[﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾].
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ الخشوع: حالة في القلب، من الخوف والمراقبة والتذلّل لعظمة المولى ﷻ، ثم يظهر أثرُ ذلك على الجوارح، بالسكون والإقبال على الصلاة، وعدم الالتفات، وبالبكاء والتضرع.
وقد عدّ بعض الفقهاء الخشوعَ في فرائض الصلاة؛ لأنه جعله بمعنى حضور القلب فيها، وقد جاء في الحديث: «لا يكتب للعبد من صلاته إلا ما عقَل منها» (^١).
والصواب: أن الخشوع أمرٌ زائدٌ على حضور القلب؛ فقد يحضر القلب ولا يخشع.
_________________
(١) قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (١/ ١١٦): لم أجده مرفوعًا .. ولابن المبارك في الزهد موقوفًا على عمار: «لا يكتب للرجل من صلاته ما سها عنه».
[ ٣ / ٢٢٦ ]
﴿عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ اللغو هنا: الساقط من الكلام، كالسبِّ واللَّهوِ، والكلامُ بما لا يعني.
وعددُ أنواع المنهي عنه من الكلام عشرون نوعًا (^١).
ومعنى الإعراض عنه: عدم الاستماع إليه، والدخول فيه.
ويحتمل أن يريد: أنهم لا يتكلمون به، ولكن إعراضهم عن سماعه يقتضي ذلك من باب أولى وأخرى.
﴿لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ أي: مؤدّون.
فإن قيل: لم قال ﴿فَاعِلُونَ﴾ ولم يقل: «مؤدُّون»؟
فالجواب: أن الزكاة لها معنيان:
أحدهما: الفعل الذي يفعله المزكي؛ أي: أداء ما يجب على المال.
والآخر: المقدار المخرج من المال، كقولك: هذا زكاة مالي.
والمراد هنا: الفعل؛ لقوله: ﴿فَاعِلُونَ﴾.
_________________
(١) عدَّها ابن جزيٍّ وتكلم عن تفاصيلها في كتابه «القوانين الفقهية» (ص: ٧٠٦)، وهي إجمالًا: (١) الغيبة، (٢) والبهتان، (٣) والكذب، (٤) واليمين الغموس، (٥) وشهادة الزور، (٦) والنميمة، (٧) والاستهزاء، (٨) وإطلاق ما لا يحل إطلاقه على الله أو رسوله أو الملائكة أو الأنبياء أو الصحابة، (٩) وكلام العوام في دقائق علم الكلام مما لا يعلمون، (١٠) والسحر، (١١) والفحش من الكلام، (١٢) والشعر والغناء، (١٣) والمدح، (١٤) وكلام ذي الوجهين، (١٥) وتزكية الإنسان لنفسه، (١٦) وإفشاء السر، (١٧) والكذب في الوعد، (١٨) والجدال والخصام، (١٩) وذم الأشياء، (٢٠) والكلام فيما لا يعني.
[ ٣ / ٢٢٧ ]
ويصح المعنى الآخر على حذف؛ تقديره: هم لأداء الزكاة فاعلون.
﴿عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ هذا المجرور يتعلق بفعل يدل عليه قوله: ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ أي: لا يُلامُون على أزواجهم.
ويمكن أن يتعلق بقوله: ﴿حَافِظُونَ﴾ على أن يكون ﴿عَلَى﴾ بمعنى «عن». ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يعني: النساء المملوكات.
قال الزمخشري: إنما قال ﴿مَا مَلَكَتْ﴾ ولم يقل «من»؛ لأن الإناث يجرين مجرى غير العقلاء (^١).
﴿وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ يعني: ما سوى الزوجات والمملوكات.
﴿لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ﴾ يحتمل أن يريد:
أماناتِ الناس وعهدَهم،
أو أمانةَ الله وعهدَه:
في دينه.
أو العموم.
والأمانة أعم من العهد؛ لأنها قد تكون بعهدٍ، وبغير عهد متقدم. ﴿رَاعُونَ﴾ أي: حافظون لها، قائمون بها.
﴿عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ المحافظةُ عليها: هي فعلها في أوقاتها مع توفية شروطها.
_________________
(١) الكشاف (١٠/ ٥٥٠).
[ ٣ / ٢٢٨ ]
فإن قيل: كيف كرر ذكر الصلوات أوَّلًا وآخِرًا؟
فالجواب: أنه ليس بتكرار؛ لأنه قد (^١) ذكر أوَّلًا الخشوع فيها، وذكر هنا المحافظة عليها، فهما مختلفان.
وأضاف الصلاة في الموضعين إليهم؛ دلالة على ثبوت فعلهم لها.
﴿الْوَارِثُونَ﴾ أي: المحصِّلون (^٢) للجنة، فالميراث استعارة.
وقيل: إن الله جعل لكل إنسان مسكنًا في الجنة ومسكنًا في النار، فيرث المؤمنون مساكن الكفار في الجنة.
﴿الْفِرْدَوْسَ﴾ مدينة الجنة، وهي جنة الأعناب.
وأعاد الضمير عليها مؤنَّثًا؛ على معنى الجنة.
_________________
(١) لم ترد في أ، هـ.
(٢) كذا في هامش أ، وفي بقية النسخ: «المخلصون»، والمثبت هو الأصوب، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز (٦/ ٢٨٠).
[ ٣ / ٢٢٩ ]
[﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾].
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ﴾ اختلف هل يعني آدم؟، أو جنس بني آدم؟.
﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ السُّلالة: هي ما يُسَلُّ من الشيء؛ أي: ما يستخرج منه، ولذلك قيل إنها الخلاصة، والمراد بها هنا: القطعة التي أُخذت من الطين وخلق منها آدم.
فإن أراد بالإنسان آدم: فالمعنى: أنه خُلق من تلك السلالة المأخوذة من الطين، ولكن قوله بعد هذا: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ لا بدَّ أن يراد به ابن آدم؛ فيكون الضمير يعود على غير من ذكر أوَّلًا، ولكن يفسّره سياق الكلام.
وإن أراد بالإنسان ابن آدم: فيستقيم عَوْدُ الضمير عليه، ويكون معنى خَلْقِه من سلالةٍ من طين: أي: خَلْقُ أصله، وهو أبوه آدم.
ويحتمل عندي أن يراد بالإنسان الجنس الذي يعمُّ آدم وذريته، فأجمل ذكر الإنسان أوَّلًا، ثم فَصَّله بعد ذلك إلى الخِلْقة المختصَّة بآدم، وهي من طين،
[ ٣ / ٢٣٠ ]
وإلى الخِلْقة المختصَّة بذريته، وهي النطفة.
فإن قيل: ما الفرق بين ﴿مِنْ﴾ و﴿مِنْ﴾؟
فالجواب - على ما قال الزمخشري -: أن الأول للابتداء، والثاني للبيان، كقوله: ﴿مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] (^١).
﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ يعني: رَحِم الأمّ.
ومعنى ﴿مَكِينٍ﴾: متمكِّن، وذلك في الحقيقة من صفة النطفة المستقرّة، لا من صفة المحلّ المستقرّ فيه، ولكنه كقولك: «طريق سائر» أي: يسير الناس فيه.
وقد تقدّم تفسير النطفة والمضغة والعلقة في أول «الحج» (^٢).
﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ قيل: هو نفخ الروح فيه.
وقيل: خروجه إلى الدنيا.
وقيل: استواء الشباب.
وقيل: على العموم من نفخ الروح فيه إلى موته.
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾ هو مشتقّ من البركة.
وقيل: معناه: تقدَّس.
﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ أي: أحسن الخالقين خَلْقًا، فحذف التمييز لدلالة الكلام عليه.
_________________
(١) انظر: الكشاف (١٠/ ٥٥٦).
(٢) انظر صفحة ١٧٨.
[ ٣ / ٢٣١ ]
وفَسَّرَ بعضُهم ﴿الْخَالِقِينَ﴾ بالمقدِّرين؛ فرارًا من وصف المخلوق بأنه خالق.
ولا يجب أن يُنْفَى عن المخلوق أنه خالق بمعنى صانع، كقوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ﴾ [المائدة: ١١٠]، وإنما الذي يجب أن يُنْفَى عنه معنى الاختراع والإيجاد من العدم، فهذا هو الذي انفرد الله به (^١).
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: الخلق في اللغة يأتي بمعنى الإيجاد بعد عدم، ويأتي بمعنى التقدير، ومنه قول الشاعر: ولأنت تفري ما خلقت وبعـ … ض القوم يخلق ثم لا يفري وقد جاء المعنيان في القرآن فيما يضاف إلى الله، ولكن المعنى الأول هو الأكثر، وشواهده بتصاريف مادته لا تحصر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾، ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾، ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، ومن الخلق بمعنى التقدير قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ﴾ فالخالق هو المقدر لما يريد إيجاده، والبارئ هو المخرج لما قدره إلى الوجود، ويحتمل المعنيين قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. ولم يأت في القرآن الخلق مضافا إلى غير الله إلا ما جاء في الخبر عن عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾، والأظهر أن الخلق هنا بمعنى التقدير، فهو ﵇ لا يوجد طيرا، وإنما يخلق ما هو كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وبذا يعلم أنه لم يأت الخلق بمعنى الإيجاد في القرآن مضافا لغير الله مطلقا، ولا يكاد يستعمل في لسان المسلمين إضافة الخلق لغير الله، بل نفى سبحانه الخلق عن كل ما يعبده المشركون: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾، ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، حتى ما ينحته المشركون من الأصنام أضاف الله خلقها إليه، قال تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾، وعلى هذا فلا يجوز إضافة خلق مصنوعات البشر إلى صانعيها، بل الله خالقها بالأسباب التي خلقها وقدرها، وعلى هذا فتعقب المؤلف لمن قال: ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ أحسن المقدرين، ضعيف.
[ ٣ / ٢٣٢ ]
﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ يعني: السموات، وسماها طرائق؛ لأن بعضها طُورق (^١) فوق بعض كمطارقة النعل (^٢).
وقيل: يعني الأفلاك؛ لأنها طرق للكواكب.
﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ يحتمل أن يريد بالخلق: المخلوقين، أو المصدر.
﴿مَاءً بِقَدَرٍ﴾ يعني: المطر الذي ينزل من السماء، فتكون منه العيون والأنهار في الأرض.
وقيل: يعني: أربعة أنهار، وهي النيل، والفرات، ودجلة، وسيحان. ولا دليل على هذا التخصيص.
ومعنى ﴿بِقَدَرٍ﴾: بمقدار معلوم لا يزيد عليه (^٣) ولا ينقص منه.
﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ يعني: الزيتون.
وإنما خصَّ النخيل والأعناب والزيتون بالذكر؛ لأنها أكرم الشجر وأكثرها منافع.
و﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾: جبل بالشام، وهو الذي كلم الله عليه موسى ﵇، ونُسب الزيتون إليه؛ لأنها فيه كثيرة.
_________________
(١) في ب: «طرائق»، وفي ج: «طروق» والمثبت هو الصواب وهو الموافق لعبارة الكشاف (١٠/ ٥٦٣)
(٢) طارق النعل: إذا وضع بعضها على بعض، وركب بعضها على بعض. انظر: لسان العرب (١٢/ ٨٩).
(٣) في أ، ب، هـ: «عليها».
[ ٣ / ٢٣٣ ]
و﴿سَيْنَاءَ﴾ اسم الجبل، أضافه إليه، كقولك (^١): جبل أحد.
وقرئ بفتح السين، ولم ينصرف للتأنيث اللازم.
وقرئ بالكسر، ولم ينصرف للعُجْمة، أو للتأنيث مع التعريف؛ لأن «فِعْلاء» بالكسر لا تكون ألفه للتأنيث.
وقيل: معناه: مبارك.
وقيل (^٢): ذو شجرٍ.
ويلزم على ذلك صرفُه.
﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ يعني: الزيتَ.
وقرئ ﴿تُنْبِتُ﴾ بفتح التاء، فالمجرور على هذا في موضع الحال، كقولك: جاء زيد بسلاحه.
وقرئ بضم التاء وكسر الباء، وفيه ثلاثة أوجه:
الأول: أن أنبت بمعنى نبت.
والثاني: حذف المفعول، تقديره: تُنبت ثمرتها بالدهن.
والثالث: زيادة الباء.
﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ الصّبغ: الغمس في الإدام.
﴿فِي الْأَنْعَامِ﴾ هي الإبل والبقر والغنم، والمقصود بالذِّكْر: الإبل؛
_________________
(١) في ج، د: «كقوله».
(٢) سقطت هذه الكلمة من أ، ب، هـ.
[ ٣ / ٢٣٤ ]
لقوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾.
وقد تقدَّم في «النحل» ذكرُ المنافعِ التي فيها (^١)، وتذكيرها وتأنيثها (^٢).
_________________
(١) انظر (٢/ ٧٣٢).
(٢) انظر (٢/ ٧٥٩).
[ ٣ / ٢٣٥ ]
[﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١)﴾].
﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ﴾ استبعدوا أن تكون النبوّة لبشر؛ فيا عجبًا منهم إذ أثبتوا الربوبية لحجر!.
﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ﴾ أي: يطلب الفضل والرياسة عليكم.
﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ أي: بمثل ما دعاهم إليه من عبادة الله.
أو: بمثل الكلام الذي قال لهم.
وهذا يدلُّ على أنه كان قبل نوح فترةٌ طويلة.
﴿بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي: جنون.
فانظر اختلاف قولهم فيه؛ فتارة نسبوه إلى طلب الرياسة، وتارة إلى الجنون.
﴿حَتَّى حِينٍ﴾ أي: إلى وقت لم يعيّنوه، ولكن أرادوا: وقتَ زوال جنونه
[ ٣ / ٢٣٦ ]
على قولهم، أو وقتَ موته.
﴿انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ تضمنَّ هذا دعاءً عليهم؛ لأن نصرته إنما هي بإهلاكهم.
وقد تقدَّم في «هود» تفسير ﴿بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾، و﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾، و﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾ (^١).
﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ أي: أدخل فيها.
وقد تقدَّم تفسير ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ (^٢).
﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ «إن» مخفَّفة من الثقيلة، و﴿مُبْتَلِينَ﴾: اسم فاعل من ابتلى، ويحتمل أن يكون:
بمعنى (^٣) الاختبار.
أو إنزال البلاء.
﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ قيل: إنهم عاد، ورسولهم هود؛ لأنهم الذين يلون قومَ نوح.
وقيل: إنهم ثمود، ورسولهم صالح، وهذا أصحُّ (^٤)؛ لقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾، وثمود هم الذين هَلَكوا بالصيحة، وأما عاد فهلكوا بالريح.
_________________
(١) انظر (٢/ ٥٨٦).
(٢) انظر (٢/ ٥٨٦).
(٣) في ب، د: «من».
(٤) في أ، ب، هـ: «أصلح».
[ ٣ / ٢٣٧ ]
[﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤) ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾].
﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾ قدَّم هذا المجرور على قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ لئلا يُوهم أنه متّصل بقوله: ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، بخلاف قوله: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ في غير هذا الموضع (^١).
﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ﴾ أي: نعّمناهم.
_________________
(١) انظر: درة التنزيل للإسكافي ص: ٩٣٥، وملاك التأويل لأبي جعفر بن الزبير (٢/ ٨٧٥)
[ ٣ / ٢٣٨ ]
﴿بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ يحتمل أن قالوا ذلك:
لإنكارهم أن يكون نبيٌّ (^١) من البشر.
أو قالوه أنفةً من اتِّباع بشر مثلهم.
وكذلك قول قوم نوح.
﴿أَيَعِدُكُمْ﴾ استفهام على وجه الاستهزاء والاستبعاد.
﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ كرر «أنَّ» توكيدًا (^٢) للأولى؛ و﴿مُخْرَجُونَ﴾ خبر عن الأولى.
﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦)﴾ هذا من حكاية كلامهم.
و﴿هَيْهَاتَ﴾: اسم فعل بمعنى: بَعُدَ.
وقال الغزنوي: هي للتأسف والتأوُّه (^٣).
ويجوز فيه الفتح والضم والكسر والإسكان.
وتارةً يجيء فاعله دون لام، كقوله:
فهيهات هيهات العقيقُ وأهله (^٤) …
_________________
(١) في د، هـ: «النبي».
(٢) في د: «تأكيدًا».
(٣) انظر: عين المعاني ..
(٤) هذا صدر بيت لجرير بن عطية، كما في ديوانه (ص: ٣٨٥)، وروي البيت هكذا «فهيهات هيهات ..»، وروي «فأيهات أيهات ..» بالهمزة، وهما لغتان، والعرب تبدل الهمزة هاءً وبالعكس. انظر: تحفة المجد الصريح شرح كتاب الفصيح، لأبي جعفر اللَّبلي (١/ ٢٤٢).
[ ٣ / ٢٣٩ ]
وتارةً يجيء باللام، كهذه الآية.
قال الزَّجَّاج في تفسيره: البعد لما توعدون (^١)؛ فنزَّله منزلة المصدر.
قال الزمخشري: وفيه وجه آخر؛ وهو أن يكون اللام لبيان المستبعد ما هو، بعد التَّصويت بكلمة الاستبعاد، كما جاءت اللام في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] لبيان المُهَيَّت به (^٢).
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ أي: ما الحياة إلَّا حياتنا الدنيا، فوضع ﴿هِيَ﴾ موضع الحياة؛ لدلالة الخبر عليها.
﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي: يموت بعضٌ ويولد بعض، فينقرض قرن ويحدث قرن آخر، ومرادهم: إنكار البعث.
﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ «ما» زائدة، و﴿قَلِيلٍ﴾ (^٣) صفةٌ للزمان، والتقدير: عن زمانٍ قليلٍ يندمون.
﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ يعني: هالكين كالغثاء، والغثاء: ما يحمله السيل من الورق وغيرها مما يبلى ويسودُّ، فشبَّه به الهالكين.
﴿فَبُعْدًا﴾ مصدرٌ وُضع موضع الفعل بمعنى: بَعِدُوا؛ أي: هلكوا، والعامل فيه مضمرٌ لا يظهر.
﴿تَتْرَى﴾ مصدرٌ وزنه: فَعْلَى، ومعناه التواتر والتتابع، وهو موضوعٌ موضعَ
_________________
(١) انظر: معاني القرآن وإعرابه، لأبي إسحاق الزجاج (٤/ ١٣).
(٢) انظر: الكشاف (١٠/ ٥٨٢).
(٣) في أ، ب، ج: «وقيل»، وهو تصحيف، والمثبت موافق لعبارة الكشاف (١٠/ ٥٨٤).
[ ٣ / ٢٤٠ ]
الحال؛ أي: متواترين واحدًا بعد واحد.
فمن قرأه بالتنوين: فألفه للإلحاق.
ومن قرأه بغير تنوين: فألفه للتأنيث فلم ينصرف، وتأنيثه لأن الرسل جماعة.
والتاء الأولى فيه بدلٌ من واو هي فاء الكلمة.
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي: يتحدث الناس بما جرى عليهم، ويحتمل أن يكون:
جمع حديث.
أو جمع أُحدوثة، وهذا أليق؛ لأنها تقال في الشرّ.
﴿قَوْمًا عَالِينَ﴾ أي: متكبرين.
﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ أي: خادمون (^١) متذلّلون.
﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ الضمير لبني إسرائيل، لا لقوم فرعون؛ لأنهم هلكوا قبل إنزال التوراة.
﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ الربوة: الموضع المرتفع، ويجوز فيها فتح الراء وضمُّها وكسرها.
واختُلف في موضع هذه الربوة:
فقيل: بيت المقدس.
_________________
(١) في د: «حامدون».
[ ٣ / ٢٤١ ]
وقيل: بغوطة دمشق.
وقيل: بفلسطين (^١).
﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ القرار: المستوي من الأرض، فمعناه: أنها بسيطة يتمكَّن فيها الحرث والغراسة.
وقيل: القرار هنا: الثمار والحبوب.
والمعين: الماء الجاري:
فقيل: إنه مشتقٌّ من قولك: مَعَنَ الماء: إذا كثر؛ فالميم على هذا أصلية، ووزنه فَعيل.
وقيل: إنه مشتق من العين؛ فالميم زائدة، ووزنه مفعول.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «فلسطين».
[ ٣ / ٢٤٢ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١) وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)﴾].
﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ هذا النداء ليس على ظاهره؛ لأن الرسل كانوا في أزمنة متفرقة، وإنما المعنى: أن كل رسول في زمانه خوطب بذلك.
وقيل: الخطاب لمحمد ﷺ، وأقامه مقام الجماعة، وهذا بعيد.
[ ٣ / ٢٤٣ ]
﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي: من الحلال، فالأمر على هذا للوجوب.
أو من المستلذَّات، فالأمر للإباحة.
﴿وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قرئ ﴿وَإِنَّ﴾: بالكسر على الاستئناف.
وبالفتح على معنى: لأنَّ، وهي متعلقة بقوله آخِرًا: ﴿فَاتَّقُونِ﴾.
وقيل: تتعلق بفعل مضمر تقديره: واعلموا.
والأُمَّة هنا: الدين، وهو ما اتفقت عليه الرسل من التوحيد وغيره.
﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ﴾ أي: افترقوا واختلفوا، والضمير لأمم الرسل المذكورين من اليهود والنصارى وغيرهم.
﴿زُبُرًا﴾ جمع زَبُور، وهو الكتاب (^١)، والمعنى:
أنهم افترقوا في اتِّباع الكتب، فاتبعت طائفة التوراة، وطائفة الإنجيل، وغير ذلك.
أو وضعوا كُتبًا (^٢) من عند أنفسهم.
﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ الضمير لقريش، والغَمْرَة: الجهل والضلال، وأصلها من غَمْرَة الماء (^٣).
_________________
(١) في أ، هـ: «الكتب».
(٢) في ب، ج: «كتابًا».
(٣) قال في الكشاف (١٠/ ٥٩٣): «الغَمْرَة: الماء الذي يغمر القامة، فضُربت مثلًا لما هم مغمورون فيه من جهلهم وعمايتهم، أو شُبِّهُوا باللاعبين في غمرة الماء؛ لما هم عليه من الباطل».
[ ٣ / ٢٤٤ ]
﴿حَتَّى حِينٍ﴾ هنا: يوم بدر، أو يوم موتهم.
﴿أَيَحْسَبُونَ﴾ الآية؛ ردٌّ عليهم فيما ظنوا من أن أموالهم وأولادهم خيرٌ لهم وأنها بسبب رضا الله عنهم (^١).
﴿نُسَارِعُ لَهُمْ﴾ هذا خبر «أَنَّ»، والضمير الرابط محذوف، تقديره: نسارع به.
﴿بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: لا يشعرون أن ذلك استدراجٌ لهم، ففيه معنى التهديد.
﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوا﴾ قيل: معناه يُعطون ما أعطوا من الزكوات (^٢) والصدقات.
وقيل: إنه عامٌّ في جميع أفعال البرِّ؛ أي: يفعلونها وهم يخافون أن لا تقبل منهم، وقد روت عائشة هذا المعنى عن النبي ﷺ (^٣)، إلَّا أنها قرأت: «يأتون ما أتوا» بالقصر، فيحتمل أن يكون الحديث تفسيرًا لهذه القراءة.
وقيل: إنه عامٌّ في الحسنات والسيئات؛ أي: يفعلونها وهم خائفون من الرجوع إلى الله.
﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ «أَنَّ»:
في موضع المفعول من أجله.
أو في موضع المفعول بـ ﴿وَجِلَةٌ﴾؛ إذ هي في معنى: خائفة.
﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ فيه معنيان:
أحدهما: أنهم يبادرون إلى فعل الطاعات.
_________________
(١) في أ: «ولسبب رضا الله عنهم»، وفي ب: «وبسببها ﵃».
(٢) في أ، د: «الزكاة».
(٣) أخرجه أحمد (٢٥٢٦٣)، والترمذي (٣١٧٥)، وابن ماجه (٤١٩٩).
[ ٣ / ٢٤٥ ]
والآخر: أنهم يتعجَّلون ثواب الخيرات، وهذا مطابق للآية المتقدمة (^١)؛ لأنه أُثبِتَ فيه ما نُفِي عن الكفار من المسارعة (^٢).
﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ فيه المعنيان المذكوران في ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾.
وقيل: معناه: سبقت لهم السعادة في الأزل.
﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ يعني: أن هذا الذي وَصَف به الصالحين غيرُ خارج عن الوُسْع والطاقة.
وقد تقدَّم الكلام على تكليف ما لا يطاق في «البقرة» (^٣).
﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ﴾ يعني: صحائف الأعمال، ففي الكلام تهديدٌ، وتأمينٌ من الظلم والحيف.
﴿فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ أي: في غفلة من الدين بجملته.
وقيل: من القرآن.
وقيل: من الكتاب المذكور.
وقيل: من الأعمال التي وَصَف بها المؤمنين.
﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ أي: لهم أعمال سيئة دون الغَمْرَة التي هم فيها، فالمعنى: أنهم يجمعون بين الكفر وسوء الأعمال، والإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾
_________________
(١) الآية المتقدمة قوله تعالى في الكفار: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾.
(٢) انظر: الكشاف وتعليق الطيبي (١٠/ ٥٩٧).
(٣) انظر (١/ ٥١٠).
[ ٣ / ٢٤٦ ]
-على هذا- إلى الغمرة، وإنما أشار إليها بالتذكير (^١)؛ لأنها في معنى الكفر.
وقيل: الإشارة إلى قوله: ﴿مِنْ هَذَا﴾؛ أي: لهم أعمال سيئة غير (ذلك المعنى) (^٢) المشار إليه حسبما اختلف فيه.
﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ قيل: هو إخبار عن أعمالهم في الحال.
وقيل: عن الاستقبال.
وقيل: المعنى: أنهم يتمادون على عملها حتى يأخذهم الله، فجعل ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم﴾ غاية لقوله: ﴿عَامِلُونَ﴾.
﴿مُتْرَفِيهِم﴾ أي: أغنياءهم (^٣) وكبراءهم.
﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ أي: يستغيثون ويصيحون.
فإن أراد بالعذاب قتل (^٤) المترفين يوم بدر: فالضمير في ﴿يَجْأَرُونَ﴾ لسائر قريش؛ أي: ناحوا وصاحوا (^٥) على القتلى.
وإن أراد بالعذاب شدائد الدنيا أو عذاب الآخرة: فالضمير لجميعهم.
﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾ تقديره: يقال لهم يوم العذاب: لا تجأروا، ويحتمل: أن يكون هذا القول حقيقةً.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «بالتأكيد».
(٢) سقط من أ، ب، هـ.
(٣) في أ، ب، هـ: «أعيانهم».
(٤) في أ، هـ: «قتال».
(٥) لم ترد هذه الكلمة في أ، ب، هـ.
[ ٣ / ٢٤٧ ]
أو (^١) يكون بلسان الحال.
ولفظه نهيٌ، ومعناه: أن الجُؤار لا ينفعهم.
﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ أي: ترجعون إلى وراء، وذلك عبارةٌ عن إعراضهم عن الآيات، وهي القرآن.
﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ قيل: إن الضمير عائدٌ على المسجد الحرام، أو على الحرم وإن لم يُذْكَر؛ ولكنه يفهم من سياق الكلام، والمعنى: أنهم يستكبرون بسبب المسجد الحرام؛ لأنهم أهله ووُلَاتُه.
وقيل: إنه عائد على القرآن؛ من حيث ذُكِرت الآيات، والمعنى على هذا: أن القرآن يحدث لهم عتوًّا وكِبْرًا (^٢).
وقيل: إنه يعود على النبي ﷺ، وهو على هذا متعلِّق بـ ﴿سَامِرًا﴾.
﴿سَامِرًا﴾ مشتقٌّ من السَّمَر، وهو الجلوس بالليل للحديث، وكانت قريش تجتمع (^٣) بالليل في المسجد، فيتحدَّثون، وكان أكثرُ حديثهم سبَّ النبي ﷺ، و﴿سَامِرًا﴾ مفرد بمعنى الجمع، وهو منصوب على الحال، فمن جعل الضمير في ﴿بِهِ﴾ للنبي ﷺ، فالمعنى: أنهم سامرون بذكره وسبّه.
﴿تَهْجُرُونَ﴾ من قرأ بضم التاء وكسر الجيم فمعناه: تقولون الهُجْر بضم الهاء وهو الفحش من الكلام.
_________________
(١) في ج، د: «وأن».
(٢) في د: «وتكبرًا».
(٣) في ب: «يجتمعون».
[ ٣ / ٢٤٨ ]
ومن قرأ بفتح التاء وضم الجيم: فهو من الهَجْر - بفتح الهاء -؛ أي: تهجرون الإسلام، والنبي ﷺ، والمؤمنين.
أو من قولك: هَجَر المريض: إذا هَذَى؛ أي: تقولون اللغو من القول.
﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ يعني: القرآن، وهذا توبيخٌ لهم.
﴿أَمْ جَاءَهُم مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ معناه: أنَّ النبوة ليست ببدع فينكرونها بل قد جاءت آباءهم الأولين، فقد كانت النبوة لنوح وإبراهيم وإسماعيل وغيرهم.
﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ المعنى: ألم يعرفوا محمدًا ﷺ، ويعلموا أنه أشرفهم حسبًا، وأصدقهم حديثًا، وأعظمهم أمانةً، وأرجحهم عقلًا؛ فكيف ينسبونه إلى الكذب أو إلى الجنون أو غير ذلك من النقائص؟، مع أنه جاءهم بالحق الذي لا يخفى على كل ذي عقل سليم أنه عين الصواب.
﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ الاتِّباع هنا: استعارة، والحق هنا يراد به: الصواب والأمر المستقيم، فالمعنى: لو كان الأمر على ما تقتضي أهواؤهم من الشرك بالله واتباع الباطل لفسدت السموات والأرض، كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
وقيل: إن الحق في الآية هو الله تعالى، وهذا بعيد في المعنى، وإنما حمله عليه أن جَعَلَ الاتباع حقيقةً ولم يفهم فيه الاستعارة، وإنما الحق هنا هو المذكورة في قوله: ﴿بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾.
[ ٣ / ٢٤٩ ]
﴿بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ﴾ يحتمل أن يريد:
بتذكيرهم ووعظهم.
أو بفخرهم وشرفهم، وهذا أظهر.
﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا﴾ الخَرْج: هو الأجرة، ويقال فيه: خراج، والمعنى واحد، وقد قرئ (^١) بالوجهين في الموضعين، فهو كقوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ [الطور: ٤٠، القلم: ٤٦]؛ أي: لست تسألهم أجرًا فيثقل عليهم اتباعك.
﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ أي: رزق ربك خير من أموالهم؛ فهو يرزقك ويغنيك عنهم.
﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ أي: عادلون ومعرضون (^٢) عن الصراط المستقيم المذكور.
﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ﴾ الآية؛ قال الأكثرون: نزلت هذه الآية حين دعا رسول الله ﷺ على قريش بالقحط فنالهم الجوع حتى أكلوا الجلود وغيرها، فالمعنى: لو رحمناهم بالخصب، وكشفنا ما بهم من ضرّ القحط والجوع؛ لتمادوا على طغيانهم.
وفي هذا عندي نظر؛ فإنَّ الآية مكية باتفاق، وإنما دعا النبي ﷺ على قريش بعد الهجرة حسبما ورد في الحديث.
وقيل: المعنى: لو رحمناهم بالردِّ إلى الدنيا بعد موتهم لعادوا لما نهوا عنه.
_________________
(١) في أ، ب: «وقد روي».
(٢) في أ، ب، هـ: «ويعرضون».
[ ٣ / ٢٥٠ ]
وهذا القول لا يلزم عليه ما لزم على الآخر، ولكنه خارج عن معنى الآية.
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ﴾ قيل: إن هذا العذاب هو الجوع بالقحط، وإن الباب ذا العذاب الشديد المتوعَّد به بعد هذا: يوم بدر.
وهذا مردود بأن العذاب الذي أصابهم إنما كان بعد بدر.
وقيل: إن العذاب الذي أخذهم هو يوم بدر، والباب المتوعَّد به هو القحط.
وقيل: الباب ذو العذاب الشديد: عذاب الآخرة، وهذا أرجح، ولذلك وصفه بالشدَّة؛ لأنه أشد من عذاب الدنيا، وقال: إنهم فيه مبلسون؛ أي يائسون (^١) من الخير، وإنما يقع لهم اليأس في الآخرة، كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)﴾ [الروم: ١٢].
﴿فَمَا اسْتَكَانُوا﴾ أي: ما تذلَّلوا لله ﷿.
وقد تقدَّم الكلام على هذه الكلمة في «آل عمران» (^٢).
﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ إن قيل: هلَّا قال: «فما استكانوا وما تضرعوا»، أو «فما يستكينون وما يتضرعون» باتِّفاق الفعلين في الماضي أو في الاستقبال؟ فالجواب: أن ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا﴾ عند العذاب الذي أصابهم، و﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ حتى يفتح عليهم بابُ عذابٍ شديد، فنفى الاستكانة فيما مضى، ونفى التضرُّع في الحال والاستقبال (^٣).
_________________
(١) في ب: «آيسون».
(٢) انظر (١/ ٥٨٢).
(٣) انظر: الكشاف (١٠/ ٦١٥).
[ ٣ / ٢٥١ ]
[﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣) قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾].
﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ «ما» زائدة، و﴿قَلِيلًا﴾ صفة لمصدر محذوف، تقديره: شكرًا قليلًا تشكرون.
وذَكَر السمع والبصر والأفئدة - وهي القلوب -؛ لعظيم (^١) المنافع التي فيها؛ فيجب شكر خالقها، ومن شكره: توحيده واتباع رسوله ﷺ، ففي ذكرها تعديد نعمةٍ وإقامة حجة.
﴿ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: نشركم فيها.
﴿وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: هو فاعله ومختصٌّ به، فاللام للاختصاص.
_________________
(١) في ج: «لعظم».
[ ٣ / ٢٥٢ ]
وقد ذُكر في «البقرة» معنى اختلاف الليل والنهار (^١).
﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١)﴾ أي: قالت قريش مثل قول الأمم المتقدمة، ثم فسّر قولهم بإنكارهم للبعث، وإليه الإشارة بقولهم: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا﴾.
وقد ذُكر الاستفهامان في «الرعد» (^٢).
و﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ في «الأنعام» (^٣).
﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ هذه الآيات (^٤) توقيف لهم على أمور لا يمكنهم إلَّا الإقرار بها، وإذا أقرّوا بها لزمهم توحيد خالقها والإيمان بالدار الآخرة.
﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ قرئ في الأول ﴿لِلَّهِ﴾ باللام بإجماع؛ جوابًا لقوله: ﴿لِمَنِ الْأَرْضُ﴾، وكذلك قرأ الجمهور الثاني والثالث، وذلك على المعنى؛ لأن قوله: ﴿مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ في معنى: «لمن هي».
وقرأ أبو عمرو الثاني والثالث بالرفع على اللفظ.
﴿مَلَكُوتَ﴾ مصدرٌ في بنائه مبالغةٌ.
﴿يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ الإجارة: المنع من الإنسان (^٥)، يقال: أجرتُ
_________________
(١) انظر (١/ ٣٨٧).
(٢) انظر (٢/ ٦٦٩).
(٣) انظر (٢/ ٢٥٤).
(٤) في أ، ب، د: «الآية».
(٥) في أ، ب، هـ: «الإهان» كذا!، والمثبت موافق لعبارة المحرر الوجيز (٦/ ٣١٦).
[ ٣ / ٢٥٣ ]
فلانًا على فلان: إذا منعته من مضرَّته وإهانته، فالمعنى: أن الله تعالى يُغيث من شاء ممن شاء، ولا يغيث أحدٌ منه أحدًا.
﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ أي: تُخدَعون عن الحق، والخادع لهم الشيطان، وذلك تشبيهٌ بالسحر في التَّخليط والوقوع في الباطل.
ورتَّبت هذه التوبيخات الثلاثة بالتدريج، فقال أوَّلًا: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥)﴾، ثم قال ثانيًا: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧)﴾، وذلك أبلغُ؛ لأن فيه زيادة تخويف، ثم قال ثالثًا: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾، وفيه من التوبيخ ما ليس في غيره.
﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ يعني: فيما ينسبون لله من الشركاء والأولاد، ولذلك ردَّ عليهم بنفي ذلك.
﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ هذا برهان على الوَحدانية، وبيانه أن يقال: لو كان مع الله إلهٌ آخرُ لانفرد كل واحد منهما بمخلوقاته عن مخلوقات الآخر، واستبدَّ كل واحد منهما بمُلكه، وطلب غلبَة الآخر والعلوَّ عليه، كما ترى (^١) حال ملوك الدنيا، ولكن لما رأينا جميع المخلوقات مرتبطةً بعضُها ببعض حتى كأن العالم كلَّه كُرَةٌ واحدة: علمنا أن مالكه ومدبِّره واحد، لا إله غيره.
وليس هذا البرهان بدليل التمانع كما فهم ابن عطية (^٢) وغيره، بل هو دليل آخر.
_________________
(١) في ج، د: «نري».
(٢) انظر: المحرر الوجيز (٨/ ٣١٧).
[ ٣ / ٢٥٤ ]
فإن قيل: «إذًا» لا تدخل إلَّا على كلام هو جزاءٌ وجواب، فكيف دخلت هنا ولم يتقدَّم قبلها شرطٌ ولا سؤال سائل؟
فالجواب: أن الشرط محذوفٌ تقديره: لو كان معه آلهة، وإنما حُذِف لدلالة قوله: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾، وهو جواب للكفار الذين وقع الرَّدُّ عليهم (^١).
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ بالرفع: خبر ابتداء، وبالخفض: صفة لله.
_________________
(١) انظر: الكشاف (١٠/ ٦٢٢).
[ ٣ / ٢٥٥ ]
[﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١) قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾].
﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣)﴾ الآية؛ معناها: أنَّ اللهَ أمرَ نبيَّه ﷺ أنْ يدعو لنفسه بالنجاة من عذاب الظالمين إن قُضي أن يرى ذلك، وفيها تهديدٌ للظالمين وهم الكفار.
[ ٣ / ٢٥٦ ]
و«إن» شرطية، و«ما» زائدة، وجواب الشرط: ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي﴾، وكرَّر قوله: ﴿رَبِّ﴾ مبالغةً في الدعاء والتضرع.
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ قيل: التي هي أحسن: لا إله إلا الله، والسيئة: الشرك.
والأظهر أنه أمرٌ بالصَّفح والاحتمال وحسن الخلق، فهو محْكَمٌ غير منسوخ، وإنما نُسِخَ ما يقتضيه من مسالمة الكفار.
﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ يعني: نزغاته ووسواسه (^١).
وقيل: يعني الجنون.
واللفظ أعمُّ من ذلك.
﴿أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ معناه: أن يكونوا معه.
وقيل: يعني: حضورهم (^٢) عند الموت.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ قال ابن عطية: ﴿حَتَّى﴾ هنا حرف ابتداء (^٣)؛ أي ليست غايةً لما قبلها.
وقال الزمخشري: ﴿حَتَّى﴾ تتعلق بـ ﴿يَصِفُونَ﴾؛ أي: لا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت (^٤).
_________________
(١) في ب، ج: «ووساوسه».
(٢) في أ، ب: «بحضورهم».
(٣) انظر: المحرر الوجيز (٦/ ٣٢٠).
(٤) انظر: الكشاف (١٠/ ٦٢٥).
[ ٣ / ٢٥٧ ]
﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ يعني: الرجوع إلى الدنيا، وخاطب ربه مخاطبة الجماعة للتعظيم، قال ذلك الزمخشري (^١) وغيره، ومثله قول الشاعر:
ألا فارحموني يا إله محمَّدٍ (^٢) … . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: إنه نادى ربه ثم خاطب الملائكة.
﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾ قيل: يعني فيما تركتُ من المال.
وقيل: فيما تركتُ من الإيمان؛ فهو كقوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، والمعنى: أن الكافر رغب أن يرجع إلى الدنيا؛ ليؤمن ويعمل صالحًا في الإيمان الذي تركه أول مرة.
﴿كَلَّا﴾ ردعٌ له عما طلب.
﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ يعني: قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ فسمى هذا الكلام كلمةً، وفي تأويل معناه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يقول هذه الكلمة لا محالة؛ لإفراط ندمه وحسرته، فهو إخبار بقوله.
والثاني: أن المعنى: أنها كلمة يقولها، ولا تنفعه ولا تغني عنه شيئًا.
والثالث: أن يكون المعنى: أنه يقولها كاذبًا فيها، ولو رجع إلى الدنيا لم يعمل صالحًا.
_________________
(١) انظر: الكشاف (١٠/ ٦٢٦).
(٢) هذا صدر بيت وتمامه: «فإن لم أكن أهلًا فأنت له أهل»، أورده الزمخشري في الكشاف (١٠/ ٦٢٦)، ولم أقف على قائله.
[ ٣ / ٢٥٨ ]
﴿وَمِنْ وَرَائِهِم﴾ أي فيما يستقبلون من الزمان.
والضمير للجماعة المذكورين في قوله: ﴿جَاءَ أَحَدَهُمُ﴾.
﴿بَرْزَخٌ﴾ يعني: المدة التي بين (^١) الموت والقيامة، وهي تَحُول بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا.
وأصل البرزخ: الحاجز بين شيئين.
﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ المعنى: أنه ينقطع يومئذ التعاطف والشفقة التي بين القرابة؛ لاشتغال كل أحد بنفسه، كقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥)﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٥]، فتكون الأنساب كأنها معدومةٌ.
﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي: لا يسأل بعضهم بعضًا؛ لاشتغال كل أحد بنفسه.
فإن قيل: كيف الجمع بين هذا وبين قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧، الطور: ٢٥]؟
فالجواب: أن ترك التساؤل عند النفخة الأولى، ثم يتساءلون بعد ذلك؛ فإن يوم القيامة يومٌ طويل فيه مواقف مختلفة (^٢).
﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ أي: تصيبهم بالإحراق.
﴿كَالِحُونَ﴾ الْكُلُوح: انكشاف الشفتين عن الأسنان، وكثيرًا ما يجري ذلك للكلاب، وقد يجري (^٣) للكباش إذا شويت رؤوسها، وفي الحديث:
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «بعد».
(٢) انظر: الكشاف (١٠/ ٦٢٩).
(٣) في أ، ب، هـ: «تجري».
[ ٣ / ٢٥٩ ]
«إن شَفّة الكافر ترتفع في النار (^١) حتى تبلغ وسط رأسه» (^٢)، وفي ذلك عذاب وتشوه.
﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ أي: ما قُدّر علينا (^٣) من الشقاء.
وقرئ: ﴿شَقَاوَتُنَا﴾، والمعنى واحد.
﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا﴾ كلمةٌ تستعمل في زجر الكلاب، ففيها إهانةٌ وإبعاد.
﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ أي: لا تكلمونِ في رفع العذاب، فحينئذ ييأسون من ذلك، أعاذنا الله من ذلك برحمته.
﴿سُخْرِيًّا﴾ بضم السين من السُّخرة بمعنى التخديم.
وبالكسر: من السِّخَر بمعنى الاستهزاء، وقد يقال هذا بالضم.
وقرئ هنا بالوجهين؛ لاحتمال المعنيين، على أن معنى الاستهزاء هنا أليقُ؛ لقوله: ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾.
﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: في جوف الأرض أمواتًا.
وقيل: أحياءً في الدنيا.
فأجابوا بأنهم لبثوا يومًا أو بعض يوم؛ لاستقصار (^٤) المدة، ولما هم فيه من العذاب بحيث لا يعدُّون شيئا.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «بالنار».
(٢) أخرجه أحمد (١١٨٣٦)، والترمذي (٢٥٨٧).
(٣) في أ: «ما قدرنا عليهم».
(٤) في ج، د: «لاستقصارهم».
[ ٣ / ٢٦٠ ]
﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ أي: اسأل من يقدِر على أن يَعُدَّ، وهو:
مَنْ عُوفي مما ابتلوا به.
أو يعنون الملائكة.
﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ معناه: أنه قليلٌ بالنسبة إلى بقائهم في جهنم خالدين (^١) أبدًا.
﴿عَبَثًا﴾ أي: باطلًا، والمعنى: إقامة حجة على الحشر للثواب والعقاب.
﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ أي: لا حجة ولا دليل، والجملة صفةٌ لقوله: ﴿إِلَهًا آخَرَ﴾، وجواب الشرط: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾.
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ الضمير للأمر والشأن.
وانظرْ كيف افتتح السورة بفلاح المؤمنين، وختمها بعدم فلاح الكافرين؛ ليبين البون (^٢) بين الفريقين، والله أعلم.
_________________
(١) في ج، د زيادة: «فيها».
(٢) في د، هـ: «الفرق».
[ ٣ / ٢٦١ ]