[﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥) وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾].
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ يحتمل أن يريد بالكتاب: الكتب المتقدمة، وعطف القرآن عليها.
والظاهر: أنه القرآن، وعُطف عطف الصفات.
﴿رُبَمَا﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد، وهما لغتان، و«ما» حرفٌ، كافَّةٌ لـ «رُبَّ».
ومعنى «رب»: التقليل، وقد تكون للتكثير.
[ ٢ / ٧١٢ ]
وقيل: إن هذه منه.
وقيل: إنما عبّر عن التكثير بأداة التقليل على وجه التهكّم؛ كقوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، و﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور: ٦٤].
وقيل: إن معنى التقليل في هذه: أنهم لو كانوا يودّون الإسلام مرةً واحدة لوجب أن يسارعوا إليه، فكيف وهم يودونه مرارًا كثيرة؟.
ولا تدخل «رُبَّ» إلا على الماضي، وإنما دخلت هنا على المستقبل؛ لأنه في التحقيق كالماضي.
﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ قيل: إن ذلك عند الموت. وقيل: في القيامة.
وقيل: إذا خرج عصاة المسلمين من النار، وهذا هو الأرجح؛ لحديث روي في ذلك (^١).
﴿ذَرْهُمْ﴾ وما بعده: تهديد.
﴿كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ أي: وقت محدود.
﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ الضمير في ﴿وَقَالُوا﴾ لكفار قريش، وقولهم: ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ (^٢) على وجه الاستخفاف؛ أي: بزعمك ودعواك.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٨/ ١٤).
(٢) في هـ زيادة: «يعنون».
[ ٢ / ٧١٣ ]
﴿لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ ﴿لَوْمَا﴾ عرضٌ وتحضيضٌ، والمعنى: أنهم طلبوا من النبي ﷺ أن يأتيهم بالملائكة معه.
﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ردٌّ عليهم فيما اقترحوا، والمعنى: أن الملائكة لا تتنزل إلَّا بالحق؛ من الوحي والمصالح، التي يريدها الله، لا باقتراح مقترح واختيار كافر معترض.
وقيل: الحق هنا: العذاب.
﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنظَرِينَ﴾ ﴿إِذًا﴾ حرف جواب وجزاء، والمعنى: لو أنزل الملائكة لم يؤخَّر عذاب هؤلاء الكفار الذين اقترحوا نزولهم؛ لأن من عادة الله أن من اقترح آيةً فرآها ولم يؤمن أنه يعجِّل له العذاب، وقد عَلِم الله أن هؤلاء القوم يؤمن كثيرٌ منهم، ويؤمن أعقابهم فلم يفعل بهم ذلك.
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ الذِّكر هنا: هو القرآن، وفي قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ ردٌّ لإنكارهم واستخفافهم في قولهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ ولذلك أكَّده بـ ﴿نَحْنُ﴾، واحتجَّ عليه بحفظه.
ومعنى حفظه: حراسته عن التبديل والتغيير، كما جرى في غيره من الكتب، فتولى الله حفظ القرآن، فلم يقدر أحدٌ على الزيادة فيه، ولا النقصان منه، ولا تبديله، بخلاف غيره من الكتب؛ فإنَّ حفْظَها موكولٌ إلى أهلها؛ لقوله: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤].
﴿فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾ الشِّيع: جمع شِيعة، وهي الطائفة التي تتشيع لمذهب أو رجل.
﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ معنى ﴿نَسْلُكُهُ﴾: نُدخله.
[ ٢ / ٧١٤ ]
والضمير في ﴿نَسْلُكُهُ﴾ يحتمل:
أن يكون للاستهزاء الذي دلَّ عليه قوله: ﴿بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
أو يكون للقرآن؛ أي: نسلكه في قلوبهم مستهزئًا به، ويكون قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ تشبيها للاستهزاء المتقدِّم، و﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ تفسيرٌ لوجه إدخاله في قلوبهم، والضمير في ﴿بِهِ﴾ للقرآن.
﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: تقدَّمت طريقتهم على هذه الحالة من الكفر والاستهزاء، حتى هلكوا بسبب ذلك، ففي الكلام تهديدٌ لقريش.
﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ الضمائر لكفار قريش المعاندين المحتوم عليهم بالكفر.
وقيل: الضمير في ﴿ظَلُّوا﴾ و﴿يَعْرُجُونَ﴾ للملائكة، وفي ﴿قَالُوا﴾ للكفار.
ومعنى ﴿يَعْرُجُونَ﴾: يَصعدون.
والمعنى: أن هؤلاء الكفار لو رأوا أعظم آية لقالوا: إنها تخييل أو سحر.
وقرئ ﴿سُكِّرَتْ﴾ بالتشديد والتخفيف، ويحتمل أن يكون مشتقًا:
من السُّكْر، فيكون معناه: حُيِّرت أبصارنا فرأينا الأمر على غير حقيقته.
أو من السَّكْر، وهو السَّدُّ، فيكون معناه: منعت أبصارنا من النظر.
[ ٢ / ٧١٥ ]
[﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾].
﴿بُرُوجًا﴾ يعني: المنازل الاثني عشر.
﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ استثناءٌ من حفظ السَّموات، فهو في موضع نصب.
﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أي: مقدَّرٌ بقصدٍ وإرادة؛ فالوزن على هذا مستعار.
وقيل: المراد: ما يوزن حقيقةً كالذهب والأطعمةِ، والأولُ أعمُّ وأحسنُ.
﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ يعني: البهائمَ والحيواناتِ، و﴿مَنْ﴾ معطوفٌ على ﴿مَعَايِشَ﴾.
وقيل: على الضمير في ﴿لَكُمْ﴾، وهذا ضعيفٌ في النحو؛ لأنه عطفٌ على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، وهو قويٌّ في المعنى؛ أي: جعلنا في الأرض معايش لكم وللحيواتِ.
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ قيل: يعني المطر، واللفظ أعم من ذلك.
والخزائن: المواضع الخازنة، وظاهر هذا أن الأشياء موجودةٌ قد خُلقت.
[ ٢ / ٧١٦ ]
وقيل: ذلك تمثيل، والمعنى: وإن من شيء إلا نحن قادرون على إيجاده وتكوينه.
﴿بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أي: بمقدار محدود.
﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ يقال: لَقِحَت الناقة والشجرة: إذا حملت فهي لاقحة، وأَلْقَحَت الريحُ الشجرَ فهي مُلْقِحةٌ، و﴿لَوَاقِحَ﴾:
جمع لاقحة؛ لأنها تحمل الماء.
أو جمع ملقحة؛ على حذف الميم الزائدة.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾ الآية؛ يعني: الأولين والآخرين من الناس، وذكر ذلك على وجه الاستدلال على الحشر الذي ذُكِر بعد ذلك في قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾؛ لأنه إذا أحاط بهم علمًا لم تصعب عليه إعادتهم وحشرهم.
وقيل: يعني: مَنْ استقدم ولادةً وموتًا، ومن تأخَّر.
وقيل: من تقدَّم إلى الإسلام ومن تأخَّر عنه.
[ ٢ / ٧١٧ ]
[﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾].
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾ الإنسان هنا هو: آدم ﵇، والصلصال: الطين اليابس الذي يصلصل؛ أي: يصوّت، وهو غير مطبوخ، فإذا طُبخ فهو فخارٌ.
﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ الحمأ: الطين الأسود، والمسنون: المتغيّر المنتن.
وقيل: إنه من أَسَنَ الماءُ: إذا تغيّر، والتصريف يردُّ هذا القول.
وموضع ﴿مِنْ حَمَإٍ﴾ صفةٌ لـ ﴿صَلْصَالٍ﴾؛ أي: من صلصال كائنٍ من حمأ.
﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ﴾ يراد به: جنس الشياطين.
وقيل: إبليس الأول، وهذا أرجح؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾، وتناسلت الجن من إبليس، وهو للجن كآدم للناس.
[ ٢ / ٧١٨ ]
﴿السَّمُومِ﴾ شدَّة الحر.
﴿خَالِقٌ بَشَرًا﴾ يعني: آدم ﵇.
﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ يعني: الروح التي في الجسد، وأضاف الله تعالى الروح إلى نفسه إضافة مُلْك إلى مالك؛ أي: من الروح الذي هو لي، وخَلْقٌ من خلقي.
وتقدَّم الكلام على سجود الملائكة في «البقرة» (^١).
﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ أي: من الجنة، أو من السماء.
﴿قَالَ رَبِّ﴾ يقتضي إقراره بالربوبية، وأن كفره كان بوجهٍ غير الجحود، وهو اعتراضه على الله في أمره بالسجود لآدم.
﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ اليوم الذي طلب إبليس أن يُنظرَ إليه: هو يوم القيامة.
ويوم الوقت المعلوم الذي أُنظِرَ إليه: هو يوم النفخ في الصور النفخة الأولى؛ حين يموت من في السموات ومن في الأرض.
وكان سؤال إبليس الإنظار إلى يوم القيامة جهلًا منه ومغالطة؛ إذ سأل ما لا سبيل إليه؛ لأنه لو أعطي ما سأل لم يمت أبدًا؛ لأنه لا يموت أحد بعد البعث، فلما سأل ما لا سبيل إليه أعرض الله عنه، وأعطاه الإنظار إلى النفخة الأولى.
﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ الباء للسببية؛ أي: لأغوينهم بسبب إغوائك لي.
_________________
(١) انظر: ١/ ٣٠٠.
[ ٢ / ٧١٩ ]
وقيل: للقسَم؛ كأنه قال: بقُدْرتك على إغوائي لأغوينهم.
والضمير لذرية آدم.
﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)﴾ القائل لهذا هو الله تعالى، والإشارة بـ ﴿هَذَا﴾:
إلى نجاة المخلصين من إبليس، وأنه لا يقدر عليهم.
أو إلى تقسيم الناس إلى غويّ ومُخْلَص.
﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ يحتمل أن يريد بالعباد:
جميعَ الناس؛ فيكون قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ استثناءً متصلًا.
أو يريد بالعباد المخلصين؛ فيكون الاستثناء منقطعًا.
﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ﴾ الضمير للغاوين.
﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ روي: أنها سبعة أطباق، في كل طبقة باب، فأعلاها: للمذنبين من المسلمين، والثاني: لليهود، والثالث: للنصارى، والرابع: للصابئين، والخامس: للمجوس، والسادس: للمشركين، والسابع: للمنافقين.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
[﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠) وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)﴾].
﴿ادْخُلُوهَا﴾ تقديره: يقال لهم: ادخلوها، والسَّلام هنا يحتمل أن يكون: التحية، أو السلامة.
﴿إِخْوَانًا﴾ يعني: أخوة المودَّة والإيمان.
﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: يقابل بعضهم بعضًا على الأسِرَّة.
﴿نَصَبٌ﴾ أي: تعبٌ.
﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾ الآية؛ أَعْلِمهم، والآية آية ترجية وتخويف.
﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١)﴾ ﴿ضَيْفِ﴾ هنا: واقعٌ على جماعة، وهم الملائكة الذين جاؤوا إلى إبراهيم بالبشرى.
﴿وَجِلُونَ﴾ أي: خائفون، والوجَل: الخوف.
﴿لَا تَوْجَلْ﴾ أي: لا تخف.
[ ٢ / ٧٢١ ]
﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ هو إسحاق.
﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ المعنى: أبشرتموني بالولد مع أنني قد كَبِرَ سِنِّي!.
وكان حينئذ ابن مئة سنة، وقيل: أكثر.
﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ قال ذلك:
على وجه التعجُّبِ مِنْ ولادته في كِبَرِهِ.
أو على وجه الاستبعاد لذلك.
وقرئ ﴿تُبَشِّرُونِ﴾:
بتشديد النون وكسرها؛ على إدغام نون الجمع في نون الوقاية.
وبالكسر والتخفيف؛ على حذف إحدى النونين.
وبالفتح؛ وهي نون الجمع.
﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: باليقين الثابت، فلا تستبعده ولا تشُكَّ فيه.
﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ دليلٌ على تحريم القنوط.
وقرئ ﴿يَقْنَطُ﴾: بفتح النون وكسرها، وهما لغتان.
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ أي: ما شأنكم؟، وبأي شيء جئتم؟.
﴿إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ يعنون: قوم لوط.
﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ يَحتمل:
أن يكون استثناءً من ﴿قَوْمٍ﴾؛ فيكون منقطعًا؛ لوصف القوم بالإجرام،
[ ٢ / ٧٢٢ ]
ولم يكن آلُ لوط مجرمين.
ويحتمل أن يكون استثناء من الضمير في ﴿مُجْرِمِينَ﴾؛ فيكون متصلًا؛ كأنه قال: إلى قوم قد أجرموا كلهم إلّا آل لوط فلم يجرموا.
﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ استثناء من ﴿آلَ لُوطٍ﴾، فهو استثناء من استثناء.
وقال الزمخشري: إنما هو استثناء من الضمير المجرور في قوله: ﴿لَمُنَجُّوهُمْ﴾ (^١). وذلك هو الذي يقتضيه المعنى.
﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الغابر: يقال بمعنى الباقي، وبمعنى الذاهب.
وإنما أسند الملائكة فعلَ التَّقدير إلى أنفسهم، وهو لله وحده؛ لما لهم من القرب والاختصاص بالله، لا سيما في هذه القضية، كما تقول خاصة الملكِ للملك: دبَّرنا كذا.
ويحتمل أن يكون حكاية عن الله.
_________________
(١) انظر: الكشاف (٩/ ٤٦).
[ ٢ / ٧٢٣ ]
[﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾].
﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أي: لا يعرفهم (^١).
﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي: جئناك بالعذاب لقومك.
ومعنى ﴿يَمْتَرُونَ﴾: يشكُّون فيه.
﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ أي: كن خلفهم وفي ساقتهم؛ حتى لا يبقى منهم أحد، وليكونوا قدَّامه؛ (فلا يشتغل قلبه بهم لو كانوا وراءه؛ لخوفه عليهم) (^٢).
﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾ تقدَّم في «هود» (^٣).
﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ قيل: هو مصر، وقيل: «حيث» هنا للزمان؛ إذ لم يُذكر مكانٌ.
_________________
(١) في أ، ب: «قوم لا نعرفهم».
(٢) في أ، ب: «ولو كانوا وراءه لاشتغل بخوفه عليهم».
(٣) انظر صفحة ..
[ ٢ / ٧٢٤ ]
﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ هو من القضاء والقدر، وإنما تعدى بـ «إلى»؛ لأنه ضُمِّنَ معنى: «أوحينا».
وقيل: معناه: أعلمناه بذلك الأمر.
﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ﴾ هذا هو تفسير لـ ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾.
ودابر القوم: أصلهم، والإشارة إلى قوم لوط.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ في الموضعين: أي: إذا أصبحوا ودخلوا في الصباح.
﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧)﴾ المدينة هي سَدُوم، واستبشار أهلها بالأضياف؛ طمعًا أن ينالوا منهم الفاحشة.
﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠)﴾ كانوا قد نهوه أن يُضيف أحدًا.
﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ دعاهم إلى تزويج بناته؛ ليقي بذلك أضيافه.
﴿لَعَمْرُكَ﴾ قسَمٌ، والعَمْر: الحياة؛ ففي ذلك كرامةٌ للنبي ﷺ، لأن الله أقسم بحياته.
وقيل: هو من قول الملائكة للوط.
وارْتِفَاعُه: بالابتداء، وخبره محذوف تقديره: لعمرك قسمي، واللام للتوطئة.
﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الضمير لقوم لوط، و﴿سَكْرَتِهِمْ﴾: ضلالهم وجهلهم، و﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي: يتحيَّرون.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ أي: صيحة جبريل، وهي أخْذُه لهم.
[ ٢ / ٧٢٥ ]
﴿مُشْرِقِينَ﴾ أي: داخلين في الشُّروق، وهو وقت بزوغ الشمس.
وقد تقدَّم تفسير ما بعد هذا من قصتهم في «هود» (^١).
﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أي: للمتفرِّسين، ومنه: فِراسة المؤمن.
وقيل: للمعتبرين.
وحقيقة التوسُّم: النظر إلى السِّمَة.
﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ أي: بطريق ثابت يراه الناس، والضمير: للمدينة (^٢) المهلكة.
﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾ أصحاب الأيكة: قوم شعيب، والأيكة: الغَيْضة من الشجر، لما كفروا أضرمها الله عليهم نارًا.
﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ الضمير في ﴿وَإِنَّهُمَا﴾:
قيل: إنه لمدينة قوم لوط وقوم شعيب، فالإمام على هذا: الطريق؛ أي: إنهما بطريق واضح يراه الناس.
وقيل: الضمير للوط وشعيب؛ أي: إنهما على طريق من الشَّرع واضح.
والأول أظهر.
_________________
(١) انظر صفحة ٦٠٤.
(٢) في ج، هـ: «للمدائن».
[ ٢ / ٧٢٦ ]
[﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾].
﴿أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾ هم ثمود قوم صالح، والحجر: واديهم، وهو بين المدينة والشام.
﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ ذكره بالجمع وإنما كذبوا واحدًا، وفي ذلك تأويلان:
أحدهما: أن من كذَّب واحدًا من الأنبياء لزمه تكذيب الجميع؛ لأنهم جاؤوا بأمر متفق من التوحيد.
والثاني: أنه أراد الجنس، كقولك: فلان يركب الخيل، وإن لم يركب إلَّا فرسًا واحدًا.
﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا﴾ يعني: الناقة، وما كان فيها من العجائب.
﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ النحت: النَّقْر بالمعاول وشبهها في الحجر
[ ٢ / ٧٢٧ ]
والعود وشبه ذلك، وكانوا ينقرون بيوتهم في الجبال.
﴿آمِنِينَ﴾ يعني: آمنين من تهدُّم بيوتهم لوثاقتها، وقيل: آمنين من عذاب الله.
﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ يعني: أنها لم تُخْلَقْ عبثًا.
﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ قيل: إن الصفح الجميل هو الذي ليس معه عقاب ولا عتاب.
وفي الآية مهادنةٌ للكفار منسوخة بالسيف.
﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قيل: يعني: أم القرآن؛ لأنها سبع آيات.
وقيل: يعني السُّور السبع الطُّوال؛ وهي: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال مع براءة.
والأول أرجح؛ لوروده في الحديث (^١).
و﴿الْمَثَانِي﴾: مشتق من التثنية، وهو التكرير؛ لأن الفاتحة تكرَّر قراءتها في الصلاة، ولأن غيرها من السور تُكرَّر فيها القصص وغيرها.
وقيل: هي مشتقة من الثَّناء؛ لأن فيها ثناءً على الله.
و﴿مِنَ﴾ تحتمل أن تكون: للتبعيض، أو لبيان الجنس.
وعطف القرآن على السبع المثاني؛ لأنه يعني ما سواها من القرآن، فهو عموم بعد الخصوص.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٤٧٤).
[ ٢ / ٧٢٨ ]
﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أي: لا تنظرْ إلى ما متَّعناهم به في الدنيا، ومعنى الآية: تزهيدٌ في الدنيا؛ كأنه يقول: قد آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم، فلا تنظر إلى الدنيا؛ فإن الذي أعطيناك أعظمُ منها.
﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ يعني: أصنافًا من الكفار.
﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لا تتأسف لكفرهم.
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾ أي: تواضع ولنْ للمؤمنين، والجَناح هنا: استعارة.
﴿كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠)﴾ الكاف من ﴿كَمَا﴾ متعلقة بقوله: ﴿أَنَا النَّذِيرُ﴾؛ أي: أُنذرُ قريشًا عذابًا مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين.
وقيل: تتعلَّق بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ﴾ أي: أنزلنا عليك كتابًا كما أنزلنا على المقتسمين.
واختُلِف في المقتسمين:
فقيل: هم أهل الكتاب الذين آمنوا ببعض كتابهم وكفروا ببعضه، فاقتسموا إلى قسمين.
وقيل: هم قريش، اقتسموا أبواب مكة في الموسم، فوقف كل واحد منهم على باب، يقول أحدهم: هو شاعر، ويقول الآخر: ساحر، وغير ذلك.
﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾ أي: أجزاء، وقالوا فيه أقوالًا مختلفة، وواحد ﴿عِضِينَ﴾ عِضَةٌ.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
وقيل: هو من العَضْهِ، وهو السِّحر، والعاضِه: الساحر، والمعنى على هذا: قالوا إنه سحر.
والكلمة محذوفة اللام، ولامها على القول الأول: واو، وعلى الثاني: هاء.
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ إن قيل: كيف يُجمَع بين هذا وبين قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن: ٣٩]؟
فالجواب: أن السؤال المثبت هو على وجه الحساب والتوبيخ، وأن السؤال المنفي هو على وجه الاستفهام المحض؛ لأن الله يعلم الأعمال فلا يحتاج إلى السؤال عنها.
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي: صرِّح به وأنفِذه.
﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ يعني قومًا من أهل مكة؛ أهلكهم الله بأنواع الهلاك من غير سعي النبي ﷺ، وكانوا خمسة: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، والأسود بن عبد المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن غَيْطَلة، وقصة هلاكهم مذكورة في السِّير.
وقيل: هم الذين قُتلوا ببدرٍ؛ كأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط وغيرهم.
والأول أرجح؛ لأن الله كفاه إياهم بمكة قبل الهجرة.
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾ تسليةٌ للنبي ﷺ وتأنيسٌ.
﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ أي: الموت.
[ ٢ / ٧٣٠ ]