[﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦) وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩) وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾].
﴿عَلَا فِي الأَرْضِ﴾ أي: تكبّر وطغى.
﴿شِيَعًا﴾ أي: فِرَقًا مختلفين، فجعل فرعونُ القبط ملوكًا وبني إسرائيل
[ ٣ / ٤٢٢ ]
خُدَّامًا لهم، وهم الطائفة الذين استضعفهم، وأراد الله أن يَمُنَّ عليهم ويجعلهم أئمة؛ أي: ولاة في الأرض، ويورثهم أرض فرعون وقومه.
﴿وَهَامَانَ﴾ هو وزير فرعون.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ اختلف هل كان هذا الوحي:
بإلهام؟
أو منام؟
أو كلام بواسطة مَلَك؟، وهذا أظهر؛ لثقتها بما أُوحي إليها وامتثالها ما أُمرت به.
﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ أي: إذا خفت عليه أن يذبحه فرعون؛ لأنه كان يذبح أبناء بني إسرائيل، لما أخبره الكهان أن هلاكه على يديْ غلام منهم.
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ الالتقاط: اللقاء من غير قصد، رُوي أن آسية امرأة فرعون رأت التابوت في البحر، وهو النيل، فأمرت أن يُساق لها، ففتحته فوجدت فيه صبيًا فأحبَّته، وقالت لفرعون: هذا قرَّة عين لي ولك.
﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ اللام لام العاقبة، وتسمى أيضًا لام الصَّيرورة.
﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ روي: أن فرعون همَّ بذبحه؛ إذ توسَّم (^١) أنه من بني إسرائيل فقالت امرأته: لا تقتلوه.
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: لا يشعرون أن هلاكهم يكون على يديه.
_________________
(١) في ج، د: «توهم».
[ ٣ / ٤٢٣ ]
والضمير الفاعل لفرعون وقومه.
﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ أي: ذاهلًا لا عقل معها.
وقيل: فارغًا من الصبر.
وقيل: فارغًا من كل شيء إلَّا من همِّ موسى.
وقيل: فارغًا من وعد الله؛ أي: نسيتُ ما أُوحي إليها.
وقيل: فارغًا من الحزن؛ إذ لم يغرق، وهذا بعيد؛ لما بعده.
وقرئ «فَزِعًا» (^١) - بالزاي -، من الفَزَع.
﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي: تظهر أمره، وفي الحديث: «كادت أمُّ موسى أن تقول: «وَا ابناه!»، وتخرج صائحة على وجهها» (^٢).
﴿رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أي: رزقناها الصبر.
﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من المصدِّقين بالوعد الذي وعدها الله.
﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي: اتَّبعيه، والقَصُّ: طلب الأثر، فخرجت أخته تبحث عنه في خفية.
﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ أي: رأته من بعيد، لم تَقْرُب منه؛ لئلا يعلموا أنها
أخته.
وقيل: معنى ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾: عن شوق إليه.
_________________
(١) في ج، د: «فازعًا».
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٨/ ١٧٠)، وابن أبي حاتم (٩/ ٢٩٤٧) والثعلبي في تفسيره (٧/ ٢٣٨) موقوفًا على ابن عباس، وليس فيه: «وتخرج صائحة على وجهها».
[ ٣ / ٤٢٤ ]
وقيل: معناه: أنها نظرت إليه، كأنها لا تريده.
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: لا يشعرون أنها أخته.
﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ أي: مُنع منها؛ بأن بغضها الله له.
و﴿الْمَرَاضِعَ﴾:
جمع مُرْضِع، وهي المرأة التي تُرْضع.
أو جمع مَرْضَع -بفتح الميم والضاد-، وهو موضع الرَّضاع، يعني: الثدي.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من أول مرة.
﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ القائلة: أخته تخاطب آل فرعون.
﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾ لما منعه الله من المراضع وقالت أخته: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ﴾ الآية، جاءت بأمه، فقَبِلَ ثَدْيَها، فقال لها فرعون: ومن أنت منه؛ فما قَبِلَ ثدي امرأة إلا ثديك؟ (فقالت: إني) (^١) امرأة طيبة اللبن، فذهبت به إلى بيتها، وقرَّت عينُها بذلك، وعلمت أن وعد الله حقٌّ في قوله: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾.
_________________
(١) في ج: «أنتِ».
[ ٣ / ٤٢٥ ]
[﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١)﴾].
﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ ذكر في «يوسف» (^١).
﴿وَاسْتَوَى﴾ أي: كمل عقله، وذلك مع الأربعين سنة.
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ يعني: مصر.
وقيل: قرية حولها.
والأول أشهر.
﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ قيل: في القائلة.
وقيل: بين العشاءين.
_________________
(١) انظر (٢/ ٦٢٥).
[ ٣ / ٤٢٦ ]
وقيل: يوم عيد.
وقيل: كان قد جفا فرعون وخاف على نفسه فدخل متخفيًا متخوفًا.
﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ الذي من شيعته: من بني إسرائيل، والذي من عدوِّه: من القبط.
﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ أي: ضربه، والوَكْز: الدفع بأطراف الأصابع. وقيل: بجَمْعِ (^١) الكفِّ.
﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ أي: قتله، ولم يرد أن يقتله، ولكن وافقت وَكْزَتُه الأجلَ، فندم وقال: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: إن الغضب الذي أوجب ذلك كان من الشيطان، ثم اعترف واستغفر فغفر الله له.
