[﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾].
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ أي: هزم كسرى ملك الفرس جيش ملك الروم.
وسُمِّيت الروم باسم جدهم، وهو روم بن عيصُو بن إسحاق بن إبراهيم.
﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ قيل: هي الجزيرة، وهي بين الشام والعراق، وهي أدنى أرض الروم إلى فارس.
وقيل: في أدنى أرض العرب منهم، وهي أطراف الشام.
[ ٣ / ٤٨٣ ]
﴿وَهُمْ مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ إخبارٌ بأن الروم سيغلبون الفرس (بعد أن غلبهم الفرس) (^١).
﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ البِضْعُ: ما بين الثلاث إلى التسع.
﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ رُوي: أن غَلَبَ الروم لفارس (^٢) وقع يوم بدر، وقيل: يوم الحديبية؛ ففرح المؤمنون بنصر الله لهم على كفار قريش.
وقيل: فرح المؤمنون بنصر الروم على الفرس؛ لأن الروم أهلُ كتاب، فهم أقرب إلى الإسلام، وكذلك فرح الكفار من قريش بنصر الفرس على الروم؛ لأن الفرس ليسوا بأهل كتاب، فهم أقرب إلى كفار قريش.
وروي أنه لما فرح الكفار بذلك خرج إليهم أبو بكر الصديق ﵁، فقال: إن نبينا ﷺ قد أخبرنا عن الله تعالى أنهم سيغلبون، وراهنهم على عشرة قلاص إلى ثلاث سنين، وذلك قبل أن يحرم القمار، فقال له رسول الله ﷺ: «زدهم في الرهن واستزدهم في الأجل»، فجعل القلاص مئة، والأجل تسعة أعوام، وجعل معه أبيّ بن خلف مثل ذلك، فلما وقع الأمر على ما أخبر الله به أخذ أبو بكر القلاص من ذرية أبيّ بن خلف؛ إذ كان قد مات، وجاء بها إلى النبي ﷺ فقال له: «تصدق بها» (^٣).
﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ مؤكّد، كقولك: «له علي ألف درهم عُرفًا»؛ لأن
_________________
(١) سقط من أ، ب.
(٢) في د: «للفرس».
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٨/ ٤٥١).
[ ٣ / ٤٨٤ ]
معناه: اعترفت (^١) له بها اعترافًا.
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا﴾ قيل: معناه: يعلمون ما يُدْرَك بالحواس دون ما يدرك بالعقول؛ فهم في ذلك مثل البهائم.
وقيل: الظاهر: ما يُعلَم بأوائل العقول، والباطن: ما يُعلَم بالدليل والنظر.
وقيل: هو من (^٢) الظهور بمعنى: العلو في الدنيا.
وقيل: ظاهرٌ بمعنى: زائلٌ ذاهبٌ.
والأظهر أنه أراد بالظاهر: المعرفة بأمور الدنيا ومصالحها؛ لأنه وصفهم بعد ذلك بالغفلة عن الآخرة، وذلك يقتضي عدم معرفتهم بها.
وانظر كيف نفى العلم عنهم أولًا، ثم أثبت لهم العلم بالدنيا خاصة.
وقال بعض أهل البيان: إن هذا من المطابقة؛ لاجتماع النفي والإثبات.
وجعل بعضهم العلم المثبت كالعدم؛ لقلّة منفعته، فهو على هذا بيانٌ للنفي.
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ﴾ يحتمل معنيين:
أحدهما: أن تكون النفس ظرفًا للفكرة في خلق السموات والأرض؛ كأنه قال: أو لم يتفكروا بعقولهم فيعلموا أن الله ما خلق السموات والأرض إلَّا بالحق.
_________________
(١) في د، هـ: «أعترف».
(٢) في أ، ب: «بمعنى».
[ ٣ / ٤٨٥ ]
والثاني: أن يكون المعنى: أولم يتفكروا في ذواتهم وخِلْقتهم؛ ليستدلوا بذلك على الخالق، ويكون قوله: ﴿مَا خَلَقَ﴾ الآية استئنافُ كلامٍ.
والمعنى الأول أظهر.
﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ أي: حرثوها.
﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ معنى ﴿السُّوأَى﴾: هلاك الكفار. ولفظ ﴿السُّوأَى﴾ تأنيث الأسوأ، كما أن الحسنى تأنيث الأحسن. وقرئ ﴿عَاقِبَةُ﴾:
بالرفع على أنه اسم ﴿كَانَ﴾، و﴿السُّوأَى﴾ خبرها.
وقرئ بنصب ﴿عَاقِبَةَ﴾ على أنها خبر ﴿كَانَ﴾، و﴿السُّوأَى﴾ اسمها. و﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ مفعول من أجله.
ويحتمل أن تكون ﴿السُّوأَى﴾ مصدر: ﴿أَسَاءُوا﴾ (^١).
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «أساء».
[ ٣ / ٤٨٦ ]
[﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾].
﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ الإبلاسُ: الكون في شرٍّ مع اليأس من الخيرِ.
﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ معناه: في المنازل والجزاء.
﴿يُحْبَرُونَ﴾ يُنَعَّمون (^١)؛ من الحبور، وهو السرور والنعيم.
وقيل: يكرمون.
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ هذا تعليمٌ للعباد؛ أي: قولوا «سبحان الله» حين تمسون وحين تصبحون، وعشيًّا وحين تُظْهِرون؛ أي: حين تدخلون في وقت الظهيرة وهو وسط النهار.
وقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: اعتراضٌ بين المعطوفات.
وقيل: أراد بذلك الصلوات الخمس، فـ ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ المغرب والعشاء، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: الصبح، ﴿وَعَشِيًّا﴾: العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: الظهر.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «يتنعمون».
[ ٣ / ٤٨٧ ]
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ﴾ ذُكِر في «آل عمران» (^١).
﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ﴾ أي: يُنبت فيها النبات.
﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أي: كما يخرج الله النبات من الأرض، كذلك يخرجكم من الأرض للبعث يوم القيامة.
_________________
(١) انظر (١/ ٥٢٧).
[ ٣ / ٤٨٨ ]
﴿﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾﴾.
﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ أي: تتصرَّفون (^١) في الدنيا.
﴿مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أي: من صنفكم وجنسكم.
وقيل: أراد خِلْقَةَ حواء من ضِلْعِ آدم، وخاطب الناس بذلك؛ لأنهم ذرية آدم.
﴿مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ قيل: المودة: الجماع، والرحمة: الولد.
والعموم أحسن وأبلغ.
﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ أي: لغاتكم.
﴿وَأَلْوَانِكُمْ﴾ يعني: البياض والسواد.
_________________
(١) في د: «تنصرفون».
[ ٣ / ٤٨٩ ]
وقيل: يعني: أصنافكم.
والأول أظهر.
﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ذُكِر في «الرعد» (^١).
﴿أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ معناه: تثبت أو يقوم تدبيرها (^٢).
﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ ﴿إِذَا﴾:
الأولى: شرطية.
والثانية: فجائية، وهي جواب الأولى.
والدعوة في هذه الآية:
قوله للموتى: قوموا.
أو النفخة الثانية في الصور.
و﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ يتعلق:
بقوله: ﴿تَخْرُجُونَ﴾.
أو بقوله: ﴿دَعَاكُمْ﴾؛ على أن تكون الغاية بالنظر إلى المدعوِّ؛ كقولك: «دعوتك من الجبل» إذا كان المدعوُّ في الجبل.
﴿قَانِتُونَ﴾ ذُكِرَ في «البقرة» (^٣).
_________________
(١) انظر (٢/ ٦٧٥).
(٢) في ج، د: «تدبرها»!.
(٣) انظر (١/ ٣٥٣).
[ ٣ / ٤٩٠ ]
﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: الإعادة يوم القيامة أهون عليه من الخلقة الأولى، وهذا تقريبٌ لفهم السامع وتحقيقٌ للبعث؛ فإن من صنع صنعةً أول مرة كانت أيسر عليه ثاني مرة، ولكنَّ الأمور كلها متساويةٌ عند الله؛ فإن كل شيء على الله يسير (^١).
﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ أي: الوصف الأعلى الذي يصفه به أهل السموات والأرض.
