[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾].
﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قيل: إن العقود هنا: ما عقده الإنسانُ مع غيره من بيع
[ ٢ / ١٣٨ ]
ونكاح وعتق وشبه ذلك.
وقيل: ما عقده مع ربه من الطاعات، كالحج والصيام وشبه ذلك.
وقيل: ما عقده الله عليهم من التحليل والتحريم في دينه؛ ذُكر مجملًا ثم فُصّل بعد ذلك في قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾ وما بعده.
﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ هي: الإبل والبقر والغنم.
وإضافة البهيمة إليها من باب إضافة الشيء إلى ما هو أخصُّ منه؛ لأن البهيمة تقع على الأنعام وغيرها.
قال الزمخشري: هي الإضافة التي بمعنى «من»، كخاتمٍ من حديد؛ أي: البهيمة من الأنعام (^١).
وقيل: هي الوحش؛ كالظِّباء، وبقر الوحش.
والمعروف من كلام العرب: أن الأنعام لا يقع إلا على الإبل والبقر والغنم، وأن البهيمة تقع على كل حيوانٍ ما عدا الإنسان.
﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يريد: الميتة وأخواتها.
﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ نُصب على الحال من الضمير في ﴿لَكُمْ﴾.
﴿وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ حال من ﴿مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾.
و﴿حُرُمٌ﴾ جمع حرام؛ وهو المُحْرِم بالحج.
_________________
(١) الكشاف (٥/ ٢٥٥).
[ ٢ / ١٣٩ ]
فالاستثناء بـ «إلَّا» من البهائم المحلَّلة، والاستثناء بـ «غير» من القوم المخاطبين.
﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قيل: هي مناسك الحج؛ كان المشركون يحجون ويعتمرون، فأراد المسلمون أن يُغيروا عليهم، فقيل لهم: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾؛ أي: لا تُغيروا عليهم ولا تصدُّوهم.
وقيل: هي الحَرَم، وإحلالُه: الصيد فيه.
وقيل: هي ما يَحرُم على الحاج من النساء والصيد (^١) وغير ذلك، وإحلالُه: فعله.
﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ قيل: هو جنس الأشهر الحُرُم الأربعة؛ وهي: رجب، وذو القعدة، وذو الحِجَّة، والمحرَّم.
وقيل: أشهر الحج؛ وهي: شوال، وذو قعدة، وذو الحجة. وإحلالها: هو القتال فيها، وتغيير حالها.
﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾ هو ما يُهدى إلى البيت الحرام من الأنعام، ويُذبح تقرُّبًا إلى الله، فنهى الله أن يُستحلَّ؛ بأن يُغار عليه، أو يُصَدَّ عن البيت.
﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ قيل: هي التي تُعلَّق في أعناق الهدي؛ فنهى عن التعرض لها.
وقيل: أراد: ذواتِ القلائد من الهدي؛ وهي البُدْن، وجرَّدَها بالذِّكر بعد دخولها في الهدي؛ اهتمامًا بها وتأكيدًا لأمرها.
_________________
(١) في ب، د: «والطيب» بدل «والصيد»، وكذا في هامش أ ورمز له بـ «خ».
[ ٢ / ١٤٠ ]
﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ أي: القاصدين إلى البيت لحجّ أو عمرة، نهى الله عن الإغارة عليهم أو صدّهم عن البيت.
ونزلت الآية - على ما قال السهيلي - بسبب الحُطَم البَكْرِيّ - واسمه: شريح بن ضُبيعة - (^١)، أخذته خيل رسول الله ﷺ وهو يقصد إلى الكعبة ليعتمر (^٢).
وهذا النهي عن إحلال هذه الأشياء عامٌّ في المسلمين والمشركين، ثم نُسخ النهي عن قتال المشركين بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وبقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، وبقوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧].
﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ الفضل: الربح في التجارة، والرضوان: الرحمة (^٣) في الدنيا أو (^٤) في الآخرة.
_________________
(١) الحطم لقبٌ له، ومعناه: الراعي الذي يسوق ماشيته سوقًا عنيفًا، لقب بذلك لأنه غزا اليمن في جموع جمعها من ربيعة فغنم وسبى بعد حربٍ كانت بينه وبين كندة، ثم رجع وأخذ في طريق مفازةٍ فضلَّ بهم دليلهم ثم هرب مِنْهُم، فهلك أناسٌ كثير بالعطش، فجعل شريح يسوق بأصحابه سوقًا حثيثًا حتى نجوا ووردوا الماء، فقال فيه رشيد ابن رميض العنزي: هذا أوانُ الشدِّ فاشتدي زِيَمْ … قد لفَّها الليلُ بسَوَّاقٍ حُطَم إلى آخر الأبيات. انظر: فوات الوفَيَات، للصفدي (١٦/ ٨٤).
(٢) انظر: التعريف والإعلام، للسهيلي، ص: ٩١.
(٣) في ب، د: «الريح».
(٤) في ب، د: «و».
[ ٢ / ١٤١ ]
﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ أي: إذا حللتم من إحرامكم بالحج فاصطادوا إن شئتم؛ فالأمر هنا إباحةٌ بإجماع.
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ معنى ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يُكْسِبَنَّكم؛ يقال: جَرَمَ فلانٌ فلانًا هذا الأمرَ: إذا أكسبه إيَّاه وحمله عليه.
والشنآن: هو البغض والحقد؛ ويقال بفتح النون وإسكانها.
و﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ مفعولٌ من أجله.
و﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ مفعولٌ ثانٍ لـ ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ﴾.
ومعنى الآية: لا تَحملَنَّكم (^١) عداوةُ قومٍ على أن تعتدوا عليهم من أجل أنْ صدُّوكم عن المسجد الحرام.
ونزلت عام الفتح؛ حين ظفر المسلمون بأهل مكة فأرادوا أن يستأصلوهم بالقتل؛ لأنهم كانوا قد صدُّوهم عن المسجد الحرام عامَ الحديبية، فنهاهم الله عن قتلهم؛ لأن الله عَلِم أنهم يؤمنون.
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وصيةٌ عامة.
والفرق بين البرِّ والتقوى:
أن البرَّ: عامٌّ في فعل الواجبات والمندوبات، وترك المحرمات، وفي كل ما يُقَرِّب إلى الله.
_________________
(١) في أ، ب، د: «لا تحملكم».
[ ٢ / ١٤٢ ]
والتقوى: في الواجبات، وترك المحرمات، دون فعل المندوبات.
فالبرُّ أعم من التقوى.
﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الفرق بينهما:
أن الإثم: كلُّ ذنب بين العبد وبين الله (أو بينه وبين الناس) (^١).
والعدوان: على الناس.
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ تقدَّم الكلام عليها في «البقرة» (^٢).
﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ هي التي تُخنق بحبل وشبهه.
﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ هي المضروبة بعصًا أو حجر وشبهه.
﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ هي التي تسقط من جبل وشبهه (^٣).
﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ هي التي نطحتها بهيمة أخرى.
﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ أي: أكلَ بعضَه، والسَّبُعُ: كلُّ حيوان مفترس؛ كالذئب والأسد والنَّمِر والثعلب والعُقاب والنَّسْر.
﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ قيل: إنه استثناء منقطع؛ وذلك إذا أريد بالمنخنقة وأخواتها: ما مات من الاختناق والوَقْذ والتَّرَدِّي والنَّطح وأكل السَّبُع، والمعنى: حُرِّمت عليكم هذه الأشياء، لكن ما ذكيتم من غيرها فهو حلال.
_________________
(١) سقط من ب، ج، هـ.
(٢) انظر صفحة ١/ ٣٩٤.
(٣) في ب، د: «وشبه ذلك».
[ ٢ / ١٤٣ ]
وهذا القول ضعيف؛ لأنها إذا ماتت بهذه الأسباب فهي مَيْتَةٌ؛ فقد دخلت في عموم الميتة، فلا فائدة لذكرها بعدها.
وقيل: إنه استثناء متصل؛ وذلك إن أُريد بالمنخنقة وأخواتها: ما أصابته تلك الأسباب وأُدركت ذكاته، والمعنى على هذا: إلَّا ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء فهو حلال.
ثم اختلف أهلُ هذا القول: هل يشترط أن تكون لم تُنْفَذْ مَقَاتِلُها أم لا؟ وأما إذا لم تُشرفِ على الموت من هذه الأسباب فذكاتها جائزة باتفاق.
﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ عطف على المحرمات المذكورة.
و﴿النُّصُبِ﴾ حجارةٌ كان أهل الجاهلية يُعظمونها ويذبحون عليها، وليست بالأصنام؛ لأن الأصنامَ مصوَّرةٌ والنُّصُب غير مصوَّرة، وهي الأنصاب، والمفرد: نِصَابٌ.
وقد قيل: إن النُّصُب بضمتين: مفرد، وجمعه: أنصاب.
﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ عطف على المحرمات أيضًا.
والاستقسام: هو طلب ما قُسم له.
والأزلام: هي السِّهَام؛ واحدها: زَلَمٌ - بضم الزاي وفتحها -، وكانت ثلاثةً قد كُتب على أحدها: «افعل»، وعلى الآخر: «لا تفعل»، والثالث مهملٌ، فإذا أراد الإنسان أن يَعمل أمرًا جعلها في خَرِيطةٍ، وأدخل يده وأخرج أحدها، فإن خرج له الذي فيه «افعل» فعل ما أراد، وإن خرج له
[ ٢ / ١٤٤ ]
الذي فيه «لا تفعل» تركه، وإن خرج (^١) المهمل أعاد الضَّرْب.
﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ الإشارةُ:
إلى تناول المحرمات المذكورة كلِّها.
أو إلى الاستقسام بالأزلام، وإنما حرَّمه الله وجعله فسقًا؛ لأنه دخولٌ في علم الغيب الذي انفرد الله به، فهو كالكهانة وغيرها مما يرام به الاطِّلاعُ على الغيوب.
﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ أي: يئسوا أن يغلبوه أو يُبطلوه. ونزلت بعد العصر من يوم الجمعة يومَ عرفة في حجة الوداع؛ فذلك هو اليوم المذكور؛ لظهور الإسلام فيه وكثرة المسلمين. ويَحتمل أن يكون المرادُ باليوم: الزمانَ الحاضر، لا اليومَ بعينه.
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ هذا الإكمال يَحتمل أن يكون: بالنصر والظهور. أو بتعليم الشرائع، وبيان الحلال والحرام.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ راجعٌ إلى المحرمات المذكورة قبلَ هذا، أباحها الله عند الاضطرار.
﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ في مجاعةٍ.
_________________
(١) في ج، د زيادة: «له».
[ ٢ / ١٤٥ ]
﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ هو بمعنى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ وقد تقدَّم في «البقرة» (^١).
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قام مقام: «فلا جناح عليه»، وتضمَّن زيادةَ الوعد.
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ سببها: أن المسلمين سألوا رسول الله ﷺ عما يَحلُّ لهم من المآكل.
وقيل: لما أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب سألوه: ماذا يحل لنا من الكلاب؟ فنزلت مبيّنةً للصيد بالكلاب.
﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ هي عند مالك: الحلال؛ وذلك ما لم يرد تحريمه في كتاب ولا سنة.
وعند الشافعي: الحلال المستلذُّ؛ فحرَّم كل مستقذَرٍ كالخنافس وشبهها؛ لأنها من الخبائث.
﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ عطفٌ على ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾؛ على حذف مضاف تقديره: وصيدُ ما علَّمتم.
أو: مبتدأ وخبره: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وهذا أحسن؛ لأنه لا حذف فيه.
والجوارح: هي الكلاب ونحوها مما يُصاد به، وسُمِّيت جوارح؛ لأنها كواسبُ لأهلها، فهو من الجَرْح بمعنى الكسب.
_________________
(١) انظر صفحة ١/ ٣٩٥.
[ ٢ / ١٤٦ ]
ولا خلاف في جواز الصيد بالكلاب.
واختلف فيما سواها:
ومذهب الجمهور: الجواز؛ للأحاديث الواردة في البزاة وغيرها.
ومنع بعضهم ذلك؛ لقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾؛ فإنه مشتق من الكلب.
ونزلت الآية بسبب عدي بن حاتم؛ فإنه كان له كلاب يصطاد بها، فسأل رسول الله ﷺ عما يحل من الصيد.
﴿مُكَلِّبِينَ﴾ أي: معلِّمين للكلاب (^١) الاصطياد.
وقيل: معناه: أصحاب كلاب.
وهو منصوب على الحال من ضمير الفاعل في ﴿عَلَّمْتُمْ﴾.
ويقتضي قوله: ﴿عَلَّمْتُمْ﴾ و﴿مُكَلِّبِينَ﴾: أنه لا يجوز الصيد إلا بجارح معلَّم؛ لقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ ولقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ على القول الأول، ولتأكيده ذلك بقوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾.
وحدُّ التعليم:
عند ابن القاسم: أن يفهم الجارح الإيساد (^٢) والزَّجر.
_________________
(١) في ج، د: «معلمين الكلاب».
(٢) في د هنا وفي الموضع التالي: «الإشلاء». قال في لسان العرب (٤/ ٣٨): «وآسَدَ الكَلْبَ بالصيد إيسادًا: هيجه وأغراه، وأشلاه: دعاه»، وقال الإمام ثعلب في كتاب الفصيح (ص: ١٥٥): «وتَقُولُ: أَشْلَيْتُ الكَلْبَ وغَيْرَهُ: إِذَا دَعَوْتَهُ إِلَيْكَ. وقَوْلُ النَّاسِ: أَشْلَيْتُهُ عَلَى الصَّيْدِ خَطأٌ. فَإِنْ أَرَدتَ ذَلِكَ قُلْتَ: آسَدْتُهُ عَلَى الصَّيْدِ، وأوْسَدتُه».
[ ٢ / ١٤٧ ]
وقيل: الإيسادُ خاصةً.
وقيل: الزجرُ خاصة.
وقيل: أن يُجيبَ إذا دُعِي.
﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: تعلمونهنَّ مِنْ الحيلة في الاصطياد وتأتّي تحصيل الصيد، وهذا جزءٌ مما علمه الله الإنسانَ؛ فـ «من» للتبعيض.
ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية.
والجملة في موضع: الحال، أو استئنافٌ.
﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ الأمر هنا إباحةٌ.
ويحتمل أن يريد: مما أمسكن سواءٌ أكلت الجوارح منه أو لم تأكل، وهو ظاهر إطلاق اللفظ، وبذلك أخذ مالك.
ويحتمل أن يريد: مما أمسكن ولم يأكلن منه؛ وبذلك فسَّره رسول الله ﷺ بقوله: «فإن أكل منه فلا تأكل؛ فإنه إنما أمسك على نفسه» (^١)، وقد أخذ بهذا بعض العلماء.
وقد ورد في حديثٍ آخر: «إذا أكل فكل» (^٢)، وهو حجة لمالك.
﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ هذا أمرٌ بالتسمية على الصَّيد، ويجري الذبح مجراه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٧٥)، ومسلم (١٩٢٩).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٨٥٢).
[ ٢ / ١٤٨ ]
وقد اختلف الناس في حكم التَّسمية:
فقال الظاهرية: إنها واجبةٌ؛ حملًا للأمر على الوجوب، فإن تُرِكت التسمية عمدًا أو نسيانًا، لم تؤكل عندهم.
وقال الشافعي: إنها مستحبة؛ حملًا للأمر على الندب، وتؤكل عنده؛ سواءٌ تركت التسمية عمدًا أو نسيانًا.
وجعل بعضهم الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ عائدًا على الأكل؛ فليس فيها - على هذا - أمرٌ بالتسمية على الصيد.
ومذهب مالك: أنه: إن تُرِكت التسمية عمدًا لم تؤكل، وإن تركت نسيانًا أُكلت؛ فهي عنده واجبةٌ مع الذِّكْرِ، ساقطةٌ مع النسيان.
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ معنى ﴿حِلٌّ﴾: حلالٌ، و﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ هم اليهود والنصارى.
واختلف في نصارى بني تَغْلِبٍ من العرب، وفيمن كان مسلمًا ثم ارتدَّ إلى اليهودية أو النصرانية هل يحلُّ لنا طعامهم أم لا؟.
ولفظ الآية يقتضي الجواز؛ لأنهم من أهل الكتاب.
واختلف في المجوس والصابئين هل هم أهل كتاب أم لا؟.
وأما الطعام؛ فهو على ثلاثة أقسام:
أحدها: الذبائح؛ وقد اتفق العلماء على أنها مُرادة في الآية، فأجازوا أكل ذبائح اليهود والنصارى.
واختلفوا فيما هو محرَّمٌ عليهم في دينهم، هل يحل لنا أم لا؟.
[ ٢ / ١٤٩ ]
على ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع، والكراهة.
وهذا الاختلاف مبنيٌّ على: هل هو من طعامهم أم لا؟
فإن أريد بطعامهم ما ذبحوه: جاز.
وإن أريد به ما يَحلُّ لهم: مُنِعَ.
والكراهة توسُّطٌ بين القولين.
القسم الثاني: ما لا محاولة لهم فيه؛ كالقمح والفاكهة، فهو جائز لنا باتِّفاقٍ.
والثالث: ما فيه محاولةٌ؛ كالخبز، وتَعصِير الزَّيت، وعَقْد الجُبْن، وشبه ذلك مما يمكن استعمال النجاسة فيه:
فمنعه ابن عباس؛ لأنه رأى أن طعامهم هو الذَّبائح خاصةً، ولأنه يمكن أن يكون نجسًا.
وأجازه الجمهور؛ لأنهم رأوه داخلًا في طعامهم.
وهذا إذا كان استعمال النجاسة فيه محتملًا، فأمَّا إذا تحقَّقنا استعمال النجاسة فيه كالخمر والخنزير والميتة فلا يجوز أصلًا، وقد صنف الطَّرطوشيُّ (^١) في تحريم جُبْن النصارى، وقال: إنه يُنجِّس البائعَ
_________________
(١) هو أبو بكر محمد بن الوليد الفهري الطرطوشي نسبة إلى بلدة طرطوشة بالأندلس، الفقيه المالكي، توفي بالإسكندرية سنة (٥٢٠ هـ). انظر: الديباج المذهب، لابن فرحون (٢/ ٢٤٤).
[ ٢ / ١٥٠ ]
والمشتري والآلة؛ لأنهم يَعْقِدُونه بِإِنْفَحَةِ (^١) الميتة (^٢).
ويجري مجرى ذلك الزيت إذا عَلِمنا أنهم يجعلونه في ظروف الميتة.
﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ هذه إباحةٌ للمسلمين أن يُطْعِموا أهلَ الكتاب من طعامهم.
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ عطفٌ على الطعام المحلَّل.
وقد تقدَّم أن الإحصان له أربعة معان: الإسلام، والتزوُّج، والعِفَّة، والحرية.
فأما الإسلام فلا يصحُّ هنا؛ لقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
وأما التزوج فلا يصحُّ أيضًا؛ لأن ذات الزوج لا تحلُّ لغيره.
ويحتمل هنا: العفة والحرية.
فمَن حمله على العفة أجاز نكاح المرأة الكتابية سواءً كانت حرة أو أَمَة.
ومن حمله على الحرية أجاز نكاح الكتابية الحرة ومنع الأمة، وهو مذهب مالك.
ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] لأنه هذه في الكتابيَّات، والأخرى في المشركين من العرب.
_________________
(١) قال في «القاموس»: «الإِنْفَحَة بكسر الهمزة، وقد تشدد الحاء، وقد تكسر الفاء: شيءٌ يستخرج من بطن الجدي الرضيع، أصفرُ، فيُعصر في صوفةٍ، فيغلظ كالجبن».
(٢) انظر: رسالة في تحريم الجبن الرومي، تحقيق: عبد المجيد التركي، ط: دار الغرب الإسلامي، سنة (١٤١٧ هـ)، صفحة (١٣١).
[ ٢ / ١٥١ ]
وقد جعل بعضُ الناس هذه ناسخةً لتلك.
وقيل بالعكس.
وقد تقدَّم معنى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، ومعنى الأخدان (^١).
_________________
(١) انظر صفحة ٤٢.
[ ٢ / ١٥٢ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ نزلت في غزوة المريسيع، حينَ انقطعَ (^١) عِقدُ عائشةَ ﵂، فأقامَ الناسُ على التِماسهِ وليسوا على ماءٍ، وليسَ معهم ماءٌ، فنزلت الرُّخصةُ في التيممِ، فقال أُسيدُ بنُ حُضيرٍ: ما هذهِ بأوَّلِ بركاتِكم يا آلَ أبي بكرٍ (^٢)، ولذلك سُمِّيتِ الآيةُ آيةَ التيممِ، وقد كانَ الوضوءُ مشروعًا قبلها، ثابتًا بالسنةِ.
_________________
(١) في د: «تلف».
(٢) أخرجه البخاري (٣٦٧٢)، ومسلم (٣٦٧).
[ ٢ / ١٥٣ ]
وقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ معناه: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فتوضؤوا.
ويقتضي ظاهرُها: وجوبَ تجديد الوضوء لكل صلاة، وهو مذهب ابن سيرين وعكرمة.
ومذهب الجمهور: أنه لا يجب، واختلفوا في تأويل الآية على أربعة أقوال:
الأول: أنَّ وجوب تجديد الوضوء لكل صلاة منسوخٌ بفعل رسول الله ﷺ؛ إذ صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد (^١).
والثاني: أن ما تقتضيه الآيةُ من التجديد يُحمَل على الندب.
والثالث: أن تقديرها: إذا قمتم مُحْدِثين؛ فإنما يجب على من أحدث.
والرابع: أن تقديرها: إذا قمتم من النوم.
﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ذكر في هذه الآية أربعة أعضاء:
اثنين محدودين؛ وهما اليدان والرجلان.
واثنين غير محدودين؛ وهما الوجه والرأس.
فأما المحدودان: فتُغسل اليدان إلى المرفقين، والرجلان إلى الكعبين وجوبًا بإجماع؛ فإنَّ ذلك هو الحدُّ الذي جعَل الله لهما.
واختُلف: هل يجب غسل المرفقين مع اليدين، وغسل الكعبين مع
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٧٧).
[ ٢ / ١٥٤ ]
الرجلين أم لا؟ وذلك مبنيٌّ على معنى «إلى»:
فمن جعل «إلى» بمعنى «مع» في قوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ و﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ أوجب غَسْلَهما.
ومَن جعَلها بمعنى الغاية لم يوجب غسلهما.
واختلف في الكعبين؛ هل هما اللَّذان عند مَعقِد الشِّراك؟ أو العظمان النَّاتِئان في طرف السَّاق؟ وهو أظهر؛ لأنه ذكرهما بلفظ التثنية، ولو كان اللذان عند معقد الشراك لذكرهما بلفظ الجمع كما ذكر المرافق؛ لأنه على ذلك في كل رِجلٍ كعبٌ واحد.
وأما غير المحدودين: فاتُّفِق على وجوب إيعاب الوجه.
وحدُّه طولًا: من أول منابت الشَّعر إلى آخر الذَّقن أو اللحية، وحدُّه عرضًا: من الأذن إلى الأذن، وقيل: من العِذَار إلى العذار.
وأما الرأس: فمذهب مالك: وجوب إيعابه؛ كالوجه.
ومذهب كثير من العلماء: جواز الاقتصار على بعضه؛ لما ورد في الحديث: أن رسول الله ﷺ مسح على ناصيته (^١). ولكنهم اختلفوا في القَدْر الذي يُجزئ على أقوال كثيرة.
﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ اختُلف في هذه الباء:
فقال قومٌ: إنها للتَّبعيض؛ وبَنَوا على ذلك: جوازَ مسح بعض الرأس. وهذا القول غير صحيح عند أهل العربية.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٨١٣٤)، والنسائي (١٠٧).
[ ٢ / ١٥٥ ]
وقال القَرَافِيُّ: إنها باءُ الاستعانة التي تَدخل على الآلات، وإن المعنى: امسحوا أيديكم برؤوسكم (^١). وهذا ضعيف؛ لأن الرأس على هذا ماسحٌ لا ممسوح، وذلك خلاف المقصود.
وقيل: إنها زائدة. وهو ضعيف؛ لأن هذا ليس موضعَ زيادتها.
والصحيح عندي: أنها باء الإلصاق التي تُوصل الفعل إلى مفعوله؛ لأن المسح تارةً يتعدَّى بنفسه، وتارةً بحرف الجر؛ كقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾، وكقوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣].
﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قرئ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب؛ عطفًا على الوجوه (^٢) والأيدي، فيقتضي ذلك: وجوبَ غسل الرجلين.
وقرئ بالخفض:
فحمله بعضهم على أنه عطفٌ على قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾، فأجاز مسح الرجلين، روي ذلك عن ابن عباس.
وقال الجمهور: لا يجوز مسحهما، بل يجب غسلهما، وتأوَّلوا قراءة الخفض بثلاثة تأويلات:
أحدها: أنه خفضٌ على الجوار، لا على العطف.
والآخر: أنه يراد به المسح على الخفين.
والثالث: أن ذلك منسوخٌ بالسنة.
_________________
(١) انظر: شرح تنقيح الفصول، للقرافي (ص: ١٠٤).
(٢) في ب، ج، هـ: «الوجه».
[ ٢ / ١٥٦ ]
والفرق بين الغسل والمسح:
أن المسح: إمرارُ اليدين بالبلل الذي يبقى من الماء.
والغسل: عند مالك: إمرارُ اليد بالماء، وعند الشافعي: إمرار الماء، وإن لم يدلك باليد.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ تقدَّم الكلام على نظيرتها في «النساء» (^١).
﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: من ضيق ولا مشقة؛ كقول رسول الله ﷺ: «دين الله يُسْرٌ» (^٢).
وبقية الآية تفضُّلٌ من الله على عباده ورحمةٌ، وفي ضمن ذلك ترغيبٌ في الطهارة وتنشيط عليها.
﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ هو ما وقع في بيعة العقبة، وبيعة الرِّضوان، وكلُّ موطن قال المسلمون فيه: سمعنا وأطعنا.
﴿كُونُوا قَوَّامِينَ﴾ تقدَّم الكلام على نظيرتها في «النساء» (^٣).
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أي: لا يحملنَّكم بغضُ قومٍ على ترك العدل فيهم.
﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ في سببها أربعة أقوال:
الأول: أن النبي ﷺ ذهب إلى بني النَّضِير من اليهود، فهمُّوا أن يصبُّوا عليه صخرةً يقتلونه بها، فأخبره جبريل بذلك فقام من المكان، ويقوِّي هذا
_________________
(١) انظر صفحة ٥٩.
(٢) أخرجه البخاري (٣٩)، ولفظه: «إن الدين يسر ..».
(٣) انظر صفحة ١٢٠.
[ ٢ / ١٥٧ ]
القولُ: ما ورد من الآيات بعد هذا في غدر اليهود.
الثاني: أنها نزلت في شأن الأعرابي الذي سلَّ السيف على رسول الله ﷺ حين وجده في سفر وهو وحده، وقال له: من يمنعك مني؟ قال: «الله»، فأغمد السيف وجلس (^١). واسمه: غَوْرَثُ بن الحارث الغطفانيُّ.
الثالث: أنها فيما همَّ به الكفار من الإيقاع بالمسلمين حين نزلت صلاة الخوف.
الرابع: أنها على الإطلاق في دفعِ اللهِ الكفارَ عن المسلمين.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٩١٠)، ومسلم (٨٤٣).
[ ٢ / ١٥٨ ]
[﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾].
[ ٢ / ١٥٩ ]
﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ النَّقيبُ: هو كبير القوم القائمُ بأمورهم.
﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ أَي: بنصري.
والخطاب: لبني إسرائيل، وقيل: للنُّقَباء.
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ اختُلِف: هل أُريد تحريفُ الألفاظ أو المعاني؟.
﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ أي: على خيانة؛ فهو مصدر كالعاقبة.
وقيل: على طائفةٍ خائنة.
وهو إخبارٌ بأمرٍ مُستقبَل.
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ منسوخٌ بالسيف والجزية.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ أي: ادَّعوا أنهم أنصار الله، وسَمَّوا أنفسهم بذلك، ثم كفروا بالله، ووصفوه بما لا يليق به.
ويتعلَّقُ (^١) ﴿وَمِنَ الَّذِينَ﴾ بـ ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾، والضمير عائد على النصارى.
﴿فَأَغْرَيْنَا﴾ أي: أثبتنا وألصقنا؛ وهو مأخوذٌ من الغِراء.
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ في الموضعين: يَعُمُّ اليهود والنصارى.
وقيل: إنها نزلت بسبب اليهود الذين كانوا بالمدينة؛ فإنهم كانوا يذْكرون رسول الله ﷺ ويصفونه بصفته، فلما حلَّ بالمدينة كفروا به.
﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ يعني: محمدًا ﷺ، وفي الآية دلالةٌ على صحة
_________________
(١) في أ، ب، د: «وتتعلق».
[ ٢ / ١٦٠ ]
نبوته؛ لأنه بيَّن لهم ما أَخفوه مما في كتبهم، وهو أُمِّيٌّ لم يقرأ كتبهم.
﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي: يتركُه ولا يفضحُكم فيه.
﴿نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ محمدٌ ﷺ، والقرآن.
﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية؛ ردٌّ على الذين قالوا: إن الله هو عيسى، وهم فرقة من النصارى.
﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ إشارة إلى خَلْقَةِ (^١) عيسى من غير والدٍ.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى﴾ أي: قالت كل فرقةٍ عن نفسها: إنهم أبناء الله وأحبَّاؤه.
والبُنُوَّة هنا: بُنُوَّة الحنان والرأفة.
وقال الزمخشريُّ: المعنى: نحن أشياعُ أبناء الله -عندهم-، وهما المسيح وعُزير، كما يقول حَشَم الملوك: نحن الملوك (^٢).
﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ﴾ ردٌّ عليهم؛ لأنهم قد اعترفوا أنهم يدخلون النار أيامًا معدوداتٍ.
وقد أخذ الصوفيةُ مِنْ الآية أن المحبَّ لا يعذِّب حبيبه (^٣)، ففي ذلك بِشارةٌ لمن أحبَّ الله.
_________________
(١) في ب: «خَلْقِهِ».
(٢) الكشاف (٥/ ٣١٧).
(٣) قال ذلك أبو بكر الشبلي الصوفي لابن مجاهد المقرئ في محادثة جرت بينهما في مجلس، أوردها الخطيب البغدادي بإسناده في تاريخ بغداد (١٦/ ٥٦٧)، وابن الصلاح في طبقات الشافعية (١/ ٤٨٩)، وفيها -كما عند الخطيب-: «ثم قال [الشبلي] له =
[ ٢ / ١٦١ ]
[﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾].
﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قيل: جعل منكم ملوكا؛ أي: أمراء.
وقيل: الملك: مَنْ له مسكنٌ وامرأةٌ وخادمٌ.
﴿مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قيل: يعني: المنَّ والسلوى والغمام وغير ذلك من الآيات، وعلى هذا: يكون ﴿الْعَالَمِينَ﴾ خاصًّا بأهل زمانهم؛ لأن أمة محمد ﷺ قد أوتيت من آياته مثل ذلك وأعظم.
وقيل: المراد: كثرةُ الأنبياء، فعلى هذا: يكون عامًّا؛ لأن الأنبياء في
_________________
(١) = [أي: لابن مجاهد]: قد أجمع الناس أنك مقرئ الوقت، أين في القرآن الحبيب لا يعذِّب حبيبه؟ قال: فسكت ابن مجاهد، فقال له أبي: قل يا أبا بكر، قال: قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾، فقال ابن مجاهد: كأنني ما سمعتها قط!».
[ ٢ / ١٦٢ ]
بني إسرائيل أكثرُ منهم في سائر الأمم.
﴿الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ أرض بيت المقدس، وقيل: الطُّور، وقيل: دمشق.
﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: قضى أن تكون لكم.
﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ يحتمل أن يريد:
الارتدادَ عن الدين والطاعة.
أو الرجوعَ إلى الطريق الذي جاؤوا منه؛ فإنه رُوي أنه لما أمرهم موسى ﵇ بدخول الأرض المقدَّسة خافوا من الجبارين الذين فيها، وهمُّوا أن يُقدّموا على أنفسهم رئيسًا ويرجعوا إلى مصر.
﴿قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ هم العمالقة.
﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ هما: يُوشَع وكالِب.
﴿يَخَافُونَ﴾ أي: يخافون الله. وقيل: يخافون الجبارين، ولكن الله أنعم عليهم بالصبر والثبوت؛ لصدق إيمانهما.
﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي: باب المدينة.
﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾ إفراطٌ في العصيان وسوءِ الأدب بعبارة تقتضي الكفر والاستهانة بالله ورسوله، وأين هؤلاء من الذين قالوا لرسولِ الله ﷺ: لسنا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى، ولكن نقول لك: اذهب أنت
[ ٢ / ١٦٣ ]
وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون! (^١).
﴿لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ قاله موسى ﵇؛ ليتبرَّأ إلى الله من قول بني إسرائيل، ويَبذُلَ جهده في طاعة الله، ويعتذرَ إلى الله.
وإعراب ﴿أَخِي﴾:
عطفٌ على ﴿نَفْسِي﴾؛ لأن أخاه هارون كان يُطيعه.
وقيل: عطفٌ على الضمير في ﴿أَمْلِكُ﴾؛ أي: لا أملك أنا إلا نفسي، ولا يملك أخي إلا نفسه.
وقيل: مبتدأ، وخبره محذوف؛ أي: أخي لا يملك إلا نفسه.
﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا﴾ أي: فَارِقْ بيننا وبينهم؛ فهو من الفُرْقة.
وقيل: افصلْ بيننا وبينهم بحُكم.
﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ الضمير في ﴿قَالَ﴾ لله تعالى.
وحَرَّم الله على جميع بني إسرائيل دخول تلك المدينة أربعين سنةً، وتركهم في هذه المدة يتيهون في الأرض؛ أي: في أرض التِّيهِ - وهو ما بين مصر والشام -، حتى مات كلُّ من قال: «إن لن ندخلها»، ولم يدخلها أحدٌ من ذلك الجيل إلَّا يُوشَع وكالِب، ومات هارون في التيه، ومات موسى بعده في التيه أيضًا.
وقيل: إن موسى وهارون لم يكونا في التيه؛ لقوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.
_________________
(١) قاله المقداد بن الأسود ﵁ يوم بدر. أخرجه البخاري (٣٩٥٢)، (٤٦٠٩).
[ ٢ / ١٦٤ ]
وخرج يوشع ببني إسرائيل بعد الأربعين سنة، وقاتل الجبّارين، وفتح المدينة.
والعامل في ﴿أَرْبَعِينَ﴾: ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾ على الأصحّ؛ فيجب وصله معه.
وقيل: العامل فيه: ﴿يَتِيهُونَ﴾، فعلى هذا يجوز الوقف على قوله: ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾، وهذا ضعيف؛ لأنه لا حاملَ على تقديم المعمول هنا، مع أن القول الأوّل أكمل معنىً؛ لأنه بيانٌ لمدة التَّحريم والتِّيه.
﴿يَتِيهُونَ﴾ أي: يتحيَّرون، وروي أنهم كانوا يسيرون الليل كلَّه، فإذا أصبحوا وجدوا أنفسهم في الموضع الذي كانوا فيه.
﴿فَلَا تَأْسَ﴾ أي: لا تحزن، والخطاب: لموسى.
وقيل: لمحمد ﷺ، ويراد بـ ﴿الْفَاسِقِينَ﴾: مَنْ كان في عصره من اليهود.
[ ٢ / ١٦٥ ]
[﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾].
﴿نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ هما قابيلُ وهابيلُ.
﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ روي أن قابيل كان صاحب زرع فقرب أرذل زرعه، وكان هابيل صاحب غنم فقرّب أحسن كبشٍ عنده، وكانت العادة حينئذ أن يُقَرَّب الإنسان قُربانه إلى الله ويقوم يصلي، فإذا نزلت نارٌ من السماء وأكلت القربان فذلك دليلٌ على القبول وإلّا فلا قَبول، فنزلت النار فأخذت كبش هابيل ورفعته، وتركت زرع قابيل، فحسده قابيلُ فقتله.
[ ٢ / ١٦٦ ]
﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ استدلَّ بها المعتزلة وغيرهم على أن العاصي لا يُتَقَبَّلُ عمله.
وتأوَّلها الأشعرية: بأن التقوى هنا يراد بها: تقوى الشرك (^١).
﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ﴾ الآية؛ قيل: معناها: لئن بدأتني بالقتل لم أبدأك به.
وقيل: لئن بدأتني بالقتل لم أدافعك، ثم اختلف على هذا القول:
هل تَرْكه لدفاعه عن نفسه تورُّعٌ (^٢) وفضيلة؟ وهو الأظهر والأشهر.
أو كان واجبًا عندهم أن لا يدافع أحد عن نفسه؟ وهو قول مجاهد.
وأما في شرعنا: فيجوز دفعُ الإنسان عن نفسه؛ بل يجب.
﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ الإرادة هنا ليست بإرادة محبَّةٍ وشهوة، وإنما هو تَخَيُّرٌ في أهون الشَّرَّين؛ كأنه قال: إن قتلتني فذلك أحبُّ إليَّ مِنْ
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله: (استدل بها المعتزلة ..) إلخ، أقول: ذكر المؤلف قول المعتزلة وقول الأشاعرة، وظاهر كلامه أنه يرد قول المعتزلة، ويرضى قول الأشاعرة، وقولُ المعتزلة ظاهر الفساد؛ لأنه مبنيّ على أن العاصي ليس بمؤمن، وشرط قبول العمل الإيمان، وأما قول الأشاعرة فصحيح من جهة أن الشرك يحبط العمل، لكن هذا القول يقتضي أن من لم يكن مشركا فالله يقبل عمله مطلقا، وليس هذا بمستقيم؛ فإن المؤمن الموحد قد يعرض له في العمل ما يبطله كالرياء، والمن والأذى في الصدقة، ومخالفة السنة، ومن الخطأ في فهم الآية ظنُّ بعض الناس أن المراد أن الله لا يتقبل إلا من تقيّ فاعل للمأمورات، تارك للمعاصي، وهذا يؤول إلى قول المعتزلة، والصواب في الآية أن الله لا يقبل إلا ممن اتقى الله في عمله ذلك، بأن أتى به على الوجه المشروع، خالصا صوابا، ولم يأت بما يبطله. والله أعلم.
(٢) في د زيادة: «منه».
[ ٢ / ١٦٧ ]
أن أقتلك، كما ورد في الأثر: «كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل» (^١).
وأما قوله: ﴿بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ فمعناه:
بإثم قتلي لك لو قتلتك، وبإثم قتلك لي، وإنما تَحمَّل القاتل الإثمين؛ لأنه ظالم، فذلك مثل قوله ﷺ: «المستبَّان ما قالا فهو على البادئ» (^٢).
وقيل: ﴿بِإِثْمِي﴾ أي: تَحْمِلُ عني سائر ذنوبي؛ لأن الظالم تُجعَل عليه في القيامة ذنوب المظلوم، ﴿وَإِثْمِكَ﴾ أي: في قتلك لي، وفي غير ذلك من ذُنوبك.
﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ يحتمل أن يكون:
من كلام هابيل.
أو استئنافا من كلام الله تعالى.
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ الآية؛ روي أن غرابين اقتتلا حتى قتل أحدهما الآخر، ثم جَعل القاتل يبحث عن التراب ويواري الميت.
وقيل: بل كان غرابا واحدًا يبحث ويُلقي التراب على هابيل.
﴿سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ أي: عورته، وخُصَّت بالذِّكر؛ لأنها أحقُّ بالسَّتر من سائر الجسد.
والضمير في ﴿أَخِيهِ﴾ عائدٌ على ابن آدم، ويظهر من هذه القصة أن هابيل
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (٢١٠٦٤).
(٢) أخرجه مسلم (٢٥٨٧).
[ ٢ / ١٦٨ ]
كان أول مَنْ دُفِن من بني آدم.
﴿قَالَ يَاوَيْلَتَا﴾ أصله: «يَا ويلتي»، ثم أبدل من الياء ألف، وفتحت التاء.
وكذلك: ﴿يَاأَسَفَا﴾، و﴿يَاحَسْرَتَا﴾.
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ أي: على ما وقع فيه من قتل أخيه.
واختلف في قابيل؛ هل كان كافرًا أو عاصيًا؟
والصحيح: أنه لم يكن كافرًا؛ لأنه قصد التقرب إلى الله بالقربان، ولأنه لم يكن في تلك المدة كافر.
و﴿أَصْبَحَ﴾ هنا وفي الموضع الأول: عبارةٌ عن جميع الأوقات، لا مختصة بالصباح.
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ يتعلّق بـ ﴿كَتَبْنَا﴾.
وقيل: بـ ﴿النَّادِمِينَ﴾؛ وهو ضعيف.
﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: فرضنا عليهم، أو كتبناه في كتبهم.
﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ معناه: من غير أن يقتل نفسًا يجب عليه به القصاص.
﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: الفساد الذي يجب به القتل؛ كالحرابة.
﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ تمثيلٌ قاتل الواحد بقاتل الجميع يُتصوَّر من ثلاث جهات:
إحداها: القصاص؛ فإنَّ القصاص في قتل الواحد والجميع سواءٌ.
والثاني: انتهاك الحرمة والإقدام على العصيان.
[ ٢ / ١٦٩ ]
والثالث: الإثمُ والعذابُ الأخراوي، قال مجاهد: أوعد (^١) الله قاتل النفس بجهنمَ، والخلودِ فيها، والغضبِ، واللعنةِ، والعذابِ العظيم، فلو قتل جميع الناس لم يزد على ذلك. وهذا الوجه هو الأظهر؛ لأن القصدَ بالآية تعظيمُ قتل النفس والتشديد فيه؛ ليزدجرَ الناس عنه، وكذلك الثواب في إحيائها كثواب إحياء الجميع؛ لتعظيم الأمر والترغيب فيه.
وإحياؤها: هو بإنقاذها من الموت؛ كإنقاذ الغريق والحريق وشبه ذلك.
وقيل: بترك قتلها.
وقيل: بالعفو إذا وجب القصاص.
﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ﴾ الضمير لبني إسرائيل، والمعنى: تقبيح أفعالهم، وفي ذلك إشارةٌ إلى ما همُّوا به من قتل رسول الله ﷺ.
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية؛ سببها عند ابن عباس: قومٌ من اليهود كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، فنقضوا العهد وقطعوا السبيل.
وقال جماعة: نزلت في نفر من عُكْلٍ وعُرينة، أسلموا، ثم إنَّهم قتلوا راعي النبي ﷺ وأخذوا إبله.
ثم حكمها بعدَ ذلك في كلِّ مُحاربٍ.
والحرابة عند مالك: هي حمل السِّلاح على الناس في بلد أو في خارج بلد.
_________________
(١) في ج، د: «وعد».
[ ٢ / ١٧٠ ]
وقال أبو حنيفة: لا يكون المحارب إلَّا خارج البلدان.
وقوله: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ تغليظٌ ومبالغة.
قال بعضهم: تقديره: يحاربون رسول الله ﷺ. وذلك ضعيف؛ لأن الرسول ﵇ قد ذُكر بعد ذلك.
وقيل: يحاربون عباد الله (^١). وهو أحسن.
﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ بيانٌ للحرابة، وهي على درجات؛ فأدناها:
إخافةُ الطريق، ثم أخذ الأموال، ثم قتل النفس.
﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ الصَّلْب مضاف إلى القتل:
فقيل: يقتل ثم يصلب؛ ليراه أهل الفساد فيزدجروا. وهو قول أشهب.
وقيل: يصلب حيًّا، ويقتل في الخشبة. وهو قول ابن القاسم.
﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِنْ خِلَافٍ﴾ معناه: أن تُقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم إن عاد قُطعت يده اليسرى ورجله اليمنى.
وقَطْعُ اليد (^٢) عند مالك والجمهور: من الرُّسغ، وقطع الرجل: من المَفصل، وذلك في الحرابة وفي السرقة.
﴿أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ مشهور مذهب مالك: أن يُنفى من بلد إلى بلد آخر، ويسجن فيه إلى أن تظهر توبته.
_________________
(١) في ب: «يحاربون الناس».
(٢) في د: «وتقطع اليدُ».
[ ٢ / ١٧١ ]
ورَوَى عنه مطرِّفٌ (^١): أنه يسجن في البلد بعينه، وبذلك قال أبو حنيفة.
وقيل: ينفى إلى بلد آخر دون أن يسجن فيه.
ومذهب مالك: أن الإمام مخيّرٌ في المحارب بين أن يقتله ويَصلِبه، أو يقتله ولا يَصلِبه، أو يقطع يده ورجله، أو يَنفيَه، إلَّا أنه قال: إن كان قتَلَ فلا بدَّ من قتله، وإن لم يقتل فالأحسن أن يُؤخَذ فيه بأيسر العقاب.
وقال الشافعي وغيره: هذه العقوبات مرتَّبة؛ فمن قَتَل وأخذ المال قُتل وصُلِب، ومن قَتَل ولم يأخذ مالًا (^٢) قُتل ولم يُصلَب، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله، ومن أخاف السبيل ولم يقتل ولم يأخذ مالًا نُفي.
وحجة مالك: عطف هذه العقوبات بـ «أو» التي تقتضي التخيير.
﴿خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ هو العقوبة، وعذاب الآخرة: النار.
وظاهر هذا: أن العقوبة في الدنيا لا تكون كفَّارة للمحارب، بخلاف سائر الحدود.
ويحتمل أن يكون الخزي في الدنيا لمن عوقب (في الدنيا) (^٣)، والعذاب في الآخرة لمن لم يعاقب.
_________________
(١) هو مطرّف بن عبد الله بن مطرف الهلالي أبو مصعب، مولى ميمونة وزوج النبي ﷺ، وهو ابن أخت الإمام مالك، ومن كبار أصحابه، توفي سنة (٢٢٠). انظر: الديباج المذهب (٢/ ٣٤٠).
(٢) في ج: «المال».
(٣) لم ترد في ج، د، هـ.
[ ٢ / ١٧٢ ]
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ قيل: هي في المشركين.
وهو ضعيف؛ لأن المشرك لا يختلف حكم توبته قبل القدرة عليه وبعدها.
وقيل: هي في المحاربين من المسلمين. وهو الصَّحيح، وهم الذين جاءت فيهم العقوبات المذكورة، فمن تاب منهم قبل أن يُقدَر عليه فقد سقط عنه حكم الحرابة؛ لقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
واختلف هل يطالب بما عليه من حقوق الناس في الدماء والأموال أم لا؟
فوجه المطالبة بها: أنها زائدة على حدِّ الحرابة الذي سقط (^١) عنه بالتوبة.
ووجه سقوطها: إطلاق (^٢) قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
_________________
(١) في د: «التي سقطت».
(٢) لم ترد في ج، هـ.
[ ٢ / ١٧٣ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧) وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠) يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)﴾].
﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي: ما يُتوسَّل به ويُتقرَّب به إليه؛ من الأعمال الصالحة والدعاء وغير ذلك.
﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ إن قيل: لم وحَّد الضمير وقد ذَكر شيئين وهما: ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾ و﴿وَمِثْلَهُ﴾؟
[ ٢ / ١٧٤ ]
فالجواب:
أنه وَضع المفرد موضع الاثنين.
أو أجرى الضمير مجرى اسم الإشارة؛ كأنه قال: ليفتدوا بذلك.
أو تكون (^١) الواو بمعنى «مع» (^٢).
﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: دائم، وكذلك: ﴿نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١].
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ عموم الآية يقتضي قطع كل سارق؛ إلا أن الفقهاء اشترطوا في القطع شروطًا خصَّصوا بها العموم، فمن ذلك:
أنَّ مَنْ اضطرَّه الجوع إلى السرقة لم يُقطع عند مالك؛ لتحليل الميتة له.
وكذلك من سرق مال ولده أو سيده.
أو من سرق من غير حرز.
أو سرق أقل من النصاب؛ وهو عند مالك: ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الفضة، أو ما يساوي أحدهما.
وأدلة التَّخصيص بهذه الأشياء في غير هذه الآية.
وقد قيل: إن الحرز مأخوذ من الآية؛ لأن ما أُهمل بغير حرز أو اؤتمن عليه فليس أخذه سرقةً، وإنما هو اختلاس أو خيانة.
_________________
(١) في أ، ب، د: «يكون».
(٢) انظر: الكشاف (٥/ ٣٤٩).
[ ٢ / ١٧٥ ]
وإعراب ﴿وَالسَّارِقُ﴾:
عند سيبويه: مبتدأ، وخبره محذوف؛ كأنه قال: فيما يتلى عليكم السارقُ والسارقة.
والخبر عند المبرد وغيره: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، ودخلت الفاء؛ لتضمن معنى الشرط.
﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ الآية؛ توبة السارق: هي أن يندم على ما مضى، ويُقْلِع فيما يستقبل، ويَردَّ ما سرق إلى من يستحقه.
واختلف إذا تاب قبل أن يصل إلى الحاكم:
هل يسقط عنه القطع؟ وهو مذهب الشافعي؛ لظاهر الآية.
أو لا يسقط عنه؟ وهو مذهب مالك؛ لأن الحدود عنده لا تسقط بالتوبة، إلَّا المحارب؛ للنصِّ عليه.
﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قدَّم العذاب على المغفرة؛ لأنه قوبل بذلك تقدُّمُ (^١) السرقة على التوبة.
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ الآية؛ خطاب للنبي ﷺ على وجه التسلية له.
﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ هم المنافقون.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ يحتمل أن يكون:
عطفًا على ﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾، ثم يكون ﴿سَمَّاعُونَ﴾ استئنافَ إخبارٍ عن
_________________
(١) في د: «تقديم».
[ ٢ / ١٧٦ ]
الصِّنْفَيْن المنافقين واليهود.
ويحتمل أن يكون ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ استئنافًا منقطعًا مما قبله، و﴿سَمَّاعُونَ﴾ راجعٌ إليهم خاصةً.
﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أي: يسمعون (^١) كلام قوم آخرين من اليهود الذين لا يأتون النبي ﷺ؛ لإفراط البُغْضَة والمجاهرة بالعداوة؛ فقوله: ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ صفةٌ لـ ﴿قَوْمٍ آخَرِينَ﴾.
والمراد بالقوم الآخرين: يهود خيبر، والسَّمَّاعون للكذب: بنو قُرَيْظَة.
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يبدِّلونه مِنْ بعد أن وُضع في مواضعه، وقُصدت به وجوهُه القويمة، وذلك من صفة اليهود.
﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ نزلت بسبب أن يهوديًّا زنى بيهودية؛ فسأل رسولُ الله ﷺ اليهودَ عن حدِّ الزاني عندهم فقالوا: نجلدهما ونُحمِّم وجوههما، فقال لهم رسول الله ﷺ: «إن في التوراة الرجم»، فأنكروا ذلك، فأمرهم أن يأتوا بالتوراة فقرؤوها، وجعل أحدهم يده على آية الرجم، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك!، فرَفع، فإذا آية الرجم، فأمر رسول الله ﷺ باليهودي واليهودية فرُجما (^٢).
فمعنى قولهم: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾: إن أوتيتم هذا الذي ذكرتم من الجَلْد والتحميم فخذوه واعملوا به، ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ وأفتاكم محمد ﷺ بغيره ﴿فَاحْذَرُوا﴾.
_________________
(١) في د: «سماعون».
(٢) أخرجه البخاري (١٣٢٩)، ومسلم (١٦٩٩).
[ ٢ / ١٧٧ ]
﴿فِتْنَتَهُ﴾ أي: ضلالته (^١) في الدنيا، أو عذابه في الآخرة.
﴿فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ أي: الذلة، والمسكنة، والجزية (^٢).
﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ إن كان الأول في اليهود: فكُرِّر هنا تأكيدًا.
وإن كان الأول في المنافقين واليهود: فهذا في اليهود خاصة.
﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أي: للحرام؛ من الرشوة والربا وشبه ذلك.
﴿فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ هذا تخيير للنبي ﷺ في أن يحكم بين اليهود أو يتركهم، وهو أيضًا يتناول الحكام.
وقيل: إنه منسوخ بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ الآية؛ استبعادٌ لتحكيمهم النبي ﷺ وهم لا يؤمنون به، مع أنهم يخالفون حكم التوراة التي يدَّعون الإيمان بها.
فمعنى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: يتولَّون عن اتباع حكم الله في التوراة من بعد كون حكم الله فيها موجودًا عندهم، ومعلومًا في قضية (^٣) الرجم وغيرها.
﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: أنهم لا يؤمنون بالتوراة وبموسى ﵇، وهذا إلزامٌ لهم؛ لأن من خالف كتاب الله وبدَّله فدعواه الإيمانُ به باطلةٌ.
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «ضلاله».
(٢) هذه الكلمة لم ترد في ج، هـ.
(٣) في ب، د: «قصة».
[ ٢ / ١٧٨ ]
[﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾].
﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ هم الأنبياء الذين بين موسى ومحمد ﵇.
ومعنى ﴿أَسْلَمُوا﴾ هنا: أخلصوا لله، وهي صفة مدح أُريد بها التَّعريض باليهود؛ لأنهم بخلاف هذه الصفة.
وليس المراد هنا: الإسلام الذي هو ضدُّ الكفر؛ لأن الأنبياء لا يقال فيهم: أسلموا على هذا المعنى؛ لأنهم لم يكفروا قط، وإنما هو كقول
[ ٢ / ١٧٩ ]
إبراهيم ﵇: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠].
﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿يَحْكُمُ﴾؛ أي: يحكم الأنبياء بالتوراة للذين هادوا، ويحملونهم عليها.
وقيل: يتعلَّق بقوله: ﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾.
﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ أي: كُلِّفُوا حفظه، والباء هنا: سببية. قاله الزمخشري (^١).
ويحتمل أن تكون بدلًا من المجرور في قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا﴾.
﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ﴾ وما بعده: خطاب لليهود.
ويحتمل أن تكون (^٢) وصية للمسلمين يراد بها التعريض باليهود؛ لأن ذلك من أفعالهم.
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال ابن عباس: نزلت الثلاثة في اليهود؛ ﴿الْكَافِرُونَ﴾، و﴿الظَّالِمُونَ﴾، و﴿الْفَاسِقُونَ﴾. وقد روي في هذا أحاديث عن النبي ﷺ (^٣).
وقال جماعة: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود والمسلمين وغيرهم، إلّا أن الكفر في حق المسلمين كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان.
_________________
(١) الكشاف (٥/ ٣٦٧).
(٢) في ب، ج، هـ، د: «يكون».
(٣) أخرجه مسلم (١٧٠٠).
[ ٢ / ١٨٠ ]
وقال الشعبيُّ: ﴿الْكَافِرُونَ﴾: في المسلمين، و﴿الظَّالِمُونَ﴾: في اليهود، و﴿الْفَاسِقُونَ﴾ في النصارى.
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ ﴿كَتَبْنَا﴾ بمعنى:
الكتابة في الألواح.
أو بمعنى الفرض والإلزام.
والضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ لبني إسرائيل، وفي قوله: ﴿فِيهَا﴾ للتوراة.
﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ أي: تُقتل النفس إذا قتلت نفسًا، وهذا إخبارٌ عما في التوراة، وهو حكمٌ في شريعتنا بإجماع، إلَّا أن هذا اللفظ عام، وقد خَصص العلماء منه أشياء، فقال مالك: لا يقتل مؤمن بكافر؛ للحديث الوارد في ذلك (^١)، ولا يقتل حرّ بعبد؛ لقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقد تقدَّم الكلام على ذلك في «البقرة» (^٢).
﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ وما بعده: حُكم القِصاص في الأعضاء.
والقراءة بنصب ﴿وَالْعَيْنَ﴾ وما بعده: عطفٌ على ﴿النَّفْسَ﴾.
وقرئ بالرفع، ولها ثلاثة أوجه:
أحدها: العطف على موضع ﴿النَّفْسَ﴾؛ لأن المعنى: قلنا لهم: النفسُ بالنفس.
والثاني: العطف على الضمير الذي في الخبر؛ وهو ﴿بِالنَّفْسِ﴾.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١١).
(٢) انظر صفحة ١/ ٤٠٠.
[ ٢ / ١٨١ ]
والثالث: أن يكون مستأنفًا مرفوعًا بالابتداء.
﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ بالنصب: عطفٌ على المنصوبات قبله.
وبالرفع: على الأوجه الثلاثة التي في رفع ﴿وَالْعَيْنَ﴾.
وهذا اللفظ عامٌّ، يراد به الخصوص في الجراح التي لا يُخاف على النفس منها.
﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: مَنْ تصدَّق من أصحاب الحق بالقصاص وعفا عنه فذلك كفارةٌ له؛ يكفّر الله ذنوبه؛ لعفوه وإسقاطه حقه.
والثاني: مَنْ تصدق وعفا فهو كفارة للقاتل أو الجارح؛ يعفو الله عنه في ذلك؛ لأن صاحب الحق قد عفا عنه.
فالضمير في ﴿لَهُ﴾:
على التأويل الأول: يعود على «مَنْ» التي هي كناية عن المقتول أو المجروح، أو الولي.
وعلى الثاني: يعود على القاتل أو الجارح وإن لم يَجْرِ له ذكرٌ؛ ولكن سياق الكلام يقتضيه.
والأول أرجح؛ لعود الضمير على مذكور؛ وهو «مَنْ»، ومعناها واحد على التأويلين.
والصدقة بمعنى العفو على التأويلين:
إلَّا أن التأويل الأول: بيانٌ لأجر من عفا، وترغيبٌ في العفو.
[ ٢ / ١٨٢ ]
والتأويل الثاني: بيانٌ لسقوط الإثم عن القاتل أو الجارح إذا عُفي عنه.
﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قد تقدَّم معنى ﴿مُصَدِّقًا﴾ في «البقرة» (^١).
و﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني: التوراة؛ لأنها قبله، والقرآنُ مصدِّقٌ للتوراة والإنجيل، لأنهما قبله.
﴿وَمُصَدِّقًا﴾ عطفٌ على موضعِ قوله: ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾؛ لأنه في موضع الحال.
﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ ابنُ عباس: شاهدًا، وقيل: مؤتمنًا.
﴿عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ تضمَّن الكلام معنى: «لا تنصرف» أو «لا تنحرف» ولذلك تعدى بـ «عن».
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ابنُ عباس: سبيلًا وسُنَّةً.
والخطاب: للأنبياء، أو للأمم.
والمعنى: أن الله جعل لكلِّ أمةٍ شريعةً يَتَّبعونها.
وقد استدلَّ بها من قال: إن شريعةَ مَنْ قبلنا ليس بشرعٍ لنا؛ وذلك في الأحكام والفروع.
وأما الاعتقادات (^٢)؛ فالدين فيها واحدٌ لجميع العالم؛ وهو الإيمان بالله، وتوحيدُه، وتصديق رسله، والإيمان بالدار الآخرة.
_________________
(١) انظر صفحة ١/ ٣٠٨.
(٢) في أ، ب، د: «في الاعتقادات».
[ ٢ / ١٨٣ ]
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ استدلَّ بها (^١) قومٌ على أن تقديم الواجبات أفضلُ من تأخيرها، وهذا متفق عليه في العبادات كلِّها، إلا الصلاة؛ ففيها خلاف:
فمذهب الشافعي: أن تقديمها في أوَّل وقتها أفضلُ.
وعكس أبو حنيفة.
وفي مذهب مالك خلاف وتفصيل.
واتفقوا أن تقديم المغرب أفضل.
﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم﴾ عطفٌ:
على «الكتاب» في قوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾.
أو على «الحق» في قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾.
وقال قوم: إنَّ هذا وقوله قبله: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم﴾ ناسخٌ لقوله: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ أي: ناسخٌ للتخيير الذي في الآية.
وقيل: إنه ناسخ للحكم بالتوراة.
ونزلت الآية بسبب قوم من اليهود؛ طلبوا من رسول الله ﷺ أن يحكم بينهم فأبى من ذلك، ونزلت الآية تقتضي أن يحكم بينهم.
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ توبيخٌ لليهود.
وقرئ بالياء: إخبارًا عنهم، وبالتاء: خطابًا لهم.
_________________
(١) في ج، هـ: «به».
[ ٢ / ١٨٤ ]
﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ قال الزمخشري: اللام للبيان؛ أي: هذا الخطاب لقوم يوقنون؛ فإنهم الذين يتبين لهم أنه لا أحسن من الله حُكْمًا (^١).
_________________
(١) انظر: الكشاف (٥/ ٣٨٥).
[ ٢ / ١٨٥ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾].
﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ سببها: موالاة عبد الله بن أبي بن سلول ليهود بني قينقاع، وخلع عبادة بن الصامت الحِلْفَ الذي كان بينه وبينهم.
ولفظها عامٌّ، وحكمها باقٍ.
ولا يدخل فيه معاملتهم في البيع وشبهه.
﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ تغليظٌ في الوعيد، فمن كان يعتقد مُعتَقَدَهم فهو منهم من كل وجه، ومن خالفهم في اعتقادهم وأحبَّهم فهو منهم في المقت عند الله، واستحقاق العقوبة.
﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم المنافقون؛ والمراد هنا: عبد الله بن أبي بن سلول ومن كان معه.
﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ كان عبد الله بن أبي يوالي اليهود ويستكثر بهم، ويقول: إني رجل أخشى الدوائر.
[ ٢ / ١٨٦ ]
﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِندِهِ﴾: الفتح: هو ظهور النبي ﷺ والمسلمين.
والأمر من عند الله:
هو هلاك الأعداء بأمر من عنده لا يكون فيه تسبُّبٌ لمخلوق.
أو أمرٌ من الله لرسوله ﵇ بقتل اليهود.
﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ الضمير في ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ للمنافقين، والذي أسروه: هو قصدهم الاستعانة باليهود على المسلمين، وإضمارُ العداوة للمسلمين.
﴿يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قرئ: ﴿يَقُولُ﴾ بغير واو؛ استئنافُ إخبار. وقرئ بالواو والرفع؛ وهو عطف جملة على جملة. وبالواو والنصب؛ عطفًا على ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾، أو على ﴿فَيُصْبِحُوا﴾.
﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا﴾ الإشارةُ إلى المنافقين؛ لأنهم كانوا يحلفون أنهم مع المؤمنين.
وانتصب ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ على المصدر المؤكَّد.
﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ يُحتمل أن يكون: من كلام المؤمنين، أو من كلام الله.
ويُحتمل أن يكون: دعاءً، أو خبرًا.
﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ خطابٌ على وجه التحذير والوعيد، وفيه
[ ٢ / ١٨٧ ]
إعلامٌ بارتداد بعض المسلمين، فهو إخبار بالغيب قبل وقوعه، ثم وقع؛ فارتدَّ في حياة رسول الله ﷺ بنو حنيفة قومُ مُسَيْلمَةَ الكذابِ، وبنو مُدْلِجٍ قوم الأسودِ العَنْسِيِّ الذي ادعى النبوة، وقُتِل في حياة رسول الله ﷺ، وبنو أسدٍ قومُ طُلَيْحة بن خويلد الذي ادَّعى النبوة ثم أسلم وجاهد، ثم كثر المرتدون، وفشا أمرُهم بعد موت رسول الله ﷺ، حتى كفى اللهُ أمرَهم على يد أبي بكر الصديق ﵁.
وكانت القبائل التي ارتدَّت بعد وفاة رسول الله ﷺ سبعَ قبائل: بنو فَزَارة، وغَطَفانُ، وبنو سُلَيْم، وبنو يَرْبوع، وكِنْدَةُ، وبنو بكر بن وائل، وبعضُ بني تميم، ثم ارتدَّت غَسَّانُ في زمان عمر بن الخطاب، وهم قوم جَبَلَةَ بنِ الأَيْهَم الذي تنصَّر من أجل اللَّطْمة (^١).
﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ روي أن رسول الله ﷺ قرأها، وقال: «هم قوم هذا» (^٢)، يعني: أبا موسى الأشعريَّ، والإشارة بذلك - والله أعلم - إلى أهل اليمن؛ لأن الأشعريين من أهل اليمن.
وقيل: المراد أبو بكر الصديقُ وأصحابُه الذين قاتلوا أهل الردَّة، ويقوِّي ذلك: ما ظهر من أبي بكر الصديق ﵁ من الجِدِّ في قتالهم، والعزم عليه حين (^٣) خالفه في ذلك بعض الناس، فاشتدَّ عزمه حتى وافقوه وأجمعوا معه، فنصرهم الله على أهل الردة، ويقوي ذلك أيضًا: أنَّ الصفاتِ التي وُصِفَ
_________________
(١) انظر قصته في فتوح الشام، للواقدي (١/ ١٠٠).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٨/ ٥٢١).
(٣) في ب، ج، هـ: «حتى».
[ ٢ / ١٨٨ ]
بها هؤلاء القوم هي أوصاف أبي بكر، ألا ترى قوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وكان أبو بكر ضعيفًا في نفسه، قويًّا في الله، وكذلك قوله: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ إشارةٌ إلى مَنْ خالف أبا بكر ولامَه في قتال أهل الردّة فلم يَرجع عن عزمه.
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ كقوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وإنما تعدَّى ﴿أَذِلَّةٍ﴾ بـ «على»؛ لأنه تضمن معنى العطف والحنوُّ.
فإن قيل: أين الراجع من الجزاء إلى الشرط؟
فالجواب: أنه محذوف؛ تقديره: من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم، أو بقوم يقاتلونهم (^١).
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ ذَكَر الوليَّ بلفظ المفرد؛ إفرادًا لله تعالى بها، ثم عطف على اسمه تعالى الرسول ﵇ والمؤمنين على سبيل التَّبع، ولو قال: «إنما أولياؤكم» لم يكن في الكلام أصلٌ وتبع.
﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ قيل: نزلت في عليّ بن أبي طالب ﵁؛ فإنه سأله سائلٌ وهو راكع في الصلاة، فأعطاه خاتمه.
وقيل: هي عامةٌ، وذَكَر الركوع بعد الصلاة؛ لأنه من أشرف أعمالها.
فالواو:
على القول الأوَّل: واو الحال.
_________________
(١) انظر: الكشاف (٥/ ٣٩٥).
[ ٢ / ١٨٩ ]
وعلى الثاني: للعطف (^١).
﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾ هذا من إقامة الظاهر مقامَ المضمر؛ معناه: فإنهم هم الغالبون.
_________________
(١) في د: «عطفٌ على (الذين)».
[ ٢ / ١٩٠ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾].
﴿وَالْكُفَّارَ﴾ بالنَّصْبِ: عطفٌ على ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾.
وقرئ بالخفض: عطفٌ على ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، ويعضده قراءة ابن مسعود: «ومن الكفار».
ويراد بهم: المشركون من العرب.
﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآيَةَ؛ روي أن رجلًا من النصارى كان بالمدينة إذا
[ ٢ / ١٩١ ]
سمع المؤذن يقول: «أشهد أن محمدا رسول الله» قال: حَرَّقَ الله الكاذب، فوقعت النار في بيته واحترق هو وأهله.
واستدلَّ بعضهم بهذه الآية على ثبوت الأذان من القرآن.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ جعل قِلَّة عقولهم علةً لاستهزائهم بالدين.
﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ أي: هل تَعيبون علينا وتُنكرون منَّا إلَّا إيماننا بالله، وبجميع كتبه ورسله!، وذلك أمرٌ لا ينكر ولا يعاب، ونظيرُ هذا في الاستثناء العجيب قول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم … بهنَّ فُلُولٌ من قراعِ الكتائبِ (^١)
ونزلت الآية بسبب أبي ياسر بن أخطب، ونافع بن أبي نافع، وجماعة من اليهود؛ سألوا رسول الله ﷺ عن الرسل الذين يؤمن بهم، فتلا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] إلى آخر الآية، فلما ذكر عيسى قالوا: لا نؤمن بعيسى ولا بمن آمن به.
﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ قيل: إنه معطوف على ﴿أَنْ آمَنَّا﴾.
وقيل: على ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾.
وقيل: هو تعليلٌ معطوف على تعليلٍ محذوف؛ تقديره: هل تنقمون منَّا إلَّا لقلة إنصافكم ولأن أكثركم فاسقون!.
ويحتمل أن يكون ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ﴾ مبتدأً، وخبره محذوف تقديره: فسْقُكم معلومٌ، أو ثابت.
_________________
(١) انظر: ديوان النابغة، بتحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (ص: ٤٤).
[ ٢ / ١٩٢ ]
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ لَمَّا ذَكَر أن أهل الكتاب يَعيبون المسلمين بالإيمان بالله، ورسله؛ ذَكر عيوب أهل الكتاب في مقابلة ذلك؛ ردًّا عليهم.
فالخطاب في ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾ لليهود، والإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى ما تقدَّم من حال المؤمنين.
﴿مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ هي من الثواب، ووضع الثواب موضع العقاب؛ تهكُّمًا بهم؛ نحو قوله: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ يعني: اليهود، و«مَنْ»:
في موضع رفع بخبر ابتداء مضمر؛ تقديره: هو مَنْ لعنه الله.
أو في موضع خفض على البدل من ﴿شَرٍّ﴾.
ولا بدَّ في الكلام من حذف مضاف؛ تقديره: «بشرٍّ من أهل ذلك»، أو تقديره: «دين مَنْ لعنه الله».
﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ مُسِخَ قومٌ من اليهود قرودًا (^١) حين اعتدوا في السبت، ومُسِخَ قومٌ منهم خنازير حين كذَّبوا عيسى بنَ مريم.
﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ القراءة بفتح الباء: فعلٌ معطوف على ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾.
وقرئ بضم الباء وخفض ﴿الطَّاغُوتِ﴾؛ على أن يكون «عَبُدَ» اسمًا على وجه المبالغة كـ «يَقُظٍ»، أُضيف إلى «الطاغوت».
وقرئ: «وعابِدَ» و«عُبَّادَ» =
_________________
(١) في د: «قردة».
[ ٢ / ١٩٣ ]
وهي في هذه الوجوه عطفٌ على ﴿الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾.
﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾ أي: منزلةً، ونَسب الشرَّ للمكان وهو في الحقيقة لأهله؛ وذلك مبالغةٌ في الذمِّ.
﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ﴾ نزلت في منافقين من اليهود.
﴿دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾ تقديره: مُلْتَبِسِينَ (^١) بالكفر، والمعنى: دخلوا كفَّارًا وخرجوا كفَّارًا.
ودخلت «قد» على ﴿دَخَلُوا﴾ و﴿خَرَجُوا﴾؛ تقريبًا للماضي من الحال؛ أي: ذلك حالُهم في دخولهم وخروجهم على الدَّوام.
﴿فِي الْإِثْمِ﴾ الكذبِ، وسائرِ المعاصي.
﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ الظلمِ.
﴿السُّحْتَ﴾ الحرامَ.
﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ﴾ عرضٌ وتحضيضٌ وتقريعٌ.
﴿لَبِئْسَ﴾ اللام في الموضعين للقسم.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ غَلُّ اليد: كنايةٌ عن البخل، وبَسْطُها: كنايةٌ عن الجود؛ ومنه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ أي: لا تَبْخَلْ كلَّ البخل، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] أي: لا تَجُدْ كلَّ الجود.
وروي أنَّ اليهود أصابتهم سَنَةُ جَهْدٍ فقالوا هذه المقالة الشَّنيعة، وكان
_________________
(١) في ب، د: «متلبسين».
[ ٢ / ١٩٤ ]
الذي قالها فِنْحَاصُ، ونُسِبت إلى جملة اليهود؛ لأنهم رضُوا بقوله.
﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يحتمل أن يكون: دعاء أو خبرًا.
ويحتمل أن يكون: في الدنيا أو في الآخرة.
فإن كان في الدنيا: فيحتمل أن يراد به: البُخل، أو غُلُّ أيديهم في الأسر.
وإن كان في الآخرة: فهو جعلُ الأغلال في جهنم.
﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ عبارةٌ عن إنعامه وجوده.
وإنما ثُنِّيت اليدان هنا وأفردت في قول اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾؛ ليكون ردًّا عليهم، ومبالغةً في وصفه تعالى بالجود؛ كقول العرب: «فلان يعطي بكلتا يديه»؛ إذا كان عظيم السَّخاء (^١).
﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ إيقادُ النار: عبارةٌ عن محاولة الحرب،
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾: (عبارة عن إنعامه وجوده) إلخ، أقول: إن أراد بذلك تفسير اليدين، فهذا تأويل يجري على طريقة أهل التأويل من نفاة الصفات؛ فإنهم يجمعون بين التعطيل والتحريف، وإن أراد ما يدل عليه بسط اليدين بكثرة الإنفاق فهو معنى صحيح، يؤيده قوله تعالى: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، ولا يقتضي ذلك نفي حقيقة اليدين، وسياق كلام المؤلف يشعر بالنفي، وليرجع في معرفة حقيقة مذهبه إلى كلامه عند قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾؛ فإنه قال هناك «قوله: ﴿بِيَدَيَّ﴾ من المتشابه الذي ينبغي الإيمان به، وتسليم علم حقيقته إلى الله، وقال المتأولون: هو عبارة عن القدرة» أهـ، وقال نظير ذلك عند قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾. ويظهر من ذلك أن ابن جزي يذهب إلى التفويض، وحقيقته إجراء النصوص ألفاظًا، من غير فهم لمعناها. والتفويض والتأويل مذهبان لنفاة الصفات، كلها أو بعضها.
[ ٢ / ١٩٥ ]
وإطفاؤها: عبارة عن خذلانهم وعدم نصرهم.
ويحتمل أن يراد بذلك:
أسلافُهم.
أو يراد مَنْ كان معاصرًا للنبي ﷺ منهم، ومَن يأت بعدهم، (فيكون على هذا إخبارًا بغيب، وبشارةً للمسلمين (^١).
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا﴾ الآية؛ يحتمل أن يريد:
أسلافُهم.
أو المعاصرين للنبي ﷺ) (^٢)، فيكون على هذا ترغيبًا لهم في الإيمان والتقوى.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ إقامتها: بالعلم والعمل.
وذكرُ الإنجيل دليلٌ على دخول النصارى في لفظ أهل الكتاب.
﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ قيل: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ عبارةٌ عن المطر، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ عبارةٌ عن النبات والزرع.
وقيل: ذلك استعارةٌ في توسعة الرزق من كل وجه.
﴿أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ أي: معتدلة، ويراد به:
مَنْ أسلم منهم؛ كعبد الله بن سَلَام.
وقيل: مَنْ لم يُعادِ الأنبياء المتقدمين.
_________________
(١) في ب: «فهو على هذا إخبارٌ بغيب وبشارةٌ للمسلمين».
(٢) ما بين القوسين سقط من ج، هـ.
[ ٢ / ١٩٦ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾].
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أمرٌ بتبليغ جميع ما أوحي إليه على الاستيفاء والكمال؛ لأنه كان قد بَلَّغ، وإنما أُمِر هنا أن لا يتوقف عن شيءٍ مخافة أحد.
[ ٢ / ١٩٧ ]
﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ هذا وعيدٌ على تقدير عدم التَّبليغ.
وفي ارتباط هذا الشرط مع جوابه قولان:
أحدهما: أن المعنى: إن تركت منه شيئًا فكأنك لم تبلِّغ شيئًا، وصار ما بلَّغتَ لا يُعتدُّ به، فمعنى ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾: إن لم تستوفِ التبليغَ على الكمال.
والآخر: أن المعنى: إن لم تبلِّغ الرسالةَ وجب عليك عقابُ مَنْ كتمها، ووضع السبب موضعَ المسبَّب.
﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وعدٌ وضمانٌ للعصمة، وكان رسول الله ﷺ يخاف أعداءه ويحترس منهم في غزواته وغيرها، فلما نزلت هذه الآية قال: «يا أيها الناس!، انصرفوا فإن الله قد عصمني» (^١) وترك الاحتراس.
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ الآية؛ أي: لستم على دينٍ يُعتدُّ به يسمى شيئًا حتى تقيموا التوراةَ والإنجيلَ، ومن إقامتها: الإيمانُ بمحمد ﷺ.
وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ قال ابن عباس: يعني: القرآنَ.
ونزلت الآية بسبب رافع بن حارثة وسلَّام بن مِشْكَم ورافع بن حُرَيملةَ (^٢) وغيرهم من اليهود؛ جاؤوا إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: إنا نتبع التوراة ولا نتبع غيرها، ولا نؤمن بك ولا نتبعك.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٠٤٦).
(٢) في أ، د كذا: «خرعلة»! وهو تصحيف، والمثبت هو الصواب كما في سيرة ابن هشام (١/ ٥٦٨).
[ ٢ / ١٩٨ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ تقدَّم الكلام على نظيرتها في «البقرة» (^١).
﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ قراءة السبعة بالواو؛ وهي مشكلةٌ، حتى قالت عائشة: «هي من لحن كُتَّاب المصحف» (^٢).
وإعرابُها:
عند أهل البصرة: مبتدأ وخبره محذوف؛ تقديره: والصابئون كذلك، وهو مقدَّمٌ في نية التأخير.
وأجاز بعض الكوفيين فيه: أن يكون معطوفًا على موضع اسم «إِنَّ».
وقيل: «إِنَّ» هنا بمعنى «نَعَمْ»، وما بعدها مرفوع بالابتداء. وهو ضعيف.
﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: بلاءٌ واختبار.
وقرئ ﴿تَكُونَ﴾:
بالرفع؛ على أن تكون «أنْ» مخففةً من الثقيلة.
وبالنصب؛ على أنها مصدريةٌ.
﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ عبارةٌ عن تماديهم على المخالفة والعصيان.
﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قيل: إن هذه التوبة ردُّ ملكهم ورجوعهم إلى بيت المقدس بعد خروجهم منه، ثم أُخِرجوا المرة الثانية فلم ينجبر حالهم أبدًا.
وقيل: التوبة: بعث عيسى.
_________________
(١) انظر صفحة ١/ ٣٢٢.
(٢) انظر تخريجه والتعليق عليه صفحة ١٣٢.
[ ٢ / ١٩٩ ]
وقيل: بعث محمد ﵇.
﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ بدلٌ من الضمير.
أو فاعلٌ؛ على لغة: «أكلوني البراغيثُ».
والبدل أرجح وأفصح.
﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ﴾ الآية؛ ردٌّ على النصارى، وتكذيبٌ لهم.
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يَحتمل أن يكون: من كلام المسيح، أو من كلام الله.
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾ الآية؛ ردٌّ على من جعله إلهًا.
﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ بناءُ مبالغةٍ؛ من الصِّدق، أو من التَّصديق.
ووصفُها بهذه الصفة دون النبوّة يَدفع قولَ من قال: إنها نبيَّةٌ.
﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ استدلالٌ على أنهما ليسا بإلهين؛ لاحتياجهما إلى الغذاء الذي لا يحتاج إليه إلَّا مُحْدَثٌ مُفتقرٌ، ومن كان كذلك فليس بإله؛ لأن الإله منزَّهٌ عن صفات الحدوث (^١)، وعن كلِّ ما يلحق بالبشر.
وقيل: إن قوله: ﴿يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ عبارةٌ عن الاحتياج إلى الغائط.
ولا ضرورةَ تدعو إلى إخراج اللفظ عن ظاهره؛ لأن الحجة قائمةٌ بالوجهين.
_________________
(١) انظر تعليق الشيخ عبد الرحمن البراك في المقدمة الثانية في اللغات عند المادة رقم (٤٩٥).
[ ٢ / ٢٠٠ ]
﴿ثُمَّ انظُرْ﴾ دخلت «ثم»؛ لتفاوت الأمرين، ولقصد التَّعجيبِ مِنْ كُفرِهم بعد بيان الآيات.
﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية؛ إقامةُ حجةٍ على مَنْ عبد عيسى وأمَّه وهما لا يملكان ضَرًّا ولا نفعًا.
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ خطابٌ للنصارى، والغلوُّ: الإفراط، وبسبب ذلك كفر النصارى.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ﴾ قيل: هم أئمَّتُهم في دين النصرانية؛ كانوا على ضلالٍ في عيسى، وأضلُّوا كثيرًا من الناس، ثم ضلُّوا بكفرهم بمحمد ﷺ.
وقيل: هم اليهود.
والأول أرجح؛ لوجهين:
أحدهما: أنَّ الضَّلال وصفٌ لازم للنصارى، ألا ترى قولَه تعالى: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾!.
والآخر: أنه يُبعد نهيُ النصارى عن اتباع اليهود، مع ما بينهم من الخلاف والشِّقاق.
[ ٢ / ٢٠١ ]
[﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١) لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾].
﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أي: في الزَّبُور والإِنجيل.
﴿لَا يَتَنَاهَوْنَ﴾ أي: لا ينهى بعضهم بعضًا عن منكرٍ.
فإن قيل: لم وصف المنكر بقوله: ﴿فَعَلُوهُ﴾ والنهيُ لا يكون بعد الفعل؟ فالجواب: أن المعنى: لا يتناهون عن مثل منكر فعلوه، أو عن منكرٍ (^١) أرادوا فعله (^٢).
﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ إن أراد أسلافهم: فالرؤية بالقلب.
_________________
(١) في هامش أ زيادة: «خ: إن» أي: إن أرادوا فعله، والمثبت موافق لما في الكشاف.
(٢) انظر: الكشاف (٥/ ٤٥٤).
[ ٢ / ٢٠٢ ]
وإن أراد المعاصرين للنبي ﷺ وهو الأظهر-: فهي رؤية عين.
﴿وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ يعني: محمدًا ﷺ.
﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: ما اتخذوا الكفار أولياء.
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ الآية؛ إخبارٌ عن شدة عداوة اليهود وعبَدة الأوثان للمسلمين.
﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَوَدَّةً﴾ الآية؛ إخبارٌ أن النصارى أقربُ إلى مودَّة المسلمين.
وهذا الأمر باقٍ إلى آخر الدهر، فكل يهوديٍّ شديدُ العداوة للإسلام والكيد لأهله.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ تعليلٌ لقرب مودَّتهم، والقِسِّيس: العالم، والراهب: العابد.
﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ الآية؛ هي في النجاشيِّ، وفي الوفد الذين بعثهم إلى رسول الله ﷺ، وهم سبعون رجلًا، فقرأ عليهم رسول الله ﷺ القرآن، فبكوا كما بكى النجاشي حين قرأ عليه جعفر بن أبي طالب ﵁ سورة «مريم».
وقال السهيلي: نزلت في وفد نجران، وكانوا نصارى عشرين رجلًا، فلما سمعوا القرآن بكوا (^١).
﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ «من» الأولى: سببيةٌ، والثانية: لبيان الجنس.
_________________
(١) انظر: التعريف والإعلام، للسهيلي، ص: ٩٩.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
﴿آمَنَّا﴾ أي: بالقرآن من عند الله.
﴿مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: مع المسلمين، وكذلك: ﴿مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ توقيف لأنفسهم، أو محاجَّةٌ لغيرهم.
﴿وَنَطْمَعُ﴾ قال الزمخشري: الواو للحال (^١).
وقال ابن عطية: لعطف جملة على جملة، لا لعطف فعل على فعل (^٢).
_________________
(١) انظر: الكشاف (٥/ ٤٦٠).
(٢) انظر: المحرر الوجيز (٣/ ٢٣٦).
[ ٢ / ٢٠٤ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾].
﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ سببها: أن قومًا من الصحابة غلب عليهم خوف الله إلى أن حرَّم بعضهم النساء، وبعضهم النوم بالليل، وبعضهم أكل اللحم، وهمَّ بعضهم أن يَخْتَصُوا ويَسِيحوا في الأرض، فقال رسول الله ﷺ: «أمَّا أنا فأقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (^١).
﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ أي: لا تُفْرِطوا في التَّشديد على أنفسكم أكثر مما شرع لكم.
﴿وَكُلُوا﴾ أي: تمتَّعوا بالمآكل الحلال، وبالنساء وغير ذلك.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١).
[ ٢ / ٢٠٥ ]
وإنما خصَّ الأكل بالذِّكر؛ لأنه أعظمُ حاجات الإنسان.
﴿بِاللَّغْوِ﴾ تقدَّم في «البقرة» (^١).
﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ أي: بما قصدتم عقده بالنية. وقرئ ﴿عَقَدتُّمُ﴾ بالتخفيف، و﴿عَاقَدتُّمُ﴾ بالألف.
﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ اشتراط المسكنة دليلٌ على أنه لا يُجزئ في الكفارة إطعام غنيٍّ، فإن أطعمه جهلًا لم يُجزئه على المشهور من المذهب. واشترط مالك أيضًا: أن يكونوا أحرارًا مسلمين، وليس في الآية ما يدلُّ على ذلك.
﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ اختلف في هذا التوسط؛ هل هو في القَدْر أو في الصِّنف؟ واللفظ يَحتمل الوجهين.
فأما القَدْر:
فقال مالك: يُطعَم بالمدينة: مدٌّ بمدِّ النبي ﷺ، وبغيرها: وسطٌ من الشَّبَع.
وقال الشافعي وابن القاسم: يُجزئُ المدُّ في كل مكان.
وقال أبو حنيفة: إن غدَّاهم وعشَّاهم أجزأه.
وأما الصِّنف: فاختُلف هل يُطعِم من عيش نفسه، أو من عيش أهل بلده؟ فمعنى الآية على التأويل الثاني: من أوسط ما تطعمون -أيها الناس-
_________________
(١) انظر صفحة ١/ ٤٤٢.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
أهليكم على الجملة.
وعلى الأول: يختصُّ الخطاب بالمكفِّر.
﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قال كثيرٌ من العلماء: يُجزئ ثوبٌ واحد لمسكين؛ لأنه يقال فيه: كسوةٌ.
وقال مالك: إنما يُجزئ (^١) ما تصحُّ به الصلاة، فالرجلُ (^٢) ثوبٌ واحد، والمرأةُ (^٣) قميصٌ وخمار.
﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ اشترط مالك فيها: أن تكون مؤمنة؛ لتقييدها بذلك في كفارة القتل، فحمل هذا المطلق على ذلك المقيد.
وأجاز أبو حنيفة هنا: عتق الكافر؛ لإطلاق اللفظ هنا.
واشترط مالك أيضًا: أن تكون سليمةً من العيوب. وليس في اللفظ ما يدلُّ على ذلك.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي: مَنْ لم يملك ما يُعتِق ولا ما يُطعِم ولا ما يكسو؛ فعليه صيام ثلاثة أيام، فالخصالُ الثَّلاثةُ (^٤) على التَّخيير، والصيامُ مرتبٌ بعدها لمن عَدِمها.
وهو عند مالك: مَنْ لم يَفْضُل عن قوته وقوت عياله في يومه زيادةٌ.
_________________
(١) في د: «يجزئه».
(٢) في ج، د: «فللرجل».
(٣) في ج، د: «وللمرأةِ».
(٤) في أ: «الثلاث».
[ ٢ / ٢٠٧ ]
﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ معناه: إذ حلفتم وحنثتم، أو أردتم الحنث.
واختلف: هل يجوز تقديم الكفَّارة على الحنث أم لا؟.
﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ أي: احفظوها فبَرُّوا فيها، ولا تحنثوا.
وقيل: احفظوها بأن تكفِّروها إن (^١) حَنِثتم.
وقيل: احفظوها؛ أي: لا تنسَوْها تهاونًا بها.
﴿الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ مذكوران في «البقرة» (^٢).
﴿وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ مذكوران في أول هذه السورة (^٣).
﴿رِجْسٌ﴾ هو في اللغة: كلُّ مكروهٍ مذموم، وقد يطلق بمعنى النَّجس، وبمعنى الحرام.
وقال ابن عباس هنا (^٤): ﴿رِجْسٌ﴾: سُخْطٌ.
﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ نصٌّ في التحريم، والضمير يعود على الرجس؛ الذي هو خبرٌ عن جميع الأشياء المذكورة.
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ تقبيحٌ للخمر والميسر، وذكرٌ لبعض عيوبها، وتعليلٌ لتحريمها.
_________________
(١) في د: «إذا»، وكذا في هامش أ ورمز لها بـ «خ».
(٢) انظر صفحة ١/ ٤٣٦.
(٣) انظر صفحة ١٤٤.
(٤) في د: «معنى» بدل «هنا».
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وقد وقعت في زمان الصحابة عداوةٌ بين أقوام بسبب شربهم لها قبل تحريمها، ويقال: إن ذلك كان سبب نزول الآية.
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ توقيفٌ يتضمَّن الزَّجر والوعيد؛ ولذلك قال عمر لما نزلت: «انتهينا انتهينا» (^١).
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ فيها تأويلان:
أحدهما: أنه لما نزل تحريم الخمر قال قومٌ من الصحابة: كيف بمن مات منَّا وهو يشربها؟، فنزلت الآية مُعْلِمَةً أنه لا جُناح على من شربها قبل التَّحريم؛ لأنه لم يعص الله بشربها حينئذٍ.
والآخر: أن المعنى: رفعُ الجُناح عن المؤمنين فيما طعموا من المطاعم إذا اجتنبوا الحرام منها، وعلى هذا أخَذها عمرُ ﵁ حين قال لقُدامة: «إنك إذا اتَّقيت الله اجتنبت ما حرم عليك»، وكان قدامةُ قد شربها واحتجَّ بهذه الآية على رفع الجناح عنه، فقال له عمر: «أخطأتَ التأويل» (^٢).
﴿إِذَا مَا اتَّقَوا وآمَنُوا﴾ الآية؛ قيل: كَرَّر التقوى مبالغةً.
وقيل: الرُّتبة الأولى: اتقاء الشرك، والثانية: اتقاء المعاصي، والثالثة: اتقاء ما لا بأس به؛ حذرًا مما به البأسُ.
وقيل: الأولى: للزمان الماضي، والثانية: للحال، والثالثة: للمستقبل.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٦٧٠)، والترمذي (٣٠٤٩)، والنسائي (٥٥٤٢).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧/ ٤٧٢).
[ ٢ / ٢٠٩ ]
﴿وَأَحْسِنُوا﴾ يحتمل أن يريد:
الإحسانَ إلى الناس.
أو الإحسانَ في طاعة الله؛ وهو (^١) المراقبة، وهذا أرجح؛ لأنه درجةٌ فوق التقوى، ولذلك ذَكَره في المرة الثالثة وهي الغاية، ولذلك قالت الصوفية: المقامات ثلاثةٌ: مقام الإسلام، ثم مقام الإيمان، ثم مقام الإحسان.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «وهي».
[ ٢ / ٢١٠ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾].
﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ أي: يختبر طاعتكم من معصيتكم بما يظهر لكم من الصيد مع الإحرام، أو في الحرم.
وكان الصيد من معايش العرب ومستعملًا عندهم، فاختُبِروا بتركه كما اختُبِر بنو إسرائيل بالحوت في السَّبت.
وإنما قلَّله في قوله: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ إشعارًا بأنه ليس من الفتن العظام، وإنما هو من الأمور التي يمكن الصبر عنها.
﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ قال مجاهد: الذي تناله الأيدي: الفراخ، والبيض، وما لا يستطيع أن يفرَّ، والذي تناله الرماح: كبارُ الصيد.
والظاهر عدم هذا التَّخصيص.
[ ٢ / ٢١١ ]
﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ أي: يَعْلَمَه علمًا تقوم به الحجة؛ وذلك إذا ظهر في الوجود.
﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾ أي: بقتل الصيد وهو مُحرِمٌ.
والعذاب الأليم هنا: في الآخرة.
﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ معنى ﴿حُرُمٌ﴾: داخلين في الإحرام، أو في الحرم.
و﴿الصَّيْدَ﴾ هنا: عامٌ، خَصَّص منه الحديثُ: الغرابَ، والحدأةَ، والفأرةَ، والعقربَ، والكلب العقور (^١).
وأدخل مالك في الكلب العقور: كلَّ ما يؤذي الناس من السباع وغيرها.
وقاس الشافعي على هذه الخمسة: كلَّ ما لا يؤكل لحمه.
ولفظ الصيد يدخل فيه: ما صيد، وما لم يُصَدْ مما شأنه أن يصاد.
وورد النهي هنا عن القتل؛ قبل أن يصاد وبعد أن يصاد، وأما النهي عن الاصطياد فيؤخذ من قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.
﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ مفهوم الآية يقتضي: أن جزاء الصيد على المتعمِّد لا على الناسي، وبذلك قال أهل الظاهر.
وقال جمهور الفقهاء: إن المتعمِّد والناسي سواءٌ في وجوب الجزاء، ثم اختلفوا في تأويل قوله: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المتعمِّد إنما ذُكر لِيُناط به الوعيدُ الذي في قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٨٢٩)، ومسلم (١١٩٨).
[ ٢ / ٢١٢ ]
فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾؛ إذ لا وعيدَ على الناسي.
والثاني: أن الجزاءَ على الناسي بالقياس على المتعمد.
والثالث: أن الجزاءَ على المتعمدِ ثَبَتَ بالقرآن، وأنَّ الجزاءَ على الناسي ثبت بالسنة (^١).
﴿فَجَزَاءُ مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ المعنى: فعليه جزاءُ.
وقرئ بإضافة ﴿جَزَاءُ﴾ إلى ﴿مِثْلِ﴾؛ وهو من إضافة المصدر إلى المفعول به.
وقيل: ﴿مِثْلِ﴾ زائدةٌ؛ كقولك: «أنا أكرمُ مِثلَك» أي: أكرمُك.
وقرئ ﴿فَجَزَاءٌ﴾ -بالتنوين- ﴿مِثْلُ﴾ بالرفع؛ على البدل، أو الصفة.
و﴿النَّعَمِ﴾: الإبل والبقر والغنم خاصةً.
ومعنى الآية:
عند مالك والشافعي: أنَّ من قتل صيدًا وهو مُحرِمٌ أنَّ عليه في الفدية ما يشبه ذلك الصيدَ في الخِلْقة والمنظر، ففي النعامة بَدَنَةٌ، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الغزالة شاة، فالمِثْلِيَّة -على هذا-: هي في الصورة والمقدار، فإن لم يكن له مِثْلٌ: أَطْعَمَ أو صامَ.
_________________
(١) هذا من قول الزهري، كما في مصنف عبد الرزاق (٤/ ١٧٠): «عن الزهري قال: يُحكم عليه في العمد، وهو في الخطإِ سُنة»، وليس المراد بالسنة هنا حديثٌ معيَّنٌ واردٌ فيه، وإنما المراد: أنه عليه عمل أهل العلم وطريقتهم، ولذا قال عبد الرزاق معلِّقًا: «وهو قول الناس، وبه نأخذ».
[ ٢ / ٢١٣ ]
ومذهب أبي حنيفة: أنَّ المثلَ القيمةُ؛ يقومُ الصيد المقتول، ويخيَّر القاتل بين أن يتصدَّق بالقيمة، أو يشتري بالقيمة من النَّعم ما يُهديه.
﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ هذه الآية تقتضي: أن التَّحكيم شرط في إخراج الجزاء، ولا خلاف في ذلك، فإن أخرج أحدُ الجزاء قبل الحكم عليه فعليه إعادته بالحكم، إلا حمام مكة؛ فإنه لا يحتاج إلى حَكَمين، قاله مالك.
ويجب عند مالك التَّحكيمُ فيما حَكَمت فيه (^١) الصحابةُ، وفيما لم يحكموا به؛ لعموم لفظ الآية.
وقال الشافعي: يُكتفى في ذلك بما حكمت به الصحابة.
﴿هَدْيًا﴾ يقتضي ظاهره: أن ما يُخرَج من النَّعم جزاءً عن الصيد يجب أن يكون مما يجوز أن يُهدى؛ وهو الجذع من الضأن والثَّنيُّ مما سواه.
وقال الشافعي: يُخرِج المثل في اللحم، ولا يُشترَط السن.
﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ لم يُرد الكعبة بعينها، وإنما أراد الحرم.
ويقتضي: أن يصنع بالجزاء ما يصنع بالهدي؛ من سَوْقِه من الحلِّ إلى الحرم (^٢).
وقال الشافعي وأبو حنيفة: إن اشتراه في الحرم أجزأه.
﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ عدَّ تعالى ما يجب في قتل المحرم للصَّيد، فذَكر أوَّلًا الجزاء من النَّعم، ثم الطعام، ثم الصيام.
_________________
(١) في د: «به».
(٢) في أ، ب، هـ: «الحرام».
[ ٢ / ٢١٤ ]
ومذهب مالك والجمهور: أنها على التَّخيير، وهو الذي يقتضيه العطف بـ «أو».
ومذهب ابن عباس: أنها على التَّرتيب.
ولم يبيِّن الله هنا مقدار الطعام، فرأى العلماء أن يُقدَّر بالجزاء من النَّعم، إلَّا أنهم اختلفوا في كيفية التَّقدير:
فقال مالك: يقدَّر الصيد المقتول نفسُه بالطعام، أو بالدراهم ثم تقوَّم الدراهم بالطعام، فيُنظر كم يساوي من طعام أو من دراهم وهو حيٌّ.
وقال بعض أصحاب مالك: تقدير الصيد بالطعام أن يقال: كم كان يُشبع الصيدُ من نفسٍ، ثم يُخرج قَدْر شِبَعهم طعامًا.
وقال الشافعي: لا يقدَّر الصيد نفسُه، وإنما يقدَّر مثله، وهو الجزاء الواجب على القاتل له.
﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ تحتمل الإشارةُ بذلك أن تكون:
إلى الطعام، وهو أحسن؛ لأنه أقرب.
أو إلى الصيد.
واختُلف في صفة تعديل الصيام بالطعام:
فقال مالك: يصوم مكان كل مدٍّ يومًا.
وقال أبو حنيفة: مكان كل مدَّين يومًا.
وقيل: مكان كلِّ صاعٍ يومًا.
[ ٢ / ٢١٥ ]
ولا يجب الجزاء ولا الإطعام ولا الصيام إلَّا بقتل الصيد، لا بأخذه دون قتل؛ لقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ﴾.
وفي كلِّ وجهٍ يشترط حُكم الحَكمين، وإنما لم يذكره الله في الصيام والطعام؛ استغناءً بذكره في الجزاء.
﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ الذَّوْقُ هنا: مستعارٌ؛ لأن حقيقته بحاسّة اللسان. والوبالُ: سوء العاقبة، وهو هنا: ما لَزِمه من التَّكفير.
﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ أي: عمَّا فعلتم في الجاهلية من قتل الصَّيد في الحرم.
﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ أي: مَنْ عاد إلى قتل الصيد وهو مُحرِمٌ بعد النهي عن ذلك فينتقمُ الله منه بوجوب الكفارة عليه، أو بعذابه في الآخرة.
﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ أحلَّ الله بهذه الآية صيدَ البحر للحلال والمحرم.
والصيد هنا: المصيد، والبحر: هو الماء الكثير؛ سواءٌ كان ملْحًا أو عَذْبًا، كالبِرَك ونحوها.
﴿وَطَعَامُهُ﴾ هو ما يطفو على الماء، وما قَذف به البحر؛ لأنَّ ذلك طعامٌ وليس بصيد. قاله أبو بكر الصدِّيق وعمر بن الخطاب.
وقال ابن عباس: طعامه: ما مُلِح منه وبقي.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ الخطاب بـ ﴿لَكُمْ﴾ للحاضرين في البحر، والسيارة: المسافرون.
أي: هو متاعٌ (^١) تأتدمون به.
_________________
(١) في د زيادة: «لكم».
[ ٢ / ٢١٦ ]
﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ الصَّيد هنا يحتمل أن يراد به: المصدرُ، أو الشيءُ المصيد، أو كلاهما.
فنشأ من هذا: أن ما صاده المحرم فلا يحلُّ له أكله بوجهٍ.
ونشأ الاختلاف فيما صاد (^١) غيرُه:
فإذا اصطاد حلالٌ:
فقيل: يجوز للمُحرمِ أكلهُ.
وقيل: لا يجوز.
وقيل: لا يجوز إن اصطاده لمحرمٍ. والأقوال الثلاثة مرويةٌ عن مالك. وإن اصطاد حرامٌ: لم يَجُزْ لغيره أكله عند مالك، خلافًا للشافعي.
﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ أي: أمرًا يقوم للناس بالأمن والمنافع.
وقيل: موضعُ قيامٍ بالمناسك.
ولفظ «الناس» هنا: عامٌّ.
وقيل: أراد العربَ خاصةً؛ لأنهم الذين كانوا يعظّمون الكعبة.
﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ يريد: جنسَ الأشهر الحرم الأربعة؛ لأنهم كانوا يكفُّون فيها عن القتال.
_________________
(١) في ب، د: «صاده».
[ ٢ / ٢١٧ ]
﴿وَالْهَدْيَ﴾ يريد: أنه أمانٌ لمن يسوقه؛ لأنه يُعلِم أنه في عبادةٍ لم يأت لحرب.
﴿وَالْقَلَائِدَ﴾ كان الرجل إذا خرج يريد الحج تقلَّد شيئًا من السَّمُر، وإذا رجع تقلَّد شيئًا من شجر الحرم؛ ليُعلِم أنه كان في عبادة، فلا يتعرَّض له أحدٌ بشرٍ (^١)؛ فالقلائد هنا: هو (^٢) ما يُقَلِّدُه (^٣) المحرمُ من الشجر.
وقيل: أراد قلائد الهدي.
قال سعيد بن جبير: جعل الله هذه الأمور للناس في الجاهلية، وشدَّدها في الإسلام (^٤).
﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا﴾ الإشارةُ إلى جعل الله هذه الأمور قيامًا للناس.
والمعنى: فعل (^٥) الله ذلك لتعلموا أنه يعلم تفاصيل الأمور.
﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ لفظٌ عام في جميع الأمور؛ من المكاسب والأعمال والناس وغير ذلك.
_________________
(١) في ب، هـ: «بشيء» ولم ترد في ج.
(٢) في ج، هـ: «هي».
(٣) في د: «ما تقلده».
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٨).
(٥) في د: «جعل».
[ ٢ / ٢١٨ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢) مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾].
﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ قيل: سببها: سؤال عبد الله بن حذافة: مَنْ أبي؟، فقال له النبي ﷺ: «أبوك حذافة»، وقال آخر: أين أنا (^١)؟ قال: «في النار» (^٢).
وقيل: سببها: أن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب عليكم الحج فحجوا»
_________________
(١) في هامش ب: «أين أبي»، والمثبت موافق لما في الصحيح.
(٢) أخرجه البخاري (٧٢٩٤).
[ ٢ / ٢١٩ ]
فقالوا: يا رسول الله أفي كلّ عام؟ فسكت، فأعادوا، قال: «لا، ولو قلتُ: نعم لوجبت» (^١).
فعلى الأول: ﴿تَسُؤْكُمْ﴾ بالإخبار بما لا يعجبكم.
وعلى الثاني: ﴿تَسُؤْكُمْ﴾ بتكليف ما يشقُّ عليكم، ويقوِّي هذا قولُه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ أي: سكت عن ذكرها ولم يطالبكم بها؛ كقوله ﷺ: «عفا الله عن الزكاة في الخيل» (^٢).
وقيل: إن معنى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ عفا عنكم فيما تقدَّم من سؤالكم؛ فلا تعودوا إليه.
﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ فيه معنى الوعيد على السؤال؛ كأنه قال: لا تسألوا، وإن سألتم أُبديَ لكم ما يسؤوكم.
والمراد بـ ﴿حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ﴾: زمانُ الوحي.
﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الضمير في ﴿سَأَلَهَا﴾ راجعٌ إلى المسألة التي دلَّ عليها ﴿لَا تَسْأَلُوا﴾، وهي مصدرٌ؛ ولذلك لم يتعدَّ بـ «عن» كما تعدَّى قولُه: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا﴾.
وذلك أن بني إسرائيل كانوا يستفتون أنبياءهم عن أشياء، فإذا أُمِروا بها تركوها فهلكوا، فالكفر هنا: عبارةٌ عن ترك ما أُمِروا به.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٣٣٧).
(٢) أخرجه أبو داود (١٥٧٤)، والترمذي (٦٢٠)، والنسائي (٢٤٨٠) بلفظ: «قد عفوت عن صدقة الخيل ..».
[ ٢ / ٢٢٠ ]
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ لما سأل قومٌ عن هذه الأمورِ التي كانتْ في الجاهليةِ هل تعظّم كتعظيمِ الكعبةِ والهديِ؟؛ أخبرَهم اللهُ أنهُ لمْ يجعلْ شيئًا منْ ذلكَ لعبادِهِ؛ أيْ: لمْ يشرعهُ لهمْ، وإنما الكفَّارُ جعلوا ذلكَ.
فأما البحيرة: فهي فَعِيلة بمعنى مفعولة؛ مِنْ بَحَرَ إذا شقَّ؛ وذلك أن الناقة إذا نُتِجَتْ (^١) عشرةَ أبطُنٍ شقُّوا أُذُنَها، وتركوها ترعى ولا ينتفع بها.
وأما السَّائبة: فكان الرَّجُلُ يقولُ: إذا قدَمْتُ منْ سفري أو برِئْتُ من مرضي فناقَتي سائبة، وجعَلَها كالبحيرةِ في عدمِ الانتفاعِ بها.
وأما الوصيلة: فكانوا إذا وَلَدت الناقة ذكرًا وأنثى في بطنٍ واحد قالوا: وصلتِ الناقةُ أخاها، فلم يذبحوهُ (^٢).
وأما الحامي: فكانوا إذا نُتِجَ من صلبِ الجملِ عشرةُ بطون قالوا: قد حمى ظَهْرَه، فلا يُركب ولا يُحمَل عليه شيءٌ.
﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: يكذبون عليه بتحريمهم ما لم يحرّمْ.
_________________
(١) في أ، ب، د: «أنتجت» بالألف، والمثبت هو الفصيح كما نص عليه الإمام ثعلب في كتابه الفصيح، يقال: «نُتِجت الناقةُ تُنتَج، ونَتَجها أهلُها»، وانظر: شرح الفصيح لابن درستويه (ص: ١٠٤).
(٢) في أ، د: «يذبحوها»، والمثبت هو الصواب، والضمير يعود على الذَّكَر، قال في الكشاف (٥/ ٥٠٨): «فإن ولدت ذكرًا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم»، وانظر أيضًا: المحرر الوجيز (٣/ ٢٧٧).
[ ٢ / ٢٢١ ]
﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ الذي يفترون: هم الذين اخترعوا تحريم تلك الأشياء.
والذين لا يعقلون: هم أتباعهم المقلدون لهم.
﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أي: يكفينا دينُ آبائنا.
﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ قال الزمخشري: الواو: واو الحال، دخلت عليها همزة الإنكار؛ كأنه قيل: أَحَسْبُهم هذا وآباؤهم لا يعقلون! (^١).
وقال ابن عطية: «ألف التوقيف دخلت على واو العطف» (^٢).
وقول الزمخشري أحسنُ في المعنى.
﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قيل: إنها منسوخةٌ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقيل: إنها خطابٌ للمسلمين من ذرية الذين حرَّموا البحيرةَ وأخواتها؛ كأنه يقول: لا يضرُّكم ضلال أسلافكم إذا اهتديتم.
والقول الصحيح فيها: ما ورد عن أبي ثعلبة الخشني أنه قال: سألت عنها رسول الله ﷺ، فقال: «مُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإذا رأيتم (^٣) شُحًّا مطاعًا، وهوى متَّبعًا، ودنيا مؤثَّرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيه؛ فعليك بخويصة نفسك وذَرْ عوامَّهم» (^٤)، ومثل ذلك قول عبد الله بن
_________________
(١) انظر: الكشاف (٥/ ٥٠٩).
(٢) المحرر الوجيز (٣/ ٢٧٨).
(٣) في د: «رأيت».
(٤) أخرجه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجه (٤٠١٤).
[ ٢ / ٢٢٢ ]
مسعود ﵁: «ليس هذا بزمان هذه الآية؛ قولوا الحق ما قُبل منكم، فإذا رُدَّ عليكم (^١) فعليكم أنفسكم» (^٢).
﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ قال مكيُّ: هذه الآية أشكلُ آيةٍ من القرآن؛ إعرابًا، ومعنىً، وحكمًا (^٣).
ونحن نبين معناها على الجملة، ثم نبين أحكامها، وإعرابها على التفصيل.
وسببها: أنَّ رجلين خرجا إلى الشام، وخرج معهما رجلٌ آخر لتجارة (^٤)، فمرض في الطريق، فكتب كتابًا قيَّد فيه كلَّ ما معه، وجعله في متاعه، وأوصى الرجلين أن يؤديا رَحْلَه إلى ورثته، فمات، فقَدِمَ الرجلان المدينة، ودفعا رَحله إلى ورثته، فوجدوا فيه كتابه، وفقدوا منه أشياء قد كتبها، فسألوهما عنها فقالا: لا ندري، هذا الذي قبضناه، فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ فاستحلفهما رسول الله ﷺ، فبقي الأمر مدَّةً، ثم عُثر على إناء عظيم من فضة، فقيل لمن وُجد عنده: من أين لك هذا؟، فقال: اشتريته من فلان وفلان، يعني الرجلين، فارتفع الأمر في ذلك إلى رسول الله ﷺ فأمر رسول الله ﷺ رجلين من أولياء الميت أن يحلفا، فحلفا واستحقَّا.
فمعنى الآية: إذا حضر الموتُ أحدًا في السفر فليشهد عَدْلين بما معه، فإن
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب، ج، هـ.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٤٣).
(٣) انظر: مشكل إعراب القرآن، لمكي بن أبي طالب القيسي (١/ ٢٤٣).
(٤) في ج، د: «بتجارة».
[ ٢ / ٢٢٣ ]
وقعت ريبةٌ في شهادتهما حلفا أنهما ما كذبا ولا بدَّلا، فإن عُثِر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا حلف رجلان من أولياء الميت، وغَرِم الشاهدان ما ظهر عليهما.
﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ مرفوعٌ بالابتداء، وخبره: ﴿اثْنَانِ﴾، التقدير: شهادةُ بينكم شهادةُ اثنين. أو: مقيمُ شهادةِ بينكم اثنان.
﴿إِذَا حَضَرَ﴾ أي: إذا قارب (^١) الحضورَ، والعامل في ﴿إِذَا﴾: المصدرُ الذي هو ﴿شَهَادَةُ﴾، وهذا على أن يكون ﴿إِذَا﴾ بمنزلة «حين»؛ لا تحتاج جوابًا.
ويجوز أن تكون شرطيةً، وجوابها محذوف؛ يدلُّ عليه ما تقدَّم قبلها؛ فإنَّ المعنى: إذا حضر أحدكم الموتُ فينبغي أن يُشهدَ.
﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ ظرفٌ؛ العامل فيه: ﴿حَضَرَ﴾. أو يكون بدلًا من ﴿إِذَا﴾. ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ صفةٌ للشاهدين.
﴿مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قيل: معنى ﴿مِنْكُمْ﴾: من عشيرتكم وأقاربكم، و﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: من غير العشيرة والقرابة.
وقال الجمهور: ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من المسلمين، و﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: من الكفار إن لم يوجد مسلمٌ.
_________________
(١) في ج، د: «قرب».
[ ٢ / ٢٢٤ ]
ثم اختُلف على هذا:
هل هي منسوخةٌ بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فلا تجوز شهادة الكفار أصلًا - وهو قول مالك والشافعي والجمهور -؟.
أو هي مُحْكَمةٌ وأن شهادة الكفار جائزةٌ على الوصية في السفر - وهو قول ابن عباس -؟.
﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم، وجواب ﴿إِنْ﴾ محذوفٌ؛ يدلُّ عليه ما تقدَّم قبلها، والمعنى: إن ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت فشهادة بينكم شهادة اثنين.
﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ قال أبو علي الفارسيُّ: هو صفة لـ ﴿آخَرَانِ﴾، واعترض بين الصفة والموصوف بقوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْمَوْتِ﴾؛ ليُفيدَ أن العُدول إلى آخَرَيْنِ من غير الملةِ إنما يجوز لضرورةِ الضَّرب في الأرض، وحلولِ الموتِ في السَّفَر.
وقال الزمخشري: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ استئنافُ كلامٍ (^١).
﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ قال الجمهور: هي صلاة العصر؛ فاللام للعهد؛ لأنها وقت اجتماع الناس، وبعدها أمر النبي ﷺ باللَّعان، وقال: «مَنْ حلَف على سلعة بعد العصر ..» (^٢)، وكان التحليفُ بعدها معروفًا عندهم.
وقال ابن عباس: هي صلاة الكافرين في دينهما؛ لأنهما لا يُعظّمان صلاةَ العصر.
_________________
(١) انظر: الكشاف (٥/ ٥١٨).
(٢) أخرجه البخاري (٢٣٦٩)، ومسلم (١٠٨).
[ ٢ / ٢٢٥ ]
﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أي: يحلفان، ومذهب الجمهور: أن تحليف الشاهدين منسوخٌ.
وقد أحلفهما عليُّ بن أبي طالب وأبو موسى الأشعري.
﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: إن شككتم في صدقهما، وأمانتهما.
وهذه الكلمة اعتراضٌ بين القَسَم والمُقسَم عليه.
وجواب ﴿إِنِ﴾ محذوفٌ؛ يدل عليه: ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾.
﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ هذا هو المقسَم عليه، والضمير في ﴿بِهِ﴾ للقسم، وفي ﴿كَانَ﴾ للمُقسَم له؛ أي: لا نَستبدلُ بصحة القسم بالله عَرَضًا من الدنيا؛ أي: لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال؛ ولو كان مَنْ نُقسِمُ له قريبًا لنا؛ وهذا لأن عادة الناس الميلُ إلى أقاربهم.
﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ أي: الشهادة التي أمر الله بحفظها وأدائها، وأضافها (^١) إلى الله؛ تعظيمًا لها.
﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أي: إن اطُّلِع بعد ذلك على أنهما فعَلا ما أوجب إثمًا.
فالإثم: الكذب، أو (^٢) الخيانة. واستحقاقه: الأهليةُ للوصف به.
﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ أي: اثنان من أولياء الميت يقومان مقام الشاهدين في اليمين.
_________________
(١) في ج: «وإضافتها».
(٢) في د: «و».
[ ٢ / ٢٢٦ ]
﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ أي: من الذين استُحِقَّ عليهم الإثم، أو المال. ومعناه: من الذي جُنِي عليهم؛ وهم أولياء الميت.
﴿الأَوْلَيَانِ﴾ تثنية «أَوْلَى»؛ بمعنى: أحقُّ؛ أي: الأحَقَّان بالشهادة؛ لمعرفتهما، أو الأحَقَّان بالمال؛ لقرابتهما.
وهو مرفوعٌ؛ على أنه:
خبر ابتداء؛ تقديره: «هما الأوليان».
أو مبتدأ مؤخَّرٌ؛ تقديره: «الأوليان آخران يقومان».
أو بدلٌ من الضمير في ﴿يَقُومَانِ﴾.
ومنع الفارسيُّ أن يُسندَ ﴿اسْتَحَقَّ﴾ إلى ﴿الأَوْلَيَانِ﴾، وأجازه ابن عطية (^١).
وأما على قراءة ﴿اسْتَحَقَّ﴾ -بفتح التاء والحاء- على البناء للفاعل: فـ ﴿الأَوْلَيَانِ﴾ فاعلٌ بـ ﴿اسْتَحَقَّ﴾. ومعنى ﴿اسْتَحَقَّ﴾ على هذا: أَخذ المال وجعل يده عليه.
و﴿الأَوْلَيَانِ﴾ -على هذا- هما: الشاهدان اللذان ظهرت خيانتهما؛ أي: الأوليان بالتحليف والتعنيف والفضيحة.
وقرئ ﴿الأَوَّلِينَ﴾ جمع أوَّلٍ، وهو: مخفوضٌ؛ على الصفة لـ ﴿الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾. أو منصوبٌ بإضمار فعلٍ.
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (٣/ ٢٨٩).
[ ٢ / ٢٢٧ ]
ووصفهم بالأوّليّة؛ لتقدمهم على الأجانب في استحقاق المال، وفي صدق الشهادة.
﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ أي: يحلفُ هذان الآخران أنَّ شهادتهما أحقُّ -أي: أصحُّ- من شهادة الشاهدين اللذينِ ظهرت خيانتهما.
﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: إن اعتدينا فإنا من الظالمين؛ وذلك على وجه التبري، ومثله قول الأولين: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾.
﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ الإشارةُ بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى الحكم الذي وقع في هذه القضية (^١).
ومعنى ﴿أَدْنَى﴾: أقربُ، و﴿عَلَى وَجْهِهَا﴾ أي: كما وقعت من غير تبديل ولا تغيير.
﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: يخافوا أن يحلف غيرهم بعدهم فَيَفتضحوا.
_________________
(١) في ب: «القصة»، وفي د: «الوصية».
[ ٢ / ٢٢٨ ]
[﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾].
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ هو يومُ القيامةِ، وانتصابُ الظرفِ بفعلٍ مضمرٍ.
﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ أي: ماذا أجابتكم به الأممُ؛ من إيمان وكفر وطاعة ومعصية؟
والمقصود بهذا السؤال: توبيخُ مَنْ كفر من الأمم، وإقامةُ الحجةِ عليهم.
وانتصب ﴿مَاذَا﴾ بـ ﴿أُجِبْتُمْ﴾ انتصاب مصدره. ولو أريد الجواب لقيل: «بماذا أجبتم؟».
﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾ إنما قالوا ذلك تأدُّبًا مع الله، فوكَّلوا العلم إليه.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
قال ابن عباس: المعنى: لا علم لنا إلا ما عَلَّمتنا.
وقيل: معناه: عِلْمُنا ساقطٌ في جَنْبِ علمك، ويُقوِّي ذلك قولهم: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾؛ لأنَّ مَنْ عَلِم الخفيَّات لم تَخْفَ (^١) عليه الظواهر.
وقيل: ذَهُلُوا عن الجواب؛ لهول ذلك اليوم. وهذا بعيد؛ لأنَّ الأنبياء في ذلك اليوم آمنون.
وقيل: أرادوا بذلك توبيخ الكفار.
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ يحتمل:
أن يكون ﴿إِذْ﴾ بدلًا من ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ﴾، ويكون هذا القولُ يوم القيامة. أو يكون العامل في ﴿إِذْ﴾ مضمرًا، ويحتمل على هذا أن يكون القولُ: في الدنيا.
أو يوم القيامة، وإذا جعلناه يوم القيامة؛ فقوله: ﴿قَالَ﴾ بمعنى: يقول. وقد تقدَّم تفسير ألفاظ هذه الآية في «آل عمران» (^٢).
﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ الضمير المؤنَّث عائدٌ على الكاف؛ لأنها صفة الهيئة، وكذلك الضمير في ﴿فَتَكُونُ﴾.
وكذلك الضمير المذكَّر في قوله في «آل عمران»: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] عائدٌ على الكاف أيضًا؛ لأنها بمعنى: «مِثْل».
وإن شئت أن تقول: هو في الموضعين عائدٌ على الموصوف المحذوف
_________________
(١) في ب، هـ: «يخف».
(٢) انظر صفحة ١/ ٥٤٢.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
الذي وُصِف بقوله: ﴿كَهَيْئَةِ﴾ فَتُقَدِّرُه (^١) في التَّأنيث: «صورةً»، وفي التَّذكير: «شخصًا» أو «خَلْقًا» وشبه ذلك.
وقيل: المؤنَّثُ يعود: على الهيئة، والمذكَّرُ (^٢): على الطَّير، أو الطِّين. وهو بعيدٌ في المعنى.
﴿بِإِذْنِي﴾ كرَّره مع كل معجزة؛ ردًّا على من نسب الربوبية لعيسى.
﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ﴾ يعني: اليهود؛ حين همُّوا بقتله فرفعه الله إليه.
﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ﴾ معطوفٌ على ما قبله؛ فهو من جملة نعم الله على عيسى.
والوحيُ هنا يحتمل أن يكون: وحيَ إلهامٍ، أو وحيَ كلامٍ.
﴿وَاشْهَدْ﴾ يحتمل أن يكون خطابًا: لله تعالى، أو لعيسى ﵇.
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ نداؤهم له باسمه دليلٌ على أنهم لم يكونوا يعظِّمونه كتعظيم المسلمين لمحمد ﷺ؛ فإنهم كانوا لا ينادونه باسمه، وإنما يقولون: يا رسول الله، يا نبي الله.
وقولهم: ﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾ دليلٌ على أنهم كانوا يعتقدون فيه الاعتقاد الصحيح مِنْ نِسبتِه إلى أمٍّ دون والد، بخلاف ما اعتقده النصارى.
﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ ظاهرُ هذا اللفظ: أنهم شكُّوا في قدرة الله تعالى على إنزال المائدة. وعلى هذا أخذه الزمخشري، وقال: ما وصفهم الله
_________________
(١) في أ، ب: «فتقديره».
(٢) في د زيادة: «يعود».
[ ٢ / ٢٣١ ]
بِالإيمان، وإنما حكى دعواهم في قولهم: «آمَنَّا» (^١).
وقال ابن عطية وغيره: ليس لأنهم شكُّوا في قدرة الله؛ لكنه بمعنى: هل يفعل ربك هذا؟، وهل يقع منه إجابةٌ إليه؟ (^٢).
وهذا أرجحُ؛ لأن الله أثنى على الحواريين في مواضع من كتابه، مع أنَّ في اللفظ بشاعةً تُنكر.
وقرئ: ﴿تَسْتَطِيعُ﴾ - بتاء الخطاب - ﴿رَبَّكَ﴾ بالنصب؛ أي: هل تستطيع سؤالَ ربِّكَ.
وهذه القراءة لا تقتضي أنهم شكُّوا، وبها قرأت عائشة ﵂، وقالت: «كان الحواريون أعرف بربهم من أن يقولوا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾» (^٣).
﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ موضع ﴿أَنْ﴾: مفعولٌ بقوله: ﴿يَسْتَطِيعُ﴾ على القراءة بالياء. ومفعولٌ بالمصدر - وهو السؤالُ المقدَّر - على القراءة بالتاء.
والمائدة: التي عليها طعامٌ، فإن لم يكن عليها طعام فهي خِوانٌ.
﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قوله لهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ يحتمل أن يكون: زجرًا عن طلب المائدة، واقتراح الآيات.
_________________
(١) انظر: الكشاف (٥/ ٥٣٣).
(٢) انظر: المحرر الوجيز (٣/ ٢٩٨).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٢٤٣).
[ ٢ / ٢٣٢ ]
ويحتمل أن يكون زجرًا عن الشكِّ الذي يقتضيهِ قولهم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ على مذهب الزمخشري.
أو عن البشاعةِ التي في اللفظِ وإن لم يكن فيه شكٌّ.
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾:
هو على ظاهره على مذهب الزمخشري.
وأما على مذهب ابن عطية وغيره: فهو تقريرٌ لهم؛ كما تقول: «افعل كذا إن كنت رجلًا»، ومعلوم أنه رجل.
وقيل: إنَّ هذه المقالة صدرت منهم في أوَّل الأمرِ، قبل أن يروا معجزاتِ عيسى.
﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ أي: أكلًا نتشرف به بين الناسِ، وليس مرادهم شهوةَ البطنِ.
﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ أي: نعاين الآية، فيصير إيماننا بالضرورةِ والمشاهدةِ فلا تَعْرِضُ لنا الشكوكُ التي تعرض في الاستدلالِ.
﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ ظاهره يقوي قولَ من قال: إنهم إنما قالوا ذلك قبل تمكنِ إيمانهم.
ويحتمل أن يكون المعنى: نعلمَ علمًا ضروريًّا لا يحتمل الشكَّ.
﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: نشهدُ بها عند مَنْ لم يحضرها من الناسِ.
﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾ أجابهم عيسى إلى سؤالِ المائدةِ من اللهِ.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
وروي أنه لبس جُبَّةَ شعر ورداء شعر، وقام يصلي ويدعو ويبكي.
﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ قيل: نتَّخِذُ يومَ نزولها عيدًا يدور كلَّ عام، لأول الأمة، ثم لمن بعدهم.
وقال ابن عباس: المعنى: تكون مجتمعًا لجميعنا أوَّلِنا وآخِرِنا في يوم نزولها خاصة، لا عيدًا (^١) يدور.
﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ أي: علامةً على صدقي.
﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ أجابهم الله إلى ما طلبوا، ونزلت المائدة عليها خبز وسمك.
وقيل: زيتون وتمر ورمان.
وقال ابن عباس: كان طعام المائدة ينزل عليهم حيثما نزلوا.
وفي قصة المائدة قَصَص كثيرٌ غيرُ صحيح.
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ﴾ عادةُ الله ﷿ عقابُ مَنْ كفر بعد اقتراح آيةٍ فأُعطيتْهُ، ولما كفر بعض هؤلاء مَسَخهم الله خنازير.
قال عبد الله بن عمر: أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة مَنْ كفر من أصحاب المائدة، وآلُ فرعون، والمنافقون (^٢).
_________________
(١) في أ، ب، ج، هـ: «لا عيد».
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٣٢).
[ ٢ / ٢٣٤ ]
[﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾].
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس والجمهور: هذا القول من الله يكون يوم القيامة على رؤوس الخلائق؛ ليرى الكفارُ تبرئةَ عيسى مما نسبوه إليه، ويعلمون أنهم كانوا على باطل.
وقال السُّدِّيُّ: لما رَفع الله عيسى إليه قالت النصارى ما قالت، وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله الله حينئذ عن ذلك، فقال: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ الآية، فعلى هذا:
يكون ﴿إِذْ قَالَ﴾ ماضيًا في معناه؛ كما هو في لفظه.
وعلى قول ابن عباس: يكون بمعنى المستقبل.
﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ نفيٌ يعضُده دليل العقل؛ لأن المحَدَث لا يكون إلها.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ اعتذارٌ وبراءةٌ من ذلك القول، ووكلَ العلمَ إلى الله؛ لتظهر براءتُه؛ لأن الله عَلِم أنه لم يقل ذلك.
﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي: تعلم معلومي ولا أعلم معلومَك، ولكنه سلك باللفظ مَسْلَكَ المشاكلة؛ فقال: ﴿فِي نَفْسِكَ﴾؛ مقابلةً لقوله: ﴿فِي نَفْسِي﴾ (^١).
وبقيةُ كلامه تعظيمٌ لله، وإخبارٌ بما قال للناس في الدنيا.
﴿أَنِ اعْبُدُوا﴾ ﴿أَنِ﴾ حرف عبارة وتفسير.
أو مصدرية؛ بدلٌ من الضمير في ﴿بِهِ﴾.
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فيها سؤالان: الأول: كيف قال: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وهم كفَّارٌ؛ والكفَّار لا يُغفَر لهم؟
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله في تفسير الآية: «أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك» إلخ، أقول: هذا تفسير منه للموصول في الموضعين: ﴿مَا فِي نَفْسِي﴾ و﴿مَا فِي نَفْسِكَ﴾، فيكون المعنى تعلم الذي أعلمه، ولا أعلم الذي تعلمه، وهذا يشمل ما يُبدَى وما يُخفَى، وهذا أعم مما يدل عليه لفظ الآية، والله يعلم ما يبديه العبد وما يخفيه، ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، والعبد يعلم من معلوم الله ما أعلمه به، ولا يعلم العبد ما يخفيه سبحانه، فلا يعلم ما استأثر الله بعلمه، ولا كلَّ ما أعلم به بعض عباده، فقول عيسى ﵇: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ أي ما أخفيه، ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي ما تخفيه. ولم يذكر المؤلف ﵀ معنى النفس في الآية، وأليقُ معاني النفس في مثل هذا السياق أن يراد بها الذات، كما يقال: جاء محمد نفسه، وهذا الشيء نفسُ ذاك، أي هو هو، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾. والله أعلم.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
والجواب: أن المعنى: تسليمُ الأمر لله، وأنه إن عذَّب أو غفر فلا اعتراضَ عليه؛ لأن الخلق عبادُه، والمالك يفعل في مُلكه ما يشاء، ولا يلزم من هذا وقوعُ المغفرة للكفار، إنما يقتضي جوازَها في حِكْمة الله تعالى وعزَّته، وفرَّقَ بين الجواز والوقوع.
وأما على قول من قال: إن هذا الخطاب لعيسى ﵇ حين رفعه الله إلى السماء، فلا إشكالَ؛ لأن المعنى: إن تغفر لهم بالتوبة، وكانوا حينئذ أحياءً، وكل حيٍّ معرضٌ للتوبة.
السؤال الثاني: ما مناسبةُ قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ لقوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ والأليق مع ذكر المغفرة أنْ لو قيل: «فإنك أنت الغفور الرحيم»؟.
والجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: يظهر لي: أنه لما قصد التسليم لله والتعظيم له، كان قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أليقَ؛ فإن الحكمة تقتضي التسليم له، والعزَّة تقتضي التعظيم له؛ فإن العزيز: هو الذي يفعل ما يريد، ولا يغلبه غيرُه، ولا يمتنع عليه شيءٌ أراده، فاقتضى الكلام تفويضَ الأمر إلى الله في المغفرة لهم أو عدم المغفرة؛ لأنه قادرٌ على كلا الأمرين؛ لعزَّته، وأيهما فعَل فهو جميل؛ لحكمته.
الجواب الثاني: -قاله شيخُنا الأستاذ أبو جعفر ابنُ الزبير-: إنما لم يقل «الغفور الرحيم»؛ لئلا يكون في ذلك تعريضٌ بطلب المغفرة لهم، فاقتصر
[ ٢ / ٢٣٧ ]
على التسليم والتفويض دون الطلب؛ إذ لا تطلب المغفرة لكافرٍ (^١).
وهذا قريب من قولنا.
الثالث: حكى شيخنا الخطيب أبو عبد الله بنُ رُشَيْدٍ (^٢) عن شيخه إمام البلغاء في وقته حازم ابن حازم (^٣) أنه كان يقف على قوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾، ويجعل ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ استئنافًا، وجواب ﴿إِنَّ﴾ في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾؛ كأنه قال: إن تعذبهم وإن تغفر لهم فإنهم عبادك على كل حال.
﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ عمومٌ في جميع الصادقين، وخصوصٌ في عيسى بن مريم؛ فإن في ذلك إشارةً إلى صدْقه في الكلام الذي حكاه الله عنه.
وقرأ غير نافع: ﴿هَذَا يَوْمُ﴾ بالرفع؛ على الابتداء والخبر.
وقرأ نافع بالنصب؛ وفيه وجهان:
أحدهما: أن يكون ﴿يَوْمَ﴾ ظرفًا لـ ﴿قَالَ﴾؛ فعلى هذا: لا تكون الجملة معمولَ القول، وإنما معموله ﴿هَذَا﴾ خاصةً، والمعنى: قال الله هذا القصص أو (^٤) الخبر في يوم. وهذا بعيدٌ مُزيلٌ لِرَوْنَقِ الكلام.
_________________
(١) انظر: ملاك التأويل (١/ ٤٠٨).
(٢) هو محمد بن عمر، ابنُ رُشَيْد الفهري السبتي، أبو عبد الله محب الدين، ولد سنة (٦٥٧ هـ)، وتوفي سنة (٧٢١ هـ). انظر: بغية الوعاة، للسيوطي (١/ ١٩٩).
(٣) هو حازم بن محمد بن حسن بن محمد بن خلف بن حازم الأنصاري القرطبي النحوي، أبو الحسن، شيخ البلاغة والأدب في عصره، له كتاب «سراج البلغاء» في البلاغة، ولد سنة (٦٠٨ هـ)، وتوفي سنة (٦٨٤ هـ). انظر: بغية الوعاة، للسيوطي (١/ ٤٩١).
(٤) في ب، د: «و».
[ ٢ / ٢٣٨ ]
والآخر: أن يكون ﴿هَذَا﴾ مبتدأً، و﴿يَوْمُ﴾ في موضع خبره، والعامل فيه محذوفٌ؛ تقديره: هذا واقعٌ يومَ ينفع الصادقين صدقهم.
ولا يجوز أن يكون ﴿يَوْمَ﴾ مبنيًّا على قراءة نافع؛ لأنه أضيف إلى مُعْرَبٍ. قاله الفارسي والزمخشري (^١).
_________________
(١) انظر: الكشاف (٥/ ٥٤٩).
[ ٢ / ٢٣٩ ]