[﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤) وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦) لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ خطابٌ على العموم، وقد تكلَّمنا على التقوى
[ ٢ / ٥ ]
في أوَّل «البقرة» (^١).
﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ هو آدمُ ﵇.
﴿زَوْجَهَا﴾ هي حوَّاءُ؛ خُلِقت من ضِلَعِ آدمَ.
﴿وَبَثَّ﴾ نشَر.
﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ أي: يقول بعضكم لبعض: أسألك بالله أن تفعل كذا. ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالنصب عطفٌ: على اسم الله؛ أي: اتقوا الأرحام فلا تقطعوها.
أو على موضع الجار والمجرور -وهو ﴿بِهِ﴾ -؛ لأنَّ موضعه نصبٌ. وقرئ بالخفض: عطفًا على الضمير في ﴿بِهِ﴾، وهو ضعيف عند البصريين؛ لأن الضمير المخفوض لا يُعطف عليه إلَّا بإعادة الخافض.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ إذا تحقَّق العبد بهذه الآية وأمثالها استفاد مقام المراقبة، وهو مقام شريفٌ، أصله: علمٌ، وحال، ثم يُثمر حالَين.
أما العلم: فهو معرفة العبد بأن الله مَطَّلِعٌ عليه، ناظرٌ إليه، يرى جميع أعماله، ويسمع جميع أقواله، ويعلم كلَّ ما يخطر على باله.
وأما الحال: فهو ملازمة هذا العلم للقلب، بحيث يَغلِب عليه ولا يَغفُل عنه، ولا يكفي العلم دون هذه الحال.
_________________
(١) انظر صفحة ١/ ٢٦٥.
[ ٢ / ٦ ]
فإذا حصل العلم والحال:
كانت ثمرتُهما عند أصحاب اليمين: الحياءَ من الله، وهو يوجب بالضرورة تركَ المعاصي، والجدَّ في الطاعات.
وكانت ثمرتُهما عند المقرَّبين: المشاهدة التي توجب التعظيم والإجلال لذي الجلال.
وإلى هاتين الثمرتين أشار رسول الله ﷺ بقوله: «الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (^١).
فقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه» إشارةٌ إلى الثمرة الثانية، وهي المشاهدة الموجبة للتعظيم؛ كمن يشاهد ملِكًا عظيمًا، فإنه يعظّمه إذ ذاك بالضرورة.
وقوله: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» إشارةٌ إلى الثمرة الأولى، ومعناه: إن لم تكن من أهل المشاهدة التي هي مقام المقرَّبين، فاعلمْ أنه يراك؛ فكن من أهل الحياء الذي هو مقام أصحاب اليمين، فلما فسَّر الإحسان أوَّل مرَّةٍ بالمقام الأعلى؛ رأى أن كثيرًا من الناس قد يَعجزون عنه، فنزل عنه إلى المقام الآخر.
واعلمْ أن المراقبة لا تستقيم حتى يتقدَّمَ (^٢) قبلها: المشارطة، والمرابطة، ويتأخَّرَ عنها: المحاسبة، والمعاقبة.
فأما المشارطة: فهي اشتراط العبد على نفسه التزام الطاعة وترك المعاصي.
_________________
(١) تقدم تخريجه في صفحة ١/ ١٥٥.
(٢) في أ، ب، ج، هـ: «تتقدم».
[ ٢ / ٧ ]
وأما المرابطة: فهي معاهدة العبد لربِّه على ذلك.
ثم بعد المشارطة والمرابطة في أول الأمر تكون المراقبة إلى آخره.
وبعد ذلك (^١) يحاسب العبدُ نفسَه على ما اشترطه وعاهد عليه، فإن وجد نفسه قد أوفى بما عاهد عليه الله: حمد الله.
وإن وجد نفسه قد حلَّ عُقْدَةَ (^٢) المشارطة، ونقض عهد المرابطة: عاقب النفس عقابًا يزجرُها (^٣) عن العودة إلى مثل ذلك.
ثم عاد إلى المشارطة، والمرابطة، وحافظ على المراقبة، ثم اختبر بالمحاسبة، فهكذا يكون إلى أن يلقى الله تعالى.
﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ خطابٌ للأوصياء.
وقيل: للعرب الذين لا يورِّثون الصغير مع الكبير؛ فأُمِروا أن يورِّثوهم.
وعلى القول بأنَّ الخطاب للأوصياء:
فالمراد: أن يؤتوا اليتامى من أموالهم ما يأكلون ويلبسون في حال صِغَرهم؛ فيكون اليتيم على هذا حقيقةً.
وقيل: المراد: دفع أموالهم إذا بَلَغوا؛ فيكون اليتيم على هذا مجازًا؛ لأن اليتيم قد كَبِرَ.
﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ كان بعضهم يبدِّل الشاةَ السمينة من مال اليتيم
_________________
(١) في د زيادة: «تكون المحاسبة».
(٢) في ب، ج، هـ: «عقد».
(٣) في ب: «بأن يزجرها».
[ ٢ / ٨ ]
بالمَهزولة من ماله، والدرهم الطيِّب بالزائف؛ فنُهوا عن ذلك.
وقيل: المعنى: لا تأكلوا مالهم (^١) - وهو الخبيث -، وتدعوا مالكم (^٢) -وهو الطيب-.
﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ المعنى: نهيٌ أن يأكلوا أموال اليتامى مجموعةً إلى أموالهم.
وقيل: نهيٌ عن خلط أموالهم بأموال اليتامى، ثم أُبيح ذلك بقوله: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
وإنما تعدَّى الفعل بـ «إلى»؛ لأنه تضمن معنى الجمع والضم.
وقيل: «إلى» بمعنى «مع».
﴿حُوبًا﴾ أي: ذنبًا.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا﴾ الآية؛ قالت عائشة: نزلت في أولياء اليتامى الذين يعجبهم جمالُ ولياتهم، فيريدون أن يتزوجوهنَّ ويبخسوهنَّ في الصَّداق؛ لمكان ولايتهم عليهنَّ، فقيل لهم: أقسطوا في مهورهن، فمن خاف أن لا يُقسط فليتزوَّج ما طاب له من الأجنبيات اللاتي يوفِّيين حقوقهنَّ.
وقال ابن عباس: إن العرب كانت تتحرَّج في أموال اليتامى، ولا تتحرَّج في العدل بين النساء، فنزلت الآية في ذلك؛ أي: كما تخافون أن لا تقسطوا
_________________
(١) في ب، ج، هـ، د: «أموالهم».
(٢) في د: «أموالكم».
[ ٢ / ٩ ]
في اليتامى فكذلك خافوا في النساء.
وقيل: إن الرجل منهم كان يتزوج العشر وأكثر، فإذا ضاق مالُهُ أخَذ مال يتيمه، فقيل لهم: إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فاقتصروا في النساء.
﴿مَا طَابَ﴾ أي: ما حلَّ.
وإنما قال «ما» ولم يقل «مَنْ»:
لأنه أراد الجنس.
وقال الزمخشري: لأن الإناث من العقلاء يُجرَى مُجْرَى غيرِ العقلاء؛ ومنه قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (^١).
﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ لا تنصرف؛ للعدل والوصف.
وهي: حالٌ من ﴿مَا طَابَ﴾.
وقال ابن عطية: بدلٌ (^٢).
وهي معدولةٌ عن أعدادٍ مكرَّرة، ومعنى التكرار فيها: أن الخطاب لجماعةٍ؛ فيجوز لكل واحد منهم أن يَنكح ما أراد من تلك الأعداد، فتكرَّرت الأعداد بتكرار (^٣) الناس.
والمعنى: انكحوا اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، وفي ذلك منعٌ لما كان في الجاهلية مِنْ تزوُّجِ ما زاد على الأربع.
_________________
(١) الكشاف (٤/ ٤٢٣).
(٢) المحرر الوجيز (٢/ ٤٦٦).
(٣) في ج، هـ: «بتعدُّد».
[ ٢ / ١٠ ]
وقال قوم لا يُعبأ بقولهم: إنه يجوز الجمع بين تسع؛ لأن مثنى وثلاث ورباع يجتمعُ منه تسعةٌ، وهذا خطأٌ؛ لأن المراد التَّخييرُ بين تلك الأعداد لا الجمعُ، ولو أراد الجمع لقال: «تسع»، ولم يعدل عن ذلك إلى ما هو أطولُ منه وأقلُّ بيانًا، وأيضًا قد انعقد الإجماع على تحريم ما زاد على الرابعة.
﴿فَوَاحِدَةً﴾ أي: إن خفتم أن لا تعدلوا بين الاثنين (^١) أو الثلاث أو الأربع فاقتصروا على واحدة، أو على ما ملكت أيمانكم من قليلٍ أو كثيرٍ؛ رغبةً في العدل.
وانتصاب (^٢) ﴿فَوَاحِدَةً﴾ بفعل مضمر؛ تقديره: فانكحوا واحدةً.
﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ الإشارة إلى الاقتصار على الواحدة، والمعنى: أن ذلك أقرب إلى أن لا تعولوا.
ومعنى ﴿تَعُولُوا﴾: تميلوا، وقيل: يَكثرُ عيالُكم.
﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ خطابٌ للأزواج.
وقيل: للأولياء؛ لأن بعضهم كان يأكل صداق وليّته.
وقيل: هي (^٣) نهيٌ عن الشِّغار.
﴿نِحْلَةً﴾ أي: عطيَّةً منكم لهنَّ، أو عطيَّةً من الله.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «الاثنين».
(٢) في ب: «وانتصب».
(٣) في ب، د، هـ: «هو».
[ ٢ / ١١ ]
وقيل: معنى ﴿نِحْلَةً﴾ أي: شِرْعَةً وديانةً (^١).
وانتصابه:
على المصدر من معنى: آتوهن.
أو على الحال من ضمير المخاطبين.
﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ﴾ الآية؛ إباحة للأزواج أو الأولياء - على ما تقدَّم من الخلاف - أن يأخذوا ما دفعه النساءُ مِنْ صَدُقاتهنَّ عن طيب أنفسهن.
والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ يعود:
على الصَّداق.
أو على الإيتاء.
﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ عبارةٌ عن التَّحليل، ومبالغةٌ في الإباحة.
وهما صفتان؛ من قولك: «هَنُؤَ الطعامُ ومَرُؤَ»: إذا كان سائغًا لا تنغيص فيه.
وهما: وصفٌ للمصدر؛ أي: أكلًا هنيئًا.
أو حال من ضمير الفاعل (^٢).
_________________
(١) في ب: «ودينًا».
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية، ولعل صوابه: «حال من ضمير المفعول»، أي: حال كونِ المأكول هنيئًا مريئًا، كما تومئ إليه عبارة الزمخشري في كشافه حيث قال (٤/ ٤٣٥): «وهما وصف للمصدر، أي: أكلًا هنيئًا مريئًا، أو حالٌ من الضمير؛ أي: كلوه وهو [أي: المأكول] هنيءٌ مريءٌ»، وقال أبو حيان (٦/ ٤٢٧) «وانتصاب (هنيئًا) .. على أنه حال من ضمير المفعول، هكذا أعربه الزمخشري وغيره» والله أعلم.
[ ٢ / ١٢ ]
وقيل: يوقف على ﴿فَكُلُوهُ﴾، ويبتدأ: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ على الدعاء.
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾ قيل: هم أولاد الرجل وامرأته؛ أي: لا تؤتوهم أموالكم للتبذير.
وقيل: السفهاء: المحجورون، و﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ أي: أموال المحجورين، وأضافها إلى المخاطبين؛ لأنهم ناظرون عليها وهي تحت ولايتهم.
﴿قِيَامًا﴾ جمع قِيَمَة.
وقيل: بمعنى «قيام» بالألف؛ أي: تقومُ بها معايشُكم (^١).
﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ قيل: إنها فيمن تلزم الرجل نفقته من زوجته وأولاده.
وقيل: في المحجورين؛ يُرزقون ويُكسون من أموالهم.
﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ أي: ادعوا لهم بخير، أو عِدُوهم وعدًا جميلًا؛ أي: إن رَشَدتُّم دفعنا لكم أموالكم.
﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ أي: اختبروا رشْدَهم.
﴿بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ بلغوا مَبْلغ الرجال.
﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ الرُّشد: هو المعرفة بمصالحه وتدبير ماله، وإن لم يكن من أهل الدِّين. واشترط قومٌ الدين.
_________________
(١) في أ، ب: «معاشكم»، وفي هـ: «على معاشهم»، وفي ج: «على معايشكم».
[ ٢ / ١٣ ]
واعتبر مالك: البلوغَ والرشد؛ وحينئذٍ يدفع المال (^١).
واعتبر أبو حنيفة: البلوغ وحده؛ ما لم يظهرْ سفَهٌ.
