[﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾].
﴿الم (١)﴾ ذُكِرَ في «البقرة» (^١).
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ نزلت في قوم من المؤمنين، كانوا بمكة
_________________
(١) انظر (١/ ٢٦١).
[ ٣ / ٤٥٩ ]
مستضعفين، منهم عمار بن ياسر وغيره، وكان كفار قريش يؤذونهم ويعذِّبونهم على الإسلام، فضاقت صدورهم بذلك، فآنسهم الله بهذه الآية، ووعظهم، وأخبرهم أن ذلك اختبار؛ ليوطِّنوا أنفسهم على الصبر على الأذى، والثبوت على الإيمان، وأعلمهم تعالى أن تلك سيرته في عباده، يُسلَّط الكفار على المؤمنين؛ ليمحِّصَهم (^١) بذلك، ويظهر الصادق في إيمانه من الكاذب.
ولفظها مع ذلك عامٌّ، فحكمها على العموم في كل من أصابته فتنة؛ من مصيبة أو مضرَّةٍ في النفس والمال وغير ذلك.
ومعنى ﴿أَحَسِبَ﴾: ظنَّ، و﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ مفعولها، والهمزة للإنكار، ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾: في موضع الحال من الضمير في ﴿يُتْرَكُوا﴾ تقديره: غير مفتونين.
و﴿أَنْ يَقُولُوا﴾: تعليلٌ في موضع المفعول من أجله.
﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي: يعلم صِدْقَهم علمًا ظاهرًا في الوجود، وقد كان عَلِمَه في الأزل.
والصدق والكذب في الآية يعني بهما: صحة الإيمان والثبوت عليه، أو ضدَّ ذلك.
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ ﴿أَمْ﴾ معادلة لقوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾.
_________________
(١) في د: «ليمتحنهم».
[ ٣ / ٤٦٠ ]
والمراد بـ ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾: الكفار الذي يعذبون المؤمنين. ولفظها مع ذلك عامٌّ في كل كافر وعاصٍ.
ومعنى ﴿يَسْبِقُونَا﴾: يفوتون عقابنا ويُعجزوننا.
فمعنى الكلام: نفيُ سبقهم، كما أن معنى الآية قبلها: نفيُ ترك المؤمنين بغير فتنة.
﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾ الآية؛ تسليةٌ للمؤمنين، ووعدٌ لهم بالخير في الآخرة.
والرجاءُ هنا: على بابه.
وقيل: هو بمعنى الخوف.
و﴿أَجَلَ اللَّهِ﴾ الموت، ومعنى ﴿لَآتٍ﴾ قريب الإتيان؛ فإن كل ما هو آتٍ قريب.
ومعنى الآية: من كان يرجو ثواب الله فليصبر في الدنيا حتى يلقى الله فيُجازيه؛ فإن لقاء الله قريبٌ.
﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: منفعة جهاده إنما هي لنفسه؛ فإن الله لا تنفعه طاعة العباد.
والجهاد هنا يَحتمل أن يراد به:
القتال.
أو جهاد النفس.
[ ٣ / ٤٦١ ]
﴿حُسْنًا﴾ منصوبٌ بفعلٍ مضمر تقديره: وصينا الإنسان يفعلُ (^١) بوالديه حسنًا.
أو مصدرٌ من معنى ﴿وَصَّيْنَا﴾ أي: وصيةً حَسنةً.
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ الآية؛ نزلت في سعد بن أبي وقاص؛ فإنه لما أسلم حلفت أمه أن لا تستظلَّ بظلٍّ حتى يكفر.
وقيل: نزلت في غيره ممن جرى له مثل ذلك، فأمرهم الله بالثبوت على الإسلام، وأن لا يطيعوا الوالدين إذا أمروهم بالكفر.
وعبَّر عن أمر الوالدين بالجهاد مبالغةً.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ نزلت في قوم كانوا مؤمنين بألسنتهم، فإذا عذَّبهم الكفار رجعوا عن الإيمان، فإذا نصر الله المسلمين قالوا: إنا كنا معكم.
فمعنى ﴿أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾: أوذي بسبب إيمانه بالله.
و﴿فِتْنَةَ النَّاسِ﴾: تعذيبهم.
وقيل: نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه.
﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ أي: قال الكفار للمؤمنين: اكفروا كما كفرنا، ونحمل نحن عنكم الإثم والعقاب إن كان.
وروي: أن قائل هذه المقالة الوليد بن المغيرة. حكاه المهدوي (^٢).
_________________
(١) لم ترد هذه الكلمة في أ، ب، هـ.
