[﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤) وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾].
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ أي: آيات هذه السورة.
ويحتمل أن يريد: آيات الكتب على الإطلاق.
ويحتمل أن يريد: القرآن، وهذا بعيد؛ لتكرار ذكر القرآن بعد ذلك.
﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ﴾ يعني: القرآن، وإعرابه: مبتدأ، وخبره ﴿الْحَقُّ﴾.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ أي: بغير شيء تقف عليه إلَّا قدرة الله.
﴿تَرَوْنَهَا﴾ قيل: الضمير للسموات، فـ ﴿تَرَوْنَهَا﴾ على هذا: في موضع الحال، أو استئناف.
وقيل: الضمير للعَمَد؛ أي: ليس لها عمدٌ مرئيةٌ، فيقتضي المفهومُ: أن لها عَمَدًا لا تُرى.
وقيل: إن عَمَدَها هو جبل قاف المحيط بالدنيا.
وقال الجمهور: لا عمد لها ألبتة، فالمراد: نفيُ العمدِ ونفيُ رؤيتها.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ﴿ثُمَّ﴾ هنا لترتيب الإخبار، لا لترتيب وقوع الأمر؛ فإن العرش كان قبل خلق السموات. وتقدَّم الكلام على الاستواء في «الأعراف» (^١).
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يعني: أمر الملكوت.
﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ يعني آيات كتبه (^٢).
﴿مَدَّ الْأَرْضَ﴾ يقتضي أنها بَسيطةٌ لا كورةٌ، وهو ظاهر الشريعة.
وقد يترتَّب لفظ البَسط والمدِّ مع التَّكوير؛ لأن كل قطعة من الأرض ممدودةٌ على حِدَتِها، وإنما التكوير لجملة الأرض.
﴿رَوَاسِيَ﴾ يعني: الجبال الثابتة.
_________________
(١) انظر صفحة ٣٤٩.
(٢) في د: «كتابه».
[ ٢ / ٦٦٧ ]
﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يعني: صنفين من الثمر، كالأسود والأبيض، والحلو والحامض.
فإن قيل: تقتضي الآية أنه تعالى خلق من كل ثمرة صنفين، وقد خلق من كثير من الثمرات أصنافًا كثيرةً!.
فالجواب: أن ذلك زيادةٌ في الاعتبار، وأعظم في الدلالة على القدرة، فذكر الاثنين؛ لأن دلالة غيرهما (^١) من باب أولى.
وقيل: إن الكلام تمَّ في قوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ ثم ابتدأ بقوله: ﴿جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ﴾ يعني الذكر والأنثى.
والأول أحسن.
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ أي: يلبسه إياه، فيصير له كالغشاء، وذلك تشبيهٌ.
﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ يعني: قرى (^٢) متلاصقة، ومع تلاصقها فإن أرضها تتنوع إلى طيب ورديء، وصلبٍ ورخوٍ، وغير ذلك، وكلُّ ذلك دليل على الصانع المختار المريد القادر.
﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ الصنوان: هي النخلات الكثيرة، ويكون أصلها واحدًا، وغير الصنوان: المفترق فردًا فردًا، وواحد الصنوان: صِنْوٌ.
﴿تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكْلِ﴾ حجةٌ وبرهان على أنه تعالى قدير مُريد؛ لأن اختلاف مذاقها وأشكالها وألوانها مع اتفاق الماء
_________________
(١) في د: «غيرهما».
(٢) في أ، ب: «قطعًا».
[ ٢ / ٦٦٨ ]
الذي تسقى به دليلٌ على القدرة والإرادة، وفي ذلك ردٌّ على القائلين بالطبيعة.
﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ أي: إن تعجب يا محمد فإن إنكارهم للبعث حقيقٌ أن يُتَعجَّب منه؛ فإن الذي قدَّر على إنشاء ما ذكرنا من السموات والأرض والثمار قادرٌ على إنشاء الخلق بعد موتهم.
﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هذا هو قول الكفار المنكرين للبعث.
