف؛ لأنها مدنية، وإنما آيات المسالمة وترك القتال بمكة.
﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ العروة في الأجرام هي: موضع الإمساك وشدِّ الأيدي. وهي هنا تشبيهٌ واستعارة في الإيمان.
﴿لَا انفِصَامَ لَهَا﴾ لا انكسار لها، ولا انفصال.
﴿يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ جُمع الطاغوت هنا، وأُفرد في غير هذا الموضع؛ فكأنه اسم جنس لما عُبِد من دون الله، ولمن يُضِلُّ الناس من الشياطين وبني آدم (^١).
_________________
(١) المقصود: أنه جمع الفعل المسند إلى ﴿الطَّاغُوتُ﴾ وهو ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ﴾ مع أن لفظ ﴿الطَّاغُوتُ﴾ مفرد؛ فكان مقتضى ذلك أن يقول: «وليُّهم»، وأجاب عن هذا بأن المراد به الجنس، فرُوعي فيهم معنى الجمع، وقوله: «وأُفرد في غير هذا الموضع» كما في قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] فأعاد عليه ضمير المفرد ﴿بِهِ﴾ ولم يقل: «بها»؛ لأنه روعي فيه لفظ ﴿الطَّاغُوتُ﴾ وهو مفرد. انظر: الكشاف (٥/ ٤٥)، (٩/ ٧٢٥).
[ ١ / ٤٧٧ ]
[﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾].
﴿الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ هو نُمْرُوذُ (^١) الملك.
وكان يدَّعي الربوبية؛ فقال لإبراهيم: من ربك؟ قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾.
فقال نُمْرُوذُ: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾، وأحضر رجلين فقتل أحدهما وترك الآخر، فقال: قد أحييتُ هذا وأمتُّ هذا.
_________________
(١) هذه الكلمة هنا وفي الموضعين الآتيين وردت في ب، ج، د كذا: «نمرود» بالدال المهملة، وهما وجهان في الكلمة، بالذال المعجمة والمهملة، قال الإمام ثعلب: «ونمرود بالذال، وأهل البصرة يقولون: نمرود بالدال» مجالس ثعلب (١/ ١٨١)، وبعض اللغويين يرى أنه بالمعجمة لا غير. وانظر: تاج العروس (٩/ ٢٤٠).
[ ١ / ٤٧٨ ]
فقال له إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ ﴿فَبُهِتَ﴾ أي: انقطعَ، وقامت عليه الحجة.
فإن قيل: لم انتقلَ إبراهيم عن دليله الأوَّل إلى هذا الدليل الثاني، والانتقال علامة الانقطاع؟
فالجواب: أنه لم ينقطع، ولكنه لمَّا ذكر الدليل الأوَّل وهو الإحياء والإماتة: كان له حقيقةٌ - وهو فعل الله -، ومجازٌ - وهو فعل غيره -، فتعلقَ نمرودُ بالمجاز؛ غلطًا منه أو مغالطةً، فحينئذ انتقل إبراهيم إلى الدليل الثاني؛ لأنه لا مجاز له، ولا يمكن الكافرَ عدولٌ عنه (^١).
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ تقديره: «أو رأيت مثل الذي»، فحُذف؛ لدلالة ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ عليه؛ لأنَّ كلتيهما كلمةُ تعجيبٍ.
ويجوز أن يُحمل على المعنى؛ كأنه قيل: أرأيت كالذي حاجَّ إبراهيم، أو كالذي مرَّ على قرية.
وهذا المارُّ:
قيل: إنه عُزير. وقيل: الخَضر؛ فقوله: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ﴾ ليس إنكارًا للبعث، ولا استبعادًا، ولكنه:
استعظامٌ لقدرة الذي يحيي الموتى.
أو سؤالٌ عن كيفية الإحياء وصورته، لا شكَّ في وقوعه؛ وذلك مقتضى كلمة ﴿أَنَّى﴾، فأراه الله ذلك عِيانًا؛ ليزداد بصيرة.
_________________
(١) انظر: الكشاف (٣/ ٥٠٠).
[ ١ / ٤٧٩ ]
وقيل: بل كان كافرًا، وقالها إنكارًا للبعث، واستبعادًا، فأراه الله الحياة بعد الموت في نفسه، وذلك أعظم برهان.
﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي: خالية من الناس.
وقال السُّدِّيُّ: سقطت سُقُفُها -وهي العروش-، ثم سقطت الحيطان على السُّقُف.
﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ﴾ ظاهر هذا اللفظ: إحياء هذه القرية بالعمارة بعد الخراب.
ولكن المعنى: إحياء أهلها بعد موتهم؛ لأنَّ ذلك هو الذي يمكن فيه الشكُّ أو الإنكار؛ ولذلك أراه الله الحياة بعد موته.
والقرية كانت بيت المقدس، لما خرَّبه بُخْتُ نَصَّرَ (^١).
وقيل: قرية الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ.
﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ سؤالٌ على جهة التقرير.
﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ استقلَّ مدَّة موته، قيل: أماته الله غُدْوة يوم، ثم بعثه قبل الغروب من يوم آخر بعد مئة عام، فظنَّ أنه يومٌ واحد، ثم رأى بقيَّةً من الشمس فخاف أن يكذب في قوله: ﴿يَوْمًا﴾ فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.
﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ﴾ قيل: إنَّ طعامه كان تينًا وعنبًا، وإِنَّ
_________________
(١) في لسان العرب (٧/ ٦٨): «قال الأصمعي: إنما هو بُوخَتْنَصَّر، فأعرب، وبوخْت: ابنٌ، ونَصَّر: صنمٌ، وكان وُجد عند الصنم ولم يعرف له أب، فقيل هو ابن الصنم».