(٢) انظر: التحصيل لفوائد كتاب التفصيل، لأبي العباس المهدوي (٥/ ١٨١).
[ ٣ / ٤٦٢ ]
وقولهم: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾: جزاءُ قولهم: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾، ولكنهم ذكروه على وجه الأمر؛ للمبالغة، ولما كان معناه الخبر صحَّ تكذيبهم فيه، فأخبر الله أنهم كاذبون؛ أي: لا يحملون أوزار هؤلاء، بل يحملون أوزار أنفسهم وأوزار أتباعهم من الكفار.
[ ٣ / ٤٦٣ ]
[﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥) وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾].
﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ الظاهر: أنه لبث هذه المدة بعد بعثه.
ويحتمل أن يكون ذلك من أول ولادته.
[ ٣ / ٤٦٤ ]
وروي أنه بعث وهو ابن أربعين سنة، وأنه عُمِّر بعد الطوفان ثلاث مئة وخمسين سنةً.
فإن قيل: لم قال ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾، ثم قال: ﴿خَمْسِينَ عَامًا﴾؛ فاختلف اللفظ مع اتفاق المعنى؟
فالجواب: أن ذلك كراهةٌ لتكرار لفظ السنة، فإن التكرار مكروه (^١) إلا إذا قُصد به تفخيمٌ أو تهويلٌ.
﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً﴾ يُحتمل أن يعود الضمير:
على السفينة.
أو على النجاة.
أو على القصة بكمالها.
﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ هو من الخِلْقة؛ يريد به: نَحْتَ الأصنام، فسماه خِلقةً على وجه التجوز.
وقيل: هو من اختلاق الكذب.
﴿لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ الآية؛ احتجاجٌ على الوحدانية ونفي الشركاء. فإن قيل: لم نكَّر الرزق أوَّلًا، ثم عرَّفه في قوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾؟ فالجواب: أنه نكَّره في قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾؛ لقصد العموم في النفي، فإن النكرة في سياق النفي تقتضي العموم، ثم عرَّفه بعد ذلك لقصد
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «يكره».
[ ٣ / ٤٦٥ ]
العموم في طلب الرزق كله من الله؛ لأنه لا يُقتضى العمومُ في سياق الإثبات إلَّا مع التعريف؛ فكأنه قال: ابتغوا الرزق كلَّه عند الله.
﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا﴾ الآية؛ يحتمل أن تكون:
من كلام إبراهيم.
أو من كلام الله تعالى.
ويحتمل مع ذلك أن يراد به:
وعيدُ الكفار وتهديدهم.
أو يراد به تسليةُ النبي ﷺ عن تكذيب قومه له؛ بالتأسي بغيره من الأنبياء، الذين كذبهم قومهم.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ يقال: بدأ الله الخلق وأبدأه بمعنى واحد، وقد جاءت اللغتان في هذه السورة.
والمعنى: أولم يَرَ الكفار أن الله خلق الخلق؛ فيستدلُّون بالخِلْقة الأولى على الإعادة في الحشر؟.
فقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ليس بمعطوف على ﴿يُبْدِئُ﴾؛ لأن المعنى فيهما مختلف؛ لأن رؤية البدأة بالمشاهدة، بخلاف الإعادة؛ فإنها تعلم بالنظر والاستدلال، وإنما هو معطوف على الجملة كلها.
وقد قيل: إنه يريد إعادة النبات وإبدائه، وعلى هذا يكون ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ عطفًا على ﴿يُبْدِئُ﴾؛ لاتفاق المعنى.
والأول أحسن وأليق بمقاصد الكلام.
[ ٣ / ٤٦٦ ]
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ يعني: إعادة الخلق، وهي حشرهم.
ثم أمَرَهم بالسير في الأرض؛ ليروا مخلوقات الله فيستدلوا بها على قدرته على حشرهم، ولذلك ختمها بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ أي: ترجعون.
﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: لا تَفُوتون من عذاب الله، وليس لكم مهربٌ في الأرض ولا في السماء.
﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ يحتمل:
أن ييأسوا في الآخرة.
أو يكون وصفًا لحالهم في الدنيا؛ لأن الكافر يائسٌ (^١) من رحمة الله، والمؤمن راجٍ خائفٌ.
وهذا الكلام من قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ إلى هنا:
يحتمل أن يكون خطابًا لمحمد ﷺ معترضًا بين قصة إبراهيم.
ويحتمل أن يكون خطابًا لإبراهيم، وبعد ذلك ذكر جواب قومه له.
﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ نصْبُ المودة على أنها:
مفعولٌ من أجله.
أو مفعول ثانٍ لـ ﴿اتَّخَذْتُم﴾.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «يئس».
