[﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩)﴾].
﴿تَبَارَكَ﴾ من البركة، وهو فعل مختصٌّ بالله تعالى لم يُنطق له بمضارع.
﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ يعني: محمدًا ﷺ، وذلك على وجه التَّشريف له والاختصاص.
﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ الضمير:
لمحمد ﷺ.
[ ٣ / ٣٢٣ ]
أو للفرقان.
والأول أظهر.
وقوله: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ عمومٌ يشمل الإنس والجن ممن كان في عصره، وممن يأتي بعده إلى يوم القيامة.
وتضمنَّ صدرُ هذه الآية إثباتَ النبوة والتوحيد، والردَّ على من خالف في ذلك.
﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ﴿خَلَقَ﴾: عبارةٌ عن الإيجاد بعد العدم، والتقدير: عبارةٌ عن إتقان الصنعة، وتخصيص كل مخلوق بمقداره وصفته وزمانه ومكانه ومصلحته وأجله، وغير ذلك.
﴿وَاتَّخَذُوا﴾ الضمير لقريش وغيرهم ممن أشرك بالله تعالى.
﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يعنون: قومًا من العبيد، منهم: عدَّاس ويسارٌ وأبو فُكيهة الرُّوميُّ.
﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ أي: ظلموا النبي ﷺ فيما نسبوا إليه، وكذَّبوا في ذلك عليه.
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطره الأولون في كتبهم، وكان الذي يقول هذه المقالة النضر بن الحارث.
﴿اكْتَتَبَهَا﴾ أي كتبها له كاتبٌ، ثم صارت تملى عليه ليحفظها، وهذا حكاية كلام الكفار.
وقال الحسن: إنه من قول الله على وجه الردّ عليهم.
[ ٣ / ٣٢٤ ]
ولو كان ذلك لقال: «أَكْتَتَبها» بفتح الهمزة لمعنى (^١) الإنكار، وقد يجوز حذف الهمزة في مثل هذا.
وينبغي على قول الحسن أن يوقف على ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ ردٌّ على الكفار في قولهم، ويعني (^٢) بالسرّ: ما أسرَّه الكفار من أقوالهم.
أو يكون ذلك على معنى التنصُّل والبراءة مما نسبه الكفار إليه من الافتراء؛ أي: أن الله يعلم سرِّي؛ فهو العالم بأني ما افتريتُ عليه، بل هو أنزله عليَّ.
فإن قيل: ما مناسبة قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لما قبله؟
فالجواب: أنه لما ذكر أقوال الكفار: أعقبها بذلك؛ ليبين أنه غفور رحيم في كونه لم يَعْجَلْ عليهم بالعقوبة بل أمهلهم، وإن أسلموا تاب عليهم وغفر لهم.
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ الآية، قال هذا الكلام قريشٌ؛ طعنًا على النبي ﷺ، وقد ردَّ (^٣) الله عليهم بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠].
وقولهم: ﴿هَذَا الرَّسُولِ﴾:
على وجه التهكُّم، كقوله فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [الشعراء: ٢٧].
_________________
(١) في د: «بمعنى».
(٢) في أ، ب: «يعني» بدون واو.
(٣) في ج: «رده».
[ ٣ / ٣٢٥ ]
أو يعنون: الرسول بزعمه.
ثم ذكر ما اقترحوا من الأمور في قولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ وما بعده، ثم وصفهم بالظلم.
وقد ذكرنا معنى ﴿مَسْحُورًا﴾ في «سبحان» (^١).
﴿ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ أي: قالوا فيك تلك الأقوال.
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ أي: لا يقدرون على الوصول إلى الحق؛ لبعدهم عنه، وإفراط جهلهم.
_________________
(١) انظر (٢/ ٨١٠).
[ ٣ / ٣٢٦ ]
[﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤) قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾].
﴿خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ الإشارة إلى ما ذكره الكفار من الكنز والجنة في الدنيا.
﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ يعني: جنات الآخرة وقصورها.
وقيل: يعني: جناتٍ وقصورًا في الدنيا، ولذلك قال: ﴿إِنْ شَاءَ﴾.
﴿إِذَا رَأَتْهُم﴾ أي: إذا رأتهم جهنم، وهذه الرؤية يحتمل أن تكون: حقيقةً.
أو مجازًا؛ بمعنى: صارت منهم بِقَدْرِ ما يُرَى على البعد.
﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ التغيظ لا يسمع، وإنما المسموع أصوات دالة عليه، ففي لفظه تجوزٌ.
[ ٣ / ٣٢٧ ]
والزفير: صوتٌ ممدودٌ كصوت الحمار.
﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ تُضَيَّقُ عليهم زيادةً في عذابهم.
﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أي مربوطٌ بعضهم إلى بعض، ورُوي أن ذلك بسلاسلَ من نار.
﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ الثبور: الويل، وقيل: الهلاك.
ومعنى دعائهم ثبورًا: أنهم يقولون: يا ثبوراه!، كقول القائل: واحسرتي! واأسفي!.
﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا﴾ تقديره: يقال لهم ذلك.
أو يكون حالهم يقتضي ذلك، وإن لم يكن ثَمَّ قولٌ.
وإنما دعوا ثبورًا كثيرًا؛ لأن عذابهم دائمٌ، فالثبور يتجدَّد عليهم في كل حين.
﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ إنما جاز هنا التفضيل بين الجنة والنار؛ لأن الكلام توقيفٌ وتوبيخٌ، وإنما يُمنَع التفضيل بين شيئين ليس بينهما اشتراك في المعنى إذا كان الكلام خبرًا.
﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ أي سأله المؤمنون، أو الملائكة في قولهم: ﴿وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾.
وقيل: معناه: وعدًا واجب الوقوع؛ لأنه قد حتَّمه.
﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾ القائل لذلك هو الله ﷿.
[ ٣ / ٣٢٨ ]
والمخاطب (^١) هم:
المعبودون مع الله على العموم.
وقيل: الأصنام خاصةً.
والأول أرجح؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠]، وقوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٩].
﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا معادلةٌ لما قبلها، والمعنى: أن الله يقول يوم القيامة للمعبودين: أأنتم أظللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلُّوا من تلقاء أنفسهم باختيارهم ولم تُضلُّوهم أنتم؟، ولأجل ذلك بيَّن هذا المعنى بقوله: ﴿هُمْ﴾؛ ليُحقَّق (^٢) إسناد الضلال إليهم.
وإنما سألهم الله هذا السؤال مع علمه بالأمور؛ ليوبّخ الكفار الذين عبدوهم.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ القائل لهذا: هم المعبودون؛ قالوه على وجه التبرِّي ممن عبدهم كقولهم: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِم﴾ [سبأ: ٤١]، والمراد بذلك: توبيخ الكفار يومئذ، وإقامة الحجة عليهم.
﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ معناه: أن إمتاعهم بالنعم في الدنيا كان سبب
_________________
(١) في ب، د: «والمخاطبون».
(٢) في أ، ب: «ليتحقق».
[ ٣ / ٣٢٩ ]
نسيانهم لذكر الله وعبادته.
﴿قَوْمًا بُورًا﴾ أي: هالكين، وهو من البوار بمعنى: الهلاك.
واختلف: هل هو جمع بائر؟ أو مصدرٌ وُصِف به؛ ولذلك يقع على الواحد والجماعة؟.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ هذا خطابٌ خاطب الله به المشركين يوم القيامة؛ أي: قد كذَّبكم (^١) آلهتكم التي عبدتم من دون الله، وتبرؤوا منكم.
وقيل: هو خطاب للمعبودين؛ أي: كذَّبوكم في هذه المقالة لما عبدوكم في الدنيا.
وقيل: هو خطاب للمسلمين؛ أي: قد كذَّبكم الكفار فيما تقولونه من التوحيد والشريعة.
وقرئ ﴿بِمَا يَقُولُونَ﴾ بالياء من أسفل.
والباء في قوله: ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾:
على القراءة بالتاء: بدلٌ من الضمير في ﴿كَذَّبُوكُمْ﴾.
وعلى القراءة بالياء كقولك: كتبتُ بالقلم؛ أي: كذَّبوكم بقولهم.
﴿فَمَا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ قرئ ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ بالتاء من فوق، ويحتمل على هذا:
أن يكون الخطاب: للمشركين أو للمعبودين، والصَّرف على هذين
_________________
(١) في د: «كذبوكم».
[ ٣ / ٣٣٠ ]
الوجهين: صَرْفُ العذاب عنهم.
أو يكون الخطاب: للمسلمين، والصرف على هذا: ردُّ التكذيب.
وقرئ بالياء، وهو مسندٌ إلى المعبودين أو المشركين، والصرف: صرف العذاب.
﴿وَمَنْ يَظْلِم مِنكُمْ﴾ خطاب للكفار.
وقيل: للمؤمنين.
وقيل: على العموم.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ تقديره: وما أرسلنا رسلًا أو رجالًا قبلك، وعلى هذا المفعول المحذوف يعود الضمير في قوله: ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾.
وهذه الآية ردٌّ على الكفار في استبعادهم بعثَ رسولٍ يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.
﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ هذا خطاب لجميع الناس؛ لاختلاف أحوالهم، فالغني فتنةٌ للفقير، والصحيح فتنة للمريض، والرسول فتنة لغيره ممن يحسده ويكفر به.
﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ تقديره: لننظر (^١) هل تصبرون.
_________________
(١) في ب، هـ: «لينظر».
[ ٣ / ٣٣١ ]
[﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩) وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾].
﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ قيل: معناه لا يخافون.
والصحيح: أنه على بابه؛ لأن لقاء الله يُرجى ويُخاف.
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ اقترح الكفار نزول الملائكة أو رؤية الله، وحينئذ يؤمنون (^١)، فرد الله عليهم بقوله: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا﴾ الآية؛ أي: طلبوا ما لا ينبغي لهم أن يطلبوه.
وقوله: ﴿فِي أَنفُسِهِمْ﴾:
كما تقول: فلان عظيم في نفسه، أي: عند نفسه.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «يؤمنوا».
[ ٣ / ٣٣٢ ]
أو بمعنى أنهم أضمروا الكفر (^١) في أنفسهم.
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ لما طلبوا رؤية الملائكة أخبر الله أنهم لا بشرى لهم يوم يرونهم، فالعامل في ﴿يَوْمَ﴾: معنى ﴿لَا بُشْرَى﴾، و﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل.
﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ الضمير في ﴿يَقُولُونَ﴾:
إن كان للملائكة: فالمعنى أنهم يقولون للمجرمين: حجرًا محجورًا؛ أي: حرامًا عليكم الجنة أو البشرى.
وإن كان الضمير للمجرمين: فالمعنى أنهم يقولون: حجرًا؛ بمعنى عَوْذًا؛ لأن العرب كانت تتعوَّذ بهذه الكلمة إذا رأت ما تكره (^٢).
وانتصابه بفعل متروكٍ إظهاره؛ نحو: معاذ الله.
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا﴾ أي: قَصَدنا إلى أعمالهم؛ فلفظ القدوم مجازٌ.
وقيل: هو قدوم الملائكة، أسنده الله إلى نفسه؛ لأنه عن أمره (^٣).
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «الكبر»، وعبارة الكشاف (١١/ ٢٠٨): «معناه: أضمروا الاستكبار عن الحق؛ وهو الكفر والعناد في قلوبهم».
(٢) في ج، د: «تتعوذ بهذه الكلمة مما تكره».
(٣) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قول المصنف ﵀: «قَصَدنا إلى أعمالهم، فلفظ القدوم مجاز» أقول: قوله: «قدمنا أي: قَصَدنا»، هو معنى ما جاء عن السلف؛ إذ قالوا في تفسير الآية: قَدِمنا أي: عَمَدنا، والمقتضي لهذا التفسير هو تعدية الفعل بإلى؛ فقَدِم مضمَّنٌ معنى قصَد أو عمَد، والفعل المضمَّن لمعنى فعل آخر يفيد معنى الفعلين، كما هو معلوم، وعليه: فقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا﴾ يفيد معنى (قَدِمَ) الذي فيه معنى أتى أو جاء، ومعنى عَمَد وقصَد، وعلى هذا فليس في الآية مجاز، بل في الآية تضمين =
[ ٣ / ٣٣٣ ]
﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ عبارةٌ عن عدمِ قَبولِ ما عملوا من الحسنات، كإطعام المساكين وصلة الأرحام وغير ذلك، وأنها لا تنفعهم؛ لأن الإيمان شرطٌ في قبولِ الأعمال.
والهَباء: هي الأجرام الدقيقة (^١) من الغبار التي لا تظهر إلَّا حين تدخل الشمس على موضع ضيِّق كالكُوَّة.
والمنثور: المتفرِّق (^٢).
﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ جاء هنا التفضيل بين الجنة والنار؛ لأن هذا مستقرٌّ وهذا مستقرٌّ.
﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ هو مَفْعَلٌ من النوم في القائلة، وإن كانت الجنة لا نوم فيها، ولكن جاء على ما تتعارفه العرب من الاستراحة وقتَ القائلة في الأمكنة الباردة.
_________________
(١) = الفعل معنى فعل آخر، كما تقدم. وعُلم مما تقدم أنه يمكن أن يستدل بالآية على إثبات المجيء لله، لكن إضافة الفعل إلى صيغة الجمع تفيد مجيء الملائكة أيضا، كما جاء الخبر عن الأمرين - مجيء الله ومجيء ملائكته - في غير موضع، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، ولهذا يشير قول المؤلف: «وقيل: هو قدوم الملائكة»، أي: مجيئهم، والقائل بذلك الأشبه أنه من نفاة الصفات الفعلية عن الله، كالمجيء والإتيان، والحقُّ أنه تعالى يجيء كما يشاء، كما أخبر عن نفسه في عدد من الآيات، والأظهر أن منها هذه الآية: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾.
