[﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾].
﴿طسم (١)﴾ تكلمنا على حروف الهجاء في أول «البقرة» (^١).
ويختصّ (^٢) هذا: أنه قيل: الطاء من «ذي الطَّوْل»، والسين من «السميع» أو «السلام»، والميم من «الرحيم» أو «المنعم».
﴿بَاخِعٌ﴾ ذُكر في «الكهف» (^٣).
﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ الأعناق: جمع عُنق، وهي الجارحة المعروفة.
وإنما جمع ﴿خَاضِعِينَ﴾ جمع العقلاء:
لأنه أضاف الأعناق إلى العقلاء.
_________________
(١) انظر (١/ ٢٦١).
(٢) في أ، ب، هـ: «ويخص».
(٣) انظر صفحة ٧.
[ ٣ / ٣٥٥ ]
أو (^١) لأنه وصفها بفعل لا يكون إلّا من العقلاء.
وقيل: الأعناق: الرؤساء من الناس شُبِّهوا بالأعناق كما يقال لهم: رؤوسٌ وصدورٌ.
وقيل: هم الجماعات من الناس.
فلا يحتاج جمع ﴿خَاضِعِينَ﴾ إلى تأويل.
﴿مُحْدَثٍ﴾ يعني به: محدث الإتيان (^٢).
﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾ الآية؛ تهديد.
﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: من كل صنف من النبات، فيعمُّ ذلك الأقوات والفواكه والأدوية والمرعى.
ووصفه بالكرم؛ لما فيه من الحسن والمنافع.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ الإشارة إلى ما تقدَّم من النبات، وإنما ذكره بلفظ الإفراد؛ لأنه أراد: إنَّ في كل واحد آيةً.
أو أشار إلى مصدر قوله: ﴿أَنْبَتْنَا﴾.
_________________
(١) في ج، د: «و».
(٢) انظر تعليق الشيخ عبد الرحمن البراك (٣/ ١٣١٩).
[ ٣ / ٣٥٦ ]
[﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣)﴾].
﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ بالرفع:
عطفٌ على ﴿أَخَافُ﴾.
أو استئنافٌ.
وقرئ بالنصب؛ عطفًا على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾.
﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ أي: اجعله معي رسولًا أستعين به.
﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾ يعني: قتله للقبطي.
﴿قَالَ كَلَّا﴾ أي: لا تخف أن يقتلوك.
[ ٣ / ٣٥٧ ]
﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ خطابٌ لموسى وأخيه ومن كان معهما.
أو على جعل الاثنين جماعةً.
﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ لفظه جمعٌ، وورد مورد تعظيم الله تعالى.
ويحتمل أن تكون الملائكة هي التي تستمع بأمر الله؛ لأن الله لا يوصف بالاستماع، وإنما يوصف بالسمع (^١).
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك ﵀: قول المصنف ﵀: «(مستمعون) لفظه جمعٌ، ووَرَد مورد تعظيم الله تعالى» إلخ، أقول: قوله: «ورد مورد تعظيم الله» معناه: أن الله ذكر نفسه بصيغة الجمع وهو واحد للدلالة على عظمته تعالى، وهذا معنى صحيح؛ فإنه تعالى يذكر نفسه بصيغة المفرد مظهرًا أو مضمرًا، للدلالة على التوحيد، ويذكر نفسه بصيغة الجمع مظهرًا أو مضمرًا للدلالة على عظمته لكثرة أسمائه وصفاته، وكثرة عبيده وجنوده، وشواهدُ هذا في القرآن كثيرة؛ كما في هذه الآية: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾، وقوله: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، وقوله تبارك اسمه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، وقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، وقد يراد بهذه الصيغة الملائكة كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، فالمراد قراءة جبريل، وقوله سبحانه: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، والمراد قرب الملائكة الحافظين الكاتبين لعمل العبد، وقد تدل هذه الصيغة على الأمرين معًا؛ على التعظيم وعلى إرادة الملائكة، ومن ذلك هذه الآية: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾، فالله يستمع، والملائكة يستمعون، كما قال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، وقال سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، وقول المصنف: «إن الله لا يوصف بالاستماع، وإنما يوصف بالسمع»، هذا غلط منه ﵀ منشؤه نفي الأفعال الاختيارية عن الله، وهي التي تكون بمشيئته تعالى، وهو المعروف من مذهب الأشاعرة، كيف وقد أخبر تعالى عن نفسه في هذه الآية بصيغة الجمع بأنه مستمع؟! ويشهد لذلك ما جاء في السنة، وهو قوله ﷺ: «ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن، يجهر به»، وقوله: (ما أذن) أي: ما استمع، والأذن - بالتحريك - الاستماع =
[ ٣ / ٣٥٨ ]
والأول أحسن، وتأويله: أن في الاستماع اعتناءً واهتمامًا بالأمر ليست في صيغة «سامعون».