[ ٣ / ٤٦٧ ]
ورَفْعُها على أنها:
خبر ابتداء مضمر.
أو خبر «إنَّ»، وتكون «ما» موصولة.
ونصبُ ﴿بَيْنَكُمْ﴾: على الظرفية.
وخفضه: بالإضافة.
﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ تضمن ﴿آمَنَ﴾ معنى: انقاد، ولذلك تعدَّى باللام. ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ القائل لذلك: إبراهيم.
وقيل: لوط.
وهاجرا من بلادهما بأرض بابل إلى الشام.
﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ أكثر الأنبياء من ذرية إبراهيم، وعلى ذريته أنزل الله التوراة والإنجيل والزبور والفرقان.
[ ٣ / ٤٦٨ ]
[﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾].
﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ قيل: أراد قطع الطرق (^١) للسلب والقتل.
وقيل: أراد قطع سبيل النسل؛ بترك النساء وإتيان الرجال.
﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ النادي: المجلس الذي يجتمع فيه الناس.
والمنكر: فعلهم بالرجال.
وقيل: إذايتهم للناس.
﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ الرسل هنا: الملائكة.
_________________
(١) في ج، د: «الطريق».
[ ٣ / ٤٦٩ ]
وَالبشرى:
بِشَارَة إبراهيم بالولد، وهو وقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١]. أو بشارته بنصر (^١) لوط.
والأول أظهر.
﴿أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ هي (^٢) قرية لوط.
﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ ليس إخبارًا بأنه فيها، وإنما قصد نجاة لوط من العذاب الذي يصيب أهل القرية، وبراءته من الظلم الذي وُصِفوا به، فكأنه قال: كيف تُهْلِكون أهل القرية وفيهم (^٣) لوط؟ وكيف تقولون إنهم ظالمون وفيهم لوط؟
﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ قد ذُكِر (^٤).
وكذلك ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ (^٥).
﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: عذابًا.
_________________
(١) في ج، هـ: «بنصرة».
(٢) في أ، ب، هـ: «يعني».
(٣) في أ، ب، هـ: «وفيها».
(٤) انظر (٢/ ٣٦٣).
(٥) انظر (٢/ ٦٠٢).
[ ٣ / ٤٧٠ ]
[﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠) مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣) خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤)﴾].
﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ قيل: الرجاء هنا: بمعنى الخوف.
وقيل: هو على بابه.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يعني: نقصهم المكيال والميزان.
﴿الرَّجْفَةُ﴾ هي الصيحة.
﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ أي: أنَّ آثار مساكنهم باقيةٌ، تدلُّ على ما أصابهم.
﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ قيل: معناه: لهم بصيرةٌ في كفرهم وإعجابٌ به.
وقيل: لهم بصيرة في الإيمان، ولكنهم كفروا عنادًا.
[ ٣ / ٤٧١ ]
وقيل: معنى: ﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾ عقلاء متمكنين من النظر والاستدلال، ولكنهم لم يفعلوا.
﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ أي: لم يُفُوتوا.
﴿فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ الحاصب: الحجارة.
والحاصب أيضًا: الريح الشديدة.
فيحتمل عندي أنه أراد به المعنيين؛ لأن قوم لوط أُهلكوا بالحجارة، وعادًا أهلكوا بالريح، وإن حملناه على المعنى الواحد نقص ذكر الآخر، وقد أجاز كثيرٌ من الناس استعمال اللفظ الواحد في معنيين، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، ويقوَّى ذلك هنا؛ لأن المقصود ذكرُ عموم أخذ أصناف الكفار.
﴿وَمِنْهُم مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ يعني: ثمود ومدين.
﴿وَمِنْهُم مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ يعني: قارون.
﴿وَمِنْهُم مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ يعني: قوم نوح، وفرعون وقومه.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ شبَّه الله الكافرين في عبادتهم للأصنام بالعنكبوت في بنائها بيتًا ضعيفًا، فكما أن ما اعتمدت عليه العنكبوت من بيتها ليس بشيء؛ كذلك ما اعتمد (^١) عليه الكفار من آلهتهم ليس بشيء؛ لأنهم لا ينفعون ولا يضرُّون.
﴿أَوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾ أي: أضعفها.
_________________
(١) في ب، د: «اعتمدت».
[ ٣ / ٤٧٢ ]
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كانوا يعلمون أن هذا مَثَلهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿مَا﴾ موصولةٌ بمعنى: «الذي»، مفعولةٌ للفعل الذي قبلها.
وقيل: هي نافية، والفعل معلَّق عنها، والمعنى على هذا: لستم تدعون من دون الله شيئًا له بال فيصلح أن يسمى شيئًا.
﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالواجب، لا على وجه العبث واللعب.
[ ٣ / ٤٧٣ ]
[﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥) وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾].
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ إذا كان المصلي خاشعًا في صلاته، متذكرًا لعظمة من وقف بين يديه: حَمَله ذلك على التوبة من الفحشاء والمنكر؛ فكأنَّ الصلاة ناهيةٌ عن ذلك.
﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قيل فيه ثلاثة معانٍ:
الأول: أن المعنى: إن الصلاة أكبر من غيرها من الطاعات، وسماها بذكر الله؛ لأن ذكر الله أعظم ما فيها، وكأنه أشار بذلك إلى تعليل نهيها عن الفحشاء والمنكر؛ لأن ذكر الله فيها هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر.
الثاني: أن ذكر الله على الدوام أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة؛ لأنها في بعض الأوقات دون بعض.
[ ٣ / ٤٧٤ ]
الثالث: أن ذكر الله أكبرُ أجرًا من الصلاة ومن سائر الطاعات، كما ورد في الحديث: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم؟»؛ قالوا: بلى قال: «ذكر الله» (^١).
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: لا تجادلوا كفار أهل الكتاب إذا اختلفتم معهم في الدين إلَّا بالتي هي أحسن، لا بضربٍ ولا قتال.
وكان هذا قبل أن يفرض الجهاد، ثم نُسِخَ بالسيف.
ومعنى ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الذين ظلموكم، أو (^٢) صرَّحوا بإذاية نبيكم ﷺ. وقيل: معنى الآية: لا تجادلوا من أسلم من أهل الكتاب فيما حدَّثوكم به من الأخبار إلَّا بالتي هي أحسن، ومعنى ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ على هذا: من بقي منهم على كفره.
والمعنى الأول أظهر.
﴿وَقُولُوا آمَنَّا﴾ هذا وما بعده: يقتضي موادعةً ومسالمةً، وهي منسوخة بالسيف.
ويقتضي أيضًا: الأعراض عن مكالمتهم، وفي الحديث: «لا تصدِّقوا أهل الكتاب ولا تكذِّبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، فإن كان باطلًا لم تصدِّقوهم، وإن كان حقًّا لم تكذِّبوهم» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢١٧٠٢)، (٢٢٠٧٩)، (٢٧٥٢٥)، والترمذي (٣٣٧٧)، وابن ماجه (٣٧٩١).
(٢) في ب، هـ: «و».
(٣) أخرجه أحمد (١٧٢٢٥) وأبو داود (٣٦٤٤)، وأخرجه البخاري (٤٤٨٥) بلفظ: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية».
[ ٣ / ٤٧٥ ]
﴿وَكَذلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتابَ﴾ أي: كما أنزلنا الكتاب على مَنْ قبلك أنزلناه عليك.
﴿فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ يعني: عبد الله بن سلام وأمثاله ممن أسلم من اليهود والنصارى.
﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أراد بالذين أوتوا الكتاب: أهل التوراة والإنجيل، وأراد بقوله: ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ كفار قريش.
وقيل: أراد بالذين أوتوا الكتاب: المتقدّمين من أهل التوراة والإنجيل، وأراد بـ ﴿هَؤُلَاءِ﴾: المعاصرين لمحمد ﷺ منهم، كعبد الله بن سلام.
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ﴾ هذا احتجاج على أن القرآن من عند الله؛ لأن النبي ﷺ كان لا يقرأ ولا يكتب، ثم جاء بالقرآن.
فإن قيل: ما فائدة قوله: ﴿بِيَمِينِكَ﴾؟
فالجواب: أن ذلك تأكيد للكلام، وتصوير للمعنى المراد.
﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: لو كنت تقرأ أو تكتب لتطرَّق الشك إلى الكفار، فكانوا (^١) يقولون: لعلَّه تعلم هذا الكتاب أو قرأه.
وقيل: وجه الاحتجاج: أن أهل الكتاب كانوا يجدون في كتبهم أن النبي ﷺ أُمِّيّ لا يقرأ ولا يكتب، فلما جعله الله كذلك قامت عليهم الحجة، ولو كان يقرأ أو يكتب لكان مخالفًا للصفة التي وصفه الله بها عندهم.
والمذهب الصحيح: أن رسول الله ﷺ لم يقرأ قط ولا كتب.
_________________
(١) في ج، د: «وكانوا».
[ ٣ / ٤٧٦ ]
وقال الباجي (^١) وغيره: إنه كتب؛ لظاهر حديث الحديبية، وهذا القول ضعيف.
﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ﴾ الضمير للقرآن، والإضراب بـ ﴿بَلْ﴾ عن كلام محذوف تقديره: ليس الأمر كما حَسِبَ المبطلون والظالمون.
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ المعنى: كيف يطلبون آيةً والقرآن الكريم أعظم الآيات، وأوضحها دلالة على صحة النبوة؛ فهلَّا اكتفوا به عن طلب الآيات!.
_________________
(١) أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي (ت ٤٩٤ هـ)، وله رسالة في هذه المسألة أسماها «تحقيق المذهب من أن النبي ﷺ قد كتب»، وجرت له في ذلك قصةٌ، انظرها في: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٨/ ٥٤٠)، الديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٣٨٠).
[ ٣ / ٤٧٧ ]
[﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥) يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾].
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ﴾ ذُكر معناه في «الرعد» (^١)، وفي «الأنعام» (^٢).
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ الضمير للكفار، يعني: قولهم: ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ [الأعراف: ٧٧]، وقولهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] وشبه ذلك.
﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ أي: لولا أن الله قدَّر لعذابهم أجلًا مسمى لعاجلهم (^٣) به حين طلبوه.
_________________
(١) انظر (٢/ ٦٩٠).
(٢) انظر (٢/ ٢٤٩).
(٣) في أ، ب: «لفاجأهم».
[ ٣ / ٤٧٨ ]
﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً﴾ يحتمل أن يريد:
القتل الذي أصابهم يوم بدر.
أو الجوع الذي أصابهم بتوالي القحط.
أو يريد عذاب الآخرة، وهذا أظهر؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾.
﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ﴾ أي: يحيط بهم.
والعامل في الظرف: محذوف، أو ﴿لَمُحِيطَةٌ﴾.
﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ تحريض على الهجرة من مكة؛ إذ كان المؤمنون يلقون فيها أذى الكفار، وترغيب في غيرها من أرض الله، فحينئذ هاجروا إلى أرض الحبشة، ثم إلى المدينة.
﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ أي: ننزلهم.
وقرئ: ﴿نُثْوِيَنَّهُمْ﴾ بالثاء المثلثة من الثَّواء (^١) وهو الإقامة في المنزل.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ أي: كم من دابة ضعيفة لا تقدر على حمل رزقها، ولكن الله يرزقها مع ضعفها.
والقصد بالآية: تقوية لقلوب المؤمنين؛ إذ خافوا الجوع والفقر في الهجرة إلى بلاد الناس، أي: كما يرزق الله الحيوانات الضعيفة كذلك يرزقكم إذا هاجرتم من بلدكم (^٢).
_________________
(١) في ج، د: «الثوى».
(٢) في د، هـ: «بلادكم».
[ ٣ / ٤٧٩ ]
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم﴾ في الموضعين: إقامة حجة عليهم.
﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كيف يُصرَفون عن الحق.
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ حمد الله على ظهور الحجة.
أو يكون المعنى: إلزامهم أن يحمدوا الله لما اعترفوا أنه خلق السموات والأرض.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ إضرابٌ عن كلام محذوف تقديره: يجب عليهم أن يعبدوا الله لما اعترفوا به؛ ولكنهم لا يعقلون.
[ ٣ / ٤٨٠ ]
[﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾].
﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ أي: الحياة الدائمة التي لا موت فيها، ولفظ ﴿الْحَيَوَانُ﴾ مصدرٌ، كالحياة.
﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ الآية؛ إقامة حجة عليهم بدعائهم لله حين الشدائد، ثم يشركون به في حال الرخاء.
﴿لِيَكْفُرُوا﴾ أمرٌ:
على وجه التهديد.
أو على وجه الخذلان والتَّخلية، كما تقول لمن تنصحه فلا يقبل نصحك: «اعمل ما شئت».
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ الضمير لكفار قريش، والحرم الآمن: مكة؛ لأنها كانت لا تُغير عليها العرب كما تُغير على سائر البلاد، ولا ينتهك أحد حرمتها.
﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ عبارةٌ عما يصيب غير أهل مكة من القتل وأخذ الأموال.
[ ٣ / ٤٨١ ]
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ يعني: جهاد الأنفس من الصبر على إذاية الكفار واحتمال الخروج عن الأوطان وغير ذلك.
وقيل يعني: القتال، وذلك ضعيف؛ لأن القتال لم يكن مأمورًا به حين نزول الآية.
﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: لَنُوَفِّقَنَّهُم لسُبُلِ (^١) الخير.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ المعنى: إنَّه معهم بإعانته ونصره.
_________________
(١) في أ: «السبيل».
[ ٣ / ٤٨٢ ]