[﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤) يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾].
﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ تكلَّمنا على التقوى في أول «البقرة» (^١).
_________________
(١) انظر (١/ ٢٦٥).
[ ٣ / ١٧٥ ]
﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ أَي: شِدَّتَها وهَوْلها (^١)، كقوله: ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤]، أو تحريك الأرض حينئذ، كقوله: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١].
والجملة تعليلٌ للأمر بالتقوى.
واختُلف هل الزلزلة والشدائد المذكورة بعد ذلك:
في الدنيا بين يدي القيامة؟
أو بعد أن تقوم القيامة؟.
والأرجح: أن ذلك قبل القيامة؛ لأن في ذلك الوقت يكون ذهول المرضعة ووضع الحامل، لا بعد القيامة.
﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ العامل في الظرف ﴿تَذْهَلُ﴾.
والضمير للزلزلة.
وقيل: للساعة، وذلك ضعيف؛ لما ذكرنا، إلَّا أن يريد ابتداء أمرها.
﴿تَذْهَلُ﴾ الذهول: هو الذهاب عن الشيء مع دهشة.
﴿مُرْضِعَةٍ﴾ إنما لم يقل «مرضع»؛ لأن المرضعة هي التي في حال الإرضاع مُلْقِمةٌ ثديها للصبي، والمرضع: التي شأنها أن تُرضع، وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقال: ﴿مُرْضِعَةٍ﴾؛ ليكون ذلك أعظم في الذهول؛ إذ تنزع ثديها من فم الصبي حينئذ.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «وهو هولها».
[ ٣ / ١٧٦ ]
﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ تشبيهٌ بالسُّكارى؛ لشدَّةِ الغمِّ.
﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ نفيٌ لحقيقة السُّكر.
وقرئ ﴿سَكْرَى﴾، والمعنى متَّفقٌ (^١).
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ نزلت في النضر بن الحارث، وقيل: في أبي جهل.
وهي تتناول كلَّ مَنْ اتصف بذلك.
﴿شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ أي: شديد الإغواء، ويحتمل أن يريد: شيطان الجن، أو الإنس.
﴿كُتِبَ﴾ تمثيلٌ لثبوت الأمر، كأنه مكتوب.
ويحتمل أن يكون بمعنى: قُضي، كقوله: كَتَب الله.
﴿أَنَّهُ﴾ في موضع المفعول الذي لم يسَمَّ فاعله، و﴿فَأَنَّهُ﴾ عطفٌ عليه، وقيل: تأكيد.
﴿مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ أي: تبعه، أو اتخذه وليًّا.
والضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾، وفي ﴿أَنَّهُ﴾ في الموضعين، وفي ﴿تَوَلَّاهُ﴾: للشيطان.
وفي ﴿يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ﴾: للمتولِّي له.
ويحتمل أن تكون تلك الضمائر أوَّلًا لـ ﴿مَنْ يُجَادِلُ﴾.
_________________
(١) في ج زيادة «عليه».
[ ٣ / ١٧٧ ]
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ الآية؛ معناها: إن شككتم في البعث الأخراوي فزوال ذلك الشك أن تنظروا في ابتداء خلقتكم؛ فتعلموا أن الذي قدّر على خلقتكم أول مرة، قادرٌ على أن يعيدكم ثاني مرة، وأن الذي قدّر على إخراج النبات من الأرض بعد موتها، قادر على أن يخرجكم من قبوركم.
﴿خَلَقْنَاكُم مِنْ تُرَابٍ﴾ إشارةٌ إلى خلق آدم، وأسند ذلك إلى الناس؛ لأنهم من ذريته، وهو أصلهم.
﴿مِنْ عَلَقَةٍ﴾ العلقة: قطعةٌ من دمٍ جامدةٍ.
﴿مِنْ مُضْغَةٍ﴾ أي: قطعة من لحم.
﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ التامة الخلقة، وغير المخلقة: غير التامة، كالسِّقْط.
وقيل: المخلَّقة: المسوَّاة السالمة من النقصان.
﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ اللام تتعلَّق بمحذوف تقديره: ذكرنا ذلك لنبيّن لكم قدرتنا على البعث.
﴿وَنُقِرُّ﴾ فعلٌ مستأنف.
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يعني: وقت وضع الحمل، وهو مختلفٌ، أقلُّه ستة أشهر إلى ما فوق ذلك.
﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أفرده: لأنه أراد الجنس، أو أراد: نخرج كل واحد منكم طفلًا.
[ ٣ / ١٧٨ ]
﴿لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ هو كمال القوّة والعقل والتمييز، وقد اختُلف فيه من ثمان عشرة سنة إلى خمس وأربعين.
﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ ذُكر في «النحل» (^١).
﴿هَامِدَةً﴾ يعني: لا نبات فيها.
﴿اهْتَزَّتْ﴾ تحرّكت بالنبات، وتخلخلت أجزاؤها لمّا دخلها الماء.
﴿وَرَبَتْ﴾ انتفخت.
﴿زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أي: صنف عجيب.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: ذلك المذكور، مِنْ أمر الإنسان والنبات، حاصلٌ بأن (^٢) الله هو الحق. هكذا قدّره الزمخشري (^٣)، والباء على هذا سببية، وبهذا المعنى أيضًا فسَّرها ابن عطية (^٤).
ويلزم على هذا أن لا يكون قوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ معطوفًا على ذلك؛ لأنه ليس بسبب لما ذُكر؛ فقال ابن عطية: قوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ﴾ ليس بسبب لما ذكر؛ ولكن المعنى: أن الأمر مرتبط بعضه ببعض، أو على تقدير: والأمر أن الساعة (^٥).
_________________
(١) انظر (٢/ ٧٦٢).
(٢) في هـ: «لأن».
(٣) الكشاف (١٠/ ٤٤٥).
(٤) المحرر الوجيز (٦/ ٢١٨).
(٥) المحرر الوجيز (٦/ ٢١٨).
[ ٣ / ١٧٩ ]
وهذان الجوابان اللذان ذكر ابن عطية ضعيفان.
أما قوله: «إن الأمر مرتبط بعضه ببعض»، فالارتباط هنا إنما يكون بالعطف، والعطف لا يصح.
وأما قوله: «على تقدير: الأمر: أن الساعة»؛ فذلك استئناف، وقطعٌ للكلام الأول، ولا شكَّ أن المقصود من الكلام الأول هو إثبات الساعة؛ فكيف يجعل ذكرها مقطوعًا مما قبله؟!.
والذي يظهر لي: أن الباء ليست بسببية، وإنما يُقدَّر لها فعلٌ تتعلق به ويقتضيه المعنى، وذلك أن يكون التقدير: ذلك الذي تقدَّم من خِلْقة الإنسان والنبات شاهدٌ (^١) بأن الله هو الحق، وبأنه يحيي (^٢) الموتى، وبأن الساعة آتية، فيصح عطف: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ﴾ على ما قبله بهذا التقدير، وتكون هذه الأشياء المذكورة بعد قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ مما استدلَّ عليها بخلقة الإنسان والنبات.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ نزلت فيمن نزلت الأولى، وقيل: في الأخنس بن شَرِيق.
﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ كنايةٌ عن المتكبّر المعرض.
﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ إن كانت في النضر بن الحارث: فالخزي: أسره ثم قلته، وكذلك قتل أبي جهل.
_________________
(١) في د: «تشهد».
(٢) في ج: «محيي».
[ ٣ / ١٨٠ ]
﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ أي: يقال له: ذلك بما فعلتَ، وبعدل الله؛ لأنه لا يظلم العباد.