والخطاب في قوله: ﴿مَعَكُمْ﴾ لموسى وهارون وفرعون وقومه.
وقيل: لموسى وهارون خاصة؛ على معاملة الاثنين معاملة الجماعة، وذلك على قول من يرى أن أقل الجمع اثنان.
﴿إِنَّا رَسُولُ﴾ إن قيل: لم أفرده وهما اثنان؟
فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أنَّ التقدير: كلُّ واحدٍ منَّا رسول.
الثاني: أنهما جُعِلا كشخص واحد؛ لاتفاقهما في الشريعة، ولأنهما أخوان؛ فكأنهما واحد.
الثالث: أنَّ ﴿رَسُولُ﴾ هنا مصدرٌ وُصِف به، فلذلك يُطَلَقَ (^١) على الواحد والاثنين والجماعة، فإنه يقال: رسولٌ: بمعنى رسالة، بخلاف قوله: ﴿إِنَّا رَسُولَا﴾ [طه: ٤٧]؛ فإنه بمعنى: المرسَل.
﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾ أي: أطلقهم.
﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ قصد فرعونُ بهذا الكلام المنَّ على موسى، والاحتقار له.
_________________
(١) = فالاستماع فعل من الله يكون بمشيئته، فهو تعالى يسمع جميع الأصوات، ويستمع لما شاء منها، ومن ذلك ما جاء في الآية والحديث، فالاستماع أخصُّ من السماع، فكلُّ استماع متضمنٌ للسماع دون العكس. والله أعلم.
(٢) في ج، د: «أُطلق».
[ ٣ / ٣٥٩ ]
﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩)﴾ قصد فرعون بهذا الكلام توبيخ موسى ﵇.
ويعني بالفَعْلَة: قتله للقبطي.
والواو في قوله: ﴿وَأَنْتَ﴾:
إن كانت للحال فقوله: ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ معناه: كافرٌ بهذا الدين الذي جئتَ به؛ لأن موسى إنما أظهر لهم الإسلام بعد الرسالة، وقد كان قبل ذلك مؤمنًا، ولم يعلم بذلك فرعون.
وقيل: معناه من الكافرين بنعمتي.
وإن كانت الواو للاستئناف: فيحتمل أن يريد:
من الكافرين بديني.
أو من الكافرين بنعمتي.
﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾ القائل هنا: هو موسى ﵇، والضمير في قوله: ﴿فَعَلْتُهَا﴾ لقتله القبطي.
واختُلف في معنى قوله: ﴿مِنَ الضَّالِّينَ﴾:
فقيل: معناه: من الجاهلين بأن وَكْزَتي تقتله.
وقيل: معناه: من الناسين، فهو كقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وقوله: ﴿إِذًا﴾ صلةٌ في الكلام، وكأنها بمعنى حينئذٍ. قال ذلك ابن عطية (^١).
_________________
(١) المحرر الوجيز (٦/ ٤٧٥).
[ ٣ / ٣٦٠ ]
﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ﴾ أي: من فرعون وقومه، ولذلك جمع ضمير الخطاب بعد أن أفرده في قوله: ﴿تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ﴾ (^١).
﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ معنى ﴿عَبَّدْتَ﴾: ذلَّلت واتخذتهم عبيدًا، فمعنى هذا الكلام: أنك عددت نعمةً عليَّ تعبيدَ بني إسرائيل، وليست في الحقيقة بنعمة، إنما كانت نقمة؛ لأنك كنت تذبح أبناءهم، ولذلك وصلتُ أنا إليك فربيتني.
فالإشارة بقوله: ﴿تِلْكَ﴾ إلى التربية.
و﴿أَنْ عَبَّدْتَ﴾:
في موضع رفع عطف بيان على ﴿تِلْكَ﴾.
أو في موضع نصبٍ على أنه مفعول من أجله.
