[﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠) فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾].
﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١)﴾ تقديره: والجماعات الصافات.
ثم اختلف فيها:
فقيل: هي الملائكة التي تصفُّ في السماء صفوفًا لعبادة الله.
وقيل: هي مَنْ يصفُّ من بني آدم في الصلوات والجهاد.
والأول أرجح؛ لقوله حكايةً عن الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾.
﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢)﴾ هي الملائكة تزجر السحاب وغيرها.
[ ٣ / ٦٥٣ ]
وقيل: الزاجرون بالمواعظ من بني آدم.
وقيل: هي آيات القرآن المتضمّنة الزّجرَ عن المعاصي.
﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ ¶٣٧¶٣
﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ هي الملائكة تتلو القرآن والذكر.
وقيل: هم التالون للقرآن والذكر من بني آدم.
وهي كلُّها أشياءُ أقسم الله بها على أنه واحدٌ.
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ ¶٣٧¶٥
﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ يعني: مشارق الشمس، وهي ثلاث مئة وستون مَشرِقًا، وكذلك المغارب فإنها تشرُقُ كلَّ يوم من أيام السنة في مشرق منها، وتغرب في مغرب.
واستغنى بذكر المشارق عن ذكر المغارب؛ لأنها مُعادِلةٌ لها، فتُفهم من ذكرها.
﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ ¶٣٧¶٦
﴿بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ﴾ قرئ بإضافة الزينة إلى الكواكب، والزينة تكون: مصدرًا واسمًا لما يُزان به.
فإن كان مصدرًا فهو:
مضافٌ إلى الفاعل، تقديره: «بأنْ زَيَّنَت الكواكبُ السماءَ».
أو مضاف إلى المفعول، تقديره: «بأنْ زِيَّنَّا الكواكبَ».
وإن كانت اسمًا: فالإضافة بيانٌ للزينة.
وقرئ بتنوين ﴿بِزِينَةٍ﴾:
وخفض ﴿الْكَوَاكِبِ﴾: على البدل.
[ ٣ / ٦٥٤ ]
وبنصب ﴿الْكَوَاكِبِ﴾: على أنها:
مفعولٌ بـ ﴿زِينَةٍ﴾.
أو بدلٌ من موضع ﴿زِينَةٍ﴾.
﴿وَحِفْظًا﴾ منصوبٌ:
على المصدر، تقديره: وحفظناها حفظًا.
أو مفعولٌ من أجله، والواو زائدة.
أو محمول على المعنى؛ لأن المعنى: إنا جعلنا الكواكب زينةً للسماء وحفظًا.
﴿مَارِدٍ﴾ أي: شديد الشرّ.
﴿لَا يَسْمَعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ الضمير في ﴿يَسْمَعُونَ﴾ للشياطين، و﴿الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ هم الملائكة الذين يسكنون في السماء.
والمعنى: أن الشياطين مُنِعت من سَمْع أحاديث الملائكة.
وقرئ ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾ بتشديد السين والميم، ووزنه يتَفَعَّلون، والتَّسَمُّعُ: طلب السماع.
فنفى السَّماع على القراءة الأولى، ونفى طلبَه على القراءة بالتشديد.
والأول أرجح؛ لقوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ [الشعراء: ٢١٢]، ولأن ظاهر الأحاديث أنهم يستمعون، لكنه لا يسمعون شيئًا منذ بعث محمد ﷺ؛ لأنهم يُرْمَون بالكواكب.
[ ٣ / ٦٥٥ ]
﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ أي: يُرجَمون، يعني: بالكواكب، وهي التي يراها الناس تنقضُّ.
قال النقاش ومكي: ليست الكواكبُ الراجمةُ للشياطين بالكواكب الجارية في السماء؛ لأن تلك لا تُرَى حركتها، وهذه الرَّاجِمة تُرَى حركتها؛ لقربها منا (^١).
قال ابن عطية: وفي هذا نظر (^٢).
﴿دُحُورًا﴾ أي: طَرْدًا وإبعادًا وإهانةً؛ لأن الدَّحْر: الدفعُ بعنف.
وإعرابه:
مفعول من أجله.
أو مصدر من ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ على المعنى.
أو مصدر في موضع الحال، تقديره: مدحورين.
﴿عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ أي: دائم؛ لأنهم يُرجمون بالنجوم في الدنيا، ثم يعذَّبون بجهنم.
﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ ﴿مَنْ﴾ في موضع رفع، بدلٌ من الضمير في قو ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾.
والمعنى: لا تسمع الشياطين أخبار السماء إِلَّا الشيطان الذي خطف الخطفة.
_________________
(١) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، لمكي بن أبي طالب (٦٠٨٦)
(٢) المحرر الوجيز (٧/ ٢٧٣).
[ ٣ / ٦٥٦ ]
﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ أي: شديد الإضاءة.
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ الضمير لكفار قريش، والاستفتاء: نوع من السؤال، وكأنه سؤال من يعتبر قوله ويجعل حجة؛ لأن جوابهم عن السؤال مما تقوم عليهم به الحجة.
و﴿مَنْ خَلَقْنَا﴾ يراد به: ما تقدم ذكره من الملائكة والسموات والأرض والمشارق والكواكب.
وقيل: يراد به: من تقدم من الأمم.
والأول أرجح؛ لقراءة ابن مسعود: «أم من عددنا».
ومقصد الآية: إقامة الحجة عليهم في إنكارهم البعث في الآخرة، كأنه يقول: هذه المخلوقات أشد خلقا منكم، فكما قدرنا على خلقتهم (^١) كذلك نقدر على إعادتكم بعد فنائكم.
﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِن طِينٍ لَازِبٍ﴾ اللازب: اللازم؛ أي: يلزم ما جاوره ويلصق به، ووصفه بذلك يراد به ضعف خلقة بني آدم.
﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ أي: عجبت يا محمد من ضلالهم (^٢) وإعراضهم عن الحق.
أو عجبت من قدرة الله على هذه المخلوقات العظام المذكورة.
وقرئ ﴿عَجِبْتُ﴾ بضم التاء، وأشكل ذلك على من يقول: إن التعجب
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «خلقكم»، وفي ج: «خلقتكم».
(٢) في ب، ج، د: «ضلالتهم».
[ ٣ / ٦٥٧ ]
مستحيلٌ على الله فتأوَّله (^١) بمعنى: أنه جعله على حالٍ تعجَّب منها (^٢) الناس.