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك ﵀: قول المصنف ﵀: «هذا تقريبٌ لفهم السامع وتحقيقٌ للبعث» إلخ، أقول: يريد أن أفعل التفضيل ليس على حقيقته؛ فليس المعنى أن الإعادة أيسرُ على الله من البدء - الخلق الأول - لأن قدرته تعالى على الأشياء واحدة، والأشياء بالنسبة لقدرته تعالى سواء، فليس شيء منها أيسر على الله من شيء، وإنما ذكر أفعل التفضيل تقريبًا للمخاطبين؛ لأن المستقر في عقولهم أن الإعادة أهون من البدء، وهذا توجيه صحيح، وفي الآية توجيه آخر صحيح أيضا؛ وهو أن أفعل التفضيل على غير بابه، أي: ليس المقصود منه المفاضلة بين شيئين، بل المراد إثبات الوصف، وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿أهون عليه﴾ أي: هينٌ عليه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. والله أعلم.
[ ٣ / ٤٩١ ]
[﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾].
﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِنْ شُرَكَاءَ﴾ هذا هو المثل المضروب، ومعناه: أنكم أيها الناس لا يشارككم عبيدكم في أموالكم، ولا يستوون معكم في أحوالكم، فكذلك الله تعالى لا يشارك عبيده في ملكه، ولا يماثله أحد في ربوبيته، فذكر حرف الاستفهام ومعناه التقرير على النفي، ودخل في النفي قوله: ﴿فأَنتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: لستم في
[ ٣ / ٤٩٢ ]
أموالكم سواءً مع عبيدكم، ولستم تخافونهم كما تخافون الأحرار مثلكم؛ لأن العبيد عندكم أقلُّ وأذل من ذلك.
﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم﴾ الإضراب بـ ﴿بَلِ﴾ عما تضمنه معنى الآية المتقدمة، كأنه يقول: ليس لهم حجة في إشراكهم بالله؛ بل اتبعوا في ذلك أهواءهم بغير علم.
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ هو دين الإسلام.
وإقامة الوجه في الموضعين من السورة: عبارةٌ عن الإقبال عليه والإخلاص فيه.
وفي قوله: ﴿فَأَقِمْ﴾، و﴿الْقَيِّمِ﴾ ضربٌ من ضروب التَّجنيس.
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ منصوبٌ على المصدر: كقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨]. أو مفعولٌ بفعل مضمر تقديره: الزموا فطرة الله، أو عليكم فطرة الله.
ومعناه: خلقة الله، والمراد به: دين الإسلام؛ لأن الله خلق الخلق عليه، إذ هو الذي تقتضيه عقولهم السليمة، وإنما كفر من كفر لعارضٍ أخرجه عن أصل فطرته، كما قال ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه ..» (^١).
﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ يعني بـ ﴿لِخَلْقِ اللَّهِ﴾: الفطرة التي فطر الناس عليها من الإيمان.
ومعنى أن الله لا يبدلها: أنه لا يخلق الناس على غيرها، ولكن يبدِّلها
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨).
[ ٣ / ٤٩٣ ]
شياطين الإنس والجن بعد الخِلْقة الأولى.
أو يكون المعنى: أن تلك الفطرة لا ينبغي للناس أن يبدّلوها؛ فالنفي على هذا حكمٌ لا خبر.
وقيل: إنه على الخصوص (^١) في المؤمنين؛ أي: لا تبديل لفطرة الله في حق مَنْ قضى الله أنه يثبت على إيمانه.
وقيل: إنه نهيٌ عن تبديل خلقة الله، كخِصَاء الفحول من الحيوان، وقطع آذانها وشبه ذلك.
﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ منصوبٌ على الحال من قوله: ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ﴾؛ لأن الخطاب للنبي ﷺ، والمراد: هو وأمته، ولذلك جمعهم في قوله: ﴿مُنِيبِينَ﴾.
وقيل: هو حال من ضمير الفاعل المستتر في: «الزموا فطرة الله».
وقيل: هو حال من قوله: ﴿فَطَرَ النَّاسَ﴾، وهذا بعيد.
﴿وَاتَّقُوهُ﴾ وما بعده: معطوفٌ:
على ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ﴾.
أو على العامل في ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾، وهو «الزموا» المضمر.
﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ المجرور بدلٌ من المجرور قبله.