* * *
[ ٣ / ١٨١ ]
[﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤) مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨) هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾]
﴿مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ نزلت في قوم من الأعراب، كان أحدهم إذا أسلم فاتَّفق له ما يعجبه في ماله وولده قال: هذا دينٌ حسن، وإن اتَّفق له خلاف ذلك تشاءم به، وارتدَّ عن الإسلام.
فالحرف هنا: كنايةٌ عن المقصد، وأصله:
من الانحراف عن الشيء.
[ ٣ / ١٨٢ ]
أو من الحرف بمعنى الطرَف؛ أي: أنه في طرفٍ من الدين لا في وسطه.
﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ خسارة الدنيا: بما جرى عليه فيها، وخسارة الآخرة: بارتداده، وسوء اعتقاده.
﴿مَا لَا يَضُرُّهُ﴾ يعني: الأصنام، و﴿يَدْعُو﴾ بمعنى: يعبد (في الموضعين) (^١).
﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ فيها إشكالان:
الأول: في المعنى، وهو كونه وصَف الأصنام بأنها لا تضر ولا تنفع، ثم وصفها بأنَّ ضرَّها أكثر من نفعها، فنفى الضرَّ ثم أثبته!.
والجواب: أن الضر المنفي أولًا يراد به ما يكون مِنْ فِعْلها، وهي لا تفعل شيئًا، والضر الثاني يراد به: ما يكون بسببها من العذاب وغيره.
والإشكال الثاني: دخول اللام على «مَنْ»، وهي في الظاهر مفعول، واللام لا تدخل على المفعول!.
وأجاب الناس عن ذلك بثلاثة أوجه:
أحدها: أن اللام مقدَّمة على موضعها، كأنَّ الأصل أن يقال: يدعو مَنْ لضرُّه أقرب من نفعه، فموضعها الدخول على المبتدإ.
وثانيها: أنَّ ﴿يَدْعُو﴾ هنا كُرِّر تأكيدًا لـ ﴿يَدْعُو﴾ الأول، وتمَّ الكلام عنده، ثم ابتدأ قوله: ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ﴾، فـ «من» مبتدأ، وخبره ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾.
_________________
(١) لم ترد في ج، د، هـ.
[ ٣ / ١٨٣ ]
وثالثها: أن معنى ﴿يَدْعُو﴾: يقول يوم القيامة هذا الكلام إذا رأى مضرةً الأصنام، فدخلت اللام على مبتدإ في أول الكلام.
﴿الْمَوْلَى﴾ هنا: بمعنى الولي.
﴿الْعَشِيرُ﴾ الصاحب؛ فهو من العِشْرة (^١).
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية؛ لما ذكر أن الأصنام لا تنفع من عبدها؛ قابل ذلك بأن الله ينفع من عبده بأعظم النفع، وهو دخول الجنة.
﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ السبب هنا: الحبل، والسماء هنا: سقف البيت وشبهه من الأشياء التي تُعلَّق (^٢) منها الحبال.
والقطع هنا يراد به: الاختناق بالحبل، يقال: قطع الرجلُ: إذا اختنق. ويحتمل أن يراد به: قطعُ الرَّجل من الأرض بعد ربط الحبل في العنق، وربطه في السقف.
والمراد بالاختناق هنا: ما يفعله من اشتدَّ غيظه وحسرته، أو طمع فيما لا يصل إليه، كقولك للحسود: مُتْ كمدًا، أو اختنق؛ فإنك لا تقدر على غير ذلك.
وفي معنى الآية قولان:
الأول: أن الضمير في ﴿يَنْصُرَهُ﴾ لمحمد ﷺ، والمعنى على هذا: من كان من الكفار يظنُّ أن لن ينصر الله محمدًا فليختنق بحبل؛ فإن الله
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «العشيرة»!.
(٢) في ج، د، هـ: «يعلق».
[ ٣ / ١٨٤ ]
ناصره ولا بدَّ؛ على غيظ الكفار.
فموجب الاختناق: هو الغيظ من نصرة محمد ﷺ.
والقول الثاني: أن الضمير في ﴿يَنْصُرَهُ﴾ عائدٌ على ﴿مَنْ﴾، والمعنى على هذا: مَنْ ظنَّ بسبب ضيق صدره وكثرة غمّه أن لن ينصره الله فليختنق، وليمت بغيظه؛ فإنه لا يقدر على غير ذلك.
فموجب الاختناق على هذا: القنوط، والتسخط من القضاء، وسوء الظنّ بالله حتى يئس (^١) من نصره، ولذلك فسّر بعضهم ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ بمعنى: أن لن يرزقه.
وهذا القول أرجح من الأول لوجهين:
أحدهما: أن هذا القول مناسبٌ لمن يعبد الله على حرف؛ لأنه إذا أصابته فتنة انقلب وقنط، حتى ظنَّ أن الله لا ينصره (^٢)، فيكون هذا الكلام متصلًا بما قبله، ويدلُّ عليه (^٣) قوله قبل هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ أي: الأمور بيد الله؛ فلا ينبغي لأحد أن يتسخط من قضاء الله، ولا ينقلب إذا أصابته فتنة.
والوجه الثاني: أن الضمير في ﴿يَنْصُرَهُ﴾ على هذا القول يعود على ما تقدَّم (^٤)، وأما في القول الأول فلا يعود على مذكورٍ قبله؛ لأن النبي ﷺ لم
_________________
(١) في ج: «بيأس».
(٢) في أ، ب: «أن لن ينصره».
(٣) في د: «على ذلك».
(٤) في ج، هـ: «تقدمه».
[ ٣ / ١٨٥ ]
يُذكر قبل ذلك بحيث يعود الضمير عليه، ولا يدلُّ سياق الكلام عليه دلالةً ظاهرة.
﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ الكيد هنا يراد به: اختناقه، وسُمِّيَ كيدًا؛ لأنه وضعه موضع الكيد؛ إذ هو غاية حيلته.
والمعنى: إذا خنق نفسه فلينظر هل يُذهب ذلك ما يغيظه من الأمر؟، أي: ليس يُذهبه.
﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ﴾ الضمير للقرآن؛ أي: مثل هذا أنزلنا القرآن كلَّه آياتٍ بيّناتٍ.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ قال ابن عطية: «أنَّ» في موضع خبر الابتداء، والتقدير: الأمر أن الله (^١)، وهذا ضعيف؛ لأن فيه تكلُّفَ إضمار، وقطعًا للكلام عن المعنى الذي قبله.
وقال الزمخشري: التقدير: لأنَّ الله يهدي من يريد أنزلناه كذلك آيات بينات (^٢)، فجعَل «أنَّ» تعليلًا للإنزال، وهذا ضعيف؛ للفصل بينهما بالواو.
والصحيح عندي: أن قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ معطوف على ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾؛ لأنه مقدر بالمصدر، فالتقدير: أنزلناه آياتٍ بينات وهدىً لمن أراد الله أن يهديه.
﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ ذُكر في «البقرة» (^٣)، وكذلك ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾.
_________________
(١) المحرر الوجيز (٦/ ٢٢٤).
(٢) الكشاف (١٠/ ٤٥٦).
(٣) انظر (١/ ٣٢٢)، والمادة (٣٧٦) في اللغات.
[ ٣ / ١٨٦ ]
﴿وَالْمَجُوسَ﴾ هم الذين يعبدون النار، ويقولون: إن الخير من النور والشرَّ من الظلمة.
﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ هم الذين يعبدون الأصنام من العرب وغيرهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ هذه الجملة هي خبر ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية، وكُرِّرت ﴿إِنَّ﴾ مع الخبر للتأكيد.