[ ١ / ٤٨٠ ]
شرابه كان عصيرًا، أو (^١) لبنًا.
﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ معناه: لم يتغيَّر، بل بقي على حاله طول مئة عام، وذلك أعجوبة إلهية.
واللفظ يحتمل أن يكون مشتقًّا من السَّنَة؛ لأن لامَها هاءٌ.
فتكون الهاء في ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ أصليةً؛ أي: لم تغيِّره السّنون.
ويحتمل أن يكون مشتقًّا من قولك: تسنَّنَ الشيءُ: إذا فسد؛ ومنه: «الحمأ المسنون»، ثم قلبت النون حرف علَّةٍ؛ كقولهم: «قَصَّيتُ أظفاري»، ثم حذف حرف العلة؛ للجزم.
والهاء على هذا: هاء السكت.
﴿وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ قيل: بقي حماره حيًّا طول المئة عام، دون علَفٍ ولا ماء.
وقيل: مات، ثم أحياه الله وهو ينظر إليه.
﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ التقدير: فَعَلْنا بك هذا؛ لتكون آية للناس.
وروي: أنه قام شابًّا على حالته يوم مات، فوجد أولاده وأولادهم شيوخًا.
﴿وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ هي عظام نفسه.
وقيل: عظام الحمار؛ على القول بأنه مات.
_________________
(١) في أ، ب، ج، هـ: «و»، والمثبت موافق لما في الكشاف (٣/ ٥٠٧).
[ ١ / ٤٨١ ]
﴿نُنْشِرُهَا﴾ -بالراء-: نُحييها.
وقرئ بالزاي؛ ومعناه: نرفعها للإحياء.
﴿قَالَ أَعْلَمُ﴾ بهمزة قطع وضمِّ الميم؛ أي: قال الرجل ذلك اعترافًا.
وقرئ: بألف وصل، والجزمِ؛ على الأمر؛ أي: قال له المَلِك ذلك.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ الآية؛ قال الجمهور: لم يشكَّ إبراهيم في إحياء الموتى، وإنما طلب المعاينة؛ لأنه رأى دابةً قد أكلتها السِّباع والحيتان، فسأل ذلك السؤال؛ ويدلُّ على ذلك قوله: ﴿كَيْفَ﴾؛ فإنها سؤال عن حال الإحياء وصورته، لا عن وقوعه.
﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: بالمعاينة.
﴿أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ قيل: هي الديك والطاووس والحمام والغراب، فقطَّعها، وخلط أجزاءها، ثم جعل من المجموع جزءًا على كل جبل، وأمسك رؤوسها بيده، ثم قال: تعالَيْنَ بإذن الله، فتطايرت تلك الأجزاء حتى التأمَتْ، وبقيت بلا رؤوس، ثم كَرَّر النداء، فجاءته تسعى حتى وضعت أجسادها في رؤوسها، وطارت بإذن الله.
﴿فَصُرْهُنَّ﴾ أي: ضُمَّهُنَّ. وقيل: قطِّعهن.
﴿عَلَى كُلِّ جَبَلٍ﴾ قيل: أربعة جبال. وقيل: سبعة. وقيل: الجبال التي وصل إليها حينئذٍ من غير حصرٍ بعددٍ.
* * *
[ ١ / ٤٨٢ ]
[﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾].
﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ظاهِرُه: الجهاد.
وقد يُحمل على جميع وجوه البرّ.
﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ كلُّ ما يُزْدَرَعُ (^١) ويُقتات، وأشهره: القمح.
وفي الكلام حذف؛ تقديره: مثل نفقةِ الذين ينفقون كمثل حبة.
أو يقدر في آخره (^٢) الكلام: كمثل صاحب حبة.
_________________
(١) في ب: «يزرع» وهما بمعنى واحد. انظر: القاموس المحيط مادة (زرع).
(٢) في ب، ج: «أجزاء».
[ ١ / ٤٨٣ ]
﴿أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ بيانٌ أن الحسنة بسبع مئة؛ كما جاء في الحديث: أن رجلًا جاء بناقةٍ فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ: «لك بها يوم القيامة سبعُ مئة ناقةٍ» (^١).
﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يزيده على سبع مئة.
وقيل: هو تأكيد وبيان للسبع مئة.
والأول أرجح؛ لأنه ورد في الحديث ما يدل عليه.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ الآية؛ قيل: نزلت في عثمان. وقيل: في عليّ. وقيل: في عبد الرحمن بن عوف.
﴿مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ المنُّ: ذكر النعمة على معنى التَّعديد لها والتقريع بها. والأذى: السبُّ.
﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ هو ردُّ السائل بجميلٍ من القول؛ كالدعاء له، والتأنيس.
﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: عفوٌ عن السائل إذا وُجِد منه جفاءٌ.
وقيل: مغفرة من الله بسبب الردِّ الجميل.
والمعنى: تفضيلُ عدمِ العطاءِ إذا كان بقولٍ معروف ومغفرة: على العطاء الذي يتبعه أذًى.
﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم﴾ عقيدة أهل السنة: أن السيئات لا تُبطل الحسنات؛ فقالوا في هذه الآية: إنَّ الصدقة التي يعلم الله مِنْ صاحبها أنه يمُنُّ أو يؤذي لا تقبل منه.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٨٩٢).
[ ١ / ٤٨٤ ]
وقيل: إنَّ المنَّ والأذى دليلٌ على أن نيتَه لم تكن خالصةً؛ فلذلك بطلت صدقتُه.
﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ﴾ تمثيلٌ لمن يَمُنُّ ويؤذي بالذي ينفق رياءً وهو غير مؤمن.
﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي: مثل المرائي في نفقته: كحجرٍ عليه تراب، فيظنُّ من يراه أرضًا مُنبِتةً طيبةً، فإذا نزل عليه المطرُ انكشف التراب، فبقِيَ الحجر لا منفعةَ فيه.
فكذلك المرائي؛ يظنُّ أن له أجرًا، فإذا كان يومُ القيامة انكشف سرُّه ولم تنفعه نفقته.
﴿صَفْوَانٍ﴾ حجرٌ كبير.
﴿وَابِلٌ﴾ مطرٌ كثير.
﴿صَلْدًا﴾ أملسَ.
﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ أي: لا يقدرون على الانتفاع بثواب شيءٍ من إنفاقهم؛ وهو كسبُهم.
﴿وَتَثْبِيتًا﴾ أي: تيقُّنًا وتحقيقًا للثواب؛ لأن أنفسهم لها بصائرُ تحملهم على الإنفاق.
ويحتمل أن يكون معنى التثبيت: أنهم يثبتون أنفسهم على الإيمان؛ باحتمال المشقَّة في بذل المال.
وانتصابُ ﴿ابْتِغَاءَ﴾: على المصدر في موضع الحال، وعطف عليه ﴿وَتَثْبِيتًا﴾.
[ ١ / ٤٨٥ ]
ولا يصحُّ في ﴿وَتَثْبِيتًا﴾ أن يكون مفعولًا من أجله؛ لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت؛ فامتنع ذلك في المعطوف عليه وهو ﴿ابْتِغَاءَ﴾.
﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ تقديره: كمثل صاحب جنَّةٍ.
أو يقدر أوَّلًا: مثل نفقة الذين ينفقون.
﴿بِرَبْوَةٍ﴾ لأنَّ ارتفاع موضع الجنة أطيبُ؛ لتربتها وهوائها.
﴿فَطَلٌّ﴾ المطرُ الرَّقيق الخفيف؛ والمعنى: أنه يكفي هذه الجنة؛ لكرم أرضها.
﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ الآية؛ مثلٌ ضرب للإنسان يعمل عملًا صالحًا، حتى إذا كان عند آخر عُمُرِه خُتِم له بعمل السُّوء.
أو مثلٌ للكافر، أو المنافق، أو المرائي المتقدّم ذكره آنفًا، أو ذي المنِّ والأذى؛ فإنَّ كل واحد منهم يظن أنه ينتفع بعمله، فإذا كان وقت حاجته إليه لم يجد شيئًا.
فشبَّههم الله بمن كانت له جنة، ثم أصابتها الجائحة المهلكة أحوجَ ما كان إليها؛ لشيخوخته، وضعف ذُرِّيته.
فالواوُ في قوله: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾: للحال.
﴿إِعْصَارٌ﴾ أي: ريحٌ فيها سَمُومٌ محرقةٌ.
* * *
[ ١ / ٤٨٦ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩) وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)﴾].
﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الطيبات هنا عند الجمهور: الجيِّد غير الرديء.
فقيل: إنَّ ذلك في الزكاة؛ فيكون واجبًا.
وقيل: في التطوُّع؛ فيكون مندوبًا، لا واجبًا؛ لأنه كما يجوز التطوع بالقليل يجوز بالرديء.
﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا﴾ النبات، والمعادن، وغير ذلك.
﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ أي: لا تقصدوا الرديء.
﴿مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ في موضع الحال.
[ ١ / ٤٨٧ ]
﴿وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ﴾ الواو للحال.
والمعنى: أنكم لا تأخذونه في حقوقكم وديونكم، إلّا بأن تتسامحوا في أخذه (^١).
و﴿تُغْمِضُوا﴾ من قولك: أغمض فلانٌ عن بعض حقّه: إذا لم يستوفه، أو إذا غضَّ بصره.
﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ الآية؛ دفعٌ لما يوسوس به الشيطان من خوف الفقر، ففي ضمن ذلك حضٌّ على الإنفاق.
ثم بيَّن عداوة الشيطان بأمره بالفحشاء؛ وهي: المعاصي.
وقيل: الفحشاء: البخل؛ والفاحش عند العرب: البخيل.
قال ابن عباس: في الآية اثنتان من الشيطان، واثنتان من الله.
والفضل: هو الرزق والتوسعة.
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾ قيل: هي المعرفة بالقرآن. وقيل: النبوة. وقيل: الإصابة في القول والعمل.
﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِن نَفَقَةٍ﴾ الآية؛ ذكر نوعين وهما:
ما يفعله الإنسان تبرُّعًا.
وما يفعله بعد إلزامه نفسَه بالنذر.
وفي قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ وعدٌ بالثواب.
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «تتسامحوا فيه».
[ ١ / ٤٨٨ ]
وفي قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ وعيدٌ لمن يمنع الزكاة، أو ينفق (^١) لغير الله.
﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ هي التطوع عند الجمهور؛ لأنها يحسن إخفاؤها، وإبداء الواجبة؛ كالصلوات.
﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ ثناءٌ على الإظهار، ثم حكَم أنَّ الإخفاء خيرٌ من ذلك الإبداء.
و«ما» من «نِعِمَّا»: في موضع نصب، تفسير للمضمر؛ والتقدير: فنعم شيئًا إبداؤها.
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ قيل: إنَّ المسلمين كانوا لا يتصدَّقون على أهل الذمة؛ فنزلت الآية مبيحةً للصدقة على من ليس على دين الإسلام، وذلك في التطوع، وأما الزكاة فلا تدفع لكافر أصلًا.
فالضمير في ﴿هُدَاهُمْ﴾ على هذا القول: للكافر.
وقيل: ليس عليك أن تهديهم لمَا أُمروا به من الإنفاق، وترك المنِّ والأذى والرياء والإنفاق من الخبيث، إنما عليك أن تبلِّغهم، والهدى بيد الله.