وقيل: معنى الكلام: تربيتك نعمةٌ عليَّ؛ لأنك عبَّدت بني إسرائيل وتركتني.
فهي في المعنى الأول: إنكار لنعمته.
وفي الثاني: اعترافٌ بها.
﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾ لما أظهر فرعون الجهل بالله فقال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؟ أجابه موسى بقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فقال: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾؟ تعجبًا من جوابه، فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ لأن وجود الإنسان وآبائه أظهرُ
_________________
(١) هذه الآية ﴿تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ بعد ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ﴾ وليست قبلها، فلو قال: «جمع ضمير الخطاب مع إفراده في قوله ..» لاستقامت العبارة، كما هي عبارة الكشاف (١١/ ٣٣٩)
[ ٣ / ٣٦١ ]
الأدلة (^١) عند العقلاء وأعظم البراهين؛ فإن أنفسهم أقرب الأشياء إليهم فيستدلون (^٢) بها على وجود خالقهم، فلما ظهرت هذه الحجة حاد فرعون عنها، ونسب موسى إلى الجنون مغالطة منه، وأبدى الازدراء والتهكُم في قوله: ﴿رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾ فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾؛ لأن طلوع الشمس وغروبها آية ظاهرة لا يمكن أحدًا جحدها، ولا أن يدعيها لغير الله، ولذلك أقام إبراهيم الخليل بها الحجة على نمرود، فلما انقطع فرعون بالحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلُّب فهدَّده بالسجن، فأقام موسى عليه الحجة بالمعجزة، وذكرها له بتلطُّف؛ طمعًا في إيمانه، فقال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ والواو واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام، وتقديره: أتفعل بي ذلك ولو جئتُك بشيء مبين؟.
وقد تقدَّم في «الأعراف» (^٣) ذكر العصا واليد، و﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ و﴿أَرْجِهْ﴾ و﴿حَاشِرِينَ﴾.
فإن قيل: كيف قال أوَّلًا: ﴿إِنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ﴾، ثم قال آخِرًا: ﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾؟
فالجواب: أنه لايَنَ أوَّلًا طمعًا في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة وبَّخهم بقوله: ﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾.
_________________
(١) في ب، ج، د، هـ: «دلالة».
(٢) في أ، ب، هـ: «يستدلون».
(٣) انظر (٢/ ٣٧١، ٣٧٣).
[ ٣ / ٣٦٢ ]
[﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾].
﴿لِمِيقَاتِ يَوْمٍ﴾ هو يوم الزينة.
﴿نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ أي: نتبعهم في نصرة ديننا، لا في عمل السحر.
﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ قسمٌ أقسموا به.
وقد تقدَّم في «الأعراف» (^١) تفسير ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾، وما بعد ذلك.
﴿لَا ضَيْرَ﴾ أي: لا يضرُّنا ذلك؛ لأننا ننقلب إلى الله.
_________________
(١) انظر (٢/ ٣٧٤).
[ ٣ / ٣٦٣ ]
[﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾].
﴿أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ يعني: بني إسرائيل.
﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ إخبارٌ باتباعِ فرعون.
﴿لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ الشِّرْذمة: الطائفة من الناس، وفي هذا احتقارٌ لهم على أنه رُوي أنهم كانوا ستَّ مئة ألف، ولكن جنود فرعون أكثر منهم بكثير.
﴿فَأَخْرَجْنَاهُم مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧)﴾ يعني: التي بمصر.
والعيون: الخُلْجان الخارجة من النيل، و(^١) كانت ثمَّ عيون في ذلك الزمان.
وقيل: يعني الذهب والفضة وهو بعيد.
﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ مجالس الأمراء والحكَّام.
وقيل: المنابر.
_________________
(١) في أ، ب، د: «أو».
[ ٣ / ٣٦٤ ]
وقيل: المساكن الحسان.
﴿كَذَلِكَ﴾ في موضع خفض؛ صفةٌ لـ ﴿وَمَقَامٍ﴾.
أو في موضع نصبٍ، على تقدير: أخرجناهم مثل ذلك الإخراج.
أو في موضع رفع، أنه خبر ابتداء تقديره: الأمرُ كذلك.
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: أورثهم الله مواضع فرعون بمصر.
على أن التواريخ لم يُذكر فيها مُلْك بني إسرائيل لمصر، وإنما المعروف أنهم مَلَكوا الشام، فتأويله على هذا: أورثهم مثل ذلك بالشام.