وفَصْلُ الله بينهم: بأن يبين لهم أنَّ الإيمان هو الحق، وسائر الأديان باطلة، وبأن يدخل الذين آمنوا الجنة ويدخل غيرهم النار.
﴿يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ دخل في هذا: مَنْ في السموات من الملائكة، ومَن في الأرض من الملائكة والجنِّ، ولم يدخل الناس في ذلك؛ لأنه ذكرهم في آخر الآية، إلَّا أن يكون ذكرهم في آخرها على وجه التجريد.
وليس المراد بالسجود هنا السجود المعروف؛ لأنه لا يصح في حق الشمس والقمر وما ذكر بعدهما، وإنما المراد به: الانقياد، ثم إن الانقياد يكون على وجهين:
أحدهما: الانقياد لطاعة الله طوعًا.
والآخر: الانقياد لما يُجري الله على المخلوقات من أفعاله وتدبيره، شاؤوا أو أبوا.
﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ إن جعلنا السجود بمعنى الانقياد للطاعة؛ فيكون ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ معطوفًا على ما قبله من الأشياء التي تسجد، ويكون
[ ٣ / ١٨٧ ]
قوله: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ مستأنفًا يراد به من لا ينقاد للطاعة، ويُوقَف على قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾، وهذا القول هو الصحيح.
وإنْ جعلنا السجود بمعنى الانقياد لقضاء الله وتدبيره؛ فلا يصح تفصيل الناس على ذلك إلى من يسجد ومن لا يسجد؛ لأن جميعهم يسجد بذلك المعنى.
فقيل (^١): إن قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ معطوف على ما قبله، ثم عطف عليه ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾، فالجميع على هذا يسجد، وهذا ضعيف؛ لأن قوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ يقتضي ظاهره: أنه إنما حق عليه العذاب بتركه للسجود.
وتأوله الزمخشري على هذا المعنى: بأن أعرب ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ فاعلًا بفعل مضمر تقديره: يسجد سجود طاعة، أو مرفوعًا بالابتداء، وخبره محذوف تقديره: مثاب (^٢). وهذا تكلُّف بعيد.
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ الإشارة إلى المؤمنين والكفار على العموم، ويدلُّ على ذلك: ما ذكر قبلها من اختلاف الناس في أديانهم، وهو قول ابن عباس (^٣).
_________________
(١) في ج، د: «وقيل».
(٢) الكشاف (١٠/ ٤٥٩).
(٣) في نسبة هذا القول إلى ابن عباس نظر!، فابن عباس يقول بأنها في المؤمنين وأهل الكتاب، لا عموم الكفار، وأما القول بأنها في المؤمنين والكفار على العموم، فهو قول مجاهد وعطاء والحسن البصري وعاصم والكلبي. انظر: تفسير الطبري (١٦/ ٤٩١)، والمحرر الوجيز (٦/ ٢٢٨).
[ ٣ / ١٨٨ ]
وقيل: نزلت في علي بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث، حين برزوا يوم بدر لعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، فالآية على هذا مدنية إلى تمام ست آيات.
والخَصْم يقع على الواحد والاثنين والجماعة، والمراد به هنا: جماعة. والإشارة بـ ﴿هَذَانِ﴾ إلى الفريقين.
﴿اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ أي: في دينه وفي صفاته، والضمير في ﴿اخْتَصَمُوا﴾ لجماعة الفريقين.
﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية؛ حكم بين الفريقين، بأن جعل للكفار النار، وللمؤمنين الجنة المذكورة بعد هذا.
﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ﴾ أي: فصِّلت على قدر أجسادهم، وهو مستعار من تفصيل الثياب.
﴿الْحَمِيمُ﴾ الماء الحارُّ.
﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ أي: يُذاب، وذلك أن الحميم إذا صُبَّ على رؤوسهم وصل حرُّه إلى بطونهم، فأذاب ما فيها.
وقيل: معنى ﴿يُصْهَرُ﴾: يُنضج.
﴿مَقَامِعُ﴾ جمع مِقْمَعة؛ أي: مِقْرَعة مِنْ حديد يُضربون بها.
وقيل: هي السياط.
﴿مِنْ غَمٍّ﴾ بدلٌ من المجرور قبله.
﴿وَذُوقُوا﴾ التقدير: يقال لهم: ذوقوا.
[ ٣ / ١٨٩ ]
[﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾].
﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ ﴿مِنْ﴾ لبيان الجنس، أو التبعيض.
وفسرنا الأساور في «الكهف» (^١).
﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ بالنصب:
مفعول بفعل مضمر؛ أي: يُعطون لؤلؤًا.
أو معطوف على موضع ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾؛ إذ هو مفعول.
وبالخفض: معطوف:
على ﴿أَسَاوِرَ﴾.
أو على ﴿ذَهَبٍ﴾.
﴿الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ قيل: هو «لا إله إلا الله».
واللفظ أعم من ذلك.
﴿صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ أي: صراط الله، فالحميد اسم الله.
ويحتمل أن يريد: الصراط الحميد، وأضاف الصفة إلى الموصوف
_________________
(١) انظر صفحة ٢٦.
[ ٣ / ١٩٠ ]
كقولك: مسجد الجامع.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ خبره محذوف، يدلُّ عليه قوله: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
وقيل: الخبر ﴿يَصُدُّونَ﴾ على زيادة الواو، وهذا ضعيف.
وإنما قال: ﴿يَصُدُّونَ﴾ بلفظ المضارع؛ ليدلَّ على الاستمرار على الفعل.
﴿سَوَاءً﴾ بالرفع: مبتدأ، أو خبر مقدم، والجملة في موضع المفعول الثاني لـ «جعلنا».
وقرئ بالنصب؛ على أنه المفعول الثاني، و﴿الْعَاكِفُ﴾ فاعل به.
﴿الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ العاكف: المقيم في البلد، والبادي: القادم عليه من غيره، والمعنى: أن الناس سواء في المسجد الحرام، لا يختصُّ به أحد دون أحد (^١)، وذلك إجماع.
وقال أبو حنيفة: حكم سائر مكة في ذلك كالمسجد الحرام، فيجوز للقادم أن ينزل منها حيث شاء، وليس لأحد فيها ملك، والمراد عنده بالمسجد الحرام: جميع مكة.
وقال مالك وغيره: ليست الدور في ذلك كالمسجد، بل هي متملَّكة.
﴿بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ الإلحاد: الميل عن الصواب.
_________________
(١) في ج، هـ: «دون آخر».
[ ٣ / ١٩١ ]
والظلم هنا: عام في المعاصي من الكفر إلى الصغائر؛ لأن الذنوب بمكة أشدُّ منها في غيرها.
وقيل: هو استحلال الحرام (^١).
ومفعول ﴿يُرِدْ﴾ محذوف، تقديره: مَنْ يُرِدِ أحدًا، أو مَنْ يرد شيئًا، و﴿بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾: حالان مترادفان.
وقيل: المفعول قوله: ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ على زيادة الباء.
* * *
_________________
(١) في ب، ج: «الحرم».
[ ٣ / ١٩٢ ]
[﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾].
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ العامل في «إذ» مضمر، تقديره: اذكر.
و﴿بَوَّأْنَا﴾ أصله: باء بمعنى رجع، ثم ضوعف ليتعدَّى، واستعمل بمعنى: أنزلنا في الموضع، كقوله: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٢١].
إلَّا أن هذا المعنى يشكل هنا؛ لقوله: ﴿لِإِبْرَاهِيمَ﴾؛ فتعدَّى الفعل باللام وهو يتعدَّى بنفسه، حتى قيل: اللام زائدة، وقيل: معناه: هيأنا، وقيل: جعلنا.