وقيل: تقديره: «قل يا محمد: عجبتُ».
وقد جاء التعجُّب من الله في القرآن والحديث، كقوله ﷺ: «يعجب ربك من الشاب ليس له صبوة» (^٣)، وهو صفة فعل، وإنما جعلوه مستحيلًا على الله؛ لأنهم قالوا إن التعجب استعظامُ خَفِيَّ سببهُ، والصواب: أنه لا يلزم أن يكون خفيَّ السبب، بل هو لمجرَّد الاستعظام؛ فعلى هذا: لا يستحيل على الله (^٤).
_________________
(١) في د، هـ: «فتأولوه».
(٢) في ب، ج: «ليعجب منه»، وفي د: «يتعجب منها»
(٣) أخرجه أحمد (١٧٣٧٠).
(٤) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قول المصنف ﵀، «وأشكل ذلك» إلخ أي: نسبة العجب إلى الله، كما في القراءة المشار إليها، وهي قراءة سبعية، أي: أشكل ذلك على نفاة العجب عن الله، وهم كل من ينفي قيام الصفات الفعلية بالله؛ كالأشاعرة والكلابية والماتريدية، وهم الذين عناهم المؤلف بقوله: إنهم يقولون: إن التعجب مستحيلٌ على الله؛ لأنه استعظام شيء خفي سببه، وقد خالفهم المؤلف في تفسير التعجب، فجوزه على الله، واستشهد له ببعض ما جاء في السنة، وقد أصاب في ذلك، والذين نفوا العجب عن الله أوَّلوا ما جاء في القرآن والسنة مما يدل على إثبات العجب بتأويلات، منها ما أورده المؤلف، فجمعوا بين التعطيل بنفي الصفات، والتحريف بتأويل الآيات، والجاري على مذهب أهل السنة والجماعة إثبات العجب من الله، كغيره من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة، كالغضب والرضا والمحبة والكراهة، وليس شيء من ذلك يشبه صفات المخلوقين، فليس عَجب الله كعَجب المخلوق، ولا حبه كحبه، ولا رضاه كرضاه. وهذا هو الحق الذي قامت عليه الأدلة من الكتاب والسنة.
[ ٣ / ٦٥٨ ]
﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ تقديره: وهم يسخرون منك، أو من العبث.
﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾ الآية هنا: العلامة، كانشقاق القمر ونحوه.
وروي أنها نزلت في مشرك اسمه رُكانة، أراه النبي ﷺ آياتٍ فلم يؤمن.
و﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ معناه: يسخرون، فيكون «فَعَلَ» و«استفْعَلَ» بمعنى واحد.
وقيل: معناه: يستدعي بعضهم بعضًا لأن يسخر.
وقيل: يبالغون في السُّخرية.
﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ الآية؛ معناها: استبعادهم للبعث.
وقد تقدَّم الكلام على الاستفهامين في «الرعد» (^١).
﴿أَوَآبَاؤُنَا﴾ بفتح الواو، دخلت (^٢) همزة الإنكار على واو العطف.
وقرئ بالإسكان عطفًا بـ «أو».
﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ (١٨)﴾ أي: قل: تبعثون. والدَّاخر: الصَّاغر الذَّليل.
﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ هي النفخة في الصور للقيام من القبور.
﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ يحتمل أن يكون:
من النظر بالأبصار.
أو من الانتظار؛ أي: ينتظرون ما يُفعل بهم.
_________________
(١) انظر (٢/ ٦٦٩).
(٢) في أ، ب، ج، هـ: «ودخلت».
[ ٣ / ٦٥٩ ]
﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ يَحتمل أن يكون:
من كلامهم، مثل الذي قبله.
أو مما يقال لهم، مثل الذي بعده.
* * *
[ ٣ / ٦٦٠ ]
[﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١) أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾].
[ ٣ / ٦٦١ ]
﴿احْشُرُوا﴾ الآية؛ خطابٌ للملائكة، خاطبهم به الله تعالى، أو خاطب به بعضهم بعضًا.
﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ يعني: نساءَهم المشركات.
وقيل: يعني: أصنافهم وقرناءهم من الجن والإنس.
﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ يعني: الأصنام والآدميين الذي كانوا يرضون بذلك.
﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ أي: دلوهم على طريق (^١) جهنم ليدخلوها.
﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ يعني: إنهم يُسألون عن أعمالهم، توبيخًا لهم.
وقيل: يسألون عن قول: «لا إله إلا الله».
والأول أرجح؛ لأنه أعم.
ويحتمل أن يُسألوا عن عدم تناصرهم، على وجه التهكم بهم، فيكون ﴿مَسْئُولُونَ﴾ عاملًا فيما بعده، والتقدير: يقال لهم: ما لكم لا ينصر بعضكم بعضًا وقد كنتم في الدنيا تقولون: نحن جميع منتصرٌ؟.
﴿مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أي: منقادون عاجزون عن الانتصار.
﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ الضمير في ﴿قَالُوا﴾:
للضعفاء من الكفار خاطبوا الكبراء منهم في جهنم.
أو للإنس خاطبوا الجنَّ.
_________________
(١) في أ، ب، ج، هـ: «صراط».
[ ٣ / ٦٦٢ ]
و﴿الْيَمِينِ﴾ هنا يحتمل ثلاثة معان:
الأول: أن يراد بها: طريق الخير والصواب، وجاءت العبارة عن ذلك بلفظ اليمين، كما أن العبارة عن الشر بالشمال، والمعنى: أنهم قالوا لهم: إنكم كنتم تأتوننا عن طريق الخير فتصدوننا عنه.
والثاني: أن يراد بها: القوة، والمعنى على هذا: إنكم كنتم تأتوننا بقوتكم وسلطانكم فتأمروننا بالكفر وتمنعوننا من الإيمان.
والثالث: أن يراد بها: اليمين التي يحلف بها؛ أي: كنتم تأتوننا بأن تحلفوا لنا أنكم على الحق فنصدقكم في ذلك ونتبعكم.
﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩)﴾ الضمير في ﴿قَالُوا﴾:
للكبراء من الكفار.
أو للشياطين.
والمعنى: أنهم قالوا لأتباعهم: ليس الأمر كما ذكرتم، بل كفرتم باختياركم.
﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١)﴾ أي: وجب العذاب علينا وعليكم.
و﴿إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾ معمول القول، وحذف معمول ﴿لَذَائِقُونَ﴾ تقديره: وجب القول بأنا ذائقون العذاب.
﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢)﴾ أي: دعوناكم إلى الغي؛ لأنا كنا على غي.
﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣)﴾ أي: إن المتبوعين والأتباع مشتركون في عذاب النار.
[ ٣ / ٦٦٣ ]
﴿وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ الضمير في ﴿يَقُولُونَ﴾ لكفار قريش، ويعنون بـ ﴿شَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾: محمدا ﷺ، فرد الله عليهم بقوله: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾ أي: جاء بالتوحيد والإسلام، وهو الحق، ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ الذين قبله؛ لأنه جاء بمثل ما جاؤوا به.
ويحتمل أن يكون صدقهم؛ لأنهم أخبروا بنبوته فظهر صدقهم لما بعث ﷺ.
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ استثناء منقطع بمعنى «لكن».
وقرئ ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ بفتح اللام وكسرها في كل موضع، وقد تقدم تفسيره (^١).
﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ السرر: جمع سرير، وتقابلهم في بعض الأحيان؛ للسرور بالأنس، وفي بعض الأحيان ينفرد كل واحد في قصره (^٢).
﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥)﴾ الذين يطوفون عليهم: الولدان، حسبما ورد في الآية الأخرى (^٣).
والكأس: الإناء الذي فيه خمر. قاله ابن عباس.
وقيل: الكأس: إناء واسع الفم، ليس له مقبض، سواء كان فيه خمر أم لا.
_________________
(١) انظر (٢/ ٦٢٧).
(٢) في ب، ج، د: «بقصره».
(٣) يعني قوله تعالى في الواقعة: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾.
[ ٣ / ٦٦٤ ]
والمعين: الجاري الكثير؛ ووزنه فَعيل، والميم فيه أصلية.
وقيل: هو مشتقٌّ من العين، فالميم زائدة، ووزنه: مفعول.
﴿لَذَّةٍ﴾ أي: ذات لذة، فوصفها بالمصدر اتساعًا.
﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ الغول: اسم عامٌّ في الأذى والضرِّ، ومنه يقال: غاله يغوله: إذا أهلكه.
وقيل: الغول: وجعٌ في البطن.
وقيل: صداعٌ في الرأس.
وإنما قدَّم المجرور هنا؛ تعريضًا بخمر (^١) الدنيا لأن الغول فيها.
﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ أي: لا يسكرون من خمر الجنة، ومنه النَّزِيف، وهو السكران.
و«عن» هنا سببية، كقولك: «فعلته عن أمرك»، أي: لا يُنزَفون بسبب شربها.
﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ معناه: أنهن قصرْنَ أعينهن على النظر إلى أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم.
﴿عِينٌ﴾ جمع عَيْناءَ، وهي الكبيرة العينين في جمالٍ.
﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ قيل: شبَّههن في اللون ببيض النعام؛ لأنه
_________________
(١) في أ، ب، ج، هـ: «الخمر».
[ ٣ / ٦٦٥ ]
بياض خالطه (^١) صفرة حسنةٌ، ولذلك قال امرؤ القيس:
كبِكْرِ مُقاناةِ البياضِ بصُفْرَةٍ (^٢)
وقيل: إنما التشبيه بلون قشر البيضة الداخلي الرقيق، وهو المكنون المصون تحت القشر الأول (^٣).
وقيل: أراد الجوهر المصون.
﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾ هذا إخبارٌ عن تحدُّث أهل الجنة.
قال الزمخشري: هذه الجملة معطوفة على ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾، والمعنى: أنهم يشربون فيتحادثون على الشراب بما جرى لهم في الدنيا (^٤).
﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ قيل: إن هذا القائل وقرينه من البشر، مؤمنٌ وكافرٌ.
وقيل: كان قرينه من الجن.
﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)﴾ معناه: أنه كان يقول له على وجه الإنكار: أتصدِّق بالدين والآخرة؟
﴿لَمَدِينُونَ﴾ أي: مجازَون ومحاسَبون على الأعمال، ووزنه: مفعول، وهو من الدِّين، بمعنى الجزاء والحساب.
_________________
(١) في ب: «خالَلَهُ»، وفي ج، هـ: «خالطته».
(٢) هذا صدر بيت من معلقته الشهيرة، وعجزه: «غذاها نميرُ الماء غيرَ محلَّلِ»، والبكر: أول بيضةٍ تبيضها النعامة، والمقاناة: المخالطة، التي قُونِيَ بياضُها بصفرة؛ أي: خُلط بياضها بصفرة. انظر: شرح القصائد السبع الطوال، لأبي بكر الأنباري (ص: ٧٠ - ٧١).
(٣) في ب، هـ: «القشرة الأولى».
(٤) الكشاف (١٣/ ١٤٧).
[ ٣ / ٦٦٦ ]
﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ أي: قال ذلك القائل لرفقائه في الجنة، أو للملائكة، أو لخدّامه: هل أنتم مطّلعون على النار لأريكم ذلك القرين فيها؟
وروي أن في الجنة كوىً ينظرُ منها أهلُها إلى النار.
﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ أي: في وسطها.
﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)﴾ أي: تهلكني بإغوائك، والرَّدى: الهلاك، وهذا خطابٌ خاطب به المؤمن قرينه الذي في النار.
﴿الْمُحْضَرِينَ﴾ أي: من المحضرين في العذاب.
﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨)﴾ هذا من كلام المؤمن:
خطابًا لقرينه.
أو خطابًا لرفقائه في الجنة، ولهذا قال: ﴿نَحْنُ﴾، فأخبر عن نفسه وعنهم.
ويحتمل أن يكون من كلامه وكلامهم جميعًا.
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠)﴾ يحتمل أن يكون:
من كلام المؤمن.
أو من كلامه وكلام رفقائه في الجنة.
أو من كلام الله تعالى.
وكذلك يحتمل (^١) هذه الوجوه في قوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾.
_________________
(١) في د، هـ: «تحتمل».
[ ٣ / ٦٦٧ ]
والأرجح فيه: أن يكون من كلام الله تعالى؛ لأن الذي بعده من كلام الله فيكون متصلًا به، ولأن الأمر بالعمل إنما هو حقيقةٌ في الدنيا ففيه تحريضٌ على العمل الصالح.
﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)﴾ الإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى نعيم الجنة وكلِّ ما ذكر من وصفها.
وقال الزمخشري: الإشارة إلى قوله: ﴿رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ (^١).
والنُّزُل: الضيافة.
وقيل: الرزق الكثير.
وجاء التفضيل هنا بين شيئين ليس بينهما اشتراكٌ؛ لأن الكلام تقريرٌ وتوبيخ.
﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣)﴾ قيل (^٢): سببها: أن أبا جهل وغيره لما سمعوا ذكر شجرة الزقوم، قالوا: كيف يكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر؟
فالفتنة على هذا: الابتلاء في الدنيا.
وقيل: معناه: عذاب الظالمين في الآخرة.
والمراد بالظالمين هنا: الكفار.
﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ أي: تنبت في قَعْر جهنم، وترتفع
_________________
(١) الكشاف (١٣/ ١٥٤).
(٢) لم ترد في أ، ب، ج، هـ.
[ ٣ / ٦٦٨ ]
أغصانها إلى دركاتها.
﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾ الطلع: ثمر النخلة، فاستعير لشجرة الزقوم، وشُبِّه برؤوس الشياطين؛ مبالغةً في قبحه وكراهته؛ لأنه قد تقرَّر في نفوس الناس كراهتها وإن لم يروها، ولذلك يقال للقبيح المنظر: وجه شيطان.
وقيل: رؤوس الشياطين: شجرة معروفة باليمن.
وقيل: هو صنف من الحيات.
﴿لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ أي: مزاجًا من ماء حار.
فإن قيل: لم عطف هذه الجملة بـ ﴿ثُمَّ﴾؟
فالجواب: من وجهين:
أحدهما: أنه لترتيب تلك الأحوال في الزمان، فالمعنى: أنهم يملؤون البطون من شجرة الزقوم، وبعد ذلك يشربون الحميم.
والثاني: أنه لترتيب مضاعفة العذاب، فالمعنى: أن شُربهم للحميم أشدُّ مما ذُكر قبله.
﴿يُهْرَعُونَ﴾ الإهراع: الإسراع الشديد.
* * *
[ ٣ / ٦٦٩ ]
[﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾].
﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ﴾ أي: دعانا، يعني: دعاءه بإهلاك قومه ونصرته عليهم.
﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ يعني: الغرق.
﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ أهل الأرض كلهم من ذرية نوح؛ لأنه لما غرق الناس في الطوفان ونجا نوح ومن كان معه في السفينة، تناسل الناس من أولاده الثلاثة: سام وحام ويافث.
[ ٣ / ٦٧٠ ]
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾ معناه: أبقينا له ثناءً جميلًا في الناس إلى يوم القيامة.
﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ هذا تسليمٌ من الله على نوح ﵇.
وقيل: إن هذه الجملة هي مفعول ﴿وَتَرَكْنَا﴾، وهي محكيةٌ؛ أي: تركنا هذه الكلمة تقال له، يعني: أن الخلق يسلّمون عليه.
فيُبتدأ بـ ﴿سَلَامٌ﴾ على القول الأول، لا على الثاني.
والأول أظهر.
ومعنى ﴿فِي الْعَالَمِينَ﴾:
على القول الأول: تخصيصه بالسلام عليه من بين العالمين، كما تقول: أُحبُّ فلانًا في الناس، أي: أحبه خصوصًا من بين الناس.
ومعناه على القول الثاني: أن السلام عليه ثابتٌ في العالمين.
وهذا الخلاف يجري حيثما ذُكِر ذلك في هذه السورة.
﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ الشِّيعة: الصنف المتفق، فمعنى ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾: على دينه في التوحيد.
والضمير يعود: على نوح.
وقيل: على محمد ﷺ.
والأول أظهر.
﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ عبارةٌ عن إخلاصه، وإقباله بكليَّته على الله تعالى، وليس
[ ٣ / ٦٧١ ]
المراد المجيء بالجسد.
﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أي: سليمٍ من الشرك والشك وجميع العيوب.
﴿أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)﴾ الإفك: الباطل، وإعرابه هنا: مفعول من أجله، و﴿آلِهَةً﴾: مفعول به.
وقيل: ﴿أَإِفْكًا﴾: مفعول به، و﴿آلِهَةً﴾: بدل منه.
وقيل: ﴿أَإِفْكًا﴾: مصدر في موضع الحال، تقديره: «آفكين»؛ أي: كاذبين.
والأول أحسن.
﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ المعنى: أيُّ شيء تظنون برب العالمين أن يعاقبكم به، وقد عبدتم غيره؟
أو أي: شيء تظنون أنه هو حتى عبدتم غيره؟، كما تقول: «ما ظنك بفلان؟» إذا قصدتَ تعظيمه.
فالمقصد على المعنى الأول: تهديدٌ، وعلى الثاني: تعظيمٌ لله وتوبيخ لهم.
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ روي أن قومه كان لهم عيد يخرجون إليه، فدعوه إلى الخروج معهم، فحينئذ قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾؛ ليمتنع عن الخروج معهم، فيكسرَ أصنامهم إذا خرجوا لعيدهم.
وفي تأويل ذلك ثلاثة أقوال:
الأول: أنها كانت تأخذه الحمَّى في وقت معلوم، فنظر في النجوم ليرى
[ ٣ / ٦٧٢ ]
وقت الحمى، واعتذر عن الخروج بأنه سقيم من الحمى.
والثاني: أن قومه كانوا منجمين وكان هو يعلم أحكام النجوم، فأوهمهم أنه استدلَّ بالنظر في علم النجوم أنه يَسقَم، فاعتذر بما يخاف من السُّقْم عن الخروج معهم.
والثالث: أن معنى نظر في النجوم: أنه نظر وفكَّر فيما يكون من أمره معهم فقال: إني سقيم، والنجوم على هذا: ما يَنْجُم من حاله معهم، وليست نجوم السماء، وهذا بعيد.
وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ على حسَب هذه الأقوال:
[أ -] يَحتمل أن يكون حقًّا لا كذبَ فيه ولا تجوُّز أصلًا، ويعارض هذا ما ورد عن النبي ﷺ: «أن إبراهيم كَذَب ثلاث كذبات، أحدها (^١): ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾» (^٢).
[ب -] ويحتمل أن يكون كذِبًا صُرَاحًا، وجاز له ذلك على هذا
الاحتمال؛ لأنه فعل ذلك من أجل الله؛ إذ قصد كسر الأصنام.
[ج -] ويحتمل أن يكون من المعاريض:
فأراد أنه سقيم فيما يُستقبل؛ لأن كل إنسان لا بدَّ أن يمرض.