﴿فَأَتْبَعُوهُم﴾ أي: لحقوهم، وضمير الفاعل لفرعون وقومه، وضمير المفعول لبني إسرائيل.
﴿مُشْرِقِينَ﴾ معناه: داخلين في وقت الشروق، وهو طلوع الشمس.
وقيل: معناه: نحو المشرق.
وانتصابه على الحال.
﴿تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ وزن ﴿تَرَاءَى﴾ تفاعل، وهو مشتقّ من الرؤية، والجمعان: جمع موسى وجمع فرعون، أي: رأى بعضهم بعضًا.
﴿فَانفَلَقَ﴾ تقدير الكلام: فضرب موسى البحر فانفلق.
﴿كُلُّ فِرْقٍ﴾ أي: كل جزء منه، والطود: الجبل.
ورُوي: أنه صار في البحر اثنا عشر طريقًا، لكل سبط من بني إسرائيل طريقٌ.
[ ٣ / ٣٦٥ ]
﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤)﴾ يعني بـ ﴿الْآخَرِينَ﴾: فرعون وقومه، ومعنى: ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾: قَرَّبناهم من البحر ليغرقوا.
و﴿ثَمَّ﴾ ظرفٌ يراد به هنا: حيث انغلق البحر، وهو بحر القُلْزُوم.
[ ٣ / ٣٦٦ ]
[﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾].
﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ إنما سألهم مع علمه بأنَّهم يعبدون الأصنام؛ ليبين لهم أنَّ ما يعبدونه ليس بشيء، ويقيم عليهم الحجة.
﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ إن قيل: لم صرَّحوا بقولهم ﴿نَعْبُدُ﴾، مع أنَّ السؤال - وهو قوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ - يغني عن التصريح بذلك، وقياس مثل هذا: الاستغناء بدلالة السؤال كقوله: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠]؟.
فالجواب: أنَّهم صرَّحوا بذلك على وجه الافتخار والابتهاج بعبادة
[ ٣ / ٣٦٧ ]
الأصنام، ثم زادوا قولهم: ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ مبالغةً في ذلك.
﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾ اعترافٌ بالتقليد المحض.
﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ استثناءٌ منقطع.
وقيل: متصل؛ لأن في آبائهم مَنْ عبد الله تعالى.
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ أسند المرضَ إلى نفسه والشفاءَ إلى الله؛ تأدُّبًا مع الله.
﴿أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ قيل: أراد كذباته (^١) الثلاثة الواردة في الحديث (^٢)، وهي قوله في سارة زوجته: «هي أختي»، وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣].
وقيل: أراد الجنس على الإطلاق؛ لأن هذه الثلاثة من المعاريض فلا إثم فيها.
﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ ثناءً جميلًا.
﴿لَا يَنْفَعُ﴾ وما بعده: منقطع عن كلام إبراهيم، وهو من كلام الله تعالى، ويحتمل أن يكون أيضًا من كلام إبراهيم.
﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ قيل: سليم من الشرك والمعاصي.
وقيل: الذي يلقى ربه وليس في قلبه شيء غيره.
_________________
(١) في ج، د: «كلماته».
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٥٧)، ومسلم (٢٣٧١).
[ ٣ / ٣٦٨ ]
وقيل: بقلب لديغ من خشية الله، والسَّليم: هو اللديغ لغة.
وقال الزمخشري: هذا من بِدَعِ (^١) التفاسير (^٢).
وهذا الاستثناء:
يحتمل أن يكون متصلًا، فيكون: ﴿مَنْ أَتَى اللَّهَ﴾ مفعولًا، بقوله: ﴿لَا يَنْفَعُ﴾ والمعنى على هذا: أن المال لا ينفع إلَّا من أنفقه في طاعة الله، وأن البنين لا ينفعون إلَّا من علَّمهم الدين وأوصاهم بالحق.
ويحتمل أيضًا أن يكون متصلًا، ويكون قوله: ﴿مَنْ أَتَى اللَّهَ﴾ بدلًا من قوله: ﴿مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ على حذف مضاف تقديره: إلَّا مالُ من أتى الله وبنوه.
ويحتمل أن يكون منقطعًا بمعنى: «لكن».
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ أي: قُرِّبت.
﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١)﴾ يعني: المشركين؛ بدلالة ما بعده.
﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ كبكبوا: مضاعف من «كَبَّ» (^٣) كُرِّرت حروفه؛ دلالة على تكرير معناه، أي: كبَّهم الله في النار مرةً بعد مرة.
والضمير للأصنام، و﴿وَالْغَاوُونَ﴾ هم المشركون.
وقيل: الضمير للمشركين، و﴿وَالْغَاوُونَ﴾ هم الشياطين.
﴿نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: نجعلكم سواءً معه.
_________________
(١) في أ، ب، د، هـ: «بديع»، والمثبت موافق لعبارة الكشاف.
(٢) الكشاف (١١/ ٣٨١).
(٣) في ب، ج: «مضاعف مركب»!.
[ ٣ / ٣٦٩ ]
﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩)﴾ يعني: كبراءهم، وأهل الجُرْم والجُرْأَة منهم.
﴿حَمِيمٍ﴾ أي: خالص الود.
قال الزمخشري: جَمَع الشفعاء ووحَّد الصديق؛ لكثرة الشفعاء في العادة، وقلة الأصدقاء (^١).
_________________
(١) الكشاف (١١/ ٣٨٦).
[ ٣ / ٣٧٠ ]
[﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)﴾].
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ أسند الفعل إلى القوم وفيه علامة التأنيث؛ لأن القوم في معنى الجماعة والأمة.
فإن قيل: كيف قال: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ بالجمع وإنما كذبوا نوحًا وحده؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنه أراد الجنس، كقولك: «فلان يركب الخيل» وإنما لم يركب إلَّا فرسًا واحدًا.
والآخر: أنَّ من كذَّب نبيًّا واحدًا فقد كذب جميع الأنبياء ﵈؛ لأن قولهم واحد ودعوتهم سواءٌ.
وكذلك الجواب في: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ وغيره.
﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ جمع أرذلِ، وقد تقدَّم الكلام عليه في قوله: ﴿أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧] في «هود» (^١).
_________________
(١) انظر (٢/ ٥٨١).
[ ٣ / ٣٧١ ]
﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)﴾ يعني: الذين سمَّوهم أرذلين، فإنَّ الكفار أرادوا من نوح أن يطردهم، كما أرادت قريش من رسول الله ﷺ أن يطرد عمار بن ياسر وصهيبًا وبلالًا وأشباههم من الضعفاء.
﴿الْمَرْجُومِينَ﴾ يحتمل أن يريد الرجم:
بالحجارة.
أو بالقول، وهو الشتم.
﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ﴾ أي: احكم بيننا.
﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أي: المملوء.
[ ٣ / ٣٧٢ ]
[﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)﴾].
﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾ الرِّيع: المكان المرتفع.
وقيل: الطريق.
﴿آيَةً﴾ يعني: المباني الطوال.
وقيل: أبراج الحمام.
﴿مَصَانِعَ﴾ جمع مَصنع، وهو ما أُتقِن صُنْعُه من المباني.
وقيل: مآخذ الماء.
﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣)﴾ الآية؛ تفسير لقوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ فأبهَمَ أوَّلًا، ثم فسَّره.
﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ بضم الخاء واللام: أي: عادتهم، والمعنى: أنهم قالوا: ما هذا الذي نحن عليه من ديننا ومبانينا (^١) إلَّا عادة الناس الأوَّلين.
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من أ، ب، هـ.
[ ٣ / ٣٧٣ ]
وقرئ بفتح الخاء وإسكان اللام، ويحتمل على هذا وجهين:
أحدهما: أنه بمعنى الخِلْقة، والمعنى: ما هذه الخلقة التي نحن عليها إلَّا خِلْقة الأولين.
والآخر: أنها من الاختلاق بمعنى الكذب، والمعنى: ما هذا الذي جئتَ به إلَّا كذب الأولين.
[ ٣ / ٣٧٤ ]
[﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)﴾].
﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ تخويفٌ لهم، معناه: أتطمعون أن تُتركوا في النعم على كفركم.
﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ الطَّلْع: عنقود التمر في أول نباته قبل أن يخرج من الكِمِّ، والهضيم: اللين الرَّطْب، فالمعنى: أنَّ طَلْعها يتمُّ ويُرطب.
وقيل: هو الرَّخْص (^١) أول ما يخرج.
وقيل: الذي ليس فيه نوى.
فإن قيل: لم ذكر النخل بعد ذكر الجنات، والجنات تحتوي على النخل؟
فالجواب: أن ذلك تجريد، كقوله: ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨].