و﴿الْبَيْتَ﴾ هنا: الكعبة، وروي أنه كان آدم يعبد الله فيه، ثم دَرَسَ بالطوفان، فدلَّ الله إبراهيم ﵇ على مكانه، وأمره ببنيانه.
﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ﴾ ﴿أَنْ﴾: مفسِّرة، والخطاب لإبراهيم ﵇، وإنما
[ ٣ / ١٩٣ ]
فُسِّرت تبوئة البيت بالنهي عن الإشراك والأمرِ بالتطهير؛ لأن التبوئة إنما قُصِدت لأجل العبادة التي تقتضي ذلك.
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ عامٌّ في التطهير من الكفر والمعاصي والأنجاس وغير ذلك.
﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ يعني: المصلين.
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ خطاب لإبراهيم.
وقيل: لمحمد ﷺ.
والأول هو الصحيح.
روي (^١) أنه لما أُمِر بالأذان بالحج صَعِدَ على جبل أبي قُبيس، ونادى: أيها الناس!، إن الله قد أمركم بحج هذا البيت فحُجُّوا، فسمعه كل من يحج إلى يوم القيامة، وهم في أصلاب آبائهم، وأجابه في ذلك الوقت كل شيء من جماد وغيره: «لبيك اللهم لبيك»، فجرَت التلبية على ذلك.
﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ جمع راجل؛ أي: ماشيًا على رجليه.
﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ الضامر يراد به: ما يُركَب من فرس وناقة وغير ذلك، ووصفه بالضُّمور؛ لأنه لا يصل إلى البيت إلَّا بعد ضموره.
وقوله: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ حال معطوف على حال؛ كأنه قال: رجالًا وركبانًا.
_________________
(١) في ب، د: «وروي».
[ ٣ / ١٩٤ ]
واستدلَّ بعضهم بتقديم الرِّجال في الآية على أن المشي (^١) إلى الحج أفضل من الركوب (^٢).
واستدلَّ بعضهم بسقوط ذكر البحر من هذه الآية على أنه يسقط فرض الحج على من يحتاج إلى ركوب البحر.
﴿يَأْتِينَ﴾ صفة لـ ﴿كُلِّ ضَامِرٍ﴾؛ لأنه في معنى الجمع.
﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ أي: طريق بعيد.
﴿مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ التجارة.
وقيل: أعمال الحج وثوابه.
واللفظ أعم من ذلك.
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ يعني: التسمية عند ذبح البهائم ونحرها في الضحايا والهدايا (^٣).
وقيل: يعني الذِّكرَ على الإطلاق.
وإنما قال: ﴿اسْمَ اللَّهِ﴾؛ لأن الذاكر باللسان إنما يذكر لفظ الأسماء.
﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ هي عند مالك: يوم النحر وثانيه وثالثه خاصةً؛ لأن هذه هي أيام الضحايا عنده، ولم يُجَزْ ذبحها بالليل؛ لقوله: ﴿فِي أَيَّامٍ﴾.
_________________
(١) في أ، ب: «الماشي».
(٢) في أ: «الركوب».
(٣) في أ: «والهدي».
[ ٣ / ١٩٥ ]
وقيل: الأيام المعلومات: عشر ذي الحجة، ويوم النحر، والثلاثة (^١) بعده.
وقيل: عشر ذي الحجة خاصةً.
وأما الأيام المعدودات؛ فهي الثلاثة بعد يوم النحر.
فيوم النحر من المعلومات، لا من المعدودات.
واليومان بعده من المعلومات والمعدودات.
ورابع النحر من المعدودات، لا من المعلومات.
﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ندب، أو إباحة.
ويستحب أن يأكل الأقل من الضحايا، ويتصدق بالأكثر.
﴿الْبَائِسَ﴾ الذي أصابه البؤس.
وقيل: هو المتكفف.
وقيل: الذي يظهر عليه أثر الجوع.
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ التَّفَثُ في اللغة: الوسخ، فالمعنى: ليقضوا إزالة تفثهم بقصِّ الأظفار، والاستحداد، وسائرِ خصال الفطرة، والتنظف بعد أن يَحِلُّوا من الحج.
وقيل: التفث: أعمال الحج.
_________________
(١) في أ: «والثالثة»، وفي ب: «وثالثة».
[ ٣ / ١٩٦ ]
وقرئ بكسر اللام وإسكانها، وهي لام الأمر، وكذلك ﴿وَلْيُوفُوا﴾ ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾.
﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ المراد هنا: طواف الإفاضة عند جميع المفسرين، وهو الطواف الواجب.
﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ أي: القديم؛ لأنه أول بيت وضع للناس.
وقيل: العتيق: الكريم، كقولهم: فرس عتيق.
وقيل: أُعتق من الجبابرة؛ أي: مُنع منهم.
وقيل: العتيق: أي: لم يملكه أحد (^١) قط.
﴿ذَلِكَ﴾ هنا، وفي الموضع الثاني: مَرْفُوعٌ على تقدير: الأمر ذلك، كما يقدم الكاتب جملةً من كتابه، ثم يقول: «هذا؛ وقد كان كذا».
وأجاز بعضهم الوقف على قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ في ثلاثة مواضع من هذه السورة، وهي:
[١ -] هذا.
[٢ -] و﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (^٢).
لأنها جملة مستقلة؛ إذ هو خبر ابتداء مضمر.
_________________
(١) في ج زيادة: «منهم».
(٢) في جميع النسخ ما عدا هـ زيادة: «و(ذلك ومن يشرك بالله») باعتبارها الموضع الثالث!، وهذا وهم؛ فليست هناك آية بهذا النظم لا في سورة الحج ولا في غيرها، فلعل مراده أن الموضع الثالث هو الموضع الآتي، وهو ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ﴾.
[ ٣ / ١٩٧ ]
والأحسن: وصلُها بما بعدها عند شيخنا أبي جعفر ابن الزبير؛ لأن ما بعدها ليس كلامًا أجنبيًّا.
ومثلها:
[٣ -] ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ﴾ [الحج: ٦٠].
و﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾ [الأنفال: ١٤] في «الأنفال».
و﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ [ص: ٥٥] في «ص».
﴿حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ جمع حُرْمَة، وهو ما لا يحلُّ هَتْكه من جميع الشريعة، فيحتمل أن يكون هنا:
على العموم.
أو يكون خاصًّا بما يتعلق بالحج؛ لأن الآية فيه.
﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ أي: التعظيم للحرمات خير.
﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يعني: ما حرَّمه في غير هذا الموضع، كالميتة.
﴿الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ ﴿مِنَ﴾ لبيان الجنس؛ كأنه قال: الرجس الذي هو الأوثان.
والمراد: النهي عن عبادتها، أو عن الذبح تقرُّبًا إليها، كما كانت العرب تفعل.
﴿قَوْلَ الزُّورِ﴾ أي: الكذب.
وقيل: شهادة الزور.
[ ٣ / ١٩٨ ]
﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية؛ تمثيلٌ للمشرك بمن أهلك نفسه أشدَّ الهلاك.
﴿سَحِيقٍ﴾ أي: بعيد.
﴿شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قيل: هي الهدايا في الحج، وتعظيمُها: بأن تُختار سمانًا عظامًا غالية الأثمان.
وقيل: مواضع الحج، كعرفة ومنى والمزدلفة، وتعظيمُها: إجلالها وتوقيرها والقصد إليها.
وقيل: الشعائر: أمور الدين على الإطلاق، وتعظيمُها: القيام بها وإجلالها.
﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ الضمير عائد على الفِعْلة التي يتضمنها الكلام، وهي مصدر ﴿يُعَظِّمْ﴾.
وقال الزمخشري: التقدير: فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات (^١).
﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ من قال: إن شعائر الله هي الهدايا: فالمنافع بها: شرب لبنها، وركوبها لمن اضطر إليها، والأجل المسمى: نحرها.
ومن قال: إن شعائر الله مواضع الحج، فالمنافع: التجارة فيها، أو الأجر، والأجل المسمى: الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة.
_________________
(١) الكشاف (١٠/ ٤٨٣).
[ ٣ / ١٩٩ ]
﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ من قال: إن الشعائر الهدايا فمحلُّها: موضع نحرها، وهو (^١) منى ومكة، وخصَّ البيت بالذكر؛ لأنه أشرف الحرم، وهو المقصود بالهدي.
و﴿ثُمَّ﴾ على هذا القول ليست للترتيب في الزمان؛ لأن محلَّها قبل نحرها، وإنما هي لترتيب الجُمَل.
ومن قال: إن الشعائر مواضع الحج، فمحلُّها: مأخوذٌ من إحلال المحرم؛ أي: آخر ذلك كلِّه الطواف بالبيت، يعني: طواف الإفاضة؛ إذ به يَحلُّ المحرم من إحرامه.
ومن قال: إن الشعائر أمور الدين على الإطلاق؛ فذلك لا يستقيم مع قوله: ﴿مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ﴾.
* * *
_________________
(١) في ج، هـ: «وهي».
[ ٣ / ٢٠٠ ]
[﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾].
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ أي: لكل أمة مؤمنة.
والمنسك: اسم مكان؛ أي: موضعًا (^١) لعبادتهم.
ويحتمل أن يكون اسم مصدر بمعنى: عبادةً، والمراد بذلك: الذبائح؛ لقوله: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ بخلاف ما يفعله الكفار من الذبح تقرُّبًا إلى الأصنام.
﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ في وجه اتصاله بما قبله وجهان:
أحدهما: أنه لما ذكر الأمم المتقدمة خاطبنا بقوله: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: هو الذي شرع المناسك لكم، ولمن تقدَّم قبلكم.
والثاني: أنه إشارةٌ إلى الذبائح؛ أي: إلهكم إله واحد؛ فلا تذبحوا تقرُّبًا لغيره.
﴿الْمُخْبِتِينَ﴾ الخاشعين.
_________________
(١) في أ، ب: «موضِعها».
[ ٣ / ٢٠١ ]
وقيل: المتواضعين.
وقيل: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وكذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾.
واللفظ فيهما أعم من ذلك.
﴿وَجِلَتْ﴾ خافت.
﴿وَالْبُدْنَ﴾ جمع بَدَنة، وهو ما أُشعر من الإبل، واختلف هل يقال للبقرة بدنة؟.
وانتصابه بفعل مضمر.
﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ واحدها شعيرة، و﴿مِنْ﴾ للتبعيض، وبذلك استدلَّ من قال: إن شعائر الله المذكورة أوَّلًا على العموم في أمور الدين.
﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ قيل: الخير هنا: المنافع المذكورة قبلُ.
وقيل: الثواب.
والصواب: العموم في خير الدنيا والآخرة.
﴿صَوَافَّ﴾ معناه: قائماتٍ قد صَففْن أيديهن وأرجلهن.
وهو منصوب على الحال من الضمير المجرور، ووزنه فواعل، وواحده صافَّة.
﴿وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ أي: سقطت إلى الأرض عند موتها، يقال: وجب الحائط وغيره: إذا سقط.
[ ٣ / ٢٠٢ ]
﴿الْقَانِعَ﴾ معناه: السائل، وهو من قولك: قَنَع الرجل - بفتح النون -: إذا سأل.
وقيل: معناه: المتعفِّف عن السؤال، فهو - على هذا - من قولك: قنع - بالكسر -: إذا رضي بالقليل.
﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾ المعترض بغير سؤال، ووزنه مُفتعل، يقال: اعتررت القوم (^١): إذا تعرَّضت لهم.
فالمعنى: أطعموا مَنْ سأل ومن لم يسأل ممن تعرض بلسان حاله.
أو أطعموا من تعفف عن السؤال بالكلية، ومن تعرَّض للعطاء.
﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾ أي: كما أمرناكم بهذا كلّه سخَّرناها لكم.
وقال الزمخشري: التقدير: مثل التسخير الذي عَلِمْتُم سخَّرناها لكم (^٢).
﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ المعنى: لن تصلوا إلى رضا الله باللحوم ولا بالدماء، وإنَّما تصلون إليه بالتقوى؛ أي: بالإخلاص لله، وقصد وجه الله بما تذبحون وتنحرون من الهدايا، فعبر عن هذا المعنى بلفظ: ﴿يَنَالُ﴾ مبالغةً وتأكيدًا (^٣)، كأنه قال: لن تصل لحومها ولا دماؤها إلى الله، وإنما يصل إليه التقوى منكم؛ فإن ذلك هو الذي طلب منكم، وعليه يحصل لكم الثواب.
_________________
(١) في ج، د: «بالقوم».
(٢) الكشاف (١٠/ ٤٩٠).
(٣) لم ترد هذه الكلمة في أ، ب، هـ.
[ ٣ / ٢٠٣ ]
وقيل: كان أهل الجاهلية يضرِّجون البيت بالدماء، فأراد المسلمون فعل ذلك، فنهوا عنه، ونزلت الآية.
﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ كُرِّرَ (^١) تأكيدًا.
﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ قيل: يعني قول الذابح: «بسم الله والله أكبر».
واللفظ أعم من ذلك.
_________________
(١) في ج زيادة «هنا».
[ ٣ / ٢٠٤ ]
[﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾].
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كان الكفار يؤذون المؤمنين بمكة، فوعدهم الله أن يدفع عنهم شرّهم وأذاهم.
وحذف مفعول ﴿يُدَافِعُ﴾؛ ليكون أعظم وأعمّ.
وقرئ ﴿يُدَافِعُ﴾ بالألف، و﴿يَدْفَعُ﴾ بسكون الدال من غير ألف، وهما بمعنى واحد؛ أجريت «فاعَلَ» مُجْرَى «فَعَلَ»، كقولك: عاقبتُ اللصَّ.
وقال الزمخشري: ﴿يُدَافِعُ﴾ معناه: يبالغ في الدفع عنهم؛ لأنه للمبالغة،
[ ٣ / ٢٠٥ ]
وفعل المغالب أقوى (^١).
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ الخوَّان: مبالغةٌ في خائن، والكفور: مبالغةٌ في كافر.
قال الزمخشري: هذه الآية علَّةٌ لما قبلها (^٢).
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ هذه أول آية نزلت في الإذن في القتال، ونَسخت الموادعة مع الكفار، وكان نزولها عند الهجرة.
وقرئ ﴿أُذِنَ﴾:
بضم الهمزة؛ على البناء لما لم يسمَّ فاعله، وبالفتح؛ على البناء للفاعل، وهو الله تعالى.
والمعنى: أُذِن لهم في القتال، فحذف المأذون فيه؛ لدلالة ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ عليه.
وقرئ ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بفتح التاء وكسرها.
﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ أي: بسبب أنهم ظلموا.
﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ يعني: الصحابة؛ فإن الكفار آذوهم وأضرُّوا بهم، حتى اضطروهم إلى الخروج من مكة، فمنهم من هاجر إلى أرض الحبشة، ومنهم من هاجر إلى المدينة، ونسب الإخراج إلى الكفار؛ لأن الكلام في مَعْرِض إلزامهم الذنب، ووصفهم بالظلم.
_________________
(١) الكشاف (١٠/ ٤٩٢).
(٢) الكشاف (١٠/ ٤٩٢).