فإن قيل: كيف استغفر من القتل وكان المقتول كافرًا؟
فالجواب: أنه لم يؤذن له في قتله، ولذلك يقول يوم القيامة: «إني قتلت نفسًا لم أُومر بقتلها».
﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾ الظَّهير: المُعين، والباء سببية، والمعنى: بسبب إنعامك عليَّ لا أكونُ ظهيرًا للمجرمين، فهي معاهدة عاهد موسى عليها ربه.
وقيل: الباء باء القسم، وهذا ضعيف؛ لأن قوله: ﴿فَلَنْ أَكُونَ﴾ لا يصلح (^٢) لجواب القسم.
_________________
(١) في ج، د، هـ: «بجميع»، والمثبت موافق لما في الكشاف (١٢/ ٢٤).
(٢) في ب، ج: «لا يصح».
[ ٣ / ٤٢٧ ]
وقيل: جواب القسم محذوفٌ، تقديره: وحقِّ نعمتك لأتوبنَّ فلن أكون ظهيرًا للمجرمين.
وقيل: الباء للتحليف؛ أي: اعصمني بحق نعمتك عليَّ فلن أكون ظهيرًا للمجرمين.
ويُحتجُّ بهذه الآية على المنع من صحبة ولاة الجَوْر.
﴿يَتَرَقَّبُ﴾ في الموضعين: أي: يتحسَّسُ هل يطلبه أحدٌ.
﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أي: يستغيث به، لقي موسى الإسرائيليَّ الذي قاتل القبطي بالأمس يقاتل رجلًا آخر من القبط، فاستغاث بموسى لينصره كما نصره بالأمس، فعظم ذلك على موسى وقال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾.
﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ الضمير في ﴿أَرَادَ﴾ وفي ﴿يَبْطِشَ﴾: لموسى، وفي ﴿قَالَ﴾: للإسرائيلي.
والمعنى: لما أراد موسى أن يبطش بالقبطي الذي هو عدوٌّ له وللإسرائيلي ظنَّ الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به؛ إذ قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، فقال الإسرائيلي لموسى: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾؟
وقيل: الضمير في ﴿أَرَادَ﴾ للإسرائيلي، والمعنى: فلما أراد الإسرائيليُّ أن يبطش موسى بالقبطي، ولم يفعل موسى ذلك؛ لندامته على قتله للآخر بالأمس = فضحه الإسرائيلي؛ فقال له: أتريد أن تقتلني؟، فاشتهر خبر قتله للآخر إلى أن وصل إلى فرعون.
﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ قيل: إنه مؤمن آلِ فرعون.
[ ٣ / ٤٢٨ ]
وقيل: غيره.
﴿يَسْعَى﴾ أي: يسرع في مشيه؛ ليُدرِكَ موسى فينصحه.
﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يتشاورون.
وقيل: يأمر بعضهم بعضًا بقتلك، كما قتلت القبطي.
[ ٣ / ٤٢٩ ]
[﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾].
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: قصد بوجهه ناحية مدين، وهي مدينة شعيب ﵇.
﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: وسط الطريق، يعني: طريق مدين؛ إذ كان قد خرج فارًّا بنفسه، وكان لا يعرف الطريق، وبين مصر ومدين مسيرة ثمانية أيام.
وقيل: أراد: سبيل الهدى.
وهذا أظهر.
ويدلُّ كلامه هذا على أنه كان عارفًا بالله قبل نبوته.
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: وصل إليه، وكان بئرًا.
﴿يَسْقُونَ﴾ أي: يسقون مواشيهم.
[ ٣ / ٤٣٠ ]
﴿امْرَأَتَيْنِ﴾ روي: أن اسمهما: ليا وصفوريا.
وقيل: صفراء وصُفَيْراء.
﴿تَذُودَانِ﴾ أي: تمنعان الناس عن غنمهما.
وقيل: تذودان غنمهما عن الماء حتى يسقي (^١) الناس، وهذا أظهر؛ لقولهما: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ أي: كانت عادتهما أن لا يسقيا غنمهما إلَّا بعد الناس؛ لقوة الناس وضعفهما، أو لكراهتهما التزاحم (^٢) مع الناس.
﴿يُصْدِرَ﴾ بضم الياء وكسر الدال: فعل متعدٍّ، والمفعول محذوف، تقديره: حتى يُصدر الرعاءُ مواشِيَهم.
وقرئ بفتح الياء وضم الدال، أي: ينصرفون عن الماء.
﴿شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ أي: لا يستطيع أن يباشر سقي غنمه، وهذا الشيخ: هو شعيب ﵇ في قول الجمهور.
وقيل: ابن أخيه.
وقيل: رجل صالح ليس من شعيب بنسب.
﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ أدركته شفقةٌ عليهما فسقى غنمهما.
وروي أنه كان على فم البئر صخرةٌ لا يرفعها إلَّا ثلاثون رجلًا، فرفعها وحده.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «يسقوا».
(٢) في أ، ب، هـ: «للتزاحم».
[ ٣ / ٤٣١ ]
﴿تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ أي: جلس في الظل، وروي أنه كان ظلَّ سَمُرَةٍ. ﴿إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ طلب من الله ما يأكله، وكان قد اشتدَّ عليه الجوع.