ويحتمل أنه أراد: الجنات التي ليس فيها نخل، ثم عَطف عليها النخل.
_________________
(١) الرَّخْص: الشيء الناعم. كما في القاموس المحيط.
[ ٣ / ٣٧٥ ]
﴿وَتَنْحِتُونَ﴾ ذكر في «الأعراف» (^١).
﴿فَارِهِينَ﴾ قرئ بألف وبغير ألف، وهو منصوب على الحال من الفاعل في ﴿تَنْحِتُونَ﴾.
وهو مشتق من الفراهة وهي النشاط والكيس.
وقيل: معناه: أقوياء.
وقيل: أَشِرِين بَطِرِين.
﴿مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ مبالغة في المسحورين، وهو من السِّحْر - بكسر السين -.
وقيل: من السَّحَر - بفتح السين - وهي الرئة، والمعنى على هذا: إنما أنت بشر.
﴿لَهَا شِرْبٌ﴾ أي: حظ من الماء.
﴿فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾ لما تغيرت ألوانهم حسبما أخبرهم صالح ﵇ ندموا حين لم تنفعهم الندامة، فأخذتهم الصيحة التي ماتوا منها، وهي العذاب المذكور هنا.
_________________
(١) انظر (٢/ ٣٦١).
[ ٣ / ٣٧٦ ]
[﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)﴾].
﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾ أي: من المبغضين.
وفي قوله: ﴿قَالَ﴾، و﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾ ضرب من ضروب التجنيس.
﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي: نجّني من عقوبة عملهم.
أو اعصمني من عملهم.
والأول أرجح.
﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ يعني: امرأة لوط.
﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ ذُكِرَ في «الأَعْرَافِ» (^١)، وكذلك ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾.
_________________
(١) انظر (٢/ ٣٦٣).
[ ٣ / ٣٧٧ ]
[﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)﴾].
﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ قرئ بالهمز وخفض التاء، مثل الذي في «الحجر» و«ق»، ومعناه: الغَيْضة من الشجر.
وقرئ هنا وفي «ص» بفتح اللام والتاء:
فقيل: إنه مسهَّلٌ من الهمز.
وقيل: إنه اسم بلدهم، ويقوّي هذا القول بأنه -على هذه القراءة بفتح التاء- غير منصرف، فدلَّ (^١) ذلك على أنه اسمُ عَلَمٍ.
وضَعَّف ذلك الزمخشري، وقال: إن «لَيْكَةَ» اسمٌ لا يُعرف (^٢).
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ لم يقل هنا «أخوهم» كما قال في قصة نوح وغيره!:
فقيل: إن شعيبًا بعث إلى مدين، وكان من قبيلتهم، فلذلك قال: ﴿وَإِلَى
_________________
(١) في ج، د: «يدل».
(٢) الكشاف (١١/ ٤١١).
[ ٣ / ٣٧٨ ]
مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥]، وبعث أيضًا إلى أصحاب الأيكة ولم يكن منهم، فلذلك لم يقل «أخوهم»، فكان شعيبٌ على هذا مبعوثًا إلى قبلتين (^١).
وقيل: إن أصحاب الأيكة هم مدين، ولكنه قيل (^٢) «أخوهم» حين ذكرهم باسم قبيلتهم، ولم يقل «أخوهم» حين نسبهم إلى الأيكة التي هلكوا فيها؛ تنزيهًا (^٣) لشعيبٍ عن النسبة إليها.
﴿مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي: من الناقصين للكيل والوزن.
﴿بِالْقِسْطَاسِ﴾ الميزان المعتدل.
﴿وَالْجِبِلَّةَ﴾ يعني: القرونَ والأمم المتقدّمة.
﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ هي سحابة (^٤) من نار أحرقتهم، فأهلك الله مدين بالصيحة، وأهلك أصحاب الأيكة بالظلة.
فإن قيل: لم كرّر قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ مع كل قصة؟
فالجواب: أن ذلك أبلغُ في الاعتبار، وأشدُّ تنبيهًا للقلوب، وأيضًا فإن كل قصة منها كأنها كلامٌ قائم مستقل بنفسه، فخُتمت بما خُتمت به صاحبتها.
_________________
(١) في أ، ب: «القبيلتين».
(٢) في د: «قال».
(٣) في ج: «تشريفًا».