[ ٣ / ٢٠٦ ]
﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ قال ابن عطية: هو استثناء منقطع، لا يجوز فيه البدل عند سيبويه (^١).
وقال الزمخشري: ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ في محل الجر على الإبدال من ﴿حَقٍّ﴾ (^٢).
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ الآية؛ تقوية للإذن في القتال، وإظهار للمصلحة التي فيه، كأنه يقول: لولا القتال والجهاد لاستولى الكفار على المسلمين، وذهب الدين.
وقيل: المعنى: لولا دفع ظلم الظلمة بعدل الولاة.
والأول أليق بسياق الآية.
وقرئ: ﴿دِفَاعُ﴾ بالألف: مصدر دافع، وبغير ألف: مصدر دَفْع.
﴿لَهُدِّمَتْ﴾ قرئ بالتخفيف، والتشديد؛ للمبالغة.
﴿صَوَامِعُ﴾ جمع صَوْمَعَة - بفتح الميم -، وهي موضع العبادة، وكانت للصائبين ولرهبان النصارى، ثم سمِّي بها في الإسلام موضع الأذان.
والبيع: جمع بيعة - بكسر الباء -، وهي كنائس النصارى.
والصَّلوات: شنائغ (^٣) اليهود.
_________________
(١) المحرر الوجيز (٦/ ٢٥٣).
(٢) الكشاف (١٠/ ٤٩٤).
(٣) جاء في تكملة المعاجم العربية (٦/ ٣٦٥): «شُنُوغَة: كنيس، معبد اليهود، وجمعه: شَنَائِغ»، وهذه الكلمة مأنوسة، مألوفة الاستعمال عند أهل المغرب والأندلس، فقد استعملها ابن عطية في المحرر الوجيز عند تفسير هذه الآية، واستعملها ابن سهل الأندلسي الجياني المالكي في كتابه الإعلام بنوازل الأحكام (ص: ٧٧٣)، وتجمع شنوغة على شنائغ وشُنُوغات.
[ ٣ / ٢٠٧ ]
وقيل: هي مشتركة لكل أمة، والمراد بها: مواضع الصلوات.
والمساجد: للمسلمين.
فالمعنى: لولا دفاع الله؛ لاستولى الكفار على أهل الملل المتقدِّمة في أزمانهم، ولاستولى المشركون على هذه الأمة، فهدموا مواضع عبادتهم.
﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ﴾ الضمير لجميع ما تقدَّم من المتعبَّدات.
وقيل: للمساجد خاصة.
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ أي: مَنْ ينصر دينه وأولياءه، وهو وعد تضمَّن الحضَّ على القتال.
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ﴾ الآية؛ قيل: يعني أمة محمد ﷺ.
وقيل: الصحابة.
وقيل: الخلفاء الأربعة؛ لأنهم الذين مُكِّنوا في الأرض بالخلافة ففعلوا ما وصفهم الله به.
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ الآية؛ ضمير الفاعل لقريش، والخطاب للنبي ﷺ على وجه التسلية له، والوعيد لهم.
﴿نَكِيرِ﴾ مصدر بمعنى الإنكار.
﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ العروش (^١): السُّقُف، فإن تعلَّق الجار بـ ﴿خَاوِيَةٌ﴾ فالمعنى: أن العروش سقطت، ثم سقطت (^٢) الحيطان عليها، فهي فوقها.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «العرش».
(٢) في ب: «العرش سقط ثم سقط».
[ ٣ / ٢٠٨ ]
وإن كان الجار والمجرور في موضع الحال فالمعنى: أنها خاوية مع بقاء عروشها.
﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ أي: لا يُستقى الماء منها؛ لهلاك أهلها.
ورُوي أن هذه البئر هي الرسُّ، وكانت بعدن لأمة من بقايا ثمود.
والأظهر أنه لم يُرد التعيين؛ لقوله: ﴿فَكَأَيِّن مِن قَرْيَةٍ﴾، وهذا اللفظ (^١) يراد به التكثير.
﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ أي: مبنيٌّ بالشَّيِّد، وهو الجصُّ.
وقيل: المشيَّد: المرفوع البنيان (^٢).
﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ دليلٌ على أن العقل في القلب، خلافًا للفلاسفة في قولهم: إنه في الدماغ.
﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ أي: لا تعمى الأبصار عمى يُعتدُّ به، وإنما العمى الذي يعتدُّ به عمى القلوب.
أو إن (^٣) هؤلاء القوم ما عميت أبصارهم؛ ولكن عميت قلوبهم.
فالمعنى الأول: لقصد المبالغة.
والثاني: خاصٌّ بهؤلاء القوم.
﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ مبالغةٌ، كقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم﴾ [آل عمران: ١٦٧].
_________________
(١) في ب، هـ: «لفظ».
(٢) في ج: «البناء».
(٣) في أ، ج: «وأن».
[ ٣ / ٢٠٩ ]
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ الضمير لكفار قريش.
﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ إخبارٌ يتضمَّنُ الوعيد بالعذاب، وسماه وعدًا؛ لأن المراد به مفهوم.
﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ المعنى: إن يومًا من أيام الآخرة مقداره (^١) ألف سنة من أعوام الدنيا، ولذلك قال ﷺ: «يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وذلك خمس مئة سنة» (^٢).
وقيل: المعنى: إن يومًا واحدًا من أيام العذاب كألف سنة؛ لطول العذاب؛ فإن أيام البؤْس طويلة، وإن كانت في الحقيقة قصيرة.
وفي كل واحد من الوجهين تهديدٌ للذين استعجلوا العذاب، إلَّا أن الأول أرجح؛ لأن الألف سنةٍ فيه حقيقة.
وقيل: إن اليوم المذكور في الآية هو يوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ ذكر أولًا القرى التي أهلكها بغير إملاء، وذَكَر هنا التي أهلكها بعد الإملاء.
والإملاء: هو الإمهال مع إرادة المعاقبة فيما بعد.
وعطف هذه الجملة بالواو على الجملة (^٣) المعطوفة قبلها بالواو، وقال في الأولى: ﴿فَكَأَيِّنْ﴾؛ لأنه بدلٌ من قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.
_________________
(١) في ب: «مقدار».
(٢) أخرجه أحمد (١٠٦٥٤)، والترمذي (٢٣٥٣)، وابن ماجه (٤١٢٢).
(٣) في أ، د، هـ: «الجمل».
[ ٣ / ٢١٠ ]
[﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾].
﴿سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ أي: سعوا فيها بالطعن عليها، وهو من قولك: سعى في الأمر إذا جدَّ (^١) فيه؛ لقصد إصلاحه أو إفساده.
﴿مُعَاجِزِينَ﴾ بالألف أي: مغالبين؛ كأنهم قصدوا عجز صاحب الآيات، والآيات تقتضي عجزهم، فصارت مفاعلة.
وقرئ بالتشديد من غير ألف؛ ومعناه: أنهم يُعجّزون الناس عن الإسلام؛ أي: يثبّطونهم عنه.
﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ النبيُّ أعم من الرسول، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، فقدَّم الرسول؛ لمناسبته لقوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾، وأخَّر النبي؛
_________________
(١) في أ: «أكد»، وفي ج: «أخذ».
[ ٣ / ٢١١ ]
لتحصيل العموم؛ لأنه لو اقتصر على ﴿رَسُولٍ﴾ لم يدخل في ذلك من كان نبيًّا غير رسول.
﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ سبب هذه الآية: أن رسول الله ﷺ قرأ سورة النجم بالمسجد الحرام بمحضر المشركين والمسلمين، فلما بلغ إلى قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] ألقى الشيطان: «تلك الغرانقة العلى، منها الشفاعة ترتجى»، فسمع ذلك المشركون ففرحوا به، وقالوا: هذا محمد يذكر آلهتنا بما نريد.
واختلف في كيفية إلقاء الشيطان:
فقيل: إن الشيطان هو الذي تكلَّم بذلك، وظن الناس أن النبي ﷺ هو المتكلم به؛ لأنه قرَّب صوته من صوت النبي ﷺ حتى التبس الأمر.
وقيل: إن النبي ﷺ هو الذي تكلم بذلك على وجه الغلط والسهو؛ لأن الشيطان أنساه ووسوس في قلبه، حتى خرجت تلك الكلمات على لسانه من غير قصد.
والقول الثاني أشهر عند المفسرين والناقلين لهذه القصة.
والقول الأول أرجح؛ لأن النبي ﷺ معصوم في التبليغ.
فمعنى الآية: أن كل نبي وكل رسول قد جرى له مثل ذلك من إلقاء الشيطان.
واختلف في معنى ﴿تَمَنَّى﴾ و﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ في هذه الآية:
فقيل: تمنَّى بمعنى: تلا، والأمنيَّة: التلاوة؛ أي: إذا قرأ. . . . . . . .
[ ٣ / ٢١٢ ]
الكتاب (^١) ألقى الشيطان من عنده في تلاوته.
وقيل: هو من التمني؛ بمعنى: حب (^٢) الشيء.
وهذا المعنى أشهر في اللفظة؛ أي: تمنى النبي ﷺ مقاربة قومه واستئلافهم، فألقى الشيطان ذلك الكلام في هذه الأمنية؛ ليُعجبهم ذلك.
﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ أي: يبطله، كقولك: نسخت الشمسُ الظلَّ.
﴿لِيَجْعَلَ﴾ متعلِّقٌ بقوله: ﴿فَيَنْسَخُ﴾ و﴿يُحْكِمُ﴾.
﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أهل الشك، ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ المكذبون.
وقيل: الذين في قلوبهم مرض: عامة الكفار، ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: أشدُّهم كفرًا وعتوًّا، كأبي جهل.
﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ يعني بـ ﴿الظَّالِمِينَ﴾: المذكورين قبلُ، ولكنه جعل الظاهر موضع المضمر؛ ليقضي عليهم بالظلم.
والشِّقاق: العداوة، ووصفه بـ ﴿بَعِيدٍ﴾؛ لأنه في غاية الضلال والبعد عن الخير.
﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ قيل: يعني الصحابة.
واللفظ أعم من ذلك.
﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الضمير عائد على القرآن.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «الكتب».
(٢) في د: «أحب».
[ ٣ / ٢١٣ ]
وقال الزمخشري: هو لتمكين الشيطان من الإلقاء (^١).
﴿فَتُخْبِتَ﴾ أي: تخشع.
﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ الضمير: للقرآن، أو للنبي ﷺ، أو إلقاء الشيطان.
﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ يعني: يوم بدر، ووصفه بالعقيم (^٢)؛ لأنه لا ليلة لهم بعده ولا يوم؛ لأنهم يُقتلون فيه.
وقيل: هو يوم القيامة، والساعة مقدّماته، ويقوّي ذلك قوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾، ثم تقسيمُ (^٣) الناس إلى أصحاب الجحيم، وأصحاب النعيم.
_________________
(١) الكشاف (١٠/ ٥١٤).
(٢) في أ، ب، هـ: «بالعقم».
(٣) في أ، ب، هـ: «قسم».
[ ٣ / ٢١٤ ]
[﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤)﴾].
﴿قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ روي أن قومًا قالوا: يا رسول الله قد عَلِمنا (^١) ما أعطى الله مَنْ قُتِل مِنْ الخير، فما لمن مات معك؟، فنزلت الآية مُعْلِمةً أن الله يرزق من قتل ومن مات معًا، ولا يقتضي ذلك المساواة بينهم؛ لأن تفضيل الشهداء ثابت.
﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ يَحتمل أن يريد به:
الرزق في الجنة بعد يوم القيامة.
أو رزق الشهداء في البرزخ.
والأول أرجحُ؛ لأنه يعمُّ الشهداء والموتى.
﴿مُدْخَلًا﴾ يعني: الجنة.
﴿ذَلِكَ﴾ تقديره هنا: الأمر ذلك، كما يقول الكاتب: «هذا وقد كان
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «أعلمنا الله».
[ ٣ / ٢١٥ ]
كذا ..» إذا أراد أن يخرج إلى حديث آخر.
﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ سَمَّى الابتداء عقوبة باسم الجزاء عليها تجوزًا، كما تُسمَّى العقوبة أيضًا باسم الذنب، ووعد بالنصر لمن بُغِي عليه.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ إن قيل: ما مناسبة هذين الوصفين للمعاقبة؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن في ذكر هذين الوصفين إشعارًا بأن العفو أفضل من المعاقبة (^١)، فكأنه حضّ على العفو.
والثاني: أن في ذكرهما إعلامًا بعفو الله عن المعاقب حين عاقب، ولم يأخذ بالعفو الذي هو أولى.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ﴾ أي: ذلك النصر بسبب أن الله قادر، ومن آيات قدرته أنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل.
ومعنى الإيلاج هنا: أنه يُدخل ظلمة هذا مكان ضوء هذا، ويدخل ضوء هذا مكان ظلمة هذا.
وقيل: الإيلاج هو ما ينقص من أحدهما ويزيد في الآخر.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: ذلك الوصف الذي وُصِف الله به هو بسبب أنه الحق.
﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ تصبح هنا: بمعنى تصير.
_________________
(١) في هـ: «العقوبة».
[ ٣ / ٢١٦ ]
وفَهمِ بعضهم أنه أراد: صبيحة ليلة المطر، فقال: لا تصبح الأرض مخضرَّةً إلَّا بمكة، والبلاد الحارة.
وأما على معنى تصير؛ فذلك عام في كل بلد.
والفاء للعطف، وليست بجواب، ولو كانت جوابًا لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ لنصبت الفعل، وكان المعنى نفي خضرتها، وذلك خلاف المقصود.
وإنما قال ﴿تُصْبِحُ﴾ بلفظ المضارع؛ ليفيد بقاءها كذلك مدة.
[ ٣ / ٢١٧ ]
[﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾].
﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: البهائم والثمار والمعادن وغير ذلك.
﴿أَنْ تَقَعَ﴾ في موضع مفعول، على تقدير: عن أن تقع.
وقال الزمخشري: كراهةَ أن تقع؛ فهو مفعول من أجله (^١).
﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ يحتمل:
أن يريد يوم القيامة، فجعل (^٢) طيَّ السماء كوقوعها.
أو يريد بإذنه لو شاء متى شاء.
﴿أَحْيَاكُمْ﴾ أي: أوجدكم بعد العدم، وعبَّر عن ذلك بالحياة؛ لأن
_________________
(١) الكشاف (١٠/ ٥٢٣).
(٢) في ب، هـ: «يجعل».
[ ٣ / ٢١٨ ]
الإنسان قبل ذلك تراب، فهو جماد بلا روح، ثم أحياه بنفخ الروح.
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ يعني: الموت المعروف.
﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ يعني: البعث.
﴿لَكَفُورٌ﴾ أي: جَحُودٌ للنعم.
﴿مَنْسَكًا﴾ هنا: اسم مصدر؛ لقوله: ﴿نَاسِكُوهُ﴾، ولو كان اسم مكان لقال: «ناسكون فيه».
﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ﴾ ضمير الفاعل للكفار، والمعنى: أنه لا ينبغي لهم منازعة النبي ﷺ؛ لأن الحق قد ظهر بحيث لا يَسع (^١) النزاع فيه، فجاء الفعل بلفظ النهي، والمراد غير النهي.