فالضمير على هذا: للمسلمين.
﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ﴾ أي: إنَّ منفعته لكم كقوله (^٢): ﴿مَنْ عَمِلَ
_________________
(١) في د زيادة: «ماله».
(٢) في د: «لقوله».
[ ١ / ٤٨٩ ]
صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦].
﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ قيل: إنه خبر عن الصحابة أنهم لا ينفقون إلا ابتغاء وجه الله؛ ففيه تزكيةٌ لهم، وشهادةٌ بفضلهم.
وقيل: ما تنفقون نفقةً تُقْبَلُ منكم، إلَّا ابتغاء وجه الله؛ ففي ذلك حضٌّ على الإخلاص.
﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ متعلق بمحذوف؛ تقديره: الإنفاقُ للفقراء؛ وهم هنا: المهاجرون.
﴿أُحْصِرُوا﴾ حُبِسوا بالعدو، أو بالمرض.
﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَحتمل: الجهادَ، أو الدخول في الإسلام.
﴿ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ هو التصرُّفُ في التجارة وغيرها.
﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ﴾ أي: يظنُّ الجاهلُ بحالهم أنهم أغنياءُ؛ لقلة سؤالهم.
و﴿التَّعَفُّفِ﴾ هنا: هو عن الطلب.
و﴿مِنْ﴾: سببية. وقال ابن عطية: لبيان الجنس (^١).
_________________
(١) الذي ذكره ابن عطية أنها لابتداء الغاية، وهذا نصُّ عبارته: «و"مِنْ" في قوله: (من التعفُّف) لابتداء الغاية، أي: مِنْ تعفُّفهم ابتدأت محسَبته، وليست لبيان الجنس»، ثم قال بعد ذلك: «وتحتمل الآية معنى آخر "من" فيه لبيان الجنس سنذكره بعد». المحرر الوجيز (٢/ ٨٩).
[ ١ / ٤٩٠ ]
﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ عَلَامَةِ وُجُوهِهِم؛ وهي ظُهُور الجَهْد والفاقَةِ، وقِلَّةُ النِّعْمَة.
وقيل: الخشوع.
وقيل: السجود.
﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ الإلحاف: هو الإلحاح في السؤال.
والمعنى: أنهم إذا سألوا يتلطَّفون ولا يُلِحُّون.
وقيل: هو نفي للسؤال والإلحاح معًا.
وباقي الآية وعدٌ.
* * *
[ ١ / ٤٩١ ]
[﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾].
﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ تعميمٌ لوجوه الإنفاق، وأوقاته.
ابنُ عباس: نزلت في عليٍّ؛ فإنه تصدَّقَ بدرهم بالليل، وبدرهم بالنهار، وبدرهم سرًّا، وبدرهم علانيةً.
أبو هريرة: نزلت في علفِ الخيل.
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ أي: ينتفعون به، وعَبَّر عن ذلك بالأكل؛ لأنه أغلبُ المنافع. وسواء من أعطاه أو من أخذه.
والرِّبا في اللغة: الزيادة، ثم استعمل في الشريعة في بيوعاتٍ ممنوعة، أكثرُها راجعٌ إلى الزيادة؛ فإِنَّ غالبَ الربا في الجاهلية قولهم للغريم:
[ ١ / ٤٩٢ ]
أتَقضي أم تُربي؟، فكان الغريم يزيد في عدد المال، ويصبر الطَّالب عليه.
ثم إن الربا على نوعين: ربا النسيئة، وربا التفاضل.
وكلاهما يكون في: الذهب والفضة، وفي الطعام.
فأما النسيئة؛ فتَحرمُ في بيع الذهب بالذهب، وبيع الفضة بالفضة، وفي بيع الذهب بالفضة، وهو الصَّرف، وفي بيع الطعام بالطعام مطلقًا.
وأما التفاضل؛ فإنما يَحرُم في بيع الجنس الواحد بجنسه؛ من النَّقدين، ومن الطعام.
ومذهب مالك: أنه إنما يحرم التفاضل في المقتات المدَّخَر من الطعام.
ومذهب الشافعي: أنه يحرم في كل طعام.
ومذهب أبي حنيفة: أنه يحرم في المكيل والموزون؛ من الطعام وغيره.
﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ أجمع المفسرون أنَّ المعنى: لا يقومون من قبورهم في البعث إلَّا كالمجنون.
و﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾: يتفعَّله؛ من قولك: خبَط يخبِط.
و﴿الْمَسِّ﴾: الجنون.
و﴿مِنَ﴾ تتعلَّق بـ ﴿يَقُومُ﴾.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ تعليلٌ للعقاب الذي يصيبهم، وإنما هذا للكفار؛ لأن قولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾: ردٌّ على الشريعة وتكذيبٌ لها، ثم قد يأخذ العُصاة بحظٍّ من هذا الوعيد.
[ ١ / ٤٩٣ ]
فإن قيل: فهلَّا قيل: «إنما الربا مثل البيع»؛ لأنهم قاسوا الربا على البيع في الجواز؟
فالجواب: أن هذا مبالغةٌ؛ فإنهم جعلوا الربا أصلًا حتى شبَّهوا به البيع (^١).
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ عمومٌ يخرج منه: البيوع الممنوعة شرعًا، وقد عدَدْناها في الفقه ثمانين نوعًا (^٢).
﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ردٌّ على الكفار، وإنكارٌ للتسوية بين البيع والربا.
وفي ذلك دليل على أن القياس يهدمه النص؛ لأنه جعل الدليلَ على بطلان قياسهم: تحليل الله وتحريمه.
﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أي: له ما أخذ من الربا؛ (أي: لا يؤاخذُ بما فعل منه) (^٣) قبل نزول التحريم.
﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الضمير عائد على صاحب الربا.
والمعنى: أن الله يحكم فيه يومَ القيامة، فلا تؤاخذوه في الدنيا.
وقيل: الضمير عائد على الربا.
والمعنى: أمرُ الربا إلى الله في تحريمه أو غير ذلك.
﴿وَمَنْ عَادَ﴾ الآية؛ يعني: مَنْ عاد إلى فعل الربا، وإلى القول:
_________________
(١) انظر: الكشاف (٣/ ٥٤٤).
(٢) انظر: القوانين الفقهية، لابن جزي (ص: ٤٣٢) وما بعدها.
(٣) سقط من ب، ج، هـ.
[ ١ / ٤٩٤ ]
«إنما البيع مثل الربا».
ولذلك حكم عليه بالخلود في النار؛ لأنَّ ذلك القول لا يصدر إلا من كافر، فلا حجة فيها لمن قال بتخليد العصاة؛ لكونها في الكفار.
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ ينقصه ويُذهبه.
﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ يُنميها؛ في الدنيا: بالبركة، وفي الآخرة: بمضاعفة الثواب.
﴿كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ أي: مَنْ يجمع بين الكفر والإثم بفعل الربا؛ وهذا يدل على أن الآية في الكفَّار.
﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ سبب الآية أنه كان بين قريش وثقيف ربًا في الجاهلية، فلما فتح رسول الله ﷺ مكة قال في خطبته: «كل ربًا كان في الجاهلية موضوع»، ثم إنَّ ثقيفًا أرسلت تطلب الربا الذي كان لهم على قريش، فأبوا من دفعه وقالوا: قد وُضِع الربا، فتحاكموا إلى عتَّاب بن أسيد أمير مكة، فكتب بذلك إلى رسول الله ﷺ فنزلت الآية (^١).
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ شرط لمن خوطب به؛ من ثقيف وغيرهم.
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ أي: إن لم تنتهوا عن الربا حُوربتم.
ومعنى ﴿فَأْذَنُوا﴾: اعلَموا.
وقرئ بالمدّ؛ أي: أعلموا غيركم.
ولما نزلت قالت ثقيف: لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ٥٠).
[ ١ / ٤٩٥ ]
﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ أي: لا تَظْلِمون بأخذِ زيادةٍ على رؤوس أموالكم، ولا تُظْلَمون بالنقص منها.
﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ «كان» تامة؛ بمعنى: حضر، أو وقع.
وقرئ ﴿ذَا عُسْرَةٍ﴾؛ أي: إن كان الغريم ذا عسرة.
﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ حكم الله للمُعْسِر بالإنظار إلى أن يُوسِرَ، وقد كان قبل ذلك يباع فيما عليه.
و﴿نَظِرَةٌ﴾: مصدرٌ؛ معناه: التأخير.
وهو مرفوع على أنه:
خبر ابتداء؛ تقديره: فالواجب نظرةٌ.
أو مبتدأ.
و﴿مَيْسَرَةٍ﴾ أيضًا مصدر.
وقرئ بضم السين، وفتحها.
﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ندب الله إلى الصدقة على المعسر بإسقاط الدَّين عنه، فذلك أفضل من إنظاره.
وباقي الآية وعظٌ.
وقيل: إنَّ آخر آية نزلت آيةُ الرِّبا.
وقيل: بل قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية.
وقيل: آية الدَّين المذكورة بعدُ.
[ ١ / ٤٩٦ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾].
﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ أي: إذا عامل بعضكم بعضًا بدين.
وإنما ذُكر الدين وإن كان مذكورًا في ﴿تَدَايَنْتُمْ﴾؛ ليعود عليه الضمير في ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾، وليزول الاشتراك الذي في ﴿تَدَايَنْتُمْ﴾؛ إذ قد يقال بمعنى: الجزاء.
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ دليلٌ على أنه لا يجوز إلى أجلٍ مجهول.
وأجاز مالك البيع إلى الجداد والحصاد؛ لأنه معروف عند الناس. ومنعه الشافعي وأبو حنيفة.
[ ١ / ٤٩٧ ]
قال ابن عباس: نزلت الآية في السَّلَم خاصة؛ يعني: أن سَلَم أهل المدينة كان سبب نزولها.
قال مالك: وهذا يجمع الدَّين كله؛ يعني: أنه يجوز التأخير في السلم والسلف وغيرهما.
﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ ذهب قومٌ إلى أن كتابة الدين واجبةٌ بهذه الآية.
وقال قوم: إنها منسوخة بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾.
وقال قوم: إنها على الندب.
﴿وَلْيَكْتُب بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ﴾ قال قوم: يجب على الكاتب أن يكتب.
وقال قوم: نُسخ ذلك بقوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.
وقال آخرون: يجب عليه إذا لم يوجد كاتب سواه.
وقال قوم: إنَّ الأمر بذلك على الندب؛ ولذلك جاز أخذ الأجرة على كَتْبِ الوثائق.
﴿بِالْعَدْلِ﴾ يتعلق عند ابن عطية بقوله: ﴿وَلْيَكْتُب﴾ (^١).
وعند الزمخشري بقوله: ﴿كَاتِبٌ﴾ (^٢).
فعلى الأول: تكون الكتابة بالعدل؛ وإن كان الكاتب غيرَ مرْضيّ.
وعلى الثاني: يجب أن يكون الكاتب مَرضيًا في نفسه.
_________________
(١) المحرر الوجيز (٢/ ١١٢).
(٢) الكشاف (٣/ ٥٥٤).
[ ١ / ٤٩٨ ]
قال مالك: لا يكتب الوثائق إلا عارفٌ بها، عدلٌ في نفسه، مأمونٌ.
﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ﴾ نهيٌ عن الإباية، وهو يقوّي الوجوب.
﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ يتعلَّق بقوله: ﴿أَنْ يَكْتُبَ﴾، والكاف:
للتشبيه؛ أي: يكتب مثلَ ما علَّمه الله.
أو للتعليل؛ أي: ينفع الناسَ بالكتابة كما علَّمه الله؛ كقوله: ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧].
وقيل: يتعلَّق بقوله بعدها: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾.
﴿وَلْيُمْلِلِ﴾ يقال: أملَلْتُ الكتاب، وأملَيْتُه؛ فورد هنا على اللغة الواحدة، وفي قوله: ﴿تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ [الفرقان: ٥] على الأخرى.
﴿الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾؛ لأنَّ الشهادة إنما هي باعترافه.
فإنْ كُتِبتْ الوثيقة دون إملاله، ثم أقرَّ بها جاز.
﴿وَلَا يَبْخَسْ﴾ أَمَره الله بالتقوى فيما يُمِلُّ، ونهاه عن البَخْس؛ وهو نقص الحق.
﴿سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ السَّفيه: الذي لا يُحسن النظر في ماله. والضعيف: الصغير وشبهه.
والذي لا يستطيع أن يُمِلَّ: الأخرس وشبهه.
﴿وَلِيُّهُ﴾ أبوه، أو وصيه.
[ ١ / ٤٩٩ ]
والضمير عائد على: ﴿الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾.
﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ شهادةُ الرجلينِ جائزةٌ في كلِّ شيءٍ، إلَّا في الزنا؛ فلا بد من أربعة.
﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ نصٌّ في رفض شهادة الكفار، والصِّبيان، والنساء.
وأما العبيد: فاللفظ يتناولهم؛ ولذلك أجاز ابن حنبل شهادتهم.
ومنعها مالك والشافعي؛ لنقص الرِّقِّ.
﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ قال قومٌ: لا تجوز شهادة المرأتين إلَّا مع عدم الرجال؛ وقالوا: معنى الآية: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا﴾: إن لم يوجَدَا.
وأجازه الجمهور؛ لأن المعنى: إن لم يشهد (^١) رجلان فرجلٌ وامرأتان.
وإنما يجوز -عند مالك- شهادة الرجل والمرأتين في الأموال، لا في غيرها.
وتجوز عنده شهادةُ المرأتين دون رجلٍ فيما لا يطَّلع عليه الرجال، كالولادة، والاستهلال، وعيوب النساء.
وارتفع (^٢) ﴿فَرَجُلٌ﴾:
بفعل مضمر؛ تقديره: فليكن رجلٌ؛ فهو فاعل، أو تقديره: فليُستشهد رجلٌ؛ فهو مفعول لم يُسمَّ فاعله.
أو بالابتداء؛ تقديره: فرجل وامرأتان يشهدون.
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «يستشهد».
(٢) في ج، هـ: «وارتفاع».
[ ١ / ٥٠٠ ]
﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾ صفة للرجل والمرأتين.
وهو مشترط -أيضًا- في الرجلين الشاهدين؛ لأنَّ الرِّضا مشترط في الجميع.
وهو العدالة؛ ومعناها: اجتناب الذنوب الكبائر، وتوقِّي الصغائر، مع المحافظة على المروءة.
﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ مفعول من أجله، والعامل فيه: هو المقدَّر العامل في ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾.
والضَّلال في الشهادة: هو نسيانُها، أو نسيان بعضها.
وإنما جُعِل ضلالُ إحدى المرأتين مفعولًا من أجله، وليس هو المراد؛ لأنه سببٌ لتذكير الأخرى لها، وهو المراد؛ فأُقيم السببُ مقام المسبَّب.
وقرئ: ﴿إِنْ تَضِلَّ﴾ بكسر الهمزة: على الشرط، وجوابه: الفاء في ﴿فَتُذَكِّرُ﴾.
ولذلك رفعه مَنْ كسَر الهمزة، ونصبه من فتحها على العطف.
وقرئ ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ بالتشديد والتخفيف؛ والمعنى واحد.
﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ أي: لا يمتنعوا إذا دعوا إلى أداء الشهادة، وقد ورد تفسيره بذلك عن النبي ﷺ (^١)، واتَّفق العلماء أن أداء الشهادة واجبٌ إذا دعي إليها.
_________________
(١) لم أقف على تخريجه، وقال ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/ ١٢٠): «وأسند النقاش إلى النبي ﷺ أنه فسر الآية بهذا».
[ ١ / ٥٠١ ]
وقيل: إذا دعوا (^١) إلى تحصيل الشهادة وكَتْبِها.
وقيل: إلى الأمرين.
﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾ أي: لا تملُّوا من الكتابة إذا تردَّدتْ وكثرت؛ سواءً كان الحق صغيرًا أو كبيرًا.
ونُصب ﴿صَغِيرًا﴾ على الحال.
﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى الكتابة.
﴿أَقْسَطُ﴾ من القسط؛ وهو العدل.
﴿وَأَقْوَمُ﴾ بمعنى: وأشدُّ إقامةً.
وبُنِي أفعل فيهما من الرباعي؛ وهو قليل.
﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ أي: أقرب إلى عدم الشك في الشهادة.
﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ «أن» في موضع نصب على الاستثناء المنقطع؛ لأن الكلام المتقدِّم في الدين المؤجَّل.
والمعنى: إباحةُ تركِ الكتابة في التجارة الحاضرة؛ وهي ما يباع بالنقد.
وقوله: ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ يقتضي: القبضَ، والبينونة.
﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ذهب قومٌ إلى وجوب الإشهاد على كلِّ بيعٍ، صغيرٍ أو كبيرٍ، وهم الظاهرية، خلافًا للجمهور.