(٢) لم ترد هذه الكلمة في أ، ب، هـ.
(٣) في ج، د، هـ: «المفترق».
[ ٣ / ٣٣٤ ]
وقيل: إن حساب الخلق يكمل في وقت ارتفاع النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار.
﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ هو يوم القيامة، وانشقاق السماء: انفطارها.
ومعنى ﴿بِالْغَمَامِ﴾: أي: يخرج منها الغمام، وهو سحاب رقيق أبيض، وحينئذ تنزل الملائكة إلى الأرض.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ عضُّ اليدين: كنايةٌ عن الندم والحسرة.
والظالم هنا: عقبة بن أبي معيط.
وقيل: كل ظالم.
والظلم هنا: بمعنى الكفر.
﴿مَعَ الرَّسُولِ﴾ هو محمد ﷺ، أو اسم جنس على العموم.
﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ روي: أن عقبة جنح إلى الإسلام فنهاه أبيُّ بن خلف، أو أمية بن خلف؛ فهو فلان.
وقيل: إن عقبة نهى أبيَّ بن خلف عن الإسلام، فالظالم على هذا: أبيٌّ، وفلانٌ: عقبةُ.
وإن كان الظالم على العموم: فـ ﴿فلانا﴾ على العموم؛ أي: خليلُ كلِّ كافرٍ.
﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ يحتمل أن يكون هذا:
من قول الظالم.
أو ابتداءً إخبارٍ؛ من قول الله تعالى.
[ ٣ / ٣٣٥ ]
ويحتمل أن يراد بالشيطان: إبليس، أو الخليل المذكور.
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ قيل: إن هذا حكاية قوله ﷺ في الدنيا.
وقيل: في الآخرة.
﴿مَهْجُورًا﴾ من الهجر؛ بمعنى: البُعد والترك.
وقيل: من الهُجْر -بضم الهاء-؛ أي: قالوا فيه الهُجر حين قالوا: إنه شعر وسحر.
والأول أظهر.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ العدو هنا جمعٌ، والمراد: تسلية النبي ﷺ بالتأسي بغيره من الأنبياء.
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ وعدٌ لمحمد ﷺ بالهدى والنصرة.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ هذا من اعتراضات قريش؛ لأنهم قالوا: لو كان القرآن من عند الله لنزل جملة واحدة كما نزلت التوراة والإنجيل.
﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ هذا جوابٌ لهم تقديره: أنزلناه كذلك مفرَّقًا؛ لنثبّت به فؤاد محمد ﷺ؛ بحفظه، ولو نزل جملة واحدة لتعذَّر عليه حفظه؛ لأنه أميُّ لا يقرأ، فحفظ المفرَّق عليه أسهل.
وأيضًا؛ فإنه نزل بأسباب مختلفة تقتضي أن ينزل كلُّ جزء منه عند (^١) حدوث سببه.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «على».
[ ٣ / ٣٣٦ ]
وأيضًا؛ منه ناسخ ومنسوخ، ولا يتأتَّى ذلك فيما ينزل جملةً واحدةً.
﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ أي: فرَّقناه تفريقًا، فإنه نزل بطول عشرين سنة.
وهذا الفعل معطوف على الفعل المقدَّر الذي يتعلَّق به ﴿كَذَلِكَ﴾، وبه يتعلَّق ﴿لِنُثَبِّتَ﴾.
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ الآية؛ معناها: لا يوردون عليك سؤالًا أو اعتراضًا إلَّا أتيناك في جوابه بالحقِّ والتفسيرِ الحسن الذي يُذهب اعتراضهم ويبطل شبهتهم.
﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ يعني: الكفار، وحَشْرُهم على وجوههم حقيقة؛ لأنه جاء في الحديث: قيل يا رسول الله: كيف يُحشر الكافر على وجهه؟ قال: «أليس الذي أمشاه في الدنيا على رجليه قادرًا على أن يُمشيه في الآخرة على وجهه؟!». (^١)
﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾ يحتمل أن يريد بالمكان:
المنزلة والشرف.
أو الدار والمسكن في الآخرة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٧٦٠)، ومسلم (٢٨٠٦).
[ ٣ / ٣٣٧ ]
[﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠) وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾].
﴿وَزِيرًا﴾ أي: مُعِينًا.
﴿إِلَى الْقَوْمِ﴾ يعني: فرعونَ وقومه.
وفي الكلام حذفٌ تقديره: فذهبا إليهم فكذَّبوهما فدمرناهم.
﴿كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ تأويله كما ذُكر في قوله في «هود»: ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ [هود: ٥٩] (^١).
﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾ يحتمل أن يريد بالظالمين:
مَنْ تقدَّم، ووَضع هذا الاسم الظاهر موضع المضمر؛ لقصد وصفهم بالظلم.
_________________
(١) انظر (٢/ ٥٩٥).
[ ٣ / ٣٣٨ ]
أو يريد الظالمين على العموم.
﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ معنى الرَّسِّ في اللغة: البئر، واختلف في أصحاب الرس:
فقيل: هم من بقية ثمود.
وقيل: من أهل اليمامة.
وقيل: من أهل أنطاكية، وهم أصحاب ياسين.
واختلف في قصتهم:
فقيل: بُعث إليهم نبيّ، فرموه في بئر فأهلكهم الله.
وقيل: كانوا حول بئر لهم، فانهارت بهم فهلكوا.
﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ يقتضي التكثير والإبهام، والإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى المذكور قبلُ من الأمم.
﴿لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ أي: بَيَّنَّا له.
﴿تَبَّرْنَا﴾ أي: أهلكنا.
﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ﴾ الضمير في ﴿أَتَوْا﴾ لقريش وغيرهم من الكفار.
والقرية: قرية قوم لوط.
و﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾: الحجارة.
ثم وقفهم على رؤيتهم لها؛ لأنها في طريقهم إلى الشام، ثم أخبر أن سبب عدم اعتبارهم بها كُفْرهم بالنُّشور.
[ ٣ / ٣٣٩ ]
و﴿يَرْجُونَ﴾ كقوله: ﴿يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [الفرقان: ٢١]، وقد ذُكر (^١).
﴿أَهَذَا الَّذِي﴾ حكاية قولهم على وجه الاستهزاء، فالجملة في موضع معمول (^٢) لقولٍ محذوف يدلُّ عليه ﴿هُزُوًا﴾.
وقوله: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ استئنافُ جملةٍ أخرى، وتمَّ كلامهم، واستأنف كلامَ الله تعالى في قوله: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ الآية؛ على وجه التهديد لهم.
﴿اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ أي: أطاع هواه حتى صار (^٣) كأنه إله.
﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ لأن الأنعام ليس لها عقول، وهؤلاء لهم عقول ضيَّعوها.
أو لأن الأنعام تطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها، وهؤلاء يتركون أنفع الأشياء وهو الثواب، ولا يخافون أضرَّ الأشياء وهو العقاب.
_________________
(١) انظر صفحة ٣٣٢.
(٢) في أ، ب، ج، هـ: «مفعول».
(٣) في د زيادة: «له».
[ ٣ / ٣٤٠ ]
[﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾].
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾ أي: إلى صنع ربك وقدرته.
﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ قيل: مدَّه من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس؛ لأن الظل حينئذ على الأرض كلها.
واعترضه ابن عطية بأن ذلك الوقت من الليل، ولا يقال «ظل» بالليل، واختار أن مدَّ الظل ما بين أول الإسفار إلى طلوع الشمس وبعد مغيبها بيسير (^١).
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (٦/ ٤٤٢).
[ ٣ / ٣٤١ ]
وقيل: (^١) ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾: أي: جعله يمتدُّ وينبسط.
﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ أي: ثابتًا غير زائل لكنه جعله يزول بالشمس.
وقيل: معنى ساكن: غير منبسط على الأرض، بل يلتصق (^٢) بأصل الحائط أو الشجرة ونحوها.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ قيل: معناه: أن الناس يستدلون بالشمس وبأحوالها في سيرها على الظل متى يتسع ومتى ينقبض، ومتى يزول عن مكان إلى آخر، فيبنون على ذلك انتفاعَهم به وجلوسَهم فيه.
وقيل: معناه: لولا الشمس لم يُعرَف أن الظل شيء؛ لأن الأشياء إنما تُعرَف بأضدادها.
﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦)﴾ قَبْضُه: نَسْخُه وزواله بالشمس.
ومعنى ﴿يَسِيرًا﴾: شيئًا بعد شيء، لا دَفْعةً واحدة.
فإن قيل: ما معنى «ثم» في هذه المواضع الثلاثة؟
فالجواب: أنه يَحتمل:
أن تكون للترتيب في الزمان، أي: جعل الله هذه الأحوال حالًا بعد حال.
أو تكون لبيان التفاضل بين هذه الأحوال، وأن (^٣) الثاني أعظمُ من
_________________
(١) في ج، د زيادة: «معنى».
(٢) في ج، د: «ملتصق».
(٣) في ج، د: «بأن كان».
[ ٣ / ٣٤٢ ]
الأول، والثالث أعظم من الثاني.
﴿اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ شبّه ظلام الليل باللباس؛ لأنه يستر كل شيء كاللباس.
﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ قيل: راحة.
وقيل: موتًا؛ لقوله: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، ويدلُّ عليه مقابلته بالنشور.
﴿الرِّيَاحَ نُشُرًا﴾ ذُكر في «الأعراف» (^١).
﴿مَاءً طَهُورًا﴾ مبالغةٌ في طاهر.
وقيل: معناه: مطهِّر للناس في الوضوء وغيره، وبهذا المعنى يقول الفقهاء: ماءٌ طهورٌ؛ أي: مُطهِّر، وكل مُطهِّر طاهرٌ، وليس كل طاهر مُطهِّرًا.
﴿وَأَنَاسِيَّ﴾ قيل: جمع إنسيٍّ.
وقيل: جمع إنسان.
والأول أصح.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ الضمير للقرآن.
وقيل: للمطر، وهو بعيد.
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١)﴾ أي: لو شئنا لخفَّفنا عنك أثقال الرسالة ببعث جماعة من الرسل، ولكنا خصَصْناك بها كرامةً لك؛ فاصبر عليها.
_________________
(١) انظر (٢/ ٣٥٣).
[ ٣ / ٣٤٣ ]
﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ﴾ الضمير: للقرآن، أو لما دلّ عليه الكلام المتقدم (^١).
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ اضطرب الناس في هذه الآية؛ لأنه لا يُعْلَم في الدنيا بحرٌ مِلْحٌ وبحر عَذْبٌ، وإنما البحار المعروفة ماؤها مِلْحٌ:
فقال ابن عباس: أراد بالبحر الملح الأجاج: بحر الأرض، وبالبحر العذب الفرات: بحر السحاب.
وقيل: البحر الملح: البحر المعروف، والبحر العذب: مياه الأرض.
(وقيل: البحر الملح: جميع الماء المِلْح من الآبار وغيرها، والبحر العذب: هو مياه الأرض) (^٢) من الأنهار والعيون.
ومعنى الفرات: البليغ العذوبة حتى يضرب إلى الحلاوة، والأجاج: نقيضه.
واختُلف في معنى مَرْجِهما:
فقيل: جعلهما متجاورين متلاصقين.
وقيل: أسال أحدهما في الآخر.
﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي: فاصلا يفصل بينهما، وهو ما بينهما من الأرض بحيث لا يختلطان.
وقيل: هذا البرزخ يعلمه الله، ولا يراه البشر.
_________________
(١) أي: جاهدهم بسبب كونك نذير كافة القُرى. الكشاف (١١/ ٢٦٢).
(٢) سقط من أ، ب، هـ.
[ ٣ / ٣٤٤ ]
﴿خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ إن أراد بالبشر آدم: فالمراد بالماء: الماء الذي خُلِطَ مع التراب فصار طينًا.
وإن أراد بالبشر بني آدم: فالمراد بالماء: المنيُّ الذي يُخلقون منه.
﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ النسب والصهر يَعُمَّان كل قربى؛ فالنسب: أن يجتمع إنسان مع آخر في أب أو أم، قَرُبَ ذلك أو بَعُدَ، والصهر: هو الاختلاط بالتناكح.
وقيل: أراد بالنسب: الذكور؛ أي: ذوي (^١) نسب يُنتسب إليهم، وأراد بالصهر: الإناث؛ أي ذوات صهر يُصاهر بهنَّ، فهو كقوله: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (٣٩)﴾ [القيامة: ٣٩].
﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ الكافر هنا: الجنس.
وقيل: المراد أبو جهل.
والظهير: المعين؛ أي: يعين الشيطان على ربه بالعداوة والشرك.
ولفظه يقع للواحد والجماعة، كقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤].
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: لا أسألكم على الإيمان أجرة ولا منفعة لنفسي.
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ معناه: إنما أسألكم أن تتخذوا إلى ربكم سبيلًا بالتقرب إليه وعبادته، فالاستثناء منقطع.
_________________
(١) في ب، د: «ذو».
[ ٣ / ٣٤٥ ]
وقيل: المعنى: إلَّا أن تتخذوا إلى ربكم سبيلًا بالصدقة، فالاستثناء على هذا متصل.
والأول أظهر.
وفي الكلام محذوف تقديره: إلَّا سؤال من شاء، أو ما أشبه ذلك.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ قرأ هذه الآية بعض السلف فقال: لا ينبغي لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق؛ فإنه يموت.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ أي قل: «سبحان الله وبحمده»، والتسبيح التنزيه عن كل ما لا يليق به.
ومعنى ﴿بِحَمْدِهِ﴾ أي: بحمده أقول ذلك.
ويحتمل أن يكون المعنى: سبِّحه مُلْتَبِسًا (^١) بحمده، فهو أَمْرٌ بأن يجمع بين التسبيح والحمد.
﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ يَحتمل أن يكون المراد بهذا:
بيان حلمه وعفوه عن عباده مع علمه بذنوبهم.
أو يكون المراد: تهديد العباد؛ لعلم (^٢) الله بذنوبهم.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ذكر في «الأعراف» (^٣).
_________________
(١) في أ، ب، د: «متلبسًا».
(٢) في د: «بعلم».
(٣) انظر (٢/ ٣٤٨).
[ ٣ / ٣٤٦ ]
﴿الرَّحْمَنُ﴾ خبر ابتداء مضمر، أو بدل من الضمير في ﴿اسْتَوَى﴾.
﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ فيه معنيان:
أحدهما - وهو الأظهر -: أن المراد: اسأل عنه من هو خبيرٌ عارفٌ به، فانتصب ﴿خَبِيرًا﴾ على المفعولية، وهذا الخبير المسؤول: هو جبريل ﵇ و(^١) العلماء، وأهل الكتاب.
والباء في قوله: ﴿بِهِ﴾ يحتمل:
أن تتعلق بـ ﴿خَبِيرًا﴾.
أو تتعلق بالسؤال، ويكون معناها على هذا معنى «عن».
والمعنى الثاني: أن المراد: اسأل بسؤاله خبيرًا؛ أي: إن سألته تعالى تجده خبيرًا بكل شيء، فانتصب ﴿خَبِيرًا﴾ على الحال، وهو كقولك: «لو رأيت فلانًا رأيت به أسدًا» أي: رأيت برؤيته أسدًا.
﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ لما ذكر الرحمن في القرآن أنكرته قريش، وقالوا: لا نعرف الرحمن، وكان مُسيلمة الكذاب قد تسمَّى بالرحمن، فقالوا على وجه المغالطة: إنما الرحمن الرجل الذي باليمامة.
﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ تقديره: لما تأمرنا أن نسجد له.
﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ الضمير الفاعل (^٢) في زادهم يعود على المقول وهو ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾.
_________________
(١) في ج، د: «أو».
(٢) في أ، ب، هـ: «المفعول».
[ ٣ / ٣٤٧ ]
[﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢) وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾].
﴿بُرُوجًا﴾ يعني: المنازل الاثني عشر.
وقيل: الكواكب العظام.
﴿سِرَاجًا﴾ يعني: الشمس.
وقُرِئَ بضم السين والراء على الجمع، يعني: جميع الأنوار، ثم خصَّ القمر بالذكر تشريفًا.
[ ٣ / ٣٤٨ ]
﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ أي: يخلف هذا هذا.
وقيل: هو من الاختلاف؛ لأن هذا أبيض وهذا أسود، والخلفة اسم الهيئة (^١)، كالرِّكبة والجلسة، والأصل: جعلهما ذَوَيْ خِلْفةٍ.
﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ قيل: معناه: يعتبر في المصنوعات.
وقيل: يتذكر لما فاته من الصلوات وغيرها في الليل فيستدركه بالنهار، أو فاته بالنهار فيستدركه (^٢) بالليل، وهذا قول عمر بن الخطاب وابن عباس ﵄.
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ أي: عباده المرضيُّون عنده، فالعبودية هنا للتشريف والكرامة.
و﴿عِبَادُ﴾ مبتدأ، وخبره:
﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾.
أو قوله في آخر السورة: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾.
﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ أي: رفقًا ولينًا بحلم ووقار، ويحتمل أن يكون ذلك:
وصف مشيهم على الأرض.
أو وصف أخلاقهم في جميع أحوالهم، وعبر بالمشي على الأرض عن جميع تصرفهم مدة حياتهم.
_________________
(١) في ج، د: «للهيئة».
(٢) في أ: «فيستذكره».
[ ٣ / ٣٤٩ ]
﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ أي: قالوا قولًا سديدًا؛ ليدفع الجاهل برفق.
وقيل: معناه: قالوا للجاهل: «سلامًا»؛ أي: هذا اللفظ بعينه، بمعنى: سلمنا منكم.
قال بعضهم: هذه الآية منسوخة بالسيف.
وإنما يصح النسخ في حق الكفار، وأما الإغضاء عن السفهاء والحِلْم عنهم فمستحسنٌ غير منسوخ.
﴿إِنَّ عَذَابَهَا﴾ وما بعده: يحتمل أن يكون: من كلامهم، أو من كلام الله ﷿.
﴿كَانَ غَرَامًا﴾ أي: هلاكًا وخسرانًا.
وقيل: ملازمًا.
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ الإقتار: هو التضييق في النفقة والشح، وضده: الإسراف، فنهى عن الطرفين، وأمر بالتوسط بينهما، وهو القَوام، وذلك في الإنفاق في المباحات وفي الطاعات، وأما الإنفاق في المعاصي فهو إسراف، وإن قلَّ.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ أي: عقابًا.