وقيل: المعنى: لا تنازعهم (^٢) فينازعوك، فحذف الأول؛ لدلالة الثاني عليه.
ويحتمل أن يكون نهيًا لهم عن المنازعة على ظاهر اللفظ.
﴿فِي الْأَمْرِ﴾ أي: في الدين والشريعة، أو في الذبائح.
﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ أي: ادع الناس إلى عبادة ربك.
﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾ الآية تقتضي موادعةً منسوخة بالقتال.
﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ يعني: اللوح المحفوظ، والإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾
_________________
(١) في ج، د: «لا يُسمع».
(٢) في أ، ب، هـ: «لا تنازعوهم».
[ ٣ / ٢١٩ ]
إلى معلومات الله (^١).
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ يحتمل أن تكون الإشارة:
إلى كَتْبِ المعلومات في الكتاب.
أو إلى الحكم في الاختلاف.
والأولُ أظهر.
﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ يعني: الأصنام، والسلطان هنا: الحجة والبرهان.
﴿وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ قيل: إنه يعني: ما ليس لهم به علم ضروري، فنفى أوَّلًا البرهان النظري، ثم العلم الضروري.
وليس اللفظ بظاهر في هذا المعنى، بل الأحسن نفي العلم الضروري والنظري معًا.
﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ أي: الإنكار لما يسمعون، فـ ﴿الْمُنْكَرَ﴾ مصدر، كالمُكْرَم بمعنى الإكرام.
ويعرف ذلك في وجوههم: بعبوسها (^٢) وإعراضها.
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله: «يعني: اللوح المحفوظ» صحيح، وكذلك قوله: «والإشارة بـ (ذلك) إلى معلومات الله» صحيح أيضا، ومعلومات الله المشار إليها هي ما تضمنه الاسم الموصول في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، فكل ما في السماء والأرض معلوم لله، ومكتوب في أم الكتاب اللوح المحفوظ، والآية دالة على مرتبتي الإيمان بالقدر، وهما مرتبتا العلم والكتابة، والله أعلم.
(٢) في أ: «العبوسها».
[ ٣ / ٢٢٠ ]
﴿يَسْطُونَ﴾ من السَّطْوَة، وهي سرعة البطش.
﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ﴾ يحتمل:
أن تكون ﴿النَّارُ﴾ مبتدأ، و﴿وَعَدَهَا اللَّهُ﴾ خبره.
أو يكون ﴿النَّارُ﴾ خبر ابتداء مضمر (^١)، كأنَّ قائلًا قال: ما هو؟، فقيل: هو النار، ويكون ﴿وَعَدَهَا اللَّهُ﴾ استئنافًا، وهذا أظهر.
_________________
(١) زيادة من د.
[ ٣ / ٢٢١ ]
[﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾].
﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ أي: ضربه الله؛ لإقامة الحجة على المشركين.
﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ تنبيه بالأصغر على الأكبر من باب أولى وأحرى.
والمعنى: أن الأصنام التي تعبدونها لا تقدر على خلق الذباب ولا غيره، فكيف تُعبد من دون الله الذي خلق كل شيء؟!، ثم أوضح عجزهم بقوله: ﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ أي: لو تعاونوا على خلق الذباب لم يقدروا عليه.
﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ بيانٌ أيضًا لعجز الأصنام؛ بحيث لو اختطف الذباب منهم شيئًا لم يقدروا على استنقاذه منه على حال ضعفه.
وقد قيل: إن المراد بما يسلب الذباب منهم: الطَّيب الذي كانت العرب تجعل على الأصنام.
[ ٣ / ٢٢٢ ]
واللفظ أعم من ذلك.
﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ المراد بالطالب: الأصنام، وبالمطلوب: الذباب؛ لأن الأصنام تطلب من الذباب ما (^١) سلبته منها.
وقيل: الطالب: الكفار، والمطلوب: الأصنام؛ لأن الكفار يطلبون الخير منهم.
﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عظموه حق تعظيمه.
﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ ردٌّ على من أنكر أن يكون الرسول من البشر.
﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ في هذه الآية سجدة عند الشافعي وغيره؛ للحديث الصحيح الوارد في ذلك (^٢)، خلافًا للمالكية.
﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ عمومٌ في العبادات بعد ذكر الصلاة التي عبّر عنها بالركوع والسجود، وإنما قدَّمها؛ لأنها أهم العبادات.
﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ قيل: المراد صلة الرحم.
وقال ابن عطية: هي في الندب فيما (^٣) عدا الواجبات.
واللفظ أعم من ذلك كله.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «بما».
(٢) وهو حديث قال: قلت: يا رسول الله، أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: «نعم، فمن لم يسجدهما، فلا يقرأهما» أخرجه أحمد (١٧٣٦٤)، وأبو داود (١٤٠٢)، والترمذي (٥٧٨)
(٣) في أ، ب، هـ: «مما».
[ ٣ / ٢٢٣ ]
﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ﴾ يَحتمل أن يريد:
جهاد الكفار.
أو جهاد النفس والشيطان والهوى.
أو العموم في ذلك كله.
﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ قيل: إنه منسوخ، كنسخ ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] بقوله: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وفي ذلك نظر.
وإنما أضاف الجهاد إلى الله؛ ليبين بذلك فضله واختصاصه بالله.
﴿اجْتَبَاكُمْ﴾ أي: اختاركم من بين الأمم.
﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: مشقة، وأصل الحرج: الضيق.
﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ انتصب ﴿مِلَّةَ﴾ بفعل مضمر، تقديره: أعني بالدين ملة إبراهيم، أو: التزموا ملة إبراهيم.
وقال الفراء: انتصب على تقدير حذف الكاف، كأنه قال: «كَمِلَّةِ (^١)».
وقال الزمخشري: انتصب بمضمون ما تقدم، كأنه قال: وسَّع عليكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم، ثم حذف المضاف (^٢).
فإن قيل: لم يكن إبراهيم أبا للمسلمين كلهم؟!
فالجواب: أنه أبو رسول الله ﷺ، وكان أبا لأمته؛ لأن أمة الرسول في
_________________
(١) في هـ زيادة «إبراهيم».
(٢) الكشاف (١٠/ ٥٣).
[ ٣ / ٢٢٤ ]
حكم أولاده؛ ولذلك قرئ: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وهو أبٌ لهم﴾ [الأحزاب: ٦].
وأيضًا؛ فإن قريشًا وأكثر العرب من ذرية إبراهيم، وهم أكثر الأمة، فاعتبرهم دون غيرهم.
﴿هُوَ سَمَّاكُمُ﴾ الضمير لله تعالى، ومعنى ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: في الكتب المتقدمة، ﴿وَفِي هَذَا﴾ أي: في القرآن.
وقيل: الضمير لإبراهيم، والإشارة إلى قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، ومعنى ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ على هذا: من قبل وجودكم، وهنا يتمُّ الكلام على هذا القول، ويكون قوله: ﴿وَفِي هَذَا﴾ مستأنفًا؛ أي: وفي هذا بلاغٌ.
والقول الأول أرجح، وأقلُّ تكلُّفًا، ويدلُّ عليه قراءة أبي بن كعب: «الله سماكم المسلمين».
﴿شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ تقدَّم معنى هذه الشهادة في «البقرة» (^١).
﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الظاهر أنها المكتوبة؛ لاقترانها مع الزكاة.
﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ معناه هنا: وليُّكم وناصركم؛ بدلالة ما بعد ذلك.
_________________
(١) انظر (١/ ٣٦٩).
[ ٣ / ٢٢٥ ]