أو أراد أنه سقيمُ النفس من كفرهم وتكذيبهم له.
وهذا التأويل أولى؛ لأن نفي الكذب بالجملة يُعارض الحديث، والكذب
_________________
(١) في أ، هـ: «إحداها».
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٥٧)، ومسلم (٢٣٧١).
[ ٣ / ٦٧٣ ]
الصراح لا يجوز على الأنبياء، عند أهل التحقيق، أما المعاريض فهي جائزة.
﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)﴾ أي: تركوه إعراضًا عنه، وخرجوا إلى عيدهم.
وقيل: إنه أراد بالسُّقْم الطاعون وهو داءٌ يعدي، فخافوا منه وتباعدوا عنه؛ مخافة العدوى.
﴿فَرَاغَ﴾ أي: مال.
﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ إنما قال ذلك على وجه الاستهزاء بالذين يعبدون تلك الأصنام.
﴿ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ أي: بِيمنى يديه.
وقيل: بالقوة.
وقيل: بالحَلِف، وهو قوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾ [الأنبياء: ٥٧].
والأول أظهر وأليق بالضرب.
و﴿ضَرْبًا﴾ مصدر في موضع الحال.
﴿يَزِفُّونَ﴾ أي: يسرعون.
﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥)﴾ أي: تَنْجرون، والنحت: النَّجارة، إشارةٌ إلى صنعهم (^١) للأصنام من الحجارة أو الخشب.
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ ذهب قوم إلى ﴿مَا﴾ مصدرية، والمعنى:
_________________
(١) في أ، هـ: «صنعتهم».
[ ٣ / ٦٧٤ ]
الله خلقكم وأعمالكم، وهذه الآية عندهم قاعدة في خلق أفعال العباد.
وقيل: إنها موصولة بمعنى «الذي»، والمعنى: الله خلقكم وخلق أصنامكم التي تعملونها، وهذا أليق بسياق الكلام، وأقوى في قصد الاحتجاج على الذين عبدوا الأصنام.
وقيل: إنها نافية.
وقيل: إنها استفهامية.
وكلاهما باطل.
﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا﴾ قيل: البنيان: في موضع النار.
وقيل: بل كان للمنجنيق، الذي رُمِي عنه.
﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ يعني: حَرَّقَه بالنار.
﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ أي: المغلوبين.
﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾ قيل: إنه قال هذا بعد خروجه من النار، وأراد: أنه ذاهب؛ أي: مهاجر إلى الله، فهاجر إلى أرض الشام.
وقيل: إنه قال ذلك قبل أن يُطرح في النار، وأراد: أنه ذاهب إلى ربه بالموت؛ لأنه ظن أن النار تحرقه.
و﴿سَيَهْدِينِ﴾:
على القول الأول: يعني الهدى إلى صلاح (^١) الدين والدنيا.
_________________
(١) في أ، ج: «إصلاح».
[ ٣ / ٦٧٥ ]
وعلى القول الثاني: إلى الجنة.
وقالت المتصوفة: معناه: إني ذاهب إلى ربي بقلبي، أي: مقبلٌ على الله بكليته، تاركٌ لما سواه.
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يعني: ولدًا من الصالحين.
﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ أي: عاقل.
واختلف الناس في هذا الغلام المبشَّر به في هذا الموضع وهو الذبيح، هل هو إسماعيل أو إسحاق؟
فقال ابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين: هو إسماعيل، وحجتهم من ثلاثة أوجه:
الأول: أن رسول الله ﷺ قال: «أنا ابن الذبيحين» (^١) يعني: إسماعيل ﵇، ووالده عبد الله، حين نذر والده عبد المطلب أن ينحره إن يسَّر الله له أمر زمزم، ففداه بمئة من الإبل.
والثاني: أن الله تعالى قال بعد تمام قصة الذبيح: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾، فدلَّ ذلك على أن الذبيح غيره.
والثالث: أنه روي أنه إبراهيم جرت له قصة الذبح بمكة، وإنما كان معه بمكة إسماعيل.
وذهب عليُّ بن أبي طالب وابن مسعود وجماعة من التابعين: إلى أن
_________________
(١) لم أقف على إسناد له.
[ ٣ / ٦٧٦ ]
الذبيح إسحاق، وحجتهم من وجهين:
الأول: أن البشارة المعروفة لإبراهيم بالولد إنما كانت بإسحاق؛ لقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١].
والثاني: أنه روي أن يعقوب كان يكتب: من يعقوب إسرائيل (^١) ابن إسحاق ذبيح الله.
﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ يريد بالسعي هنا: العمل والعبادة.
وقيل: المشي، وكان حينئذ ابن ثلاث عشرة سنة.
﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ ﴿قال إني أرى في المنام أني أذبحك﴾ يحتمل أن يكون:
رأى في المنام الذَّبح، وهو الفعل.
أو أُمِر في المنام أن يذبحه.
والأول أظهر في اللفظ هنا، والثاني أظهر في قوله: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾.
ورؤيا الأنبياء وحيٌ، فوجب (^٢) عليهم الامتثال على الوجهين.
_________________
(١) في أ، ب، د، هـ: «إسرائيل الله» بزيادة اسم الله، وقال الشيخ أحمد شاكر تعليقًا على هذا المروي في تفسير الطبري (١٦/ ٢٠١): «في التاريخ [يعني: تاريخ الطبري]: «إسرائيل الله»، وكان الذي في التفسير [أي: بدون زيادة اسم الله] هو الصواب، لأن «إيل» بمعنى «الله»، و«إسرا»، يضاف إليه، وكأن «إسرا»، بمعنى: «سَرِي»، وهو بمعنى المختار، كأنه: «صفي الله» الذي اصطفاه. وفي تفسير ذلك اختلاف كثير».
(٢) في ب، ج: «يوجب».
[ ٣ / ٦٧٧ ]
﴿فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ إن قيل: لم شاوره في أمرٍ هو محتَّمٌ (^١) من الله؟
فالجواب: أنه لم يشاوره ليَرجعَ إلى رأيه، ولكن ليَعلم ما عنده فيثبت قلبه ويوطّن نفسه على الصبر، فأجابه بأحسن جواب.
﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ أي: استسلما وانقادا لأمر الله.
﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي: صَرَعه بالأرض على جبينه، وللإنسان جبينان حول الجبهة.