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا﴾ قَبْلَ هذا الكلام محذوف تقديره: فذهبتا إلى أبيهما سريعتين، وكانت عادتهما الإبطاء في السقي، فأخبرتاه بما كان من سقي الرجل لهما، فأمر إحداهما أن تدعوه له فجاءته، واختُلف هل التي جاءته الصغرى أو الكبرى؟
﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ رُوِيَ: أنها سترت وجهها بِكُمِّ دِرْعِها.
والمجرور يتعلق بما قبله.
وقيل: بما بعده، وهو ضعيف.
﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ أي: ذَكَر له قِصَّته.
﴿لَا تَخَفْ﴾ أي: قد نجوت من فرعون وقومه؛ لأن بلد مدين لم يكن من ملك فرعون.
﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ أي: اجعله أجيرًا لك.
﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ هذا الكلام حكمةٌ جامعةٌ بليغة، وروي أن أباها قال لها: من أين عرفتِ قوته وأمانته؟، قالت: أما قوته: ففي رفعه الحجر من فم البئر، وأما أمانته: فإنه لم ينظر إليها.
﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ زوَّجه التي دعته، واختُلف هل زوَّجه الكبرى أو الصغرى؟
[ ٣ / ٤٣٢ ]
واسم التي زوَّجه صَفُورة، وقيل: صفوريا.
ومن لفظ شعيبٍ حَسُنَ أن يقال في عقود الأنكحة: «أنكحه إياها» أكثر من أن يقال: «أنكحها إياه».
﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ أي: أُزَوِّجُك ابنتي على أن تخدمني ثمانية أعوام.
قال مكيٌّ: في هذه الآية خصائص في النكاح، منها: أنه لم يعيّن الزوجة، ولا حدَّ أول الأمد، وجعل المهر إجارة (^١).
قلت: فأما التعيين فيحتمل أن يكون عند عقد النكاح بعد هذه المراوضة، وقد قال الزمخشري: إن كلامه معه لم يكن عقد نكاح، وإنما كان مواعدةً (^٢).
وأما ذكر أول الأمد؛ فالظاهر أنه من حين العقد.
وأما النكاح بالإجارة؛ فظاهرٌ من الآية، وقد قرَّره شرعنا حسبما ورد في الحديث الصحيح من قوله ﷺ للرجل: «قد زوجتكها على ما معك من القرآن» (^٣)؛ أي: على أن تعلمها ما عندك (^٤) من القرآن.
وقد أجاز النكاح بالإجارة: الشافعي، وابن حنبل، وابن حبيب؛ للآية
والحديث.
_________________
(١) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، لمكي بن أبي طالب القيسي (٨/ ٥٥٢٢).
(٢) الكشاف (١٢/ ٤٠).
(٣) أخرجه البخاري (٥٠٢٩)، ومسلم (١٤٢٥).
(٤) في أ، ب: «معك».
[ ٣ / ٤٣٣ ]
ومنعه مالك.
﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ جعل الأعوام الثمانية شرطًا، ووكل العامَيْنِ إلى مروءة موسى، فوفَّى له العشر.
وقيل: وفَّى العشر وعشرًا بعدها، وهذا ضعيف؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ أي: الأجل المذكور.
[ ٣ / ٤٣٤ ]
[﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾].
﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ الأهل هنا: الزوجة، مشى بها إلى مصر.
﴿جِذْوَةٍ﴾ أي: قطعة، ويجوز كسر الجيم وفتحها وضمها.
[ ٣ / ٤٣٥ ]
وقد ذُكر ﴿آنَسَ﴾، و﴿الطُّورِ﴾، و﴿تَصْطَلُونَ﴾ (^١).
﴿شَاطِئِ الْوَادِ﴾ جانبه، و﴿الْأَيْمَنِ﴾ صفةٌ للشاطئ، وهو جانبه اليمين.
ويحتمل أن يكون من اليُمْن؛ فيكون صفةً للوادي.
﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ روي: أنها كانت عَوسَجة.
﴿جَانٌّ﴾ ذُكر في «النمل» (^٢).
﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ أي: أدخلها فيه، والجيب: هو فتح الجُبَّة من حيث يُخرج الإنسان رأسه.
﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ الجناح: اليد، أو الإبط و(^٣) العَضُد.
أمره الله لما خاف من الحية أن يضمَّه إلى جنبه ليخفَّ بذلك خوفه؛ فإن من شأن الإنسان إذا فعل ذلك في وقت فزعه أن يخفَّ خوفه.
وقيل: ذلك على وجه المجاز، وأن المعنى: أنه أُمِر بالعزم على ما أُمِر به؛ كقولهم: «اشدُد حيازيمك، واربط جأشك».
﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ أي: من أجل الرَّهَب؛ وهو الخوف.
وفيه ثلاثة لغات: فتح الراء والهاء، وفتح الراء وإسكان الهاء، وضم الراء وإسكان الهاء.
﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ﴾ أي: حُجَّتان، والإشارة إلى العصا واليد.
_________________
(١) انظر الصفحات ٧٦، ٩٢، ٣٨٩.
(٢) انظر صفحة ٣٩٠.
(٣) في د: «و».
[ ٣ / ٤٣٦ ]
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ يتعلَّق بفعل محذوفٍ يقتضيه الكلام.
﴿رِدْءًا﴾ أي: مُعِينًا، وقرئ:
بالهمز.
وبغير همز:
على التسهيل من المهموز.
أو يكون من: أَرْدَيْتُ؛ أي: زدتُ.
﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ استعارةٌ في المعونة.
﴿بِآيَاتِنَا﴾ يحتمل أن يتعلَّق:
بقوله: ﴿وَنَجْعَلُ﴾.