ومعنى ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾: جعلوه فِرَقًا؛ أي: اختلفوا فيه.
_________________
(١) في ج، د: «إنه خصوصٌ».
[ ٣ / ٤٩٤ ]
وقرئ: ﴿فَارَقُوا﴾ من المفارقة؛ أي: تركوه.
والمراد بالمشركين هنا: أصناف الكفار.
وقيل: هم المسلمون الذي تفرّقوا فِرَقًا مختلفة، ففي لفظ ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ هنا تجوّزٌ بعيد، ولعلَّ قائلَ هذا القول إنما قاله في قول الله في «الأنعام»: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾؛ فإنه ليس هناك ذكر المشركين.
﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ﴾ الآية؛ إنحاءٌ على المشركين؛ لأنهم يدعون الله في الشدائد ويشركون به في الرخاء.
﴿لِيَكْفُرُوا﴾ ذكر في «العنكبوت» (^١).
﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا منقطعةٌ بمعنى: «بل» والهمزة.
والسلطان: الحجة، وكلامه مجازٌ، كما تقول: نطق الكتاب بكذا، والمعنى: ليس لهم حجة تشهد بصحة شركهم.
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾ إنحاءٌ على مَنْ يفرح ويَبْطَر إذا أصابه الخير، ويقنط إذا أصابه الشر.
وانظر كيف قال هنا ﴿وَإِذَا﴾، وقال في الشر: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾؛ لأن «إذا» للقطع بوقوع الشرط، بخلاف «إنْ»؛ فإنها للشكِّ في وقوعه، ففي ذلك إشارةٌ إلى أن الخير الذي يصيب به عباده أكثرُ من الشرِّ.
﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ المعنى: أن ما يصيب الناس من المصائب فإنه بسبب ذنوبهم.
_________________
(١) انظر صفحة ٤٨١.
[ ٣ / ٤٩٥ ]
﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ يعني: صلة رحم القرابة؛ بالإحسان والمودَّة، ولو بالكلام الطيب.
﴿وَمَا آتَيْتُم مِن رِبًا لِتُرْبُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ الآية؛ معناها كقوله: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، أي: ما أعطيتم من أموالكم على وجه الربا فلا يزكو عند الله، وما آتيتم من الصدقات فهو الذي يزكو عند الله وينفعكم به.
وقيل: المراد: أن يهب الرجلُ للرجل أو يُهدي له ليعوضه أكثر من ذلك، فهذا وإن كان جائزًا فإنه لا ثواب فيه.
وقرئ: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِن رِبًا﴾:
بالمدِّ: بمعنى أعطيتم.
وبالقصر: يعني: جئتم به؛ أي: فعلتموه.
وقرئ: ﴿لِتُرْبُوا﴾ بالتاء المضمومة، و﴿لِيَرْبُوَ﴾ بالياء مفتوحةً ونصب الواو.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ المضعف: ذو الإضعاف من الحسنات.
وفي هذه الجملة التفاتٌ؛ لخروجه من الخطاب إلى الغيبة، وكان الأصل أن يقال: «وما آتيتم من زكاة فأنتم المضعفون».
وفيها أيضًا حذفٌ؛ لأنه لا بد من ضمير يرجع إلى «ما»، وتقديره: «المضعفون به»، أو: «فمؤتوه هم المضعفون».
[ ٣ / ٤٩٦ ]
[﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٤٥) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)﴾]
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قيل: البر: البلاد البعيدة من البحر، والبحر: هو البلاد التي على ساحل البحر.
وقيل: البر: اللسان، والبحر: القلب، وهذا بعيد.
والصحيح: أن البر والبحر هما المعروفان، وظهور الفساد في البر: بالقحط والفتن وشبه ذلك، وظهور الفساد في البحر: بالغرق وقلة الصيد وكساد التجارات وشبه ذلك، وكل ذلك بسبب ما يفعله الناس من الكفر والعصيان.
[ ٣ / ٤٩٧ ]
﴿لَا مَرَدَّ لَهُ﴾ أي: لا رجوع له، ولا بد من وقوعه.
﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يتعلق:
بقوله: ﴿يَأْتِيَ﴾.
أو بقوله: ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ﴾ أي: لا يرده الله.
﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ من الصَّدْع، وهو الفُرْقة؛ أي: يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير.
﴿فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي: يُوطِئون، وهو استعارة من تمهيد الفراش ونحوه.
والمعنى: أنهم يعملون ما ينتفعون به في الآخرة.
﴿لِيَجْزِيَ﴾ متعلّق:
بـ ﴿يَمْهَدُونَ﴾.
أو ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾.
أو بمحذوف.
﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ أي: تبشّر بالمطر.
﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾ عطف على ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾؛ كأنه قال: ليُبشّركم وليذيقكم.
ويحتمل أن يتعلّق بمحذوف تقديره: ليذيقكم من رحمته أرسلها.
﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾ انتصب ﴿حَقًّا﴾ لأنه خبر «كان»، واسمها ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
[ ٣ / ٤٩٨ ]
وقيل: اسمها مضمر يعود على مصدر ﴿انْتَقَمْنَا﴾، أي: وكان الانتقام حقًّا، فعلى هذا: يوقف على ﴿حَقًّا﴾، ويكون ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مبتدأً، وهذا ضعيف.
﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ أي: تحرّكها وتنشرها.
﴿كِسَفًا﴾ أي: قِطَعًا، وقرئ بإسكان السين، وهما بناءان للجمع.
وقيل: معنى الإسكان: أن السحاب قطعة واحدة.
﴿الْوَدْقَ﴾ هو المطر.
﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾ الخلال: الشَّقاق التي بين بعضه وبعض؛ لأنه متخلل الأجزاء، والضمير يعود على السحاب.
﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ كرر للتأكيد، وليفيد سرعة تقلُّب قلوب الناس من القنوط إلى الاستبشار.
﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أي: قانطين، كقوله: ﴿يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨].
﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ الضمير للنبات الذي ينبته الله بالمطر.
والمعنى: لئن أرسل الله ريحًا فاصفرَّ بها النبات لكفر الناس بالقنوط والاعتراض على الله.
وقيل: الضمير للريح.
وقيل: للسحاب.
[ ٣ / ٤٩٩ ]
والأول أحسن في المعنى.
﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الآية؛ استعارةٌ في عدم سَمْع الكفار للمواعظ والبراهين، فشبه الكفار بالموتى في عدم إحساسهم.
[ ٣ / ٥٠٠ ]
[﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾].
﴿خَلَقَكُمْ مِن ضَعْفٍ﴾ الضَّعف الأوَّل: كون الإنسان من ماء مهين، وكونه ضعيفًا في حال الطفوليَّة.
والضَّعف الأخير: هو الهَرَم.
وقُرئ بفتح الضَّاد وضمها، وهما لغتان.
﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ هذا جواب القسم، ومعناه: أنهم يحلفون أنهم ما لبثوا في القبور تحت التراب إلَّا ساعة.
أو: ما لبثوا في الدنيا إلَّا ساعة، وذلك لاستقصارهم تلك المدة.
﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ أي: مثل هذا الصرف كانوا يُصرَفون في الدنيا عن الصِّدق والتحقيق؛ حتى يروا الأشياء على ما هي عليه.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ﴾ هم الملائكة والأنبياء والمؤمنون، ردُّوا مقالة الكفار التي حلفوا عليها.
[ ٣ / ٥٠١ ]
﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ يعني: اللوح المحفوظ أو علم الله، والمجرور على هذا يتعلق بقوله: ﴿لَبِثْتُمْ﴾.
وقيل: يعني: القرآن، فعلى هذا يتعلق هذا المجرور بقوله: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، وفي الكلام تقديم وتأخير، وتقديره على هذا: قال الذين أتوا العلم في كتاب الله؛ أي: العلماء بكتاب الله.
وقولهم: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ﴾ خطاب للكفار.
وقولهم: ﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ تقرير لهم، وهو في المعنى جواب لشرط مقدَّر تقديره: إن كنتم تنكرون البعث فهذا يوم البعث.
﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ من العُتْبى: بمعنى الرضا؛ أي: لا يُرْضَون، وليست «استفعل» هنا للطلب.
﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ يعني: ما وَعد من النصر على الكفار.
﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ من الخِفَّة؛ أي: لا تضطرب لكلامهم.
[ ٣ / ٥٠٢ ]