وذهب قوم إلى أنه منسوخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾.
_________________
(١) في ب، ج، د، هـ: «دعي».
[ ١ / ٥٠٢ ]
وذهب قوم إلى أنه على الندب.
﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ يحتمل أن يكون ﴿كَاتِبٌ﴾ فاعلًا؛ على تقدير كسر الراء المدغمة من ﴿يُضَارَّ﴾.
والمعنى على هذا: نهيٌ للكاتب والشهيد (^١) أن يضرَّا صاحب الحقِّ أو الذي عليه الحق بالزيادة فيه، أو النقصان منه، أو الامتناع من الكتابة أو الشهادة.
ويحتمل أن يكون ﴿كَاتِبٌ﴾ مفعولًا لم يسمَّ فاعله؛ على تقدير فتح الراء المدغمة، ويقوِّي ذلك قراءة عمر بن الخطاب ﵁: «لا يُضَارَرْ» بالتفكيك وفتح الراء.
والمعنى: النهي عن الإضرار بالكاتب والشهيد؛ بإذايتهما بالقول أو بالفعل.
﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا﴾ إن وقعتم في الإضرار ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾.
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ إخبارٌ على وجه الامتنان.
وقيل: معناه الوعد بأنَّ من اتقى علَّمه الله وألهمه.
وهذا المعنى صحيح، ولكن لفظ الآية لا يُعطيه؛ لأنه لو كان كذلك لجزم ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ﴾ في جواب ﴿وَاتَّقُوا﴾.
﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية؛ لما أمر الله تعالى بكتابة الديون: جعل الرَّهن توثيقًا للحق، عوضًا من الكتابة حيث تتعذَّر الكتابة في السفر.
_________________
(١) في د: «والشاهد».
[ ١ / ٥٠٣ ]
وقال الظاهرية: لا يجوز الرهن إلَّا في السفر؛ لظاهر الآية.
وأجازه مالك وغيره في الحضَر؛ لأنَّ النبي ﷺ رهن درعَه بالمدينة (^١).
﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ يقتضي بينونة المرتهن بالرهن.
وأجمع العلماء على صحةِ قبضِ المرتهنِ، وقبضِ وكيله.
وأجاز مالك والجمهور وضعه على يد عَدْل.
والقبض للرهن شرط في الصحة عند الشافعي وغيره؛ لقوله تعالى: ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾.
وهو عند مالك شرط كمال.
﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ الآية؛ أي: إن أمن صاحبُ الحق المِدْيَانَ لحسن ظنه به: فليستغْنِ عن الكتابة وعن الرهن.
فأمر أولًا بالكتابة، ثم بالرهن، ثم بالائتمان؛ فللدَّيْن ثلاثة أحوال.
ثم أمر المديان بأداء الأمانة؛ ليكون عند ظن صاحبه به.
﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ محمولٌ على الوجوب.
﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ معناه: قد تعلَّق به الإثمُ اللاحقُ عن المعصية في كتمان الشهادة.
وارتفع ﴿آثِمٌ﴾ بأنه خبر «إنَّ»، و﴿قَلْبُهُ﴾ فاعلٌ به.
ويجوز أن يكون ﴿قَلْبُهُ﴾ مبتدأ، و﴿آثِمٌ﴾ خبره.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٠٦٩).
[ ١ / ٥٠٤ ]
وإنما أسند الإثم إلى القلب وإن كانت جملةُ الكاتم هي الآثمة: لأنَّ الكتمان مِنْ فعل القلب؛ إذ هو يُضمرها، ولئلا يُظَنَّ أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان.
[ ١ / ٥٠٥ ]
[﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾]
﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ الآية؛ مقتضاها: المحاسبة على ما في نفوس العباد من الذنوب؛ سواءٌ أبدَوْه أم أخفَوْه، ثم المعاقبة على ذلك لمن شاء الله أو الغفران لمن شاء الله.
وفي ذلك إشكالٌ؛ لمعارضته لقول رسول الله ﷺ: «إنَّ الله تجاوز لأمتي ما حدَّثَتْ به أنفسها» (^١).
ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة: أنه لما نزلت شقَّ ذلك على الصحابة وقالوا: هلكنا إن حوسبنا بخواطر أنفسنا، فقال لهم النبي ﷺ: «قولوا: سمعنا وأطعنا»، فقالوها، فأنزل الله بعد ذلك: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فكشف عنهم الكربة (^٢)، ونسَخَ بذلك هذه الآية (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧).
(٢) في ج، هـ: «الكرب».
(٣) أخرجه مسلم (١٢٥).
[ ١ / ٥٠٦ ]
وقيل: هي في معنى: كتم الشهادة وإبدائها؛ وذلك محاسبٌ به.
وقيل: يحاسب الله خلقه على ما في نفوسهم، ثم يغفر للمؤمنين ويعذِّب الكافرين والمنافقين.
والصحيح: التأويل الأوَّل؛ لوروده في الصحيح، وقد ورد - أيضًا - عن ابن عباس وغيره.
فإن قيل: إنَّ الآية خبرٌ، والأخبار لا يدخلها النسخ؟
فالجواب: أنَّ النسخ إنما وقع في المؤاخذة والمحاسبة؛ وذلك حكمٌ يصحُّ دخول النسخ فيه.
فلفظ الآية: خبر، ومعناها: حكم (^١).
﴿فَيَغْفِرُ﴾ و﴿يُعَذِّبُ﴾ قرئ:
بجزمهما: عطفًا على ﴿يُحَاسِبْكُمْ﴾.
وبرفعهما: على تقدير: فهو يغفرُ.
﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ الآية؛ سببها: ما تقدَّم في حديث أبي هريرة؛ لما قالوا: سمعنا وأطعنا: مدَحهم الله بهذه الآية، وقدَّم ذلك قبل كشف ما شقَّ عليهم.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطفٌ على ﴿الرَّسُولُ﴾، أو مبتدأ:
فعلى الأول: يُوقَف ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
وعلى الثاني: يوقف ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾.
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (٢/ ١٣٣).
[ ١ / ٥٠٧ ]
والأول أحسن.
﴿كُلٌّ آمَنَ﴾ إن كان ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ معطوفًا: فـ ﴿كُلٌّ﴾ عمومٌ في الرسول والمؤمنين.
وإن كان مبتدأً: فـ ﴿كُلٌّ﴾ عموم في المؤمنين.
ووحَّد الضمير في ﴿آمَنَ﴾ على معنى: كلُّ واحدٍ منهم آمن.
﴿وَكُتُبِهِ﴾ قرئ بالجمع؛ أي كل كتاب أنزله الله.
وقرئ بالتوحيد؛ يريد: القرآن، أو الجنس.
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ التقدير: يقولون: لا نفرّق.
والمعنى: لا نفرّق بين أحدٍ من الرسل وبين غيره في الإيمان، بل نؤمن بجميعهم، ولسنا كاليهود والنصارى الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.
﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ حكايةُ قولِ المؤمنين؛ على وجه المدح لهم.
﴿غُفْرَانَكَ﴾ مصدرٌ، والعامل فيه مضمر. ونصبهُ:
على المصدرية؛ تقديره: اغفر غفرانك.
وقيل: على المفعولية؛ تقديره: نطلب غفرانك.
﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ إقرارٌ بالبعث، مع تذلُّلٍ وانقياد. وهنا تمَّت حكاية كلام المؤمنين.
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إخبارٌ من الله تعالى برفع تكليف ما لا يطاق.
[ ١ / ٥٠٨ ]
وهو جائزٌ عقلًا عند الأشعريَّةِ، ومحالٌ عقلًا عند المعتزلةِ.
واتَّفقوا على أنه لم يقعْ في الشريعةِ.
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أي: من الحسنات.
﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أي: من السيئات.
وجاءت العبارة بـ ﴿لَهَا﴾ في الحسنات؛ لأنها مما ينتفع العبدُ به، وجاءت في السيئات بـ ﴿عَلَيْهَا﴾؛ لأنها مما يَضرُّ بالعبد.
وإنما قال في الحسنات ﴿كَسَبَتْ﴾ وفي الشرِّ (^١) ﴿اكْتَسَبَتْ﴾:
لأنَّ في الاكتساب ضربًا من الاعتمال والمعالجة، حسّبما تقتضيه صيغة: «افتعل»؛ فالسيئات فاعلُها يتكلَّف مخالفة أمر الله، ويتعدَّاه، بخلاف الحسنات؛ فإنه فيها على الجادَّةِ من غير تكلُّفٍ.
أو لأنَّ السيئات يجدُّ في فعلها؛ لميل النفس إليها، فجعلت لذلك مُكتَسبَة، ولما لم يكن الإنسان في الحسنات كذلك: وُصفت بما لا دلالةَ فيه على الاعتمال.
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ أي: قولوا ذلك في دعائكم (^٢).
ويحتمل أن يكون من بقيَّةِ حكاية قولهم؛ كما حكى عنهم قولَهم: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾.
_________________
(١) في ب: «السيئات».
(٢) في د: «أي: قالوا ذلك في دعائهم».
[ ١ / ٥٠٩ ]
والنِّسيانُ هنا: هو الذُّهُولُ الغالبُ على الإنسانِ.
والخطأُ: غير العمدِ؛ فذلك معنى قوله ﷺ: «رُفِع عن أمَّتي الخطأُ والنسيانُ» (^١).
وقد كان يجوز أن يُؤاخَذَ به لولا أنَّ الله رفَعه.
﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ التكاليفُ الصعبة؛ كانت قد كُلِّفَتْ لمن تقدَّم من الأمم؛ كقتل أنفسهم، وقَرْض أبدانهم، ورُفِعت عن هذه الأمة؛ قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وقيل: الإصرُ: المسخُ قردةً وخنازيرَ.
﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ هذا الدعاء دليلٌ على جواز تكليف ما لا يطاق؛ لأنه لا يدعى برفع ما لا يجوز أن يقع، ثم إنَّ الشرع دفع وقوعه.
وتحقيقُ ذلك: أنَّ ما لا يطاق أربعةُ أنواع:
الأول: عقليٌّ محض؛ كتكليف الإيمان لمن علم الله أنه لا يؤمن:
فهذا جائزٌ، وواقعٌ باتِّفاق.
والثاني: عاديٌّ؛ كالطَّيران في الهواء.
والثالث: عقليٌّ وعادي؛ كالجمع بين الضِّدَّين.
فهذان وقع الخلاف في جواز التكليف بهما، والاتفاق على عدم وقوعه.
والرابع: تكليف ما يَشقُّ ويَصعُبُ:
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٣).
[ ١ / ٥١٠ ]
فهذا جائز اتفاقًا، وقد كلَّفه الله من تقدَّم من الأمم (ورفعه عن هذه الأمة) (^١).
﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ ألفاظٌ متقاربةُ المعنى، وبينَها من الفرق:
أنَّ العفو: تركُ المؤاخذة بالذنب.
والمغفرة: تقتضي -مع ذلك- السَّتْرَ.
والرحمة: تجمع ذلك، مع التفضُّل بالإِنعام.
﴿مَوْلَانَا﴾ وليُّنا وسيّدُنا.
_________________
(١) سقط من ب، ج، هـ.
[ ١ / ٥١١ ]