أو بـ ﴿فَلَا يَصِلُونَ﴾.
أو بـ ﴿الْغَالِبُونَ﴾.
﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ أي: اصنع الآجُرَّ؛ لبنيان الصرح الذي رام أن يصعد منه إلى السماء.
ورُوي أنه أول من عمل الآجُرَّ، وكان هامان وزير فرعون.
وانظر (^١) ضعف عقولهما وعقول قومهما، وجهلهم بالله تعالى في كونهم طمعوا أن يصلوا إلى السماء ببنيان الصرح.
_________________
(١) في ج زيادة: «كيف».
[ ٣ / ٤٣٧ ]
وقد روي أنه عمله وصعد عليه ورمى بسهم إلى السماء فرجع إليه (^١) مخضوبًا (^٢) بدم، وذلك فتنةٌ له ولقومه وتهكُّمٌ بهم.
ثم قال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يعني: في دعوى الرسالة، والظن هنا يحتمل: أن يكون على بابه، أو بمعنى اليقين.
﴿أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي: كانوا يدعون الناس إلى الكفر الموجب للنار.
﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ أي: من المطرودين المبعَدين.
وقيل: قُبّحت وجوههم.
وقيل: قُبّح ما يفعل بهم وما يقال لهم.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «السهم».
(٢) في ج: «مخضَّبًا».
[ ٣ / ٤٣٨ ]
[﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾].
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ خطاب لمحمد ﷺ، والمراد به: إقامة حجة؛ لإخباره بحال موسى، وهو لم يحضره.
و﴿الْغَرْبِيِّ﴾: المكان الذي في غرب الطور، وهو الذي كلَّم الله فيه موسى.
والأمرُ المقضيُّ إلى موسى هو النبوَّة.
و﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ معناه: من الحاضرين هنالك.
و﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ المعنى: لم تحضر يا محمد على هذه الغيوب التي تخبر بها، ولكنها صارت إليك بوحينا، فكان الواجب على الناس المسارعة إلى الإيمان بك، ولكن تطاول الأمر على القرون التي أنشأناها، فغابت عقولهم واستحكمت جهالتهم، فكفروا بك.
[ ٣ / ٤٣٩ ]
وقيل: المعنى: لكنا أنشأنا قرونًا بعد زمان موسى فتطاول عليهم العمر، وطالت الفترة فأرسلناك على فترة من الرسل.
﴿ثَاوِيًا﴾ أي: مقيمًا.
﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ يعني: تكليم موسى، والمراد بذلك: إقامة حجة محمد ﷺ؛ لإخباره بهذه الأمور مع أنه لم يكن حاضرًا حينئذ.
﴿وَلَكِن رَحْمَةً﴾ انتصب:
على المصدر.
أو على أنه مفعول من أجله، والتقدير: ولكن أرسلناك رحمةً منا لك (^١) و(^٢) رحمةً للخلق بك.
﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ «لولا» هنا: حرف امتناع، و«لولا» الثانية: عَرْضٌ وتحضيضٌ.
والمعنى: لولا أن تصيبهم مصيبة بكفرهم لم نرسل الرسل، وإنما أرسلناهم على وجه الإعذار إليهم، وإقامة الحجة عليهم؛ لئلا يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ يعني: القرآن ونبوة محمد ﷺ.
﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ يعنون: إنزال الكتاب عليه من السماء جملة واحدة، وقَلْبَ العصا حية، وفَلْقَ البحر، وشبه ذلك.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «بك».
(٢) في د: «أو».
[ ٣ / ٤٤٠ ]
﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ هذا ردٌّ عليهم فيما طلبوه، والمعنى: أنهم كفروا بما أُوتي موسى؛ فلو آتينا محمدًا مثل ذلك لكفروا به، و﴿مِنْ قَبْلُ﴾ على هذا يتعلق بقوله: ﴿أُوتِيَ مُوسَى﴾.
ويحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ إن كانت الآية في بني إسرائيل. والأول أحسن.
﴿قَالُوا سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا﴾ يعنون: موسى وهارون، أو موسى ومحمدًا ﷺ.
والضمير في ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ وفي ﴿قَالُوا﴾: لكفار قريش.
وقيل: لآبائهم.
وقيل: لليهود.
والأول أصح؛ لأنهم المقصودون بالردِّ عليهم.
﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ﴾ أمرٌ على وجه التعجيز لهم.
﴿أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ الضمير يعود على كتاب موسى وكتاب محمد ﷺ.
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ قد علم أنهم لا يستجيبون للإتيان بكتاب هو أهدى منهما أبدًا، ولكنه ذكره بحرف «إن» مبالغةً في إقامة الحجة عليهم، كقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤].
﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ المعنى: إن لم يأتوا بكتاب فاعلم أنَّ كفرهم عنادٌ واتباعٌ لأهوائهم، لا بحجة ولا برهان.
[ ٣ / ٤٤١ ]
[﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥) إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩) وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠)﴾].
﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ الضمير لكفار قريش.
وقيل: لليهود.
والأول أظهر؛ لأن الكلام من أوله معهم.
و﴿الْقَوْلَ﴾ هنا: القرآن، و﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ﴾:
أبلغناه (^١) لهم؛ ليتذكروا به.
أو جعلناه موصولًا بعضه ببعض.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ يعني: مَنْ أسلم من اليهود.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «بلغناه».
[ ٣ / ٤٤٢ ]
وقيل: النجاشي وقومه.
وقيل: نصارى نجران الذين قدموا على رسول الله ﷺ بمكة، وهم عشرون رجلًا، فآمنوا به.
والضمير في ﴿قَبْلِهِ﴾ للقرآن.
وقولهم: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ﴾ تعليل لإيمانهم.
وقولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ بيانٌ لأن إسلامهم قديم؛ لأنهم وجدوا ذكر محمد ﷺ في كتبهم قبل أن يُبعث.
﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَرَّتَيْنِ﴾ قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجلٌ من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بمحمد ﷺ، ورجلٌ مملوكٌ أدَّى حقَّ الله وحقَّ مواليه، ورجلٌ كانت له أمَةٌ فأعتقها وتزوَّجها» (^١).
﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ يعني: صَبْرَهم على إذاية قومهم لهم لما أسلموا، أو غير ذلك من أنواع الصبر.
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي: يدفعون.
ويحتمل أن يريد بالسيئة: ما يقال لهم من الكلام القبيح، وبالحسنة: ما يجاوبون به من الكلام الحسن.
أو يريد: سَيِّئَات أعمالهم وحسناتها (^٢)، كقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٠١١)، ومسلم (١٥٤).
(٢) في أ، ب، هـ: «وحسناتهم».
[ ٣ / ٤٤٣ ]
﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ يعني: ساقط الكلام.
﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ هذا على وجه التبرِّي والبعدِ من القائلين للغو.
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ معناه هنا: المتاركة والمباعدة، لا التحية. أو كأنه سلام الانصراف والبُعد.
﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ أي: لا نطلبهم للجدال والمراجعة في الكلام.
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ نزلت في أبي طالب؛ إذ دعاه النبي ﷺ أن يقول عند موته: «لا إله إلا الله»، فقال: «لولا أن يعيِّرني بها قريش لأقررتُ بها عينك» (^١)، ومات على الكفر، ولفظ الآية مع ذلك على عمومه.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ لفظ عام.
وقيل: أراد به: العباس بن عبد المطلب.
﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ القائلون لذلك: قريش، وروي أن الذي قالها منهم: الحارث بن عامر بن نوفل.
و﴿الْهُدَى﴾ هو الإسلام، ومعناه: الهدى على زعمك.
وقيل: إنهم قالوا: قد عَلِمْنا أنَّ الذي تقول حقٌّ، ولكن إن اتبعناك تخطَّفتنا (^٢) العرب؛ أي: أهلكونا بالقتال؛ لمخالفة دينهم.
﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ هذا ردٌّ عليهم فيما اعتذروا به مِنْ تخطُّفِ الناس لهم، والمعنى: أن الحرم لا تتعرَّض له العرب بقتال، ولا يمكن الله
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٥).
(٢) في ب، ج، د: «تخطفنا».
[ ٣ / ٤٤٤ ]
أحدًا من إهلاك (^١) أهله، فقد كانت العرب يُغيرُ بعضهم على بعض، وأهل الحرم آمنون من ذلك.
﴿تُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: تُجلب إليه الأرزاق مع أنه وادٍ غيرُ ذي زرع.
﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ معنى ﴿بَطِرَتْ﴾: طغت وسفهت.
و﴿مَعِيشَتَهَا﴾: نصب:
على التفسير، مثل: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠].
أو على إسقاط حرف الجرّ، تقديره: بطرت في معيشتها.
أو يتضمن ﴿بَطِرَتْ﴾ معنى: كفرت.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني: قليلًا من السكنى، أو قليلًا من الساكنين، أي: لم يسكنها بعد إهلاكها إلا مارٌّ (^٢) على الطريق ساعة.
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ أمُّ القرى: مكة؛ لأنها أول ما خُلِق من الأرض، ولأن فيها بيت الله.
والمعنى: أن الله أقام الحجة على أهل القرى؛ بأنْ بَعث محمدًا ﷺ في أم القرى، فإن كفروا أهلكهم بظلمهم بعد البيان لهم، وإقامة الحجة عليهم.
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية؛ تحقيرٌ للدنيا، وتزهيد فيها، وترغيب في
الآخرة.
_________________
(١) في أ، ب: «هلاك».
(٢) في ب، ج «مارًا».
[ ٣ / ٤٤٥ ]
[﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)﴾].
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ﴾ الآية؛ إيضاحٌ لما قبلها من البون (^١) بين الدنيا والآخرة.
والمراد بـ ﴿مَنْ وَعَدْنَاهُ﴾: المؤمنون، وبـ ﴿مَنْ مَتَّعْنَاهُ﴾: الكافرون.
وقيل: محمد ﷺ وأبو جهل.
وقيل: حمزة وأبو جهل.
_________________
(١) في د: «الفرق».
[ ٣ / ٤٤٦ ]
والعموم أحسن لفظًا ومعنى.
﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ أي: من المحضرين في العذاب.
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ العامل في الظرف مضمر، وفاعل ينادي: الله تعالى. ويحتمل أن يكون نداؤه: بواسطة، أو بغير واسطة (^١).
والمفعول به: المشركون.
﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ توبيخ للمشركين، ونسبهم إلى نفسه على زعمهم؛ ولذلك قال: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، فحذف المفعول، تقديره: تزعمون أنهم شركاء لي، أو تزعمون أنهم شفعاء لكم.
﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ معنى ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾: وجب عليهم العذاب، والمراد بذلك رؤساء المشركين وكبراؤهم.
والإشارة بقولهم: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ إلى أتباعهم من الضعفاء.
فإن قيل: كيف الجمع بين قولهم: ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ وبين قولهم: ﴿تَبَرَّأْنَا
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرَّحمَنِ البَرَّاكُ حفظَهُ الله: قول المُصنِّف ﵀: ويحتملُ أنْ يكونَ نداؤهُ بواسطةٍ أو بغيرِ واسطةٍ. أقولُ: في هَذا التردّدِ نظَرٌ؛ والصَّوابُ أنَّه نَادَاهُمْ بغيرِ واسطةٍ، وذلكَ لوجهينِ:
(٢) أنَّه إِذا كانَ بغير واسطةٍ كانَ حقيقةً، وإِذا كانَ بواسطةٍ كانَ مجازًا، والأصلُ الحقيقةُ.
(٣) أنَّ تكليمَهُ تَعالَى أو نداءهُ لِمَنْ شاءَ بِلا واسِطةٍ مُمكنٌ، ليسَ بممتنع؛ بدليل أنَّ اللهَ تَعالَى كَلَّمَ مُوسَى بلا واسِطةٍ، فقالَ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ فأكَّدَ الفعلَ بالمَصْدَرِ للدلالةِ عَلَى الحقيقةِ. وأيضًا: لَو أرَادَ أنَّهُ كَلَّمَهُ بواسطةٍ لَقَيَّدَ ذلكَ، مثلُ: كَلَّمَهُ بأنْ أرْسَلَ رَسُولًا. وَيُؤيّدُ ذَلِكَ، أنَّ تكليمَ مُوسَى بواسطةٍ يُنافي اختِصاصَ مُوسَى بالتَّكليمِ، فكلُّ الرُّسُلِ كَلَّمَهُمُ اللهُ بواسطةِ الرَّسُولِ مِنَ المَلائكةِ. واللهُ أعْلَمُ.
[ ٣ / ٤٤٧ ]
إِلَيْكَ﴾؛ فإنهم اعترفوا بإغوائهم، وتبرؤوا مع ذلك منهم؟
فالجواب: أن إغواءهم لهم هو أمرهم لهم بالشرك.
والمعنى: أنا حملناهم على الشرك كما حملنا أنفسنا عليه، ولكن لم يكونوا يعبدوننا، إنما كانوا يعبدون غيرنا من الأصنام وغيرها، فتبرأنا إليك من عبادتهم لنا.
فتحصَّل من كلام هؤلاء الرؤساء أنهم اعترفوا أنهم أغووا (^١) الضعفاء، وتبرأوا من أن يكونوا هم آلهتهم، فلا تناقض في الكلام، وقد قيل في معنى الآية غير ذلك مما هو تكلفٌ بعيد.
﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ فيه أربعة أوجه:
الأول: أن المعنى: لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا لم يعبدوا الأصنام.
والثاني: لو أنهم كانوا يهتدون لم يعذَّبوا.
والثالث: لو أنهم كانوا يهتدون في الآخرة لحيلةٍ يدفعون بها العذاب لفعلوها.
فـ ﴿لَوْ﴾ على هذه الأقوال حرف امتناع، وجوابها محذوف.
والرابع: أن يكون ﴿لَوْ﴾ للتمني، أي: تمنَّوا لو كانوا مهتدين.
﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ﴾ أي: هل صدَّقتم المرسلين أو كذَّبتموهم؟.
﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ ﴿عَمِيَتْ﴾ عبارةٌ عن حيرتهم.
_________________
(١) في د: «أغروا».
[ ٣ / ٤٤٨ ]
و﴿الْأَنْبَاءُ﴾: الأخبار، أي: أظلمت عليهم الأمور؛ فلم يعرفوا ما يقولون.
﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي: لا يَسأل بعضهم بعضًا عن الأنباء؛ لأنهم قد تساووا في الحيرة والعجز عن الجواب.
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ قيل: إن سببها استغراب قريش لاختصاص محمد ﷺ بالنبوة، فالمعنى: أن الله يخلق ما يشاء، ويختار لرسالته مَنْ يشاء من عباده.
ولفظها (^١) أعم من ذلك، والأحسن حمله على عمومه؛ أي: يختار ما يشاء من الأمور على الاطلاق، ويفعل ما يريد.
﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ﴿مَا﴾ نافية، والمعنى: ما كان للعباد اختيارٌ؛ إنما الاختيار والإرادة لله وحده، فالوقف على قوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾.
وقيل: إن ﴿مَا﴾ مفعولةٌ بـ ﴿وَيَخْتَارُ﴾، ومعنى ﴿الْخِيَرَةُ﴾ على هذا: الخير والمصلحة، وهذا يجري على قول المعتزلة.
وذلك ضعيف؛ لرفع ﴿الْخِيَرَةُ﴾ على أنها اسم ﴿كَانَ﴾، ولو كانت ﴿مَا﴾ مفعولةً لكان اسم ﴿كَانَ﴾ مضمرًا يعود على ﴿مَا﴾، وكانت ﴿الْخِيَرَةُ﴾ منصوبة على أنها خبر ﴿كَانَ﴾.
وقد اعتذر عن هذا من قال: إن ﴿مَا﴾ مفعولةٌ؛ بأن قال: تقدير الكلام:
_________________
(١) في أ، ب: «واللفظ».
[ ٣ / ٤٤٩ ]
يختار ما كان لهم الخيرة فيه، ثم حذف الجار والمجرور، وهذا ضعيف (^١).
وقال ابن عطية: يتجه أن تكون ﴿مَا﴾ مفعولةً إذا قدَّرنا ﴿كَانَ﴾ تامةً، ويوقف على قوله: ﴿مَا كَانَ﴾؛ أي: يختار كل كائن، ويكون ﴿لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ جملةً مستأنفة (^٢). وهذا بعيد جدًّا.
﴿يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أي: ما تخفيه قلوبهم، وعبَّر عن القلب بالصدر؛ لأنه يحتوي عليه.
﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ قيل: إن الحمد في الآخرة: قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤]، و(^٣) قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤].
وفي ذكر ﴿الْأُولَى﴾ مع ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ مطابقةٌ.
﴿سَرْمَدًا﴾ أي: دائمًا.
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قول المصنف ﵀: «(ما) نافية، والمعنى: ما كان للعباد اختيار» إلخ، أقول: أصاب المؤلف في ترجيح أن (ما) نافية، وتضعيف القول بأنها موصولة، وما أورده على القول الثاني من جهة إعراب (ما كان لهم الخيرة) صحيح، وكذا ما يرد عليه من جهة المعنى، وهو أنه يلزم أن يكون المعنى: يختار ما فيه الخيرة للعباد، وبهذا تمسك بعض المعتزلة في قولهم بوجوب فعل الأصلح على الله، كما أشار إليه المؤلف، وقد اختار القول الأول كثيرٌ من المفسرين، وهو الصواب، وقد رجحه ابن القيم من وجوه، فانظرها في زاد المعاد. والله أعلم.
(٢) المحرر الوجيز (٦/ ٦٠٦)، وقال: «معناها: تعديد النعمة عليهم في اختيار الله تعالى لهم، لو قبلوا وفهموا».
(٣) في ج، د: «أو».
[ ٣ / ٤٥٠ ]
والمراد بهذه الآيات: إثبات الوحدانية وإبطال الشرك.
فإن قيل: كيف قال: ﴿يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ﴾، وهلَّا قال: «يأتيكم بنهار» في مقابلة قوله: ﴿يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ﴾؟
فالجواب: أنه ذكر الضياء؛ لكثرة ما فيه من المنافع والعبر.
﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: في الليل، ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ في النهار، ففي الآية لف ونشرٌ.
﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ أي: أخرجنا من كل أمة شهيدًا منهم يشهد عليهم بأعمالهم، وهو نبيُّهم؛ لأن كلَّ نبي يشهد على أمته.
﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ أي: هاتوا حجتكم على ما كنتم عليه من الكفر، وذلك إعذارٌ لهم وتوبيخ وتعجيز.
[ ٣ / ٤٥١ ]
[﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾].
﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ أي: من بني إسرائيل، وكان ابن عم موسى.
وقيل: ابن عمته.
وقيل: ابن خالته.
﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ أي: تكبّر وطغى، ومن ذلك كفره بموسى ﵇.
﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ المفاتح: هي التي يفتح بها.
[ ٣ / ٤٥٢ ]
وقيل: هي الخزائن.
والأول أظهر.
والعصبة: جماعةُ الرجال من العشرة إلى الأربعين.
و﴿لَتَنُوءُ﴾: معناه: تثقل؛ يقال: ناء به الحمل: إذا أثقله.
وقيل: معنى ﴿لَتَنُوءُ﴾: تنهض بتحامل وتكلف، والوجه على هذا أن يقال: إن العصبة تنوء بالمفاتح، لكنه قُلِبَ؛ كما جاء قَلْبُ الكلام عن العرب كثيرًا.
ولا يحتاج إلى قلب على القول الأول.
﴿لَا تَفْرَحْ﴾ الفرح هنا: الذي يقود إلى الإعجاب والطغيان؛ ولذلك قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾.
وقيل: إنه السُّرور بالدنيا؛ لأنه لا يفرح بها إلَّا من غفل عن الآخرة، ويدلُّ على هذا قوله: ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣].
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ أي: اقصد الآخرة بما أعطاك الله من المال، وذلك بفعل الحسنات والصدقات.
﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ أي: لا تضيِّع حظَّك من دنياك، وتمتَّعْ بها مع عملك للآخرة.
وقيل: معناه: لا تضيع عمرك بترك الأعمال الصالحات، فإن حظ الإنسان من الدنيا إنما هو ما يعمل فيها من الخير، فالكلام على هذا: وعظٌ.
وعلى الأول: إباحةٌ للتمتع بالدنيا؛ لئلا ينفر عن قبول الموعظة.
[ ٣ / ٤٥٣ ]
﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ أَي: أحسن إلى عباد الله كما أحسن الله إليك بالغنى.
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ لما وعظه قومه أجابهم بهذا الجواب على وجه الردِّ عليهم، والروغان عما ألزموه من الموعظة.
والمعنى: أن هذا المال إنما أعطاه الله لي بالاستحقاق له؛ بسبب عِلْمٍ عندي استوجبته به.
واختُلف في هذا العلم:
فقيل: إنه علم الكيمياء.
وقيل: التجارب للأمور والمعرفة بالمكاسب.
وقيل: حفظه التوراة، وهذا بعيد؛ لأنه كان كافرًا.
وقيل: المعنى: إنما أوتيته على علم من الله وتخصيصٍ خصَّني به، ثم جعل قوله: ﴿عِندِي﴾ كما تقول: في ظني واعتقادي.
﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ﴾ هذا ردٌّ عليه في اغتراره بالدنيا.
﴿وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ يعني: جمعًا للمال.
أو جَمْعًا للخُدَّام.
والأول أظهر.
﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ في معناه قولان:
أحدهما: أنه متصل بما قبله، والضمير في ﴿ذُنُوبِهِمْ﴾ يعود على القرون
[ ٣ / ٤٥٤ ]
المتقدمة، و﴿الْمُجْرِمُونَ﴾: مَنْ بعدهم؛ أي: لا يُسأل المجرمون عن ذنوب مَنْ تقدّمهم من الأمم الهالكة؛ لأن كل أحدٍ إنما يُسأل عن ذنوبه خاصة.
والثاني: أنه إخبارٌ عن حال المجرمين في الآخرة، وأنهم لا يُسألون عن ذنوبهم؛ لكونهم يدخلون النار من غير حساب.
والصحيح: أنهم يحاسبون على ذنوبهم ويُسألون عنها لقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]؛ وإنما هذا السؤال المنفي: السؤال على وجه الاستخبار وطلب التعريف؛ لأنه لا يحتاج إلى سؤالهم على هذا الوجه؛ لكن يُسألون على وجه التوبيخ.
وحيثما ورد في القرآن إثبات السؤال في الآخرة: فهو على معنى المحاسبة والتوبيخ، وحيثما ورد نفيه: فهو على وجه الاستخبار والتعريف؛ ومنه قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن: ٣٩].
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ قيل: في ثياب حُمْرٍ.
وقيل: في عبيده وحاشيته.
واللفظ أعم من ذلك.
﴿وَيْلَكُمْ﴾ زجرٌ للذين تمنوا مثل حال قارون.
﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ الضمير عائد:
على الخصال التي دلَّ عليها الكلام المتقدِّم، وهي الإيمان والعمل الصالح.
[ ٣ / ٤٥٥ ]
وقيل: على الكلمة التي قالها الذين أوتوا العلم؛ أي: لا تصدر الكلمة إلّا عن الصابرين.
والصبر هنا: هو إمساك النفس عن الدنيا وزينتها.
﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ روي أن قارون لما بغى على بني إسرائيل وآذى موسى دعا موسى ﵇، فأوحى الله إليه: قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه وفي أتباعه، فقال موسى: «يا أرض خذيهم»، فأخذتهم إلى الرُّكَب فاستغاثوا بموسى فقال: «يا أرض خذيهم» حتى تمَّ بهم الخسف.
﴿مَكَانَهُ﴾ أي: منزلته في المال والعزَّة.
﴿بِالْأَمْسِ﴾ يحتمل أن يراد به:
اليوم الذي قبل ذلك اليوم.
أو ما تقدَّم من الزمان القريب.
﴿وَيْكَأَنَّ﴾ مذهب سيبويه أنَّ «وَيْ» حرف تنبيه، ثم ذكرت بعدها «كأنَّ» والمعنى على هذا: أنهم تنبهوا لخطئهم في قولهم: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾، ثم قالوا: «كأن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر»؛ أي: ما أشبه الحال بهذا.
وقال الكوفيون: «ويك» هي: «ويلك»، حذفت منها اللام؛ لكثرة الاستعمال، ثم ذكرت بعدها «أنَّ»، والمعنى: ألم تعلم أن الله.
وقيل: ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ كلمة واحدة معناها: ألم تعلم.
﴿عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: تكبُّرًا وطغيانًا، لا رفعة المنزلة؛ فإن إرادتها جائزةٌ.
[ ٣ / ٤٥٦ ]
[﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾].
﴿فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ أي: أنزله عليك وأثبته.
وقيل: معناه: أعطاك القرآن.
والمعنى متقارب.
وقيل: فرض عليك أحكام القرآن، فهو على حذف مضاف.
﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ المعاد: الموضع الذي يعاد إليه:
فقيل: يعني مكة، ونزلت الآية حين الهجرة، ففيها وعد بالرجوع إلى مكة وفتحها.
وقيل: يعني الآخرة؛ فمعناها: إعلام بالحشر.
وقيل: يعني الجنة.
﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ أي: ما كنت تطمع أن تنال النبوة، ولا أن ينزل عليك الكتاب، ولكن الله رحمك بذلك، أو رحم الناس بنبوتك.
والاستثناء بمعنى: «لكن»؛ فهو منقطع.
[ ٣ / ٤٥٧ ]
وَيحتمل أن يكون متصلًا؛ والمعنى: ما أنزل عليك الكتاب إلَّا رحمةً من ربك لك أو للناس.
و﴿رَحْمَةً﴾ على هذا: مفعول من أجله، أو حال.
وعلى الأول: منصوب على الاستثناء.
و﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ يُحتمل أن يكون:
من الدعاء بمعنى الرغبة.
أو من دعوة الناس إلى الإيمان بالله؛ فالمفعول محذوفٌ على هذا، تقديره: ادع الناسَ.
و﴿وَلَا تَدْعُ﴾ أي: لا تعبد مع الله إلهًا آخر.
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ الآيةَ؛ أي: إلَّا إياه، والوجه هنا عبارة عن الذات (^١).
_________________
(١) انظر تعليق الشيخ عبد الرحمن البراك في (١/ ٣٥٢).
[ ٣ / ٤٥٨ ]