وقيل: الأثام: الإثم؛ فمعناه: يلق جزاء آثامٍ.
وقيل: الأثام: واد في جهنم.
والإشارة بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إلى ما ذُكِر من الشرك بالله وقتل النفس بغير حق والزنا.
[ ٣ / ٣٥٠ ]
﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ قيل: نزلت في الكفار لأنهم المخلدون في النار بإجماع، فكأنه قال: الذين يجمعون بين الشرك (^١) والقتل والزنا.
وقيل: نزلت في المؤمنين الذين يقتلون النفس ويزنون.
فأما على مذهب المعتزلة: فالخلود على بابه.
وأما على مذهب أهل السنة: فالخلود عبارة عن طول المدة.
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ إن قلنا: الآية في الكفار فلا إشكال فيها؛ لأن الكافر إذا أسلم صحت توبته من الكفر والقتل والزنا.
وإن قلنا: إنها في المؤمنين فلا خلاف أن التوبة من الزنا تصح، واختلف: هل تصح توبة المسلم من القتل أم لا؟
﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قيل: يوفقهم الله لفعل الحسنات بدلًا مما (^٢) علموا من السيئات.
وقيل: إن هذا التبديل في الآخرة، أي: يبدل عقاب السيئات بثواب الحسنات.
﴿يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ أي: متابًا مقبولًا مَرْضيًّا عند الله، كما تقول: لقد قلتَ يا فلان قولًا، أي: قولًا حسنًا.
﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أي: لا يشهدون بالزور، وهو الكذب؛ فهو من الشهادة.
_________________
(١) في ج، د: «الإشراك».
(٢) في أ، ب، هـ: «عما».
[ ٣ / ٣٥١ ]
وقيل: معناه: لا يحضرون مجالس الزور واللهو، فهو على هذا من المشاهدة والحضور.
والأول أظهر.
﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ اللغو: هو الكلام القبيح على اختلاف أنواعه.
ومعنى ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ أعرضوا عنه واستحيوا، ولم يدخلوا مع أهله؛ تنزيهًا لأنفسهم عن ذلك.
﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ أي: لم يُعرضوا عن آيات الله، بل أقبلوا عليها بأسماعهم وقلوبهم، فالنفي للصَّمم والعمى، لا للخرور عليها.
﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ قيل: معناه اجعل أزواجنا وذريتنا مطيعين لله.
وقيل: أدخلهم معنا الجنة.
واللفظ أعم من ذلك.
﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ أي: قدوةً يقتدي بنا المتقون، فـ «إمام»: مفرد يراد به الجنس.
وقيل: هو جمعُ آمّ؛ أي: متَّبع.
﴿الْغُرْفَةَ﴾ يعني: غرفة الجنة؛ فهي اسم الجنس.
﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ يحتمل أن تكون ﴿مَا﴾ نافيةً أو استفهامية.
[ ٣ / ٣٥٢ ]
وفي معنى الدعاء هنا ثلاثة أقوال:
الأول: أن المعنى: لا يبالي الله بكم لولا عبادتكم له، فالدعاء بمعنى العبادة، وهذا قريب من معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
الثاني: أن الدعاء بمعنى الاستغاثة والسؤال، والمعنى: لا يبالي الله بكم، ولكنه (^١) يرحمكم إذا استغثتم به ودعوتموه.
ويكون على هذين القولين:
خطابًا لجميع الناس من المؤمنين والكافرين؛ لأن فيهم من يعبد الله ويدعوه.
أو خطابًا للمؤمنين خاصةً؛ لأنهم هم الذين يدعون الله ويعبدونه، ولكن يضعف هذا بقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾.
الثالث: أنه خطاب للكفار خاصةً، والمعنى على هذا: ما يعبأ بكم ربي لولا أن يدعوكم إلى دينه، والدعاء على هذا بمعنى: الأمر بالدخول في الدين، وهو مصدر مضاف إلى المفعول.
وأما على القول الأول والثاني فهو مصدر مضاف إلى الفاعل.
﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ هذا خطاب لقريش وغيرهم من الكفار دون المؤمنين.
﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أي سوف يكون العذاب لزامًا (أي: لازمًا) (^٢) ثابتًا.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «ولكن».
(٢) لم ترد في أ، ب، هـ.
[ ٣ / ٣٥٣ ]
وأضمر العذاب وهو اسم كان؛ لأنه جزاء التكذيب المتقدّم.
واختلف: هل يُراد بالعذاب هنا: القتل يوم بدر، أو عذاب الآخرة؟
[ ٣ / ٣٥٤ ]