(٤) في ج، د: «سحابٌ».
[ ٣ / ٣٧٩ ]
[﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩) وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠) هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾].
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢)﴾ الضمير للقرآن.
﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ يعني: جبريل ﵇.
﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ إشارة إلى حفظه إياه؛ لأن القلب هو الذي يحفظ.
﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ يعني: كلام العرب، وهو متعلق بـ ﴿نَزَلَ﴾، أو ﴿الْمُنْذِرِينَ﴾.
[ ٣ / ٣٨٠ ]
﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ المعنى: أن القرآن مذكورٌ في كتب المتقدّمين، ففي ذلك دليلٌ على صحته، ثم أقام الحجة على قريش بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)﴾ والمعنى: أنَّ عِلْمَ بني إسرائيل بأنه من عند الله آيةٌ لكم وبرهان، والمراد: مَنْ أسلم من بني إسرائيل، كعبد الله بن سلَّام.
وقيل: الذين كانوا يبشرون بمبعثه ﷺ.
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨)﴾ الآية؛ ﴿الْأَعْجَمِينَ﴾ جمع أعجم، وهو الذي لا يتكلم، سواءً كان إنسانًا أو بهيمةً أو جمادًا.
والأعجميُّ: المنسوب إلى العَجَم، وقيل: هو بمعنى الأعجم.
ومعنى الآية: أن القرآن لو نزل على من لا يتكلم، ثم قرأه عليهم لم يؤمنوا؛ لإفراط عنادهم، ففي الآية (^١) تسليةٌ للنبيِّ ﷺ عن كفرهم به مع وضوح برهانه.
﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠)﴾ معنى ﴿سَلَكْنَاهُ﴾: أدخلناه.
والضمير:
للتكذيب الذي دلَّ عليه ما تقدَّم من الكلام.
أو للقرآن، أي: سلكناه في قلوبهم مكذَّبًا به.
وتقدير قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾: مثل هذا السُّلُك سلكناه.
_________________
(١) في ج، د، هـ: «ذلك».
[ ٣ / ٣٨١ ]
و﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ يحتمل أن يريد به: قريشًا، أو الكفارَ المتقدِّمين.
و﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: تفسيرٌ للسَّلْكِ الذي سلك (^١) في قلوبهم.
﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣)﴾ تمنَّوا أن يؤخَّروا حين لم ينفعهم التمني.
﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤)﴾ توبيخٌ لقريش على استعجالهم بالعذاب في قولهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] وشبه ذلك.
﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥)﴾ المعنى: أن مدَّة إمهالهم لا تغني مع نزول العذاب بعدها، وإن طالت مدةَ سنين؛ لأن كل ما هو آتٍ قريبٌ.
قال بعضهم: ﴿سِنِينَ﴾ يراد (^٢) به عمر الدنيا.
﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨)﴾ المعنى: أن الله لم يهلك قومًا إلَّا بعد أن أقام الحجة عليهم بأن أرسل إليهم رسولًا فأنذرهم فكذبوه.
﴿ذِكْرَى﴾ منصوبٌ:
على المصدر من معنى الإنذار.
أو على الحال من الضمير من ﴿مُنْذِرُونَ﴾.
أو على المفعول من أجله.
أو مرفوع على أنه خبر ابتداء مضمر.
﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠)﴾ الضمير للقرآن، وهذا ردٌّ على من قال: إنه
_________________
(١) في ج: «سلكه».
(٢) في ج، د: «يريد».
[ ٣ / ٣٨٢ ]
كهانة نزلت (^١) بها الشياطين على محمد ﷺ.
﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١)﴾ أي: ما يمكنهم ذلك ولا يقدرون عليه.
ولفظ «ما ينبغي» تارةً يستعمل بمعنى: لا يمكن، و(^٢) بمعنى: لا يليق.
﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ تعليل لكون الشياطين لا يستطيعون الكهانة؛ لأنهم مُنعوا من استراق السمع منذ بعث محمد ﷺ، وقد كان أمر الكهان كثيرًا منتشرًا قبل ذلك.
﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ عشيرة الرجل: هم قرابته الأدْنون، ولما نزلت هذه الآية أنذر النبي ﷺ أقاربه فقال: «يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار»، ثم نادى كذلك ابنته فاطمة وعمته صفية (^٣).