وقوله مخالف للقرآن.
﴿وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ معناه: مبادرةً لِكِبَرِهم؛ أي: إن الوصيَّ يَستغنم أكلَ مال اليتيم قبل أن يَكبرَ.
وموضع ﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾ نصبٌ:
على المفعولية بـ ﴿وَبِدَارًا﴾.
أو على المفعول من أجله؛ تقديره: مخافةَ أن يَكبروا.
﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أمر الوصيَّ (^٢) الغنيَّ أن يَستعفف عن مال اليتيم (^٣)، ولا يأكلَ منه شيئًا.
﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال عمر بن الخطاب: المعنى: أن يَستسلفَ الوصيُّ الفقيرُ من مال المحجور (^٤)، فإذا أيسرَ ردَّه.
وقيل: المراد: أن يكون له أُجرةٌ بقَدْرِ عمله وخدمته.
ومعنى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ من غير إسراف.
وقيل: نسخها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾.
_________________
(١) في هامش ب زيادة: «إليه».
(٢) في ب: «أمرٌ للوصيِّ».
(٣) في د: «المحجور».
(٤) في د: «اليتيم».
[ ٢ / ١٤ ]
﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ أمر بالتحرُّز والحزم؛ فهو ندبٌ، وقيل: فرض.
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ الآية؛ سببها: أن بعض العرب كانوا لا يورثون النساء، فنزلت الآية؛ ليرثَ الرجال والنساء (^١).
﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ منصوب انتصاب المصدر المؤكّد؛ كقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾.
وقال الزمخشري: منصوب على التَّخصيص؛ بمعنى: أعني نصيبًا (^٢).
﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ الآية؛ خطاب للوارثين؛ أُمِروا أن يتصدَّقوا من الميراث على قرابتهم، وعلى اليتامى والمساكين.
فقيل: إن ذلك على الوجوب.
وقيل: على الندب؛ وهو الصحيح.
وقيل: نُسِخ بآية المواريث.
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ﴾ الآية؛ معناها: الأمر لأولياء اليتامى أن يُحسنوا إليهم في نظر أموالهم، فيخافوا الله على أيتامهم كخوفهم على ذُرِّيَّتهم لو تركوهم ضعافًا، ويُقَدِّروا ذلك في أنفسهم؛ حتى لا يفعلوا خلاف الشَّفقة والرحمة.
وقيل: هم الذين يجلسون إلى المريض فيأمروه أن يتصدَّق بماله حتى يُجحِفَ بورثته، فأُمِروا أن يخشوا على الورثة كما يخشون على أولادهم.
وحُذف مفعولُ ﴿وَلْيَخْشَ﴾.
_________________
(١) في د: «بميراث الرجال والنساء».
(٢) الكشاف (٤/ ٤٤٦).
[ ٢ / ١٥ ]
و﴿خَافُوا﴾ جواب ﴿لَوْ﴾.
﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾ على القول الأول: ملاطفةُ الوصيِّ لليتيمِ بالكلامِ الحسن.
وعلى القول الثاني: أن يقول للموروث: «لا تُسرفِ في وصيتك وارفق بورثتك».
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ قيل: نزلت في الذين لا يُورِّثون الإناث. وقيل: في الأوصياء.
ولفظها (^١) عامٌّ في كل من أكل مال يتيمٍ بغير حق.
﴿يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ أي: إِنَّ أكْلَهُم لمال اليتامى يؤول إلى دخولهم النار. وقيل: بل يأكلون النار في جهنم.
_________________
(١) في ج، هـ: «وقولها».
[ ٢ / ١٦ ]
[﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾].
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ هذه الآية نزلت بسبب بنات (^١) سعد بن الربيع. وقيل: بسبب جابر بن عبد الله؛ إذ عاده (^٢) رسول الله ﷺ في مرضه.
ورفعت ما كان في الجاهلية من ترك توريث النساء والأطفال.
_________________
(١) في ب: «بنت»، ولم ترد في ج، هـ.
(٢) في ب: «دعاه».
[ ٢ / ١٧ ]
وقيل: نَسخت: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠].
وإنما قال: ﴿يُوصِيكُمُ﴾ بلفظ الفعل الدَّائم، ولم يقل: «أوصاكم»؛ تنبيهًا على نسخ ما مضى والشروع في حكم آخر.
وإنما قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ بالاسم الظاهر، ولم يقل: «نوصيكم»؛ لأنه أراد تعظيم الوصية، فجاء بالاسم الذي هو أعظم الأسماء.
وإنما قال: ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ ولم يقل: «في أبنائكم»؛ لأن الابن يقع على الابن من الرَّضاعة، وعلى ابن البنت، وعلى الابن المتبنَّى (^١)، وليسوا من الورثة.
﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ هذا بيانٌ للوصية المذكورة.
فإن قيل: هلا قال: «للأنثيين مثل حظ الذكر»، أو «للأنثى نصف حظ الذكر»؟
فالجواب: أنه بدأ بالذَّكر لفضله، ولأن القصد ذِكْرُ حظِّه، ولو قال: «للأنثيين مثل حظ الذكر» لكان فيه تفضيلٌ للإناث (^٢).
﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ إنما أنَّث ضمير الجماعة في ﴿كُنَّ﴾؛ لأنه قَصَد الإناث وأصله أن يعود على الأولاد؛ لأنه يشمل الذكور والإناث.
وقيل: يعود على المتروكات.
_________________
(١) في د: «وعلى ابن التبنِّي».
(٢) انظر: الكشاف (٤/ ٤٥٥).
[ ٢ / ١٨ ]
وأجاز الزمخشري أن تكون «كان» تامةً، والضمير مبهم، و﴿نِسَاءً﴾ تفسير (^١).
﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ ظاهره: أكثر من اثنتين، ولذلك أُجمع على أن للثلاث فما فوقهن الثلثين (^٢).
وأما البنتان: فاختلف فيهما:
فقال ابن عباس: لهما النصف، كالبنت الواحدة.
وقال الجمهور: لهما الثلثان، وتأولوا ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾: أن المراد: اثنتان فما فوقهما.
وقال قوم: إن ﴿فَوْقَ﴾ زائدة؛ كقوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] وهذا ضعيف.
وقال قوم: إنما وجب لهما الثلثان بالسنة لا بالقرآن.
وقيل: بالقياس على الأختين.
﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً﴾ بالرفع: فاعل، و«كان» تامة.
وبالنصب: خبر «كان».
وقوله تعالى: ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾ نصٌ على أن للبنت النصف إذا انفردت، ودليلٌ على أن للابن جميع المال إذا انفرد؛ لأن للذكر مثل حظ الأنثيين.
_________________
(١) الكشاف (٤/ ٤٥٧).
(٢) في أ، ب، ج، هـ: «الثلثان».
[ ٢ / ١٩ ]
﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ الولد: يقع على الذكر والأنثى، والواحد والاثنين والجماعة، سواء كان للصُّلْبِ، أو ولدِ ابنٍ، وكُلُّهم يَرُدُّ الأبوين إلى السُّدس.
﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ لم يجعل الله للأم الثلث إلَّا بشرطين:
أحدهما: عدم الولد.
والآخر: إحاطة الأبوين بالميراث؛ ولذلك دخلت الواو؛ لتعطف أحد الشرطين على الآخر.
وسكت عن حظِّ الأب؛ استغناءً بفهمه؛ لأنه لا يبقى بعد الثلث إلَّا الثلثان، ولا وارث إلَّا الأبوان، فاقتضى ذلك أن الأب (^١) يأخذ بقية المال؛ وهو الثلثان.
﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ أجمع العلماء على أن ثلاثةً من الإخوة يَرُدُّون الأمَّ إلى السُّدس.
واختلفوا في الاثنين:
فمذهب الجمهور: أنهما يَرُدَّانها إلى السُّدس.
ومذهب ابن عباس: أنهما لا يردَّانها إليه، بل هما كالأخ الواحد.
وحجَّته: أن لفظ الإخوة لا يقع على الاثنين؛ لأنه جمعٌ لا تثنيةٌ، وأقلُّ الجمع ثلاثة.
وقال غيره: إن لفظ الجمع قد يقع على الاثنين؛ كقوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ
_________________
(١) في د: «الوالد».
[ ٢ / ٢٠ ]
شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، و﴿تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١]، و﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠]، واحتجُّوا بقوله ﷺ: «الاثنان فما فوقهما جماعة» (^١)، وقال مالك: مضت السُّنة أن الإخوة اثنان فصاعدًا، ومذهبه: أن أقل الجمع اثنان.
فعلى هذا: يَحجُبُ الأخوان فصاعدًا الأمَّ عن الثلث إلى السدس، سواءٌ كانا شقيقين أو لأب أو لأم، أو مختلفين، وسواءٌ كانا ذكرين أو أنثيين أو ذكرًا وأنثى.
فإن كان معهما أبٌ: ورث بقية المال، ولم يكن للإخوة شيءٌ عند الجمهور، فهم يحجبون الأم، ولا يرثون.
وقال قومٌ: يأخذون السدس الذي حجبوا عنه الأمَّ.
وإن لم يكن أبٌ ورثوا.
﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ يتعلَّق بالاستقرار المضمر في قوله: ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾؛ أي: استقرَّ لهنَّ الثلثان من بعد وصية.
ويمتنع أن يتعلَّق بـ ﴿تَرَكَ﴾.
وفاعل ﴿يُوصَى﴾: الميت.
وإنما قُدِّمت الوصية على الدَّين، والدَّين مقدَّمٌ عليها في الشريعة؛ اهتمامًا
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٤).
[ ٢ / ٢١ ]
بها، وتأكيدًا للأمر بها (^١)، ولئلا يُتهاون بها.
وأُخِّر الدَّين؛ لأن صاحبه يتقاضاه، فلا يحتاج إلى تأكيد في الأمر بإخراجه.
وتُخرَج الوصية من الثلث، والدَّين من رأس المال بعد الكفن.
وإنما ذَكَر الوصية والدَّين نكرتين؛ ليدلَّ على أنهما قد يكونان، وقد لا يكونان؛ فدلَّ ذلك على سقوط وجوب الوصية.
﴿أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ قيل: بالإنفاق إذا احتيج إليه.
وقيل: بالشفاعة في الآخرة.
ويحتمل أن يريد: نفعًا بالميراث من ماله، وهو أليقُ بسياق الكلام.
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ الآية؛ خطابٌ للرجال، وأجمع العلماء على ما تضمنته هذه الآية من ميراث الزوج والزوجة، وأن ميراث الزوجة تنفرد به إن كانت واحدةً، ويُقسَم بينهنَّ إن كنَّ أكثر من واحدة، ولا يُنقَص من ميراث الزوج والزوجة وسائر أهل السهام إلَّا ما نَقَصه العَوْلُ على مذهب جمهور العلماء، خلافًا لابن عباس؛ فإنه لا يقول بالعول.
فإن قيل: لم كرَّر قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ مع ميراث الزوج وميراث الزوجة، ولم يذكره قبل ذلك إلَّا مرَّةً واحدة في ميراث الأولاد والأبوين؟
فالجواب: أن الموروث في ميراث الزوج هو الزوجة، والموروث في ميراث الزوجة هو الزوج، فكل واحدة قضيةٌ على انفرادها؛ فلذلك ذكر
_________________
(١) في د: «لأمرها».
[ ٢ / ٢٢ ]
ذلك مع كل واحدة، بخلاف الأولى؛ فإن الموروث فيها واحدٌ، ذَكَرَ حكمَ ما يرث منه أولاده وأبواه؛ وهي قضيةٌ واحدة؛ فلذلك قال فيها: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ مرَّةً واحدة.
﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ الكلالة: هي انقطاع عمودي النسب؛ وهي خُلُوُّ الميت عن وَلَدٍ و(^١) والد.
ويحتمل أن تطلق هنا على: الميت الموروث، أو على الورثة، أو على الوراثة، أو على القرابة، أو على المال.
[١] فإن كانت للميت فإعرابها:
١ - خبر ﴿كَانَ﴾، و﴿يُورَثُ﴾ في موضع الصفة (^٢).
٢ - أو ﴿يُورَثُ﴾ خبر كان، و﴿كَلَالَةً﴾ حالٌ من الضمير في ﴿يُورَثُ﴾.
٣ - أو تكون ﴿كَانَ﴾ تامةً، و﴿يُورَثُ﴾ في موضع الصفة (^٣) و﴿كَلَالَةً﴾ حال من الضمير.
[٢] وإن كانت للورثة فهي:
١ - خبر ﴿كَانَ﴾؛ على حذف مضاف تقديره: «ذا كلالةٍ».
٢ - أو حال؛ على حذف مضاف أيضًا.
_________________
(١) في أ، ب، ج، هـ: «أو».