وجواب ﴿فَلَمَّا﴾:
محذوف عند البصريين، تقديره: فلما أسلما كان ما كان من الأمر العظيم.
وقال الكوفيون: جوابها: ﴿تَلَّهُ﴾ والواو زائدة.
وقال بعضهم: جوابها: ﴿نَادَيْنَاهُ﴾ والواو زائدة.
﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ يحتمل أنه يريد:
بقلبك، أي: كانت عندك رؤيا صادقةً فعملتَ بحسبها.
ويحتمل أن يريد: بعملك؛ أي: وفَّيت حقَّها من العمل.
فإن قيل: إنه أُمر بالذبح ولم يَذْبَح، فكيف قيل له: ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾؟
فالجواب: أنه قد بذل جهده؛ إذ عزم على الذَّبح ولو لم يَفْدِه الله لذَبحه، ولكن الله هو الذي منعه من ذبحه لما فداه، فامتناعُ ذبح الولد إنما كان من الله وبأمر الله، وقد قَضَى إبراهيم ما عليه.
_________________
(١) في أ، هـ: «حتم».
[ ٣ / ٦٧٨ ]
﴿الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ أي الاختبار البين، الذي تظهر (^١) به طاعة الله.
أو المحنة البينة الصعوبة.
﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ الذبح: اسم لما يذبح، وأراد به هنا: الكبش الذي فداه به، وروي أنه من كباش الجنة.
وقيل: إنه الكبش الذي قرب به ولد آدم، ووصفه بـ ﴿عَظِيمٍ﴾ لذلك، أو لأنه من عند الله، أو لأنه متقبل.
وروي في القصص: أن الذبيح قال لإبراهيم: «اشدد رباطي لئلا أضطرب واصرف بصرك عني لئلا ترحمني»، وأنه أمر الشفرة على حلقه فلم تقطع، فحينئذ جاءه الكبش من عند الله.
وقد أكثر الناس في قصص هذه الآية، وتركناه لعدم صحته.
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ إن قيل: لم قال هنا في قصة إبراهيم ﴿كَذَلِكَ﴾ دون قوله: «إِنَّا»، وقال في غيرها: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾؟
فالجواب: أنه قد تقدم في قصة إبراهيم نفسها: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ فأغنى عن تكرار «إِنَّا» هنا.
* * *
_________________
(١) في ب، ج، د: «يظهر».
[ ٣ / ٦٧٩ ]
[﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾].
﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤)﴾ يعني: بالنبوة وغير ذلك.
﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ يعني: الغرق، أو تعذيب فرعون وإذلاله لهم.
﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ الضمير يعود على موسى وهارون وقومهما.
وقيل: على موسى وهارون خاصة، وعاملهما معاملة الجماعة للتعظيم، وهذا ضعيف.
﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧)﴾ يعني: التوراة، ومعنى ﴿الْمُسْتَبِينَ﴾: البين.
وفي هذه الآية وما بعدها نوع من أدوات البيان وهو الترصيع (^١).
_________________
(١) انظر المقدمة (١/ ١١٧).
[ ٣ / ٦٨٠ ]
﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ إلياس: من ذرية هارون.
وقيل: إنه إدريس.
وقد أخطأ من قال: إنه إلياس المذكور في أجداد النبي ﷺ.
﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ البَعْل: الربُّ بلغة اليمن.
وقيل: بعل: اسم صنم كان لهم يقال له: بعلبك.
﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ ﴿إِلْ﴾ هنا - على هذه القراءة -: بمعنى أهل، و﴿يَاسِينَ﴾ اسم لإلياس.
وقيل: لأبيه.
وقيل: اسم لمحمد ﷺ.
وقرئ ﴿إِلْ يَاسِينَ﴾ بكسر الهمزة ووصل اللام ساكنة، وهو على هذا جمع إلياسيّ؛ أي: منسوب لإلياس، حذفت منه الياء كما حذفت من «أعجمين».
وقيل: سمَّى كل واحد من آل إلياس بإلياس، ثم جمعهم.
وقيل: هي لغة في «إلياس».
﴿عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ قد ذُكِرَ (^١).
* * *
_________________
(١) انظر (٢/ ٧٢٣).
[ ٣ / ٦٨١ ]
[﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨) فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾].
﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)﴾ قد ذكرنا قصته في «يونس» (^١) و«الأنبياء» (^٢).
﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠)﴾ أي: هرب إلى السفينة، والفلك هنا: واحد، و﴿الْمَشْحُونِ﴾: المملوء.
_________________
(١) انظر (٢/ ٥٦٧).
(٢) انظر صفحة ١٦٤.
[ ٣ / ٦٨٢ ]
وسبب هروبه: غضبه على قومه حين لم يؤمنوا.
وقيل: إنه أخبرهم أن العذاب يأتيهم في يوم معين حسبما أعلمه الله، فلما رأى قومه مخايل العذاب آمنوا، فرفع الله عنهم العذاب، فخاف أن ينسبوه إلى الكذب فهرب.
﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ معنى ﴿سَاهَمَ﴾: ضرب القرعة، والسُّهمة: هي القرعة، والمدحض: المغلوب في القرعة والمحاجَّة.
وسبب مقارعته (^١): أنه لما ركب السفينة، وقفت ولم تَجْرِ، فقالوا: إنما وقفت من حدثٍ أحدثه أحدنا، فنقترع لنرى على من تخرج القرعة فنطرحه، فاقترعوا فخرجت القرعة على يونس فطرحوه في البحر فالتقمه الحوت.
﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: فعل ما يلام عليه، وذلك خروجه بغير أن يأمره الله بالخروج.
﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾ تسبيحه: هو قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، حسبما حكى الله عنه في «الأنبياء».
وقيل: هو قوله: «سبحان الله».
وقيل: هو الصلاة، واختُلف على هذا: هل يعني صلاته في بطن الحوت، أو قبل ذلك.
_________________
(١) في د: «قرعته».
[ ٣ / ٦٨٣ ]
واختُلف في مدة بقائه في بطن الحوت:
فقيل: ساعة.
وقيل: ثلاثة أيام.
وقيل: سبعة أيام.
وقيل: أربعون يومًا.
﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ العراء: الأرض الفضاء التي لا شجر فيها، ولا ظل.
وقيل: يعني: الساحل.
﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ روي أنه كان كالطفل المولود بضعة لحم.
﴿وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ (١٤٦)﴾ أي: أنبتناها فوقه؛ لتُظلَّه وتقيه حرَّ الشمس.
واليقطين: القَرع، وإنما خصَّه الله به؛ لأنه يجمع برد الظل، ولين الملمس، وكبَر الورق، وأن الذباب لا يقربه؛ فإن لحم يونس لما خرج من البحر كان لا يحتمل الذباب.
وقيل: اليقطين: كل شجرة لا ساق لها، كالبقول، والقرع، والبطيخ.
والأول أشهر.
﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ﴾ يعني: رسالته الأولى التي أبَقَ بعدها.
وقيل: هذه رسالةٌ ثانية بعد خروجه من بطن الحوت.
والأول أشهر.
[ ٣ / ٦٨٤ ]
﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قيل: ﴿أَوْ﴾ هنا: بمعنى «بل»، وقرأ ابن عباس: «بل يزيدون».
وقيل: هي بمعنى الواو.
وقيل: هي للإبهام.
وقيل: المعنى: أن البشر إذا نظر إليهم يتردَّد فيقول: هم مائة ألف أو يزيدون.
واختُلف في عددهم:
فقيل: مئة وعشرون ألفًا.
وقيل: مئة وثلاثون ألفًا.
وقيل: مئة وأربعون ألفًا.
وقيل: مئة وسبعون ألفًا.
﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ روي أنهم خرجوا بالأطفال وأولاد البهائم، وفرقوا بينها (^١) وبين الأمهات، وناحوا وتضرعوا إلى الله وأخلصوا، فرفع الله العذاب عنهم.
و﴿إِلَى حِينٍ﴾ يعني: إلى آجالهم (^٢).
وقد ذكر الناس في قصة يونس أشياء كثيرة أسقطناها؛ لضعف صحتها.
_________________
(١) في ب، ج: «بينهما».
(٢) في أ، هـ: «أجلهم».
[ ٣ / ٦٨٥ ]
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ قال الزمخشري: إن هذا معطوف على قوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ الذي في أول السورة وإن تباعد ما بينهما (^١).
والضمير المفعول: لقريش وسائر الكفار، أي: اسألهم على وجه التقرير والتوبيخ عما زعموا من أن الملائكة بنات الله، فجعلوا لله الإناث ولأنفسهم الذكور، وتلك قسمة ضيزى، ثم قرَّرهم على ما زعموا من أن الملائكة إناثٌ (^٢) وردَّ عليهم بقوله: ﴿وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾.
ويحتمل أن يكون:
بمعنى الشهادة.
أو بمعنى الحضور؛ أي: أنهم لم يحضروا على ذلك ولم يعلموه.
ثم أخبر عن كذبهم في قولهم: ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾، ثم قرَّرهم على ما زعموا من أن الله اصطفى لنفسه البنات، وذلك كله ردٌّ عليهم وتوبيخ لهم، تعالى الله عن أقوالهم علوًّا كبيرًا.
﴿أَصْطَفَى﴾ دخلت همزة التقرير والتوبيخ على ألف الوصل، فحذفت ألف الوصل.
﴿مَا لَكُمْ﴾ ﴿مَا﴾ استفهامية معناها: التوبيخ، وهي في موضع رفع بالابتداء، والمجرور بعدها خبرها، فينبغي الوقف على قوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾.
_________________
(١) الكشاف (١٣/ ٢٠٦).
(٢) في ب، ج: "بنات".
[ ٣ / ٦٨٦ ]
﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦)﴾ أي: برهان بيِّنٌ.
﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ تعجيز لهم؛ لأنهم ليس لهم كتاب يحتجُّون به.
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ الضمير في ﴿جَعَلُوا﴾ لكفار العرب، وفي معنى الآية قولان:
أحدهما: أن الجِنَّةَ هنا: الملائكة، وسميت بهذا الاسم؛ لأنه مشتقٌ من الاجتنان وهو الاستتار، والملائكة مستورون عن أعين بني آدم كالجن، والنسب الذين جعلوا بين الله وبينهم: قولهم: إنهم بنات الله.
والقول الثاني: أن الجن هنا الشياطين (^١)، وفي النسب الذي جعلوا بينه وبينهم قولان:
أحدهما: أن بعض الكفار قالوا: إن الله والشيطان (^٢) أخوان، تعالى الله عن ذلك.
والآخر: أن بعضهم قال: إن الله نَكَح في الجن فولدت له الملائكة ﷾ عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا
﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ من قال: إن الجن الملائكة: فالضمير في قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ يعود على الكفار؛ أي: قد علمت الملائكة أن الكفار محضرون في العذاب.
ومن قال: إن الجن الشياطين: فالضمير يعود عليهم؛ أي: قد علمت
_________________
(١) في أ، ج، هـ: «الشيطان».
(٢) في أ، د، هـ: «والشياطين».
[ ٣ / ٦٨٧ ]
الشياطين إنهم محضرون في العذاب.
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ استثناء منقطع: من المحضرين، أو من الفاعل في ﴿يَصِفُونَ﴾.
والمعنى:
لكن عباد الله المخلصين لا يحضرون في العذاب.
أو لكن عباد الله المخلصين يصفونه بما هو أهله.
﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ هذا خطاب للكفار والمراد بـ ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾: الأصنام وغيرها.
و﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ عطف على الضمير في ﴿إِنَّكُمْ﴾، ويجوز أن تكون الواو بمعنى «مع».
ومعنى ﴿بِفَاتِنِينَ﴾: مضلين.
والضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ يعود على ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾، و«على» سببية معناها التعليل، و﴿مَنْ هُوَ﴾: مفعول بـ ﴿بِفَاتِنِينَ﴾.
والمعنى: إنكم أيها الكفار وكل ما تعبدونه لا تضلون أحدا إلا من قضى الله أن يصلى الجحيم؛ أي: لا تقدرون على إغواء الناس إلا بقضاء الله.
وقال الزمخشري: الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ يعود على الله تعالى (^١).
_________________
(١) الكشاف (١٣/ ٢١٢)، وقال: «فإن قلت: كيف يفتنونهم على الله؟ قلت: يفسدونهم عليه بإغوائهم واستهوائهم، من قولك: فتن فلان على فلان امرأته، كما تقول: أفسدها عليه وخببها عليه».
[ ٣ / ٦٨٨ ]
﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ هذا حكايةُ كلام الملائكة ﵈، وتقديره: ما منا مَلَكٌ إلَّا وله مقام معلوم، فحذف الموصوف لفهم الكلام.
والمقام المعلوم:
يحتمل أن يراد به الموضع الذي يقومون فيه؛ لأن منهم من هو في السماء الدنيا وفي الثانية وفي السموات وحيث شاء الله.
ويحتمل أن يراد به: المنزلة من العبادة والتقريب والتشريف.
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ أي: الواقفون صفوفًا في العبادة، ولذلك أمر المسلمون بتسوية الصفوف في صلاتهم؛ ليقتدوا بالملائكة، وليس أحدٌ من أهل الملل يصلُّون صفوفًا إلَّا المسلمون.
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ قيل: معناه: المصلون؛ لأن الصلاة يقال لها:
تسبيحٌ.
وقيل: معناه: القائلون «سبحان الله».
وفي هذا الكلام الذي قالته الملائكة ردٌّ على من قال: إنهم بنات الله أو شركاء له؛ لأنهم اعترفوا على أنفسهم بالعبودية والطاعة لله والتنزيه له.
ويدلُّ هذا الكلام أيضًا على أن المراد بالجن قبلَ هذا: الملائكة.
وقيل: إن هذا كلَّه من كلام محمد ﷺ وكلام المسلمين.
والأول أشهر.
﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨)﴾ الضمير: لكفار قريش وسائر العرب.
[ ٣ / ٦٨٩ ]
والمعنى: أنهم كانوا قبل بعث محمد ﷺ يقولون: لو أرسل الله إلينا رسولا أو أنزل علينا كتابا لكنا عباد الله المخلصين.
﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ الضمير:
للذكر.
أو لمحمد ﷺ؛ لأن المعنى يقتضي ذلك وإن لم يتقدم ذكره.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تهديد ووعيد على كفرهم.
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (١٧٢)﴾ المعنى: سبق القضاء بأن المرسلين منصورون على أعدائهم، وأن جند الله غالبون.
وهذا النصر والغلبة: بظهور الحجة والبرهان، وبهزيمة الأعداء في القتال، وبالسعادة في الآخرة.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤)﴾ أي: أعرض عنهم، وذلك موادعة منسوخة بالسيف.
والحين هنا يراد به: يوم بدر.
وقيل: حضور آجالهم (^١).
وقيل: يوم القيامة.
﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥)﴾ هذا وعد للنبي ﷺ، ووعيد لهم.
﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦)﴾ إشارة إلى قولهم: «متى هذا الوعد؟» و«أمطر
_________________
(١) في أ، هـ: «أجلهم».
[ ٣ / ٦٩٠ ]
علينا حجارة من السماء»، وشبه ذلك.
﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ السَّاحة: الفناء حول الدار، والعرب تستعمل هذه اللفظة فيما يرد على الإنسان من محذور.
وسوء الصباح: مستعمل في ورود الغارات والرزايا.
ومقصد الآية: التهديد بعذاب يحلُّ بهم بعد أن أُنذروا فلم ينفعهم الإنذار، وذلك تمثيلٌ بقوم أنذرهم ناصحٌ بأن جيشًا يحلُّ بهم فلم يقبلوا نصحه، حتى جاءهم الجيش فأهلكهم.
﴿وَأَبْصِرْ﴾ كرَّر الأمر بالتولِّي عنهم والوعدَ والوعيدَ على وجه التأكيد.
وقيل: أراد بالوعيد الأول: عذاب الدنيا، وبالثاني: عذاب الآخرة.
فإن قيل: لم قال أوَّلًا ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾، وقال هنا: ﴿وَأَبْصِرْ﴾، فحذف الضمير المفعول؟
فالجواب: من وجهين:
أحدهما: أنه اكتفى بذكره أوَّلًا عن ذكره ثانيًا، فحذفه اختصارًا.
والآخر: أنه حذفه ليفيد العموم فيمن تقدَّم وغيرهم، كأنه قال: «أبصر جميع الكفار»، بخلاف الأول، فإنه في قريش خاصةً.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ نزَّه اللهُ تعالى نفسه عما وصفه به الكفار مما لا يليق به، فإنه حكى عنهم في هذه السورة أقوالًا كثيرةً شنيعةً.
[ ٣ / ٦٩١ ]
و﴿الْعِزَّةِ﴾:
إن أراد بها: عزة الله فمعنى ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾: ذو العزة، وأضافها إليه لاختصاصه بها.
وإن أراد بها: عزة الأنبياء والمؤمنين فمعنى ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾: مالكها وخالقها.
ومن هذا قال محمد بن سُحنون (^١): من حلف بعزة الله؛ فإن أراد صفة الله فهي يمين، وإن أراد العزة التي أعطى عباده فليست بيمين (^٢).
ثم ختم الله هذه السورة بالسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
فأما السلام على المرسلين: فيحتمل أن يريد به:
التحية.
أو سلامتهم من أعدائهم، ويكون ذلك تكميلًا لقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾.
وأما الحمد فيحتمل أن يريد به:
الحمدُ على ما ذكر في هذه السورة من تنزيه الله ونصرة الأنبياء وغير ذلك.
_________________
(١) محمد بن سُحنون - واسمه عبد السلام - بن سعيد التنوخي، ابن الفقيه المالكي المعروف، تفقه بأبيه، وتوفي سنة (٢٥٦ هـ). الديباج المذهب (٢/ ١٦٩).
(٢) انظر: النوادر والزيادات، لابن أبي زيد القيرواني (٤/ ١٥).
[ ٣ / ٦٩٢ ]
ويحتمل أن يريد الحمد على الإطلاق (^١).
* * *
_________________
(١) جاء في ب هنا: «كمل تفسير «﴿والصافات﴾»، وبتمامها تم جميع الربع من «﴿كهيعص﴾» من كتاب التسهيل لعلوم التنزيل، وصلى الله على سيدنا محمد وآله، والحمد لله، ثم يتلو هذه سورة «﴿ص﴾»، رزقنا الله العون والقوة إنه حليم كريم قوي معين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا فيه». وجاء في ج هكذا: «كمل تفسير سورة «﴿والصافات﴾»، وبتمامها تم جميع الربع من «﴿كهيعص﴾» من كتاب التسهيل لعلوم التنزيل، وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته وأهل بيته والتابعين من بعده وسلم تسليمًا، والحمد لله، ثم يتلو هذه سورة «﴿ص﴾»، رزقنا الله العون والقوة إنه حليم كريم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».
[ ٣ / ٦٩٣ ]