قال الزمخشري: في معناها قولان:
أحدهما: أنه أُمِر بأن يبدأ بإنذار أقاربه قبل غيرهم من الناس.
والآخر: أنه أُمِر أن لا يأخذه ما يأخذُ القريبَ من الرأفة بقريبه، ولا يُحابيهم بالإنذار (^٤).
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾ عبارةٌ عن لين الجانب والرفق وعن التواضع.
﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨)﴾ أي: حين تقوم في الصلاة.
_________________
(١) في ج: «تنزلت».
(٢) في د: «وتارةً».
(٣) أخرجه البخاري (٢٧٥٣)، ومسلم (٢٠٤).
(٤) الكشاف (١١/ ٤٣٠).
[ ٣ / ٣٨٣ ]
ويحتمل أن يريد: سائر التصرفات.
﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ معطوفٌ على الضمير المفعول في قوله: ﴿يَرَاكَ﴾، والمعنى: أنه يراك حين تقوم وحين تسجد.
وقيل: معناه: يرى صلاتك مع المصلين، ففي ذلك إشارةٌ إلى الصلاة في (^١) الجماعة.
وقيل: يرى تقلُّب بصرك في المصلين خلفك؛ لأنه ﷺ كان يراهم من وراء ظهره.
﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ هذا جواب السؤال المتقدّم وهو قوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾، والأفَّاك: الكذَّاب، والأثيم: الفاعل للإثم، يعني بذلك الكهان.
وفي هذا ردٌّ على من قال: إن الشياطين تنزلت على محمد ﷺ بالكهانة؛ لأنها لا تتنزَّلُ إلا على أفاكٍ أثيم، وكان ﷺ في غاية الصدق والبرِّ.
﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ معناه: يستمعون، والضمير يحتمل:
أن يكون للشياطين؛ بمعنى: أنهم يستمعون إلى الملائكة.
أو يكون للكهان؛ بمعنى: أنهم يستمعون إلى الشياطين.
وقيل: ﴿يُلْقُونَ﴾ بمعنى: يلقون المسموع، والضمير يحتمل أيضًا على هذا:
أن يكون للشياطين؛ لأنهم يلقون الكلام إلى الكهان.
_________________
(١) في ج، د: «مع».
[ ٣ / ٣٨٤ ]
أو يكون للكهان؛ لأنهم يلقون الكلام إلى الناس.
﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ يعني:
الشياطين.
أو الكهان؛ لأنهم يُكذِبون فيما يخبرون به عن الشياطين.
﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ لما ذكر الكهان ذكر الشعراء؛ ليبين أن القرآن ليس بكهانة ولا شعر لتباين ما بين أوصافه وأوصاف الشعر والكهانة.
وأراد: الشعراء الذين يُلقون من الشعر ما لا ينبغي، كالهجاء والمدح بالباطل وغير ذلك.
وقيل: أراد شعراء الجاهلية.
وقيل: شعراء كفار قريش الذين كانوا يؤذون المسلمين بأشعارهم.
و﴿الْغَاوُونَ﴾ قيل: هم رواة الشعر.
وقيل: هم سفهاء الناس الذي تعجبهم الأشعار؛ لما فيها من اللغو والباطل.
وقيل: هم الشياطين.
﴿فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ استعارةٌ وتمثيلٌ؛ أي: يذهبون في كل وجه من الكلام الحق والباطل، ويُفرطون في التجوز حتى يخرجون (^١) إلى الكذب.
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية؛ استثناءٌ من الشعراء يعني به: شعراء المسلمين؛ كحسان بن ثابت وغيره ممن اتصف بهذه الأوصاف.
_________________
(١) في أ، ب، د، هـ: «يخرجوا».
[ ٣ / ٣٨٥ ]
وقيل: إن هذه الآية مدنية.
﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ﴾ قيل: معناه: ذكروا الله في أشعارهم.
وقيل: يعني الذكر على الإطلاق.
﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ إشارةٌ إلى ما قاله حسان بن ثابت وغيره من الشِّعر في هجو الكفار بعد أن هجا الكفار النبي ﷺ والمسلمين.
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ وعيدٌ للذين ظلموا، والظلم هنا: بمعنى الاعتداء على الناس؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾.
وعَمِلَ ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾ في ﴿أَيَّ﴾ لتأخره.
وقيل: إن العامل في ﴿أَيَّ﴾: ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾.
[ ٣ / ٣٨٦ ]