(٢) في ب زيادة: «و(كلالةً) حالٌ من الضمير».
(٣) ما بين القوسين سقط من ج، هـ.
[ ٢ / ٢٣ ]
[٣] وإن كانت للوراثة فهي: مصدر في موضع الحال.
[٤] وإن كانت للقرابة فهي: مَفْعُولٌ من أجله، (تقديره: «يورث (^١) من أجل القربى») (^٢).
[٥] وَإِنْ كَانَتْ للمَالِ فَهِيَ: مَفْعُولٌ ثَانٍ لـ ﴿يُورَثُ﴾.
وكل وجه من هذه الوجوه (^٣) على أن تكون:
١ - ﴿كَانَ﴾ تَامَّةً، و﴿يُورَثُ﴾ في موضع الصفة.
٢ - وَأَنْ (^٤) تكون ناقصةً، و﴿يُورَثُ﴾ خبرها.
﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ المراد هنا: الأخ للأم والأخت للأم بإجماع.
وقرأ سعد بن أبي وقاص: «وله أخ أو أخت لأمه»؛ وذلك تفسير للمعنى. ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ إِذَا كَانَ الأخ للأم واحدًا فله السدس، وكذلك إن كانت الأخت للأم واحدةً.
﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ إِذَا كَانَ الإِخوة للأم اثنين فأكثر فَلهم الثلث بِالسَّواء بين الذكر والأنثى؛ لأن قوله: ﴿شُرَكَاءُ﴾ يقتضي التسوية بينهم، ولا خلاف في ذلك.
_________________
(١) هذه الكلمة سقطت من د.
(٢) سقط من ج، هـ.
(٣) في ب: «الأوجه».
(٤) في د: «أو».
[ ٢ / ٢٤ ]
﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ منصوبٌ على الحال، والعامل فيه: ﴿يُوصِي﴾، و﴿مُضَارٍّ﴾ اسم فاعل.
قال ابن عباس: الضّرار في الوصية من الكبائر.
ووجوه المضارَّة كثيرة؛ منها: الوصية لوارث، والوصية بأكثر من الثلث، أو بالثلث؛ فرارًا عن (^١) وارثٍ محتاج.
فإن عُلم أنه قصد بوصيَّته الإضرارَ رُدَّ ما زاد على الثلث اتفاقًا.
واختلف: هل يُردُّ الثلث؟ على قولين في المذهب، والمشهور: أنه ينفذُ.
﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ مؤكّدٌ لقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾.
ويجوز أن ينتصب بـ ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾.
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إشارةٌ إلى ما تقدّم من المواريث وغيرها.
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية؛ تعلَّق بها المعتزلة في قولهم: إن العصاة من المؤمنين يُخلَّدون في النار.
وتأوَّلها الأشعرية: على أنها في الكفار.
_________________
(١) في أ، ب: «من».
[ ٢ / ٢٥ ]
[﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١) وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾].
﴿يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ هي هنا: الزّنا.
﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ أي: من المسلمات؛ لأن المسلمة تُحَدُّ حَدَّ الزنا.
وأما الكافر والكافرة: فاختُلف هل يُحدُّ أو يعاقب؟
﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ قيل: إنما جعل شهداء الزنا أربعةً؛ تغليظًا على المدَّعي، وسترًا على العباد.
وقيل: ليكون شاهدان على كلِّ واحدٍ من الزَّانيين.
[ ٢ / ٢٦ ]
﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ كانت عقوبةُ الزنا الإمساكَ في البيوت، ثم نُسِخَ ذلك بالأذى المذكور بعد هذا؛ وهو السَّبُّ والتَّوبيخ.
وقيل: إن الإمساك في البيوت للنساء، والأذى للرجال، فلا نسخ بينهما. ورجَّحه ابن عطية (^١) وابن الفَرَس (^٢) بقوله - في الإمساك -: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾، وفي الأذى: ﴿مِنكُمْ﴾.
ثم نُسخ الإمساك والأذى بالرَّجم للمُحصَن، وبالجلد لغير المحصن، واستقرَّ الأمر على ذلك.
فأما الجلد: فمذكور في سورة «النور».
وأما الرجم: فقد كان في القرآن، ثم نُسِخَ لفظه وبقي حكمه، وقد رجم رسول الله ﷺ ماعزًا الأسلميَّ (^٣) وغيره.
﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ لما أمر بالأذى للزاني؛ أُمر بالإعراض عنه إذا تاب، وهو ترك الأذى.
﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: إنما يقبل الله توبةَ مَنْ كان على هذه الصفة.
وإذا تاب العبد توبةً صحيحةً بشروطها:
فيُقطع بقبول الله لتوبته عند جمهور العلماء.
_________________
(١) المحرر الوجيز (٢/ ٤٩٠).
(٢) أحكام القرآن، لابن الفرس (٢/ ١٠٣).
(٣) أخرجه البخاري (٥٢٧١)، ومسلم (١٦٩٥).
[ ٢ / ٢٧ ]
وقال أبو المعالي: يغلب ذلك على الظنّ، ولا يُقطع به (^١).
﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ أي: بسفاهة وقلّة تحصيل أدّت إلى المعصية.
وليس المعنى: أنه يجهل أن يكون ذلك الفعل معصيةً؛ قال أبو العالية: أجمع الصحابة على أن كل معصية فهي بجهالةٍ، سواءً كانت عمدًا أو جهلًا (^٢).
﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ قيل: قبل المرض والموت.
وقيل: قبل السّياق، ومعاينة الملائكة، وفي هذا قال رسول الله ﷺ: «إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر» (^٣).
﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾ الآية (^٤)؛ في الذين يُصِرُّون على الذنوب إلى حين لا تقبل التوبة؛ وهو معاينة الموت.
فإن كانوا كفارًا فهم مخلَّدون في النار بإجماع.
وإن كانوا مسلمين فهم في مشيئة الله إن شاء عذّبهم، وإن شاء غفر لهم.
فقوله: ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ثابتٌ في حق الكفار، ومنسوخٌ في حق العصاة من المسلمين بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]؛ فعذابهم مقيَّدٌ بالمشيئة.
_________________
(١) انظر: الإرشاد لأبي المعالي الجويني (ص: ٤٠٤).
(٢) أخرجه الطبري بإسناده في تفسيره (٦/ ٥٠٧).
(٣) أخرجه أحمد (٦١٦٠)، (٦٤٠٨)، والترمذي (٣٥٣٧)، وابن ماجه (٤٢٥٣).
(٤) في د زيادة: «نزلت».
[ ٢ / ٢٨ ]
﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ ابن عباس: كانوا في الجاهلية إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقَّ بامرأته؛ إن شاؤوا تزوَّجها أحدهم، وإن شاؤوا زوَّجوها من غيرهم، وإن شاؤوا منعوها التزوُّج (^١)، فنزلت الآية في ذلك.
فمعنى الآية على هذا: لا يحل لكم أن تجعلوا النساء يُورَثْنَ عن الرجال كما يورث المال.
وقيل: الخطاب للأزواج الذين يمسكون المرأة في العصمة؛ ليرثوا مالها من غير غبطة بها.
وقيل: الخطاب للأولياء الذين يمنعون وليّاتهم (^٢) من التزوُّج؛ ليرثوهن دون الزوج.
﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ معطوفٌ على: ﴿أَنْ تَرِثُوا﴾، أو نهيٌ.
والعضل: المنع.
فقال ابن عباس: هي - أيضًا - في أولياء الزوج الذين يمنعون زوجته من التزوُّج بعد موته.
إلَّا أنَّ قوله: ﴿مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ على هذا معناه: ما آتاها الرجل الذي مات.
وقال ابن عباس أيضًا: هي في الأزواج الذي يمسكون المرأة ويُسيئون عِشْرَتَها؛ حتى تفتديَ بصَداقها.
_________________
(١) في د: «التزويج».
(٢) في أ، ب، ج، هـ: «ولِيَّاتِهِنَّ».
[ ٢ / ٢٩ ]
وهو ظاهر اللفظ في قوله: ﴿مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾، ويقويه قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ فإن الأظهر فيه أن يكون في الأزواج، وقد يكون في غيرهم.
وقيل: هي للأولياء.
﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قيل: الفاحشة هنا: الزنا.
وقيل: نشوزُ المرأة وبغضُها في زوجها، فإذا نَشَزت جاز له أن يأخذ ما آتاها من صَداق وغير ذلك من مالها.
وهذا جارٍ على مذهب مالك في جواز الخلع إذا كان الضرر من المرأة، والزنا أصعب على الزوج من النشوز؛ فيجوز له أخذ الفدية معه.
﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ الآية؛ معناها: إن كرهتم النساء لوجهٍ فاصبروا عليه؛ فعسى أن يجعل الله الخيرَ في وجهٍ آخر.
وقيل: الخير الكثير: الولد.
والأحسن العموم؛ وهذا معنى قوله ﷺ: «لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً؛ إن سخِط منها خلقًا رضيَ منها (^١) آخر» (^٢).
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾ الآية؛ معناها: المنع من أن يأخذ الرجل من المرأة فديةً على الطلاق إذا أراد أن يُبدلها بأخرى، وعلى هذا جرى مذهب مالك وغيره في المنع من (أن يأخذ الرجل) (^٣) الفديةَ إذا كان الضَّرَرُ
_________________
(١) لفظة: «منها» زيادة من د، وهي موافقة لما في الصحيح.
(٢) أخرجه مسلم (١٤٦٩).
(٣) زيادة من هامش أ، ورمز لها بـ «خ».
[ ٢ / ٣٠ ]
وإرادةُ الفراقِ من الزوجِ.
وقال قوم: إنَّ هذه الآية منسوخةٌ بقوله في «البقرة»: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وقال قوم: هي ناسخةٌ.
والصحيح: أنها غير ناسخة ولا منسوخة؛ فإنَّ جواز الفدية على وجهٍ، ومنعها على وجه؛ فلا تعارض ولا نسخ.
﴿قِنطَارًا﴾ مثالٌ على جهة (^١) المبالغة في الكثرة.
وقد استدلَّتْ به المرأةُ على جواز المغالاة في المهور حين نهى عمر بن الخطاب ﵁ عن ذلك؛ فقال عمر ﵁: «امرأةٌ أصابت، ورجل أخطأ، كلُّ الناس أفقهُ منك يا عمر» (^٢).
﴿أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ كنايةٌ عن الجماع.
﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ قيل: هو عُقدةُ (^٣) النكاح.
وقيل: قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وقيل: الأمر بحسن العِشْرة.
﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِنَ النِّسَاءِ﴾ كان بعض العرب يتزوَّج امرأة أبيه بعده؛ فنزلت الآية تحريمًا لذلك.
_________________
(١) في ج، د: «وجه».
(٢) أخرجه البيهقي (١٤/ ٤٧٩).
(٣) في ج: «عقد».
[ ٢ / ٣١ ]
فكلُّ امرأةٍ تزوَّجها رجلٌ حُرِّمت على أولاده ما سَفُلوا، سواءٌ دخل بها أو لم يَدخل؛ فالنكاح في الآية بمعنى العقد.
و﴿مَا نَكَحَ﴾ يعني: النساء، وإنما أطلق عليهن «ما» وإن كانت (^١) ممن يعقلُ؛ لأنَّ المراد الجنس.
فإن زنى رجلٌ بامرأة فاختُلِف هل يحرم تزوُّجها على أولاده أم لا؟
فحرمَّه أبو حنيفة.
وأجازه الشافعي.
وفي المذهب قولان.
واحتج من حرَّمه: بهذه الآية، وحمل النكاح فيها على الوطء.
وقال من أجازه: إنَّ الآية لم تتناوله؛ إذ النكاح فيها بمعنى العقد.
﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أي: إلَّا ما فعلتم في الجاهلية من ذلك، وانقطع بالإسلام؛ فقد عُفي عنه فلا تؤاخذون به، ويدلُّ على هذا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ بعد قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ في المرَّة الأخرى في الجمع بين الأختين.
قال ابن عباس: كانت العرب تحرّم كل ما حرَّمت الشريعةُ، إلَّا امرأة الأب، والجمع بين الأختين. وقيل: المعنى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ فدعوه.
_________________
(١) في د: «كنَّ».
[ ٢ / ٣٢ ]
وقال الزمخشريُّ: المعنى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ فانكحوه إن أمكنكم، وذلك غير ممكن؛ فالمعنى: المبالغة في التحريم (^١).
﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾ «كَانَ» في هذه الآية تقتضي الدَّوام؛ كقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وشبه ذلك.
وقال المبرِّد: هي زائدة. وذلك خطأ؛ لوجود خبرها منصوبًا.
وزاد هنا المقت على ما وصف به الزنا في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]؛ دلالةً على أن هذا أقبح من الزنا.