واختلف القراء في هذا الموضع وفي سائر المواضع التي فيها استفهامان، وهي أحدَ عشر موضعًا، أولها: هذا، وفي «الإسراء» موضعان، وفي «المؤمنين» موضع، وفي «النمل» موضع، وفي «العنكبوت» موضع، وفي ﴿المر (١)﴾ «السجدة» موضع، وفي «الصافات» موضعان، وفي «الواقعة» موضع، وفي «النازعات» موضع:
فمنهم من قرأ بالاستفهام في الأول والثاني.
ومنهم من قرأ بالاستفهام في الأول فقط، وهو نافع.
ومنهم من قرأ بالاستفهام في الثاني فقط.
وأصل الاستفهام في المعنى إنما هو عن الثاني في مثل هذا الموضع؛ فإن همزة الاستفهام معناها الإنكار، وإنما أنكروا أن يكونوا خلقًا جديدًا، ولم ينكروا أن يكونوا ترابًا.
فمن قرأ بالاستفهام في الثاني فقط: فهو على الأصل.
ومن قرأ بالاستفهام في الأول: فإنما القصد بالاستفهام الثاني.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
ومن قرأ بالاستفهام فيهما: فذلك للتأكيد.
﴿وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ يحتمل:
أن يريد الأغلال في الآخرة، فيكون حقيقة.
أو يريد أنهم ممنوعون من الإيمان، كقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ [يس: ٨]، فيكون مجازًا يجري مجرى الطبع والختم على القلوب.
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ أي: بالنقمة قبل العافية، والمعنى: أنهم طلبوا العذاب على وجه الاستخفاف.
﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ جمع مُثْلَةٍ على وزن «سَمُرَةٍ»، وهي العقوبة العظيمة التي تجعل الإنسان مَثَلًا، والمعنى: كيف يطلبون العذاب وقد أصابت العقوباتُ الأممَ الذين كانوا قبلهم؟ أفلا يخافون مثل ذلك؟.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ يريد: ستره وإمهاله في الدنيا للكفار والعصاة.
وقيل: يريد مغفرته لمن تاب.
والأول أظهر هنا.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية؛ اقترحوا نزول آية على النبي ﷺ، من نزول مَلَك معه أو شبه ذلك، ولم يعتبروا بالقرآن ولا بغيره من الآيات العظام التي جاء بها، وذلك منهم معاندةٌ.
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ﴾ أي: إنما عليك إنذارُهم، وليس عليك أن تأتيهم بآية، إنما ذلك إلى الله.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يراد بالهادي اللهُ تعالى، فالمعنى: إنما عليك الإنذار والله هو الهادي لمن يشاء إذا شاء.
والوجه الثاني: أن يريد بالهادي النبي ﷺ، فالمعنى: إنما أنت نبي منذر، ولكل قوم هادٍ من الأنبياء ينذرهم، فليس أمرك بِبِدْعٍ ولا مستنكر.
الثالث: رُوي أنها لما نزلت قال رسول الله ﷺ: «أنا المنذر، وأنت يا عليُّ الهادي» (^١).
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٤٤٢ - ٤٤٣).
[ ٢ / ٦٧١ ]
[﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧) لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨)﴾].
﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ كقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤]، وهي من الخمس التي لا يعلمها إلا الله، ويعني: يعلم هل هو ذكر أو أنثى، أو تام أو مُخْدَجٌ، أو حسن أو قبيح، أو غير ذلك.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ معنى ﴿تَغِيضُ﴾: تنقص، ومعنى ﴿تَزْدَادُ﴾: من الزيادة.
وقيل: إن الإشارة لدم الحيض (^١)؛ فإنه يقلُّ ويكثر.
وقيل: للولد، فالغيض: السَّقَط، أو الولادة لأقل من تسعة أشهر، والزيادة: إبقاؤه أكثر من تسعة أشهر.
ويحتمل أن تكون «ما» في قوله: ﴿مَا تَحْمِلُ﴾، ﴿وَمَا تَغِيضُ﴾، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾:
موصولةً.
أو مصدريةً.
﴿سَوَاءٌ مِنكُم مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ المعنى: إن الله يسمع كل شيء، فالجهر والإسرار عنده سواء.
وفي هذا وما بعده تقسيم، وهو من أدوات البيان؛ فإنه ذكر أربعة أقسام، وفيه أيضًا مطابقة.
﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ المعنى: سواء عند الله المستخفي بالليل وهو في غاية الاختفاء، مع السَّارب بالنهار، وهو في غاية الظهور.
ومعنى السارب: المتصرِّف في سَرْبِه -بالفتح-؛ أي: في طريقه ووجهه.
والسارب والمستخفي اثنان، قصد التسوية بينهما في اطلاع الله عليهما، مع تباين حالهما.
_________________
(١) في أ: «إلى دم الحيض».
[ ٢ / ٦٧٣ ]
وقيل: إن المستخفي بالليل والسارب بالنهار صفتان لموصوف واحد، يستخفي بالليل، ويظهر بالنهار، ويعضد هذا كونهُ قال: ﴿وَسَارِبٌ﴾، فعطفه عطفَ الصفات، ولم يقل: «ومن هو سارب» بتكرار «مَنْ» كما قال: ﴿مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾.
إلا أنَّ جَعْلهما اثنين أرجح؛ ليقابل ﴿مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾، فيكمل التقسيم إلى أربعة على هذا، ويكون قوله: ﴿وَسَارِبٌ﴾ عطفًا على الجملة وهي قوله: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ﴾، لا على ﴿مُسْتَخْفٍ﴾ وحده.
﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ المعقبات هنا: جماعة الملائكة، وسميت معقبات؛ لأن بعضهم يعقب بعضًا، والضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود على «من» المتقدّمة، كأنه قال: لمن أسر ولمن جهر ولمن استخفى ولمن ظهر معقباتٌ.
وقيل: يعود على الله، وهو قول ضعيف؛ لأن الضمائر التي بعده تعود على العبد باتفاق.
﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ صفة للمعقبات، وهذا الحفظ يحتمل أن يراد به:
حفظ أعماله.
أو حفظه وحراسته من الآفات.
﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ صفة للمعقبات؛ أي: معقباتٌ مِنْ أجل أمر الله؛ إذْ أمَرَهم بحفظه، وقرئ: «بأمر الله»، وهذه القراءة تعضد ذلك، ولا يتعلَّق ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ على هذا بـ ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾.
وقيل: يتعلَّق به؛ على أنهم يحفظونه مِنْ عقوبة الله إذا أذنب؛ بدعائهم له واستغفارهم.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ المعنى: إن الله لا يغير ما بقوم من العافية والنعم حتى يغيروا هم ما بأنفسهم بالمعاصي، فيقتضي ذلك: أن الله لا يسلب النعم، ولا يُنزل النقم إلَّا بالذنوب.
﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ الخوف يكون من البرق من الصواعق والأمور الهائلة، والطمع في المطر الذي يكون معه.
﴿السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ وصفها بالنُّقْلِ؛ لأنها تحمل الماء.
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ الرعد: اسم ملك، وصوته المسموع تسبيح.
وقد جاء في الأثر: أن صوته زجرٌ للسحاب (^١)، فعلى هذا يكون تسبيحه غير ذلك.
﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ قيل: إنها إشارة إلى الصاعقة التي نزلت على أَرْبَدَ الكافر وقتلته، حين همَّ بقتل النبي ﷺ هو وأخوه عامر بن الطفيل.
واللفظ أعم من ذلك.
﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ يعني: الكفار، والواو: للاستئناف، أو للحال.
﴿شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ أي: شديد القوة، والمحال: مشتق من الحِيلة، فالميم زائدة، ووزنه مِفْعَل.
وقيل: معناه: شديد المكر؛ من قولك: مَحَلَ بالرجل: إذا مكر به، فالميم على هذا أصلية، ووزنه فِعال، وتأويل المكر على هذا القول كتأويله
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٣٥٧ - ٣٦٠).
[ ٢ / ٦٧٥ ]
في المواضع التي ورد (^١) في القرآن (^٢).
﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ قيل: هي لا إله إلا الله، والمعنى: أن دعوة العباد بالحق لله، ودعوتهم بالباطل لغيره.
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ يعني بـ ﴿وَالَّذِينَ﴾: ما عُبِد من دون الله من الأصنام وغيرهم، والضمير في ﴿يَدْعُونَ﴾ للكفار.
والمعنى: أن المعبودين لا يستجيبون لمن عبدهم.
﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ شبَّه إجابة الأصنام لمن عبدهم بإجابة الماء لمن بسط إليه كفَّيه، وأشار إليه بالإقبال إلى فيه، ولا يبلغ فمَه على هذا أبدًا؛ لأن الماء جمادٌ لا يعقل المراد، فكذلك الأصنام.
والضمير في قوله: ﴿وَمَا هُوَ﴾ للماء، وفي ﴿بِبَالِغِهِ﴾ للفم.
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ «مَنْ» لا تقع إلَّا على من يعقل، فهي هنا يراد بها: الملائكة والإنس والجن.
فإن جعلنا السجود بمعنى الانقياد لأمر الله وقضائه؛ فهو عامٌّ في الجميع، من شاء منهم، ومن أبى، ويكون ﴿طَوْعًا﴾ لمن أسلم، و﴿وَكَرْهًا﴾ لمن كره وسخط.
_________________
(١) في د: «وردت».
(٢) انظر تعليق الشيخ عبد الرحمن البراك ١/ ٥٤٥، وصفحة ٤٢٢، ٥١٢ من هذا الجزء.
[ ٢ / ٦٧٦ ]
وإن جعلنا السجود هو المعروف بالجسد، فيكون سجود الملائكة والمؤمنين من الإنس والجن طوعًا، وأما الكره؛ فهو سجود المنافق، أو (^١) سجود ظل الكافر.
﴿وَظِلَالُهُم﴾ معطوف على ﴿مَنْ﴾، والمعنى: أن الظلال تسجد غدوةً وعشية، وسجودها: انقيادها للتصرُّف بمشيئة الله ﷾.
وقيل: سجودها: فيئها بالعشي.
﴿قُلِ اللَّهُ﴾ جواب عن السؤال المتقدِّم، وهو ﴿مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وإنما جاء الجواب والسؤال من جهة واحدة؛ لأنه أمرٌ واضحٌ لا يمكن جحده ولا المخالفة فيه، ولذلك أقام به الحجة على المشركين بقوله:
﴿أَفَاتَّخَذْتُم مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ الأعمى تمثيل للكافر، والبصير تمثيل للمؤمن، و﴿الظُّلُمَاتُ﴾ الكفر، و﴿وَالنُّورُ﴾ الإيمان، وذلك كله على وجه التشبيه والتمثيل.
﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا بمعنى "بل" والهمزة، و﴿خَلَقُوا﴾ صفة لـ ﴿شُرَكَاءَ﴾، والمعنى: أن الله وَقَفَهُم هل خلق شركاؤهم خلقًا كخلق الله فحملهم ذلك واشتباهه بما خلق الله على أن جعلوا إلهًا غير الله؟، ثم أبطل ذلك بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فحصل الردُّ عليهم.
_________________
(١) في د، هـ: «و».
[ ٢ / ٦٧٧ ]
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الآية؛ هذا مثلٌ ضربه الله للحق وأهله، والباطل وحزبه، فمثَّل الحق وأهله:
بالماء الذي ينزل من السماء فتسيل به الأودية، وتنتفع به الأرض.
وبالذهب والفضة والحديد والصُّفْرِ وغيرها من المعادن التي ينتفع بها الناس.
وشبَّه الباطل في سرعة اضمحلاله وزواله:
بالزبد الذي يرمي به السيل.
وبزبد تلك المعادن التي يطفو فوقها إذا أُذيبت، وليس في الزبد منفعةٌ، وليس له دوام.
﴿بِقَدَرِهَا﴾ يحتمل أن يريد:
ما قُدِّر لها من الماء.
ويحتمل أن يريد بقَدْر ما تحتمله، على قَدْر صغرها وكبرها.
﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾ الزَّبَدُ: ما يحمله السيل من غُثَاءٍ ونحوه، والرَّابي: المنتفخ الذي ربا، ومنه الربوة.
﴿وَمِمَّا تُوقِدُونَ﴾ المجرور في موضع خبر مقدم، والمبتدأ ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾؛ أي: ينشأ من الأشياء التي يوقَد عليها زبدٌ مثل زبد السيل.
﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ﴾ الذي يُوقَد عليه ابتغاء الحَلْيِ: هو الذهب والفضة، والذي يوقد عليه ابتغاء متاع: هو الحديد والرصاص والنحاس والصُّفر وشبه ذلك.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
ومعنى المتاع: ما يَستمتع الناس به في مرافقهم وحوائجهم.
﴿يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ أي: يضرب أمثال الحق والباطل.
﴿جُفَاءً﴾ يَجفُوه السيل؛ أي: يرمي به.
﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ يريد: الخالص من الماء، ومن تلك الأحجار.
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾ الذين استجابوا: هم المؤمنون، وهذا استئناف كلام، والحسنى: الجنة، وإعرابها: مبتدأ، وخبرها: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، فيوقف على ﴿الْأَمْثَالَ﴾، وعلى ﴿الْحُسْنَى﴾.
وقيل: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾ يتعلق بـ ﴿يَضْرِبُ﴾، و﴿الْحُسْنَى﴾ مصدر من معنى ﴿اسْتَجَابُوا﴾؛ أي: استجابوا الاستجابة الحسنى، ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ معطوف على ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾، والمعنى: يضرب الله الأمثال للطائفتين، وعلى هذا إنما يوقف على: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾.
﴿سُوءُ الْحِسَابِ﴾ أي: المناقشة والاستقصاء.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
[﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦)﴾]
﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ﴾ تقريرٌ، والمعنى: أسواء من آمن ومن لم يؤمن؟.
والأعمى هنا: من لم يؤمن بالنبي ﷺ.
وقيل: إنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب ﵁، وأبي جهل لعنه الله.
﴿يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ القرابات وغيرها.
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ قيل: يدفعون الشرك بقول: لا إله إلا الله.
وقيل: يدفعون من أساء إليهم بالتي هي أحسن.
والأظهر: يفعلون الحسنات؛ فيدرؤون بها السيئات، كقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
وقيل: إن هذه الآية نزلت في الأنصار، ثم هي عامة في كل مؤمن اتصف بهذه الصفات.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾ يعني: الجنة، ويحتمل أن يريد بالدار: الآخرة، وأضاف العقبى إليها؛ لأنها فيها.
ويحتمل أن يريد بالدار: الدنيا، وأضاف العقبى إليها؛ لأنها عاقبتها.
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدل من ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾.
أو خبر ابتداء مضمر؛ تفسيرًا لـ ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾.
﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ أي: من كان صالحًا.
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾ أي: يقولون لهم: سلام عليكم.
﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ يتعلق بمحذوف تقديره: هذا بما صبرتم.
ويجوز أن يتعلق بـ ﴿سَلَامٌ﴾؛ أي: نسلم (^١) عليكم بما صبرتم.
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية؛ أوصافٌ مضادةٌ لما تقدّم.
وقيل: إنها في الخوارج، والأظهر: أنها في الكفار.
﴿سُوءُ الدَّارِ﴾ يحتمل أن يراد بها: الدنيا، أو الآخرة (^٢).
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: يوسع على من يشاء، ويضيق على من يشاء، وهذا تفسيره حيث وقع.
﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إخبارٌ في ضمنه ذمٌّ وتسفيهٌ لمن فرح بالدنيا، ولذلك حقرها بقوله: ﴿إِلَّا مَتَاعٌ﴾؛ أي: قليلٌ بالنظر إلى الآخرة.
_________________
(١) في ج، هـ: «يسلم».
(٢) في أ، ب: «في الدنيا والآخرة».
[ ٢ / ٦٨١ ]
[﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩) كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠) وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾].
﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ خرج به مخرج التعجب منهم لما طلبوا آية، أي: قد جاءكم محمد ﷺ بالقرآن وبآيات كثيرة فعميتم عنها، وطلبتم غيرها، تماديتم على الكفر؛ لأن الله يضل من يشاء مع ظهور الآيات، وقد يهدي من يشاء دون ذلك.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ بدل من ﴿مَنْ أَنَابَ﴾، أو خبر ابتداء مضمر.
و﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بدل ثانٍ، أو مبتدأ.
﴿طُوبَى﴾ مصدر من: طاب، كبُشرى، ومعناها: أصبت خيرًا وطيبًا.
وقيل: هي شجرة في الجنة.
وإعرابها: مبتدأ.
﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ﴾ الكاف تتعلق بالمعنى الذي في قوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ قيل: إنها نزلت في أبي جهل.
وقيل: نزلت في قريش حين عاهدهم رسول الله ﷺ عام الحديبية، فكتب الكاتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال قائلهم: نحن لا نعرف الرحمن، وهذا ضعيف؛ لأن الآية نزلت قبل ذلك، ولأن تلك القصة إنما أنكروا فيها التسمية فقط.
ومعنى الآية: أنهم يكفرون بالله مع تلاوة القرآن عليهم.
﴿مَتَابِ﴾ مَفْعَل من التوبة، وهو اسم مصدر.
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية؛ جواب «لو» محذوف تقديره: لو أن قرآنا على هذه الصفة مِنْ تسيير الجبال به، وتقطيع الأرض، وتكليم الموتى؛ لم يؤمنوا به، فالمعنى كقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧].
وقيل: تقديره: لو أن قرآنا على هذه الصفة لكان هذا القرآن الذي هو غاية في التذكير، ونهاية في الإنذار، كقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا﴾ [الحشر: ٢١].
وقيل: هو متعلق بما قبله، والمعنى: وهم يكفرون بالرحمن ولو أن قرآنا سيرت به الجبال.
﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ معناه: أفلم يعلم، وهي لغة هوازن، وقرئ: «أو لم يتبين».
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: كفار قريش والعرب.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
﴿قَارِعَةٌ﴾ يعني: مصيبةٌ في أنفسهم وأولادهم وأموالهم، أو غزوات المسلمين إليهم.
﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ الفاعل ضمير القارعة، والمعنى: إما أن تصيبهم، وإما أن تقرب منهم.
وقيل: التاء للخطاب، والفاعل ضمير المخاطب؛ وهو النبي ﷺ.
والأول أظهر.
﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ هو فتح مكة.
وقيل: قيام الساعة.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
[﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢) أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥) وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)﴾].
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ الآية؛ مقصدها: تأنيس وتسلية للنبي ﷺ، وهكذا حيث وقع.
﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ أي: أمهلتهم.
﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ هو الله تعالى؛ أي: حفيظ رقيب على عمل كل أحد.
والخبر محذوف تقديره: «أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت أحقُّ أن يعبد أم غيره؟»، ويدلُّ على ذلك قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾.
﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أي: اذكروا أسماءهم.
﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ المعنى: أن الله لا يعلم لنفسه شركاء، وإذا لم يعلمهم هو فليسوا بشيء، فكيف تفترون الكذب في عبادتهم،
[ ٢ / ٦٨٥ ]
وتعبدون الباطل؟، وذلك كقولك: قل لي من زيد؟، أم هو أقلُّ من أن يعرف؛ فهو كالعدم.
﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ المعنى: أتسمونهم شركاء بظاهر اللفظ من غير أن يكون لذلك حقيقة؟، كقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم﴾ [النجم: ٢٣].
﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني: بالقتل والأسر والخوف وغير ذلك.
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ هنا وفي «القتال»: أي: صفتُها، وليس بضرب مثلٍ لها. والخبر:
عند سيبويه: محذوف مقدم تقديره: فيما يتلى عليكم: صفةُ الجنة.
وقال الفرَّاء: الخبر مؤخَّر، وهو: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ يعني: ما يؤكل فيها من الثمرات وغيرها، والأكل - بضم الهمزة -: المأكول، ويجوز فيه ضم الكاف وإسكانها، والأكل - بفتح الهمزة -: المصدر.
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني: من أسلم من اليهود والنصارى، كعبد الله بن سلّام والنجاشي وأصحابه.
وقيل: يعني: المؤمنين، و﴿الْكِتَابَ﴾ على هذا: القرآن.
﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ﴾ قيل: هم بنو أمية، وبنو المغيرة من قريش.
والأظهر: أنها في سائر كفار العرب.
[ ٢ / ٦٨٦ ]
وقيل: هم اليهود والنصارى؛ لأنهم لا ينكرون القِصاص والأشياء التي في كتبهم، وإنما ينكرون البعض مما لا يعرفونه أو مما حرَّفوه.
﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ وجه اتصاله بما قبله: أنه جوابٌ للمنكرين، وردٌّ عليهم، كأنه قال: إنما أمرت بعبادة الله وتوحيده، فكيف تنكرون هذا؟.
﴿مَآبِ﴾ مَفْعَل من الأَوْب؛ وهو الرجوع، أي: مرجعي في الآخرة، أو مرجعي بالتوبة.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
[﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾].
﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ ردٌّ على من أنكر أن يكون الرسول من البشر، أو يحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر من النساء والذرية، فالمعنى: لستَ بِبِدْعٍ في ذلك، بل أنت كمن تقدَّم من الرسل.
﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ردٌّ على الذين اقترحوا الآيات.
﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ قال الفراء: لكل كتاب أجلٌ بالعكس.
وهذا لا يلزم، بل المعنى صحيح من غير عكس، أي: لكل أجل كتاب كتبه الله في اللوح المحفوظ.
﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قيل: يعني ينسخ ما يشاء من القرآن والأحكام، ويُثبت منها ما يشاء.
وقيل: هي في آجال بني آدم، وذلك أن الله تعالى في ليلة القدر -وقيل: في ليلة النصف من شعبان- يكتب آجال من يموت في ذلك العام، فيُمحَى (^١)
_________________
(١) في أ، ب: «فيمحوا».
[ ٢ / ٦٨٨ ]
من ديوان الأحياء، ويُثبت من لا يموت في ذلك العام.
وقيل: إن المحو والإثبات على العموم في جميع الأشياء.
وهذا تردُّه القاعدة المتقررة: أن القضاء لا يتبدَّل، وأن علم الله لا يتغير، فقال بعضهم: المحو والإثبات في كل شيء إلا في السعادة والشقاوة الأخراوية، والآجال.
﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أصلُ كلِّ كتاب، وهو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه مقادير الأشياء كلها.
﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ﴾ «إن» شرط دخلت عليها «ما» المؤكدة، وجوابها: ﴿فَإِنَّمَا﴾.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ الإتيان هنا: بالقدرة والأمر، والأرض: أرض الكفار، ونقصها: هو بما يفتح (^١) الله للمسلمين منها، والمعنى: أو لم يروا ذلك فيخافوا أن نمكِّنك منهم.
وقيل: الأرض: جنس، ونقصها: بموت الناس، وهلاك الثمرات، وخراب البلاد، وشبه ذلك.
﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ المعقِّب: الذي يكرُّ على الشيء فيبطله.
﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ تسمية للعقوبة باسم الذنب (^٢).
_________________
(١) في أ، ب، د: «فتح».
(٢) انظر تعليق الشيخ عبد الرحمن البراك ١/ ٥٤٥، وصفحة ٤٢٢، ٥١٢ من هذا الجزء.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
﴿وَسَيَعْلَمُ الْكَافِرُ﴾ تهديدٌ، والمراد بالكافر: الجنس؛ بدليل قراءة ﴿الْكُفَّارُ﴾ بالجمع.
و﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾: الدنيا، أو (^١) الآخرة.
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أمره الله أن يستشهد الله على صحة نبوته.
وشهادة الله له هي: علمه بذلك، أو (^٢) إظهاره الآيات الدالَّة على ذلك.
﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ معطوفٌ على اسم الله؛ على وجه الاستشهاد به.
فقيل: المراد عبد الله بن سلَام ومَن أسلم من اليهود والنصارى الذين يعلَمون صفته ﷺ من التوراة والإنجيل.
وقيل: المراد: المؤمنون الذين يعلمون علم القرآن ودلالته على النبوَّة.
وقيل: المراد: الله تعالى؛ فهو الذي عنده علم الكتاب، ويَضْعُف هذا، لأنه عطفُ صفةٍ على موصوف، ويقويه قراءة: «ومن عِندِه» بـ «من» الجارة وخفض «عنده».
_________________
(١) في أ، ب، د: «و».
(٢) في ج، د: «و».
[ ٢ / ٦٩٠ ]