_________________
(١) الكشاف (٤/ ٤٨٩).
[ ٢ / ٣٣ ]
[﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾].
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية؛ معناها: تحريم ما ذُكر من النساء.
والنساء المحرَّمات على التأبيد ثلاثة أصناف: بالنسب، وبالرَّضاع، وبالمصاهرة.
فأما النَّسب فيحرم به سبعة أصناف؛ وهي المذكورة في هذه الآية.
وضابطها: أنه يحرم على الرجل فُصولُه ما سَفُلَت، وأصولُه ما علَت، وفصول أبويه ما سفلت، وأول فصل من كل أصل متقدّم على أبويه.
[ ٢ / ٣٤ ]
﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ يدخل فيه: الوالدات، والجدَّات من الأم ومن الأب ما عَلَوْنَ.
﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ يدخل فيه: البنت، وبنت الابن، وبنت البنت ما سَفُلن.
﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ يدخل فيه: الأخت الشقيقة، والأخت للأب، والأخت للأم.
﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ يدخل فيه: أخت الوالد، وأخت الجد ما علا؛ سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم.
﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾ يدخل فيه: أخت الأم، وأخت الجدَّة ما علت؛ سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم.
﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾ يدخل فيه: كل من تناسل من الأخ الشقيق، وللأب، وللأم.
﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ يدخل فيه: كل من تناسل من الأخت الشقيقة، وللأب، وللأم.
﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ ذكر تعالى صنفين من الرضاعة وهما: الأم والأخت، وقال رسول الله ﷺ: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (^١).
فاقتضى ذلك: تحريم الأصناف السبعة التي تحرم من النسب، وهي: الأم، والبنت، والأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٦٤٥)، ومسلم (١٤٤٧).
[ ٢ / ٣٥ ]
وتفصيل ذلك يطول.
وفي الرَّضاع مسائلُ لم نذكرْها؛ لأنها ليس لها تعلُّقٌ بألفاظ الآية.
﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ المحرَّمات بالمصاهرة أربع؛ وهنَّ: زوجة الأب، وزوجة الابن، وأم الزوجة، وبنت الزوجة.
فأما الثلاث الأوَّلُ: فتحرُم بالعقد؛ دخل بها أو لم يدخل.
وأما بنت الزوجة: فلا تحرم إلَّا بعد الدخول بأمها.
فإن وطئها حرمت عليه بنتها بإجماع.
وإن تلذَّذ بها دون الوطء: فحرَّمها مالك والجمهور.
وإن عقد عليها ولم يدخل بها: لم تحرم بنتها إجماعًا.
وتحرم هذه الأربع بالرَّضاع كما تحرم بالنسب.
﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ الرَّبيبة: هي بنتُ امرأةِ الرجل من غيره، سُمِّيت بذلك؛ لأنه يُربيها، فلفظها: فَعيلة بمعنى مفعولة.
وقوله: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ على غالب الأمر؛ إذ الأكثر أن تكون الربيبة في حجر زوج أمِّها، وهي محرَّمة؛ سواءٌ كانت في حجره أم لا، هذا عند الجمهور من العلماء، إلَّا ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه أجاز نكاحها إن لم تكن في حجره.
﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ اشتَرط الدخول في تحريم بنت الزوجة خاصة، ولم يشترطه في غيرها، وعلى ذلك جمهور العلماء، إلَّا ما روي عن علي بن أبي طالب أنه اشترط الدخول في تحريم الجميع، وقد
[ ٢ / ٣٦ ]
انعقد الإجماع بعده على خلاف ذلك.
﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ الحلائل: جمع حليلة؛ وهي الزوجة.
﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ تخصيص؛ ليخرج عنه زوجة الابن الذي يتبناه الرجل وهو أجنبيٌّ عنه؛ كتزوُّج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، امرأة زيد بن حارثة الكلبيِّ الذي كان يقال له: زيد بن محمد.
﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ يقتضي تحريم الجمع بين الأختين؛ سواءٌ كانتا شقيقتين أو لأب أو لأم؛ وذلك في الزوجتين.
وأما الجمع بين الأختين المملوكتين في الوطء: فمنعه مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم، ورأوا أنه داخل في عموم لفظ: ﴿الْأُخْتَيْنِ﴾.
وأجازه الظاهرية؛ لأنهم قَصَرُوا الآية على الجمع بالنكاح.
وأما الجمع بين الأختين في الملك دون وطء فجائز باتفاق.
﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ المعنى: إلا ما فعلتم من ذلك في الجاهلية وانقطع بالإسلام؛ فقد عُفي عنكم فلا تؤاخذون به، هذا أرجحُ الأقوال حسبما تقدَّم في الموضع الأول.
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ المراد هنا: ذوات الأزواج، وهو معطوف على المحرمات المذكورات قبله.
والمعنى: أنه لا يحلُّ (^١) نكاح المرأة إذا كانت في عصمة الرجل.
_________________
(١) في د: «لا يجوز».
[ ٢ / ٣٧ ]
﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يريد: السَّبايا في أشهر الأقوال، والاستثناء متصل.
والمعنى: أن المرأة الكافرة إذا كان لها زوج، ثم سُبيتْ جاز لمن ملكها من المسلمين أن يطأها.
وسبب ذلك: أن رسول الله ﷺ بعث جيشًا إلى أوطاسٍ، فأصابوا سبايا من العدوِّ لهنَّ (^١) أزواج من المشركين، فتأثَّم المسلمون من غشيانهنَّ، فنزلت الآية مبيحةً لذلك.
ومذهب مالك: أن السبي يهدم النكاح؛ سواءٌ سُبي الزوجان الكافران معًا أو سُبي أحدهما قبل الآخر.
وقال ابن الموَّاز: لا يهدم السبيُّ النكاحَ.
﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ منصوبٌ على المصدرية؛ أي: كتب الله ذلك عليكم كتابًا، وهو تحريم ما حرَّم.
وهو عند الكوفيين: منصوب على الإغراء.
﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ معناه: أُحلَّ لكم تزوُّج مَنْ سوى ما حرَّم من النساء.
وعطف ﴿أُحِلَّ﴾ على الفعل المضمر الذي نصب ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾، والفاعل هو الله؛ أي: كَتب الله عليكم تحريم مَنْ ذَكر، وأحلَّ لكم ما وراء ذلكم.
_________________
(١) في ج، د: «ولهن».
[ ٢ / ٣٨ ]
﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾ مفعولٌ من أجله، أو بدلٌ من: ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
وحُذِف مفعوله؛ وهو النساءُ.
﴿مُحْصِنِينَ﴾ هنا: أَعِفَّةً. ونصبُه على الحال من الفاعل في ﴿تَبْتَغُوا﴾.
﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي: غير زُناةٍ. والسِّفاح: هو الزنا.
﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ابن عباس وغيره: معناها: إذا استمتعتم بالزوجة، ووقع الوطء، فقد وجب إعطاء الأجر؛ وهو الصَّداق كاملًا.
وقيل: إنها في نكاح المتعة؛ وهو النكاح إلى أجلٍ من غير ميراث، وكان جائزًا في أول الإسلام، فنزلت هذه الآية في وجوب الصداق فيه، ثم حُرِّم عند جمهور العلماء؛ فالآية على هذا منسوخة: بالخبر الثابت في تحريم نكاح المتعة.
وقيل: نسخها آية الفرائض؛ لأن نكاح المتعة لا ميراث فيه.
وقيل: نسخها: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ [المؤمنون: ٥].
وروي عن ابن عباس جواز نكاح المتعة، وروي أنه رجع عنه.
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ﴾ مَنْ قال: إن الآية المتقدمة في مهور النساء؛ فمعنى هذه: جواز ما يتراضون به من حطٍّ من (^١) الصداق، أو تأخيره بعد استقرار الفريضة.
_________________
(١) لم يرد هذا الحرف في ج، هـ، د.
[ ٢ / ٣٩ ]
ومن قال: إن الآية في نكاح المتعة؛ فمعنى هذه: جواز ما يتراضون به من زيادة في مدة المتعة وزيادة في الأجر.
﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ معناها: إباحة تزوُّج الفتيات - وهنَّ الإماء -
للرجل إذا لم يجد طَوْلًا للمحصنات.
والطَّوْل: هو السعة في المال.
والمحصنات هنا: يراد به (^١) الحرائر غير المملوكات.
ومذهب مالك وأكثر أصحابه: أنه لا يجوز للحُرِّ نكاحُ أمَةٍ إلا بشرطين:
أحدهما: عدم الطَّوْل؛ وهو أن لا يجد ما يتزوج به حرةً (^٢).
والآخر: خوف العنت؛ وهو الزِّنا؛ لقوله بعد هذا: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾.
وأجاز ابن القاسم نكاحهن دون الشرطين؛ على القول بأن دليل الخطاب لا يعتبر.
واتَّفقوا على اشتراط الإسلام في الأَمَة التي تُتَزَوَّج (^٣)؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، إلا أهل العراق فلم يشترطوه.
_________________
(١) في د: «بهن».
(٢) في ب، ج، هـ: «بما يتزوج حرة».
(٣) في ج، هـ: «لا تتزوج».
[ ٢ / ٤٠ ]
وإعراب ﴿طَوْلًا﴾:
[١ -] مفعولٌ بالاستطاعةِ، و﴿أَنْ يَنْكِحَ﴾:
بدلٌ منه، فهو في موضع نصبٍ.
(أو في موضع نصبٍ) (^١) بتقدير: «لأن ينكحَ».
[٢ -] ويحتملُ أن يكونَ ﴿طَوْلًا﴾ نُصِبَ على المصدرِ؛ والعاملُ فيه الاستطاعةُ لأنهما بمعنى يتقارب، و﴿أَنْ يَنْكِحَ﴾ على هذا مفعولٌ:
بالاستطاعةِ.
أو بالمصدرِ.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم﴾ معناه: أنهُ يعلمُ بواطنَ الأمورِ ولكم ظواهرُها، فإذا كانتِ الأمةُ ظاهرةَ الإيمانِ، فنكاحُها صحيحٌ، وعِلْمُ باطنِها إلى الله.
﴿بَعْضُكُم مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: إماؤكم منكم؛ وهذا تأنيسٌ بنكاحِ الإماءِ؛ لأن بعضَ العربِ كان يأنفُ من ذلك.
﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ أي: بإذنِ ساداتهنَّ المالكين لهنَّ.
﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: صَدُقاتهنَّ.
وهذا يقتضي أنهنَّ أحقُّ بصَدُقاتهنَّ من ساداتهنَّ، وهو مذهبُ مالك.
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالشَّرعِ على ما تقتضيه السُّنة.
_________________
(١) ما بين القوسين لم يرد في أ، ب، ج، د، ومثبت من هـ، وهو موافق لما في المحرر الوجيز (٢/ ٥٢٠).
[ ٢ / ٤١ ]
﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ أي: عفيفاتٍ غيرَ زانيات.
وهو منصوب على الحال؛ والعامل فيه: ﴿فَانكِحُوهُنَّ﴾.
﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ جمع خِدْنٍ؛ وهو الخليل، وكان من نساء الجاهلية مَنْ تتخذ خِدْنًا تزني معه خاصة، ومنهنَّ مَنْ كانت لا ترُدُّ يد لامسٍ.
﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ معنى ذلك: أن الأمَة إذا زنت بعد أن أُحْصِنت فعليها نصف حدِّ الحرة، فإن الحرة تُجلد في الزنا مئة جلدة، والأمَة تجلد خمسين.
فـ ﴿إِذَا أُحْصِنَّ﴾ يريد به هنا: تزوَّجْنَ، والفاحشة هنا: الزنا، و﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ هنا: الحرائر، و﴿الْعَذَابِ﴾ هنا: الحدُّ (^١).
فاقتضت الآية: حدَّ الأمة إذا زنت بعد أن تزوَّجت، ويؤخذ حدُّ غير المتزوِّجة من السنة؛ وهو مثل حدِّ المتزوِّجة.
وهذا على (^٢) قراءة ﴿أُحْصِنَّ﴾ بضم الهمزة وكسر الصاد.
وقرئ بفتحهما، ومعناه:
أَسْلَمن.
وقيل: تزوَّجن.
﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾ الإشارة إلى تزوُّج الأمة؛ أي: إنما يجوز لمن خَشِي على نفسه الزنا، لا لمن يملك نفسه.
_________________
(١) في د: «الجلد».
(٢) في ب، ج، هـ: «وعلى هذا».
[ ٢ / ٤٢ ]
﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ المراد: الصبر عن نكاح الإماء، وهذا نَدْبٌ إلى تركه، وعِلَّته: ما يؤدي إليه من استرقاق الولد.
[ ٢ / ٤٣ ]
[﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾].
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ قال الزمخشري: «أصله: أن يبين؛ فزيدت اللام مؤكِّدة، كما زيدت في: لا أبا لك» (^١).
وقال الكوفيون: اللام مصدرية؛ مثل: «أن».
﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين؛ لتقتدوا بهم.
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ كُرِّر توطئةً لفساد إرادة الذين يتبعون الشهوات، وهم هنا: الزناة عند مجاهد.
_________________
(١) الكشاف (٤/ ٥١٣).
[ ٢ / ٤٤ ]
وقيل: المجوس؛ لنكاحهم ذواتِ المحارم.
وقيل: عامٌّ في كل متبع شهوةً. وهو أرجح.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ يقتضي سياقُ الكلام التخفيف الذي وقع في إباحة نكاح الإماء، وهو مع ذلك عامٌّ في كلِّ ما خفَّف الله عن عباده، وجَعَل دينهم يُسرًا.
﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ قيل: معناه لا يصبر عن النساء؛ وذلك مقتضى سياق الكلام.
واللفظ أعمُّ من ذلك.
﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ يدخل فيه: القمار، والغصب، والسرقة، وغير ذلك.
﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ استثناء منقطع، والمعنى: لكن إن كانت تجارةً فكلوها.
وفي إباحة التجارة دليلٌ على أنه يجوز للإنسان أن يشتري بدرهم سلعةً تساوي مئة، والمشهور إمضاء البيع. وحُكي عن ابن وهب: أنه يُردُّ إذا كان الغبن أكثر من الثلث.
وموضع «أن» نصبٌ، و﴿تِجَارَةٌ﴾ بالرفع: فاعل ﴿تَكُونَ﴾؛ وهي تامة. وقرئ بالنصب: خبر ﴿تَكُونَ﴾؛ وهي ناقصة. ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنكُمْ﴾ أي: اتفاقٍ.
[ ٢ / ٤٥ ]
وبهذا استدلَّ المالكية على تمام البيع بالعقد دون التفرُّق.
وقال الشافعي: إنما يتمُّ بالتفرق بالأبدان؛ لقوله ﷺ: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا» (^١).
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ قال ابن عطية: أجمع المفسِّرون أن المعنى: لا يقتلُ بعضكم بعضًا (^٢).
قلت: ولفظها يتناول قتلَ الإنسان لنفسِه (^٣)، وقد حملها عمرو بن العاص على ذلك، ولم ينكرْه رسول الله ﷺ إذْ سمعه (^٤).
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى:
القتل؛ لأنه أقرب مذكور.
وقيل: إليه، وإلى أكل المال بالباطل.
وقيل: إلى كل ما تقدَّم من المنهيات من أوَّل السورة.
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ اختلف الناس في الكبائر ما هي؟
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٠٧٩)، ومسلم (١٥٣١).
(٢) المحرر الوجيز (٢/ ٥٣٠).
(٣) في ب، د: «نفسه».
(٤) أخرج أبو داود في سننه (٣٣٤) عن عمرو بن العاص ﵁، قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت أن اغتسل فأهلك، فتيمَّمت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ، فقال: «يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟!» فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا.
[ ٢ / ٤٦ ]
فقال ابن عباس: الكبائر: كلُّ ذنب ختمه الله بنارٍ أو لعنةٍ أو غضبٍ.
وقال ابن مسعود: الكبائر هي الذُّنوب المذكورة من أول هذه السورة إلى هذه الآية.
وقال بعض العلماء: كل ما عُصيَ الله به فهو كبيرةٌ.
وعدَّها بعضهم سبعَ عشرة.
وفي البخاري عن النبي ﷺ: «اتقوا السبع الموبقات: الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات» (^١) فلا شكَّ أن هذه من الكبائر؛ للنص عليها في الحديث.
وزاد بعضهم عليها أشياء وردَ في الأحاديث (^٢) النصُّ على أنها كبائر، أو ورد في القرآن أو في الحديث وعيدٌ عليها؛ فمنها: عقوق الوالدين، وشهادة الزور، واليمين الغَموس، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والنَّهبة، والقُنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، ومنع ابن السبيل الماء، والإلحاد في البيت الحرام، والنميمة، وترك التحرُّز من البول، والغُلول، واستطالة المرء في عِرْض أخيه، والجور في الحكم.
﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ وعدٌ بغفران الذنوب الصغائر إذا اجتُنبت الكبائر.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩).
(٢) في ب، د: «الحديث».
[ ٢ / ٤٧ ]
﴿مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ اسم مكان؛ وهو هنا: الجنة.
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾ الآية؛ سببها: أن النساء قلن: ليتنا استوينا مع الرجال في الميراث، وشاركناهم في الغزو!، فنزلت نهيًا عن ذلك؛ لأن في تمنِّيهم ردًّا (^١) على حكم الشريعة.
فيدخل في النهي: تمنّي مخالفةِ الأحكام الشرعية كلّها.
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ الآية؛ أي: من الأجر والحسنات. وقيل: من الميراث؛ ويردُّه لفظ الاكتساب.
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ الآية؛ في معناها وجهان:
أحدهما: لكل شيءٍ من الأموال جعلنا مواليَ يرثونه؛ فـ ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ -على هذا-: بيان لـ «كُلٍّ».
والآخر: لكلِّ أحدٍ جعلنا موالي يرثون مما ترك الوالدان والأقربون؛ فـ ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ -على هذا-: يتعلَّق بفعل مضمر.
والموالي هنا: الورثة (^٢) والعَصَبة.
﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ اختلف هل هي منسوخة أو مُحْكَمة؟
فالذين قالوا إنها منسوخة قالوا: معناها: الميراث بالحِلْف الذي كان في الجاهلية.
_________________
(١) في ب: «لأن تمنيهم ردٌّ».
(٢) في ج، هـ: «الذرية»، والمثبت موافق لما في المحرر الوجيز (٢/ ٥٣٧).
[ ٢ / ٤٨ ]
وقيل: بالمؤاخاة التي آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه.
ثم نسخها: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]؛ فصار الميراث للأقارب.
والذين قالوا إنها محكمة اختلفوا:
فقال ابن عباس: هي في المؤازرة والنُّصرة بالحِلْف، لا في الميراث به.
وقال أبو حنيفة: هي في الميراث؛ وأن الرجلين إذا والى أحدهما الآخَرَ على أن يتوارثا صحَّ ذلك، وإن لم تكن بينهما قرابةٌ.
[ ٢ / ٤٩ ]
[﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥) وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾].
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ قَوَّام: بناء مبالغة؛ من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه.
قال ابن عباس: الرجال أمراء على النساء.
﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾ الباء: للتعليل، و«ما» مصدرية.
والتفضيل: بالجهاد، والإمامة، وملك الطَّلاق، وكمال العقل، وغير ذلك.
[ ٢ / ٥٠ ]
﴿وَبِمَا أَنفَقُوا﴾ هو: الصَّداقُ، والنفقةُ المستمرَّةُ على الزوجات.
﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ أي: النساءُ الصالحات في دينهنَّ مطيعاتٌ لأزواجهن. أو: مطيعاتٌ لله في حقِّ أزواجهن.
﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ أي: تحفظ كلَّ ما غاب عن علم زوجها، فيدخل في ذلك: صيانةُ نفسها، وحفظ ماله وبيته، وحفظ أسراره.
﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ أي: بحفظ الله ورعايته.
أو: بأمره للنساء أن يُطِعْنَ الزوج ويحفظنه.
فـ «ما»: مصدرية، أو بمعنى «الذي».
﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ قيل: الخوف هنا بمعنى اليقين.
وقيل: هو على أصله.
﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ هذه أنواعٌ من تأديب المرأة إذا نَشَزَتْ على زوجها؛ وهي على مراتب:
فالوعظ في النُّشوز في الخفيف.
والهجران فيما هو أشدُّ منه.
والضرب فيما هو أشد منه (^١).
ومتى انتهت عن النشوز بوجه من التأديب لم يُتَعَدَّ إلى ما بعده.
_________________
(١) لم ترد هذه الكلمة في ب، هـ.
[ ٢ / ٥١ ]
والهِجران هنا: هو ترك مضاجعتها، وقيل: ترك الجماع إذا ضاجعها.
والضرب: غير مُبرِّح.
﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أي: إذا أطاعت المرأة زوجها فليس له أن يؤذيها بهجران ولا ضرب.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ الشقاق: الشرُّ والعداوة.
وكان الأصل: «إن خفتم شقاقًا بينهما»، ثم أُضيف الظرف إلى الشقاق على طريق الاتِّساع؛ كقوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]؛ وأصله: «مكرٌ بالليل والنهار».
﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا﴾ الآية؛ ذكر تعالى الحُكْمَ في نشوز المرأة، والحكم في طاعتها، ثم ذكر هنا حالةً أخرى؛ وهي: إذا ساء (^١) ما بين الزوجين ولم يُقَدَرْ على الإصلاح بينهما، ولا عُلِم مَنْ الظالم منهما، فيُبْعَث حكمان مسلمان؛ لينظرا في أمرهما، ويُنَفِّذَا (^٢) ما ظهر لهما من تطليق وخُلْع من غير إذن الزوج.
وقال أبو حنيفة: ليس لهما الفراق إلا إن جُعل (^٣) لهما.
وإن اختلفا لم يلزم شيءٌ إلا باتِّفاقهما.
ومشهور مذهب مالك: أن الحاكم هو الذي يبعث الحكمين.
_________________
(١) في ب: «وهي إساءة».
(٢) في ب، ج، هـ: «وينفذ».
(٣) في ب: «أن يجعل».
[ ٢ / ٥٢ ]
وقيل: يبعثهما الزوجان.
وجرت عادة القضاة أن يبعثوا امرأةً أمينة، ولا يبعثوا حكمين؛ قال بعض العلماء: هذا تغيير لحكم القرآن والسُّنة الجارية.
﴿مِنْ أَهْلِهِ﴾ يجوز في المذهب أن يكون الحكمان من غير أهل الزوجين والأكملُ أن يكونا من أهلهما؛ كما ذَكر الله.
﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ الضمير في ﴿يُرِيدَا﴾: للحكمين، وفي ﴿بَيْنَهُمَا﴾: للزوجين على الأظهر.
وقيل: الضميران للزوجين.
وقيل: للحكمين.
﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ ابنُ عباس: الجارُ ذو القربى: هو القريب النَّسب، والجار الجنب: هو الأجنبي.
وقيل: ذو القربى: القريب المسكن منك، والجنب: البعيد المسكن عنك.
وحد الجوار (^١) عند بعضهم: أربعون دارًا من كل ناحية.
﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ﴾ ابنُ عباس: الرفيق في السفر.
عليُّ بن أبي طالب: الزوجة.
_________________
(١) في د: «الجار».
[ ٢ / ٥٣ ]
﴿مُخْتَالًا﴾ اسم فاعل؛ وزنه مُفتعِل؛ من الخيلاء، وهي (^١) الكبر وإعجاب المرء بنفسه.
﴿فَخُورًا﴾ شديد الفخر.
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بدلٌ من قوله: ﴿مُخْتَالًا﴾.
أو نَصْبٌ على الذم.
أو رفعٌ بخبر ابتداء مضمر.
أو مبتدأ وخبره محذوف؛ تقديره: «يُعذَّبون».
والآية في اليهود؛ نزلت في قوم منهم: كَرْدَمٌ، وحُيِي بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التَّابوت، كانوا يقولون للأنصار: لا تُنفقوا أموالكم في الجهاد والصدقات.
وهي -مع ذلك- عامةٌ فيمن فعل هذه الأفعال من المسلمين.
﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ عطفٌ على ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾.
وقيل: على: ﴿الْكَافِرِينَ﴾.
والآية في المنافقين الذين كانوا ينفقون في الزكاة والجهاد رياءً (^٢) ومُصانعة.
وقيل: في اليهود.
_________________
(١) في د: «وهو».
(٢) في د: «رياءَ الناس».
[ ٢ / ٥٤ ]
وقيل: في مشركي مكة الذين أنفقوا أموالهم (^١) في حرب المسلمين.
﴿قَرِينًا﴾ أي: مُلازمًا له يُغويه.
﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا﴾ الآية؛ استدعاءٌ لهم بملاطفة.
أو: توبيخٌ على ترك الإيمان والإنفاق؛ كأنه يقول: أيُّ مَضَرَّةٍ عليهم في ذلك.
﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أي: وزْنَها؛ وهي النملة الصغيرة، وذلك تمثيلٌ بالقليل تنبيهًا على الكثير.
﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ بالرفع: فاعل، و﴿تَكُ﴾ تامةٌ.
وبالنصب: خبرٌ؛ على أنها ناقصة، واسمها مضمر فيها.
﴿يُضَاعِفْهَا﴾ أي: يكثرها (^٢)؛ واحدة بعشرٍ (^٣)، إلى سبع مئة وأكثر.
﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي: من عنده؛ تفضُّلًا وزيادةً على ثواب العمل.
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا﴾ تقديره: كيف يكون الحال إذا جئنا!
﴿بِشَهِيدٍ﴾ هو نبيُّهم؛ يشهد عليهم بأعمالهم.
﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾ أي: تشهد على قومك.
ولما قرأ ابن مسعود هذه الآية على رسول الله ﷺ ذرفت عيناه (^٤).
_________________
(١) في أ: «مالهم» وفي الهامش: «خ: أموالهم».
(٢) في أ: «يكررها» وفي الهامش: «خ: يكثرها».
(٣) في د: «بعشر أمثالها».
(٤) أخرجه البخاري (٤٥٨٣)، ومسلم (٨٠٠).
[ ٢ / ٥٥ ]
﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ أي: يتمنون أن يدفنوا فيها، ثم تَسَّوَّى بهم كما تَسَّوَّى بالموتى.
وقيل: يتمنون أن يكونوا سواءً مع الأرض؛ كقوله: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠]، وذلك لما يرون من أهوال يوم القيامة.
﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ استئنافٌ، إخبارٌ أنهم لا يكتمون يوم القيامة عن الله شيئًا.
فإن قيل: كيف هذا مع قولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن الكتم لا ينفعهم؛ لأنهم إذا كتموا تنطق جوارحهم، فكأنهم لم يكتموا.
والآخر: أنهم طوائفُ مختلفة، ولهم أوقاتٌ مختلفة.
وقيل: إن قوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ﴾ عطفٌ على ﴿تُسَوَّى﴾؛ أي: يتمنون أن لا يكتموا؛ لأنهم إذا كتموا افتُضِحوا.
[ ٢ / ٥٦ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)﴾].
﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ سببها: أن جماعةً من الصحابة شربوا الخمر قبل تحريمها، ثم قاموا إلى الصلاة، وأمَّهم أحدهم فخلط في القراءة.
فمعناها: النهيُ عن الصلاة في حال (^١) السُّكر.
قال بعض الناس: هي منسوخة بتحريم الخمر، وذلك لا يلزم؛ لأنها ليس فيها ما يقتضي إباحة الخمر، إنما هي نهيٌ عن الصلاة في حال السكر، وذلك
_________________
(١) في هامش أ: «حين».
[ ٢ / ٥٧ ]
الحكم ثابت في حين إباحة الخمر وفي حين تحريمها.
وقال بعضهم: معناها: لا يكن منكم سكرٌ يمنع قرب الصلاة؛ إذ المرء مأمور بالصلاة، فكأنها تقتضي النهي عن السُكْرِ، وعن سببه وهو الشُرْبُ، وهذا بعيدٌ من مقتضى اللفظ.
﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ أي: حتى تعود إليكم عقولكم فتعلمون ما تقرؤون.
ويظهر من هذا: أن السكران (لا يعلم ما يقول؛ فأخذ بعض الناس من ذلك: أن السكران) (^١) لا يلزمه طلاقه ولا إقراره.
﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ عطف ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ على موضع: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾؛ إذ هو في موضع الحال.
والجنب هنا: غير الظاهر؛ بإنزال أو إيلاج، وهو واقع على جماعة؛ بدليل استثناء الجمع منه.
واختلف في عابري السبيل:
فقيل: إنه المسافر؛ ومعنى الآية على هذا: نهيٌ أن يقرب الصلاة وهو جنب إلَّا في السفر، فيصلي بالتيمم دون اغتسال.
فمقتضى الآية: إباحة التيمم للجنب في السفر، ويؤخذ إباحة التيمم للجنب في الحضر من الحديث.
_________________
(١) ما بين القوسين سقط من ب، ج، هـ.
[ ٢ / ٥٨ ]
وقيل: عابرُ السبيل: المارُّ في المسجد، والصلاة هنا يراد بها: المسجد؛ لأنه موضع الصلاة، فمعنى الآية على هذا: النهيُ أن يقرب الجنبُ المسجدَ إلَّا خاطرًا عليه.
وعلى هذا أخذ (^١) الشافعي الآية؛ لأنه يُجيز للجنب أن يمرَّ في المسجد، ولا يجيز له أن يقعد فيه.
ومنع مالك المرور والقعود.
وأجازهما داود.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية؛ سببها: عَدَمُ الصحابةِ للماء في غزوة المُرَيسِيع، فأبيح لهم التيمم في عَدَم الماء.
ثم إنَّ عدمَ الماء على ثلاثة أوجه:
أحدها: عدمه في السفر.
والثاني: عدمه في المرض.
فيجوز التيمم في هذين الوجهين بإجماع؛ لأن الآية نصٌّ في المرض والسفر إذا عدم الماء فيهما؛ لقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾.
الوجه الثالث: عدم الماء في الحضر دون مرضٍ؛ فاختلف الفقهاء فيه:
فمذهب أبي حنيفة: أنه لا يجوز فيه التيمم؛ لأن ظاهر الآية أنَّ عدم الماء إنما يعتبر مع المرض أو السفر.
_________________
(١) في د: «حمل».
[ ٢ / ٥٩ ]
ومذهب مالك والشافعي: أنه يجوز فيه التيمم.
فإن قلنا: إن الآية لا تقتضيه، فيؤخذ جوازه من السنة.
وإن قلنا: إن الآية تقتضيه، فيؤخذ جوازه منها (^١).
وهذا هو الأرجح إن شاء الله؛ وذلك أنه ذكر في أول الآية المرض والسفر، ثم ذكر الأحداث دون مرض ولا سفر، ثم قال بعد ذلك كله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، فيرجع قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ إلى المرض وإلى السفر وإلى مَنْ أحدث في غير مرض ولا سفر؛ فيجوز التيمم على هذا لمَن عَدِمَ الماءَ في غير مرض ولا سفر، فيكون في الآية حجةٌ لمالك والشافعي.
ويجوز التيمم أيضًا في مذهب مالك للمريض إذا وجد الماء، ولم يقدر على استعماله؛ لضررٍ بدنه.
فإن قلنا: إن الآية لا تقتضيه، فيؤخذ جوازه من السنة.
وإن قلنا: إن الآية تقتضيه، فيؤخذ جوازه منها (^٢)؛ على أن يُتأوَّل قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ أن معناه: مرضى لا تقدرون على مسِّ الماء.
وحدُّ المرض الذي يجوز فيه التيمم:
عند مالك: هو أن يخاف الموت، أو زيادة المرض، أو تأخُّرَ البُرْءِ.
وعند الشافعي: خوفُ الموت لا غيرُ.
وحدُّ السفر: الغيبة عن الحضر، سواءً كان مما تُقصر فيه الصلاة أم لا.
_________________
(١) في د: «منهما».
(٢) في د: «منهما».
[ ٢ / ٦٠ ]
﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ﴾ في «أو» هنا تأويلان:
أحدهما: أن تكون للتفصيل والتنويع على بابها.
والآخر: أنها بمعنى الواو.
فعلى القول بأنها على بابها: يكون قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ راجعًا إلى المريض والمسافر، وإلى مَنْ جاء من الغائط، وإلى مَنْ لامس، سواءً كانا مريضين أو مسافرين أم لا؛ حسبما ذكرنا قبل هذا.
فيقتضي ذلك: جواز التيمم للحاضر الصحيح إذا عَدِمَ الماءَ، وهو مذهب مالك والشافعي فيكون في الآية حجةٌ لهما.
وعلى القول بأنها بمعنى الواو: يكون قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ راجعًا إلى المريض والمسافر.
فيقتضي ذلك: أنه لا يجوز التيمم إلَّا في المرض والسفر مع عَدَمِ الماءِ، وأنه لا يجوز للحاضر الصحيح إذا عدِمِ الماءَ، ولكن يؤخذ جواز التيمم له من موضع آخر.
والراجح: أن تكون «أو» على بابها؛ لوجهين:
أحدهما: أنَّ جعلها بمعنى الواو إخراجٌ لها عن أصلها، وذلك ضعيف.
والآخر: أنه (^١) إذا كانت على بابها: كان فيها إفادة (^٢) إباحة التيمم للحاضر الصحيح إذا عَدِمِ الماءَ على ما ظهر لنا فيها، وإذا كانت بمعنى
_________________
(١) في د: «أنها».
(٢) في ج، د: «فائدة».
[ ٢ / ٦١ ]
الواو لم تُعْطَ (^١) هذه الفائدة.
وحجَّةُ مَنْ جعلها بمعنى الواو: أنه لو جعلها على بابها لاقتضى المعنى أن المرض والسفر حدثٌ يوجب الوضوء كالغائط؛ لعطفه عليهما.
وهذا لا يلزم؛ لأن العطف بـ «أو» هنا للتنويع والتفصيل، ومعنى الآية كأنه قال: يجوز لكم التيمم إذا لم تجدوا ماءً إن كنتم مرضى أو على سفر، أو أحدثتم في غير مرض ولا سفر.
﴿الْغَائِطِ﴾ أصله: المكان المنخفض، وهو هنا: كنايةٌ عن الحدث الخارج من المخرجين، وهو العذرة، والرِّيح، والبول؛ لأن مَنْ ذهب إلى الغائط تكون منه هذه الأحداث الثلاثة.
وقيل: إنما هو كناية عن العذرة، وأما البول والريح، فيؤخذ وجوب الوضوء لهما من السُّنَّة، وكذلك الوَدْيُ والمذْيُ.
﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ اختُلف في المراد بالملامسة هنا على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها الجماع وما دونه؛ من التقبيل واللمس باليد وغيرها. وهو قول مالك.
فعلى هذا: ينتقض الوضوء باللمس الذي هو دونَ الجماع على تفصيل في المذهب، ويجب معه التيمم إذا عدم الماء، ويكون الجنب من أهل التيمم.
والقول الثاني: أنها ما دون الجماع.
فعلى هذا: ينتقض الوضوء باللمس، ولا يجوز التيمم للجنب، وقد قال
_________________
(١) في هامش أ: «خ: تُفِدْ».
[ ٢ / ٦٢ ]
بذلك عمر بن الخطاب، ويؤخذ جوازه عند من أجازه من الحديث. والثالث: أنها الجماع لا غيرُ.
فعلى هذا: يجوز التيمم للجنب، ولا يكون ما دونَ الجماع ناقضًا للوضوء. وهو مذهب أبي حنيفة.
﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ هذا يفيد وجوب طلب الماء (^١)، وهو مذهب مالك، خلافًا لأبي حنيفة.
فإن وجده بثمنٍ فاختلف: هل يجوز له التيمم أم لا؟
وإن وُهب له فاختلف: هل يلزمه قبوله أم لا؟
﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ التيمم في اللغة: القصد.
وفي الفقه: الطَّهارة بالتراب، وهو منقولٌ من المعنى اللُّغوي.
﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ الصَّعيد عند مالك: هو وجه الأرض، كان ترابًا أو رملًا أو حجارة، فأجاز التيمم بذلك كلِّه.
وهو عند الشافعي: الترابُ لا غيرُ.
والطَّيِّب هنا: الطاهر.
واختلف في التيمم بالمعادن كالذهب، وبالملح، وبالتراب المنقول كالمجعول في طبق، وبالآجُرِّ، وبالجصِّ المطبوخ، وبالجدار، وبالنبات الذي على وجه الأرض، وذلك كلُّه على الاختلاف في معنى الصعيد.
_________________
(١) في ب، ج، هـ: "الطلب".
[ ٢ / ٦٣ ]
﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ لا يكون التيمم إلَّا في هذين العضوين، ويُقدَّم الوجه على اليدين؛ لظاهر الآية، وذلك على الندب عند مالك، ويستوعب الوجه بالمسح.
وأما اليدان فاختلف هل يمسحهما إلى الكوعين، أو إلى المرفقين؟
ولفظ الآية مُحتملٌ؛ لأنه لم يُحدَّ.
وقد احتجَّ من قال: إلى المرفقين بأن هذا مطلق، فيُحمل على المقيَّد، وهو تحديدهما في الوضوء بالمرفقين.
﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ هم اليهود هنا، وفي الموضع الثاني.
قال السهيلي في الموضع الأول: نزل في رِفاعة بن زيد بن التَّابوت، وفي الثاني: نزل في كعب بن الأشرف (^١).
﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ عبارةٌ عن إيثارهم الكفرَ على الإيمان، فالشراء مجازٌ؛ كقوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦].
وفي تكرار قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ مبالغةٌ.
﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ «من»:
راجعةٌ إلى: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾، أو إلى: ﴿بِأَعْدَائِكُمْ﴾؛ فهي بيانٌ.
وقال الفارسيُّ (^٢): هي ابتداء كلام؛ تقديره: «من الذين هادوا قومٌ».
_________________
(١) انظر: التعريف والإعلام، للسهيلي، ص: ٨١.
(٢) هو أبو علي الفارسي النحوي، تقدمت ترجمته في ١/ ٩٠.
[ ٢ / ٦٤ ]
وقيل: هي متعلِّقةٌ بـ ﴿نَصِيرًا﴾؛ وهو ضعيف.
ويوقَفُ على ﴿نَصِيرًا﴾ على قول الفارسي.
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ يُحتمل: تحريف اللفظ، أو المعنى.
و﴿الْكَلِمَ﴾ هنا: التوراة، وقيل: كلام النبي ﷺ.
﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ معناه: لا سَمِعتَ.
﴿وَرَاعِنَا﴾ ذُكِر في «البقرة» (^١).
﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ عوضٌ من قولهم: «سمعنا وعصينا».
﴿وَاسْمَعْ﴾ عوضٌ من قولهم: «اسمع غير مسمع».
﴿وَانظُرْنَا﴾ عوضٌ من قولهم: «راعنا»؛ وهو من النَّظَر أو الانتظار.
فهذه الأشياء الثلاثة في مقابلة الأشياء الثلاثة التي ذمَّهم على قولها؛ لما فيها من سوء الأدب مع رسول الله ﷺ، وأخبر أنهم لو قالوا هذه الثلاثة الأُخَر عوضًا من تلك لكان خيرًا لهم؛ فإن هذه ليس فيها سوءُ أدب.
﴿مُصَدِّقًا﴾ ذُكِر في «البقرة» (^٢).
﴿أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ ابنُ عباس: طَمْسُها: أن تُزال العينان منها، وتُرَدَّ في القفا؛ فيكون ذلك ردًّا على الدُّبُر.
وقيل: طمسها: محوُ تخطيط صُوَرِها؛ من أنف وعين وحاجب، حتى
_________________
(١) انظر صفحة ١/ ٣٦٤.
(٢) انظر صفحة ١/ ٣٠٨.
[ ٢ / ٦٥ ]
تصير كالأدبار في خُلُوِّها عن الحواسّ.
﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ أي: نمسخهم كما مُسِخَ (^١) أصحاب السبت، وقد ذُكِروا (^٢) في «البقرة» (^٣).
أو يكون من اللَّعن المعروف.
والضمير يعود:
على الوجوه؛ والمراد أصحابُها.
أو يعود على الذين أوتوا الكتاب؛ على الالتفات.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ هذه الآية هي الحاكمة في مسألة الوعيد، وهي المبيِّنة لما تعارَض فيها من الآيات، وهي الحجَّة لأهل السنة، والقاطعة بالخوارج والمعتزلة والمرجئة.
وذلك أن مذهب أهل السنة: أن العصاة من المؤمنين في مشيئة الله، إن شاء عذَّبهم، وإن شاء غفر لهم، وحجَّتُهم: هذه الآية؛ فإنها نصٌّ في هذا المعنى.
ومذهب الخوارج: أن العصاة يُعذَّبون ولا بدَّ؛ سواءً كانت ذنوبهم صغائر أو كبائر.
ومذهب المعتزلة: أنهم يعذبون على الكبائر ولا بدَّ.
_________________
(١) في د: «مسخنا».
(٢) في ج، هـ: «ذكر».
(٣) انظر صفحة ١/ ٣٢٣.
[ ٢ / ٦٦ ]
ويَردُّ على الطائفتين قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾.
ومذهب المرجئة: أن العصاة كلهم يُغفر لهم ولا بدَّ، وأنه لا يضرُّ (^١) ذنبٌ مع الإيمان.
ويَردُّ عليهم قوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾؛ فإنه تخصيصٌ لبعض العصاة.
وقد تأوَّلت المعتزلة الآية على مذهبهم، فقالوا: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾: هو التائب، فإن التائب لا خلاف أنه لا يعذَّب.
وهذا التأويل بعيدٌ؛ لأن قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ في غير التائب من الشرك، وكذلك قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ في غير التائب من العصيان؛ ليكون أوَّلُ الآية وآخرها على نسقٍ واحد.
وتأوَّلتها المرجئة على مذهبهم، فقالوا: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ معناه: لمن يشاء أن يؤمن.
وهذا أيضًا بعيدٌ، لا يقتضيه اللفظ.
وقد ورد في القرآن آيات كثيرة في الوعيد:
فحملها المعتزلة على العصاة.
وحملها المرجئة على الكفار.
وحملها أهل السنة على الكفار، وعلى مَنْ لا يغفر الله له من العصاة.
كما حملوا آيات الوعد على المؤمنين الذين لم يذنبوا، وعلى المذنبين
_________________
(١) في هامش أ: «خ: لا يضرهم».
[ ٢ / ٦٧ ]
التائبين، وعلى مَنْ يغفر الله له من العصاة غير التائبين.
فعلى مذهب أهل السنة لا يبقى تعارضٌ بين آيات الوعد وآيات الوعيد، بل يُجمَع بين معانيها، بخلاف قول غيرهم؛ فإن الآيات فيه تتعارض (^١).
وتلخيص المذاهب:
أن الكافر إذا تاب من كفره غُفِر له بإجماع، وإن مات على كفره لم يُغفَر له، وخُلِّد في النار بإجماع.
وأن العاصي من المؤمنين إن تاب غفر له، وإن مات دون توبة فهو الذي اختلَف الناس فيه.
﴿الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ﴾ هم اليهود، وتزكيتهم:
قولهم: «نحن أبناء الله وأحباؤه».
وقيل: مدحهم لأنفسهم.
﴿فَتِيلًا﴾ الفتيل: هو الخيط الذي في شقِّ نواة التمرة.
وقيل: ما يخرج بين إصبعيك وكفِّك إذا فتلتهما.
وهو تمثيلٌ وعبارة عن أقلِّ الأشياء؛ فيدلُّ على الأكثر بطريق الأولى.
﴿يَفْتَرُونَ﴾ دليلٌ على أن تزكيتهم لأنفسهم بالباطل.
_________________
(١) في أ: «فيها تعارض» وفي الهامش: «خ: فيه تتعارض».
[ ٢ / ٦٨ ]
[﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾].
﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ قال ابن عباس: الجبت هنا: حيي بن أخطب، والطاغوت: كعب بن الأشرف.
وقال عمر بن الخطاب: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان.
وقيل: الجبت: الكاهن، والطاغوت: الساحر.
وبالجملة هما: كل ما عُبِد و(^١) أُطيع من دون الله.
﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية؛ سببها: أن حيي بن أخطب أو كعب بن
_________________
(١) في أ، د، هـ: «أو».
[ ٢ / ٦٩ ]
الأشرف أو غيرهما من اليهود قالوا لكفار قريش: أنتم أهدى سبيلًا من محمد وأصحابه.
﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ الهمزة للاستفهام مع الإنكار.
﴿نَقِيرًا﴾ النقير: هو النُّقْرَةُ في ظهر النواة، وهو تمثيل وعبارة عن أقل الأشياء.
والمراد: وصف اليهود بالبخل لو كان لهم نصيب من الملك، وأنهم حينئذ يبخلون بالنقير الذي هو أقل الأشياء، ويبخلون بما هو أكثر منه من باب أولى.
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ وصفهم بالحسد مع البخل.
والناس هنا يراد به: النبي ﷺ وأُمَّته، والفضل: النبوة، وقيل: النصر والعزة.
وقيل: الناس: العرب، والفضل: كون النبي ﷺ منهم.
﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ المراد بآل إبراهيم: ذريته من بني إسرائيل وغيرهم؛ ممن آتاه الله الكُتُبَ التي أنزلها والحكمة التي عَلَّمها.
والقصد بالآية: الردُّ على اليهود في حسدهم لمحمدٍ ﷺ.
ومعناها: إلزامٌ لهم بما عرفوه من فضل الله تعالى على آل إبراهيم، فلأيِّ شيءٍ يخصُّون محمدًا ﷺ بالحسد دون غيره ممن أنعم الله عليه.
﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ الملك في آل إبراهيم: هو ملك يوسف، وداود، وسليمان ﵈.
[ ٢ / ٧٠ ]
﴿فَمِنْهُم مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ الآية؛ قيل: المراد: من اليهود مَنْ آمن: بالنبي ﷺ. أو بالقرآن المذكور في قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾.
أو بما ذُكِر من حديث إبراهيم.
فهذه ثلاثة أوجه في ضمير ﴿بِهِ﴾.
وقيل: ﴿فَمِنْهُم﴾ أي: من آل إبراهيم مَنْ آمن بإبراهيم، ومنهم مَنْ كفر؛ كقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُم مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦].
﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ الآية؛ قيل: تُبدَّل لهم جلودٌ بعدَ جلودٍ أُخَرَ؛ إذ نفوسهم هي المعذَّبة.
وقيل: تبديل الجلود: تغيير صفاتها بالنار.
وقيل: الجلود السَّرابيل؛ وهو بعيد.
﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ ذُكِر في «البقرة» (^١).
﴿ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ صفةٌ من لفظ «الظِّلِّ» للتأكيد؛ أي: دائمًا لا تنسخه الشمس.
وقيل: يقي الحرَّ والبردَ.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ الآية؛ قيل: هي خطاب للولاة.
وقيل: للنبي ﷺ حين أخذ مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة.
ولفظها عامٌّ، وكذلك حكمها.
_________________
(١) انظر صفحة ١/ ٢٩٣.
[ ٢ / ٧١ ]
﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ هم: الولاة، وقيل: العلماء.
ونزلت في عبد الله بن حذافة؛ بعثه رسول الله ﷺ في سرية.
﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الردُّ إلى الله: هو النظر في كتابه، والردُّ إلى الرسول ﷺ: هو سؤاله في حياته، والنظرُ في سنته بعد وفاته.
﴿إِنْ كُنتُمْ﴾ يحتمل أن يكون هذا الشرط راجعًا:
إلى قوله: ﴿فَرُدُّوهُ﴾.
أو إلى قوله: ﴿أَطِيعُوا﴾.
والأول أظهر؛ لأنه أقرب إليه.
﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: مالًا وعاقبةً.
وقيل: أحسنُ نظرًا منكم.
[ ٢ / ٧٢ ]
[﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾].
﴿الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية؛ نزلت في المنافقين.
وقيل: في منافق ويهودي؛ كان بينهما خصومة، فتحاكما إلى كعب بن الأشرف اليهودي، وقيل: إلى كاهن.
﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ وضع الظاهر موضع المضمر؛ لذَمِّهم بالنفاق.
ودلَّ ذلك على أن الآية المتقدمة نزلت في المنافقين.
[ ٢ / ٧٣ ]
﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُصِيبَةٌ﴾ الآية؛ أي: كيف يكون حالهم إذا عاقبهم الله بذنوبهم!.
﴿ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ يُحتمل أن يكون هذا:
مَعْطُوفًا على ما قبله.
أو يكون معطوفًا على قوله: ﴿يَصُدُّونَ﴾، ويكون قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم﴾ اعتراضًا.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: عن معاقبتهم.
وليس المراد بالإعراض القطيعة؛ لقوله: ﴿وَعِظْهُمْ﴾.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ الآية؛ وعدٌ بالمغفرة لمن استغفر، وفيه استدعاءٌ للاستغفار والتوبة. ومعنى ﴿جَاءُوكَ﴾: أتوك تائبين معتذرين من ذنوبهم، يطلبون أن تستغفر لهم الله.
﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ «لا» هنا: مؤكّدةٌ للنفي الذي بعدها.
﴿شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: اختلط واختلفوا فيه. ومعنى الآية: أنهم لا يؤمنون حتى يرضوا بحكم النبي ﷺ.
ونزلت بسبب:
المنافقين الذين تخاصموا.
وقيل: بسبب خصام الزبير مع رجل من الأنصار في الماء.
[ ٢ / ٧٤ ]
وحكمها عامٌّ.
﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية؛ معناها: لو فُرِضَ عليهم ما فرض على مَنْ كان قبلهم من المشقَّات لم يَفْعلُوها؛ لقلة انقيادهم، إِلَّا القليل منهم الذين هم مؤمنون حقًّا، وقد روي أن من هؤلاء القليل: أبا بكر وعمر وابن مسعود وعمار بن ياسر وثابت بن قيس.
﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ بالرفع: بدلٌ من الضمير.
وقرأ ابن عامر وحده بالنصب:
على أصل الاستثناء.
أو على: إِلَّا فِعْلًا قليلًا.
﴿مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ من اتِّباع النبي ﷺ وطاعته والانقياد له.
﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ أي: تحقيقًا لإيمانهم.
﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُم﴾ جوابٌ لسؤال مقدَّر عن حالهم لو فعلوا ذلك.
﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ثوابٌ على الطاعة؛ أي: هم معهم في الجنة.
وهذه الآية مفسِّرةٌ لقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧].
والصِّدِّيق: فِعِّيل؛ من الصدق، أو من التصديق، والمراد به المبالغة، والصِّدِّيقون أرفع الناس درجةً بعد الأنبياء.
والشهداء: المقتولون في سبيل الله، ومَن جرى مجراهم من سائر
[ ٢ / ٧٥ ]
الشهداء، كالغريق وصاحب الهدم؛ حسبما ورد في الحديث أنهم سبعة (^١). ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ الإشارةُ إلى الأصناف الأربعة المذكورة. والرَّفيق: يقع على الواحد والجماعة؛ كالخَليط.
أو هو مفردٌ بيّن به الجنس.
ومعنى الكلام: إخبارٌ، واستدعاءٌ للطاعة التي يُنال بها مرافقةُ هؤلاء.
﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ﴾ الإشارةُ إلى الثواب على الطاعة بمرافقة مَنْ ذُكِر في الجنة.
و﴿الْفَضْلُ﴾: صفةٌ، أو خبرٌ.
_________________
(١) أخرج مالك في الموطأ (٩٣٥)، و(٩٩٦)، وأبو داود (٣١١١)، والنسائي (١٨٤٧) في حديث طويل أن رسول الله ﷺ قال: «الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغَرِقُ شهيد، وصاحب ذات الجَنْب شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجُمْع شهيد» قال أبو داود: الجُمْع: أن يكون ولدها معها.
[ ٢ / ٧٦ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤) وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾].
﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي: تحرَّزوا من عدوكم واستعدُّوا له.
﴿فَانفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ أي: اخرجوا للجهاد جماعاتٍ متفرِّقين؛ وذلك كنايةٌ عن السرايا.
وقيل: إنَّ الثُّبة: ما فوق العشرة.
ووزنها فُعَلَةٌ - بفتح العين -، ولامها محذوفة.
﴿أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ أي: مجتمعين في الجيش (^١) الكثيف.
فخيَّرهم بين (^٢) الخروج إلى الغزو في قلة أو في كثرة.
﴿وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ الخطاب للمؤمنين، والمراد بـ «مَنْ»: المنافقون،
_________________
(١) كذا في د وفي هامش أ ورمز له بـ «خ»، وفي بقية النسخ: «الجمع».
(٢) في ج، هـ، د: «في».
[ ٢ / ٧٧ ]
وعبر عنهم بـ ﴿مِنكُمْ﴾؛ إذ هم يزعمون أنهم من المؤمنين، ويقولون: آمنا.
واللام:
في ﴿لَمَنْ﴾ للتأكيد.
وفي ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ جواب قسم محذوف.
ومعناه:
يُبطئ غيرَه - أي: يثبّطه - عن الجهاد، ويحمله على التخلف عن الغزو.
وقيل: يبطئ: يتخلَّف هو عن الغزو ويتثاقل.
﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُصِيبَةٌ﴾ أي: قتل وهزيمة.
والمعنى: أنَّ المنافق تسرُّه غيبته عن المؤمنين إذا هُزموا.
و﴿شَهِيدًا﴾ معناه: حاضرًا معهم.
﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ﴾ أي: نصر وغنيمة.
والمعنى: أنَّ المنافق يندم على ترك الغزو معهم إذا غَنِموا؛ فيتمنَّى أن يكون معهم.
﴿كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ جملةُ اعتراضٍ بين القول ومعموله؛ فلا يجوز الوقف عليها.
وهذه المودة في ظاهر المنافق، لا في اعتقاده.
﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ أي: يبيعون.
[ ٢ / ٧٨ ]
﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ ذَكَرَ الحالتينِ للمقاتلِ، ووعدَ بالأجرِ على كلِّ واحدةٍ (^١) منهما.
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾ تحريضٌ على القتالِ.
و«ما» مبتدأٌ والمجرور خبره، و﴿لَا تُقَاتِلُونَ﴾ في موضع الحال.
﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ هم: الذين حبسهم مشركو قريش بمكة؛ ليفتنوهم عن الإسلام.
وهو عطفٌ على اسمِ ﴿اللَّهِ﴾، أو مفعولٌ معه.
﴿الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ هي مكة حين كانت للمشركين.
﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وما بعده: إخبارٌ، قصدَ به: تقوية قلوب المسلمين وتحريضهم على القتال.
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «واحد».
[ ٢ / ٧٩ ]
[﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣) فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾].
﴿الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية؛ قيل: هي في قوم من الصحابة؛ كانوا قد أُمِروا بالكفّ عن القتال قبل أن يُفرَض الجهاد، فتمنّوا أن يؤمروا به، فلما أُمِروا به كرهوه، لا شكًّا في دينهم، ولكن خوفًا من الموت.
[ ٢ / ٨٠ ]
وقيل: هي في المنافقين؛ وهو أليقُ بسياق الكلام.
﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ وما بعده: تحقيرٌ للدنيا؛ يتضمَّنُ (^١) ردًّا عليهم في كراهتهم للموت.
﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَة﴾ أي: في حصون منيعة.
وقيل: المشيدة: المطوَّلة.
وقيل: المبنيَّة بالشَّيد؛ وهو الجصُّ.
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَة﴾ الآية؛ الحسنة هنا: النصر والغنيمة وشبه ذلك من المحبوبات، والسيئة: الهزيمة والجوع وشبه ذلك.
والضمير في ﴿تُصِبْهُمْ﴾ وفي ﴿يَقُولُوا﴾ لـ ﴿الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾، وهذا يدلُّ على أنها في المنافقين؛ لأن المؤمنين لا يقولون للنبي ﷺ: إن السيئات من عنده.
﴿قُلْ كُلّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ردٌّ على من نسب السيئة إلى رسول الله ﷺ، وإعلامٌ أن السيئة والحسنة والخير والشر من عند الله؛ أي: بقضائه وقدره.
﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ﴾ توبيخٌ لهم على قلة فهمهم.
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ خطابٌ للنبي ﷺ، والمراد به: كل مخاطب على الإطلاق؛ فدخل فيه غيره من الناس.
وفيه تأويلان:
أحدهما: نسبةُ الحسنة إلى الله، والسيئة إلى العبد؛ تأدُّبًا مع الله في
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «تتضمن».
[ ٢ / ٨١ ]
الكلام، وإن كان كلُّ شيء منه في الحقيقة؛ وذلك كقوله ﷺ: «والخير كله بيديك (^١)، والشر ليس إليك» (^٢)، وأيضًا فنسبة (^٣) السيئة إلى العبد؛ لأنها بسبب ذنوبه؛ لقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، فهي من العبد بتسبُّبِه (^٤) فيها، ومن الله بالخلقة (^٥) والاختراع. والثاني: أن هذا كلام القوم المذكورين قبلُ؛ والتقدير: يقولون كذا؛ فمعناها كمعنى التي قبلَها.
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ هذه الآية من فضائل رسول الله ﷺ، وإنما كانت طاعته طاعة الله؛ لأنه يأمر وينهى عن الله.
﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: مَنْ أعرض عن طاعتك فما أنت عليه بحفيظ تحفظ أعماله، بل حسابه وجزاؤه على الله.
وفي هذا مُتاركةٌ وموادعة منسوخة بالقتال.
﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ أي: أمرنا وشأننا طاعةٌ لك.
وهي في المنافقين بإجماع.
﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ بَيَّتَ: أي: دبَّر الأمرَ بالليل.
_________________
(١) في ب، ج، د: «بيدك» والمثبت موافق لما في الصحيح.
(٢) أخرجه مسلم (٧٧١).
(٣) في أ: «فَنُسبت».
(٤) في هـ: «بتسبيبه».
(٥) في هامش أ: «خ: بالخَلق».
[ ٢ / ٨٢ ]
والضمير في ﴿تَقُولُ﴾:
للمخاطب؛ وهو النبي ﷺ.
أو للطائفة.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: لا تعاقبهم.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ حضٌّ على التفكر في معانيه؛ لتظهر أدلته وبراهينه.
﴿اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ أي: تناقض؛ كما في كلام البشر، أو تفاوت في الفصاحة، لكن القرآن منزه عن ذلك؛ فدل على أنه كلام الله.
وإن عَرَضت لأحدٍ شبهةٌ وظنَّ اختلافًا في شيء من القرآن فالواجب: أن يتَّهم نظره، ويسأل أهل العلم، ويطالع تواليفهم؛ حتى يَعْلَم أن ذلك ليس باختلاف.
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ قيل: هم المنافقون. وقيل: قوم من ضعفاء المسلمين؛ كانوا إذا بلغهم خبر عن السرايا والجيوش أو غير ذلك أذاعوا به، أي تكلَّموا به وشهروه قبل أن يعلموا صحته، وكان في إذاعتهم له مفسدة على المسلمين، مع ما في ذلك من العجلة وقلة التثبت، فأنكر الله عليهم ذلك.
﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أي: لو ترك هؤلاء القوم الكلام بذلك الأمر الذي بلغهم، وردُّوه إلى
[ ٢ / ٨٣ ]
رسول الله ﷺ وإلى أولي الأمر (^١)، وهم كبراء الصحابة وأهل البصائر منهم = لعلمه القوم الذين يستنبطونه -أي: يستخرجونه- من الرسول وأولي الأمر.
فـ ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ على هذا: طائفة من المسلمين؛ يسألون عنه الرسول ﷺ وأولي الأمر.
وحرف الجر في قوله: ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ لابتداء الغاية؛ وهو (^٢) يتعلَّق بالفعل.
والضمير المجرور يعود على: الرسول ﵇ وأولي الأمر.
وقيل: إن ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ هم أولو الأمر؛ كما جاء في الحديث عن عمر ﵁: أنه سمع أن رسول الله ﷺ طلَّق نساءه، فدخل عليه، فقال: أطلقت نساءك؟ فقال: «لا»، فقام على باب المسجد، فقال: إن رسول الله ﷺ لم يطلق نساءه (^٣). فأنزل الله هذه القصة، قال: وأنا الذي استنبطتُّه.
فعلى هذا: ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ هم أولو الأمر.
والضمير المجرور يعود عليهم، و﴿مِنْهُمْ﴾ لبيان الجنس.
واستنباطه على هذا:
هو بسؤالهم عنه النبيَّ ﷺ.
_________________
(١) في د زيادة: «منهم».
(٢) سقط من ب، ج، هـ.
(٣) أخرجه البخاري (٨٩)، ومسلم (١٤٧٩).
[ ٢ / ٨٤ ]
أو بالنظر والبحث.
واستنباطه على التأويل الأول: هو بسؤال الذين أذاعوه للرسول ﷺ ولأولي الأمر.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي: هُداه وتوفيقه، أو بعثه للرَّسول (^١)، وإنزاله للكتاب (^٢).
والخطاب في هذه الآية للمؤمنين.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: إلَّا اتباعًا قليلًا؛ فالاستثناء من المصدر، والمعنى: لولا فضل الله ورحمته لاتبعتم الشيطان إلَّا في أمورٍ قليلة كنتم لا تتبعونه فيها.
وقيل: إنه استثناءٌ من الفاعل في ﴿لَاتَّبَعْتُمُ﴾؛ أي: إلَّا قليلًا منكم، وهم الذين كانوا قبل الإسلام غيرَ متَّبعين للشيطان؛ كورقة بن نوفل.
والفضل والرحمة على هذا: بعث الرسول (^٣) وإنزال الكتاب (^٤).
وقيل: إن الاستثناء من قوله: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾.
﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ لما تثاقل بعض الناس عن القتال قيل هذا للنبي ﷺ؛ أي: إن أفردوك فقاتلْ وحدَك؛ فإنما عليك ذلك.
_________________
(١) في أ، ج، هـ: «للرسل».
(٢) في أ، ب، ج، هـ: «للكتب».
(٣) في ج: «الرسل».
(٤) في أ، ب، ج، هـ: «الكتب».
[ ٢ / ٨٥ ]
﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ليس عليك في شأن المؤمنين إِلَّا التحريض.
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قيل: "عسى" من الله واجبة.
و﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هنا: قريش، وقد كفَّهم الله بهزيمتهم في بدر وغيرها، وبفتح مكة.
﴿وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ أي: عقابًا وعذابًا.
﴿شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ هي الشفاعةُ في مسلم؛ لتُفرَّجَ عنه كربةٌ، أو تُدفَعَ (^١) مظلمةٌ، أو يُجلَب إليه خيرٌ (^٢)، والشفاعة السيئة بخلاف ذلك.
وقيل: الشفاعة الحسنة: هي الطاعة، والشفاعة السيئة: هي المعصية.
والأول أظهر.
والكِفْل: هو النَّصيب.
﴿مُقِيتًا﴾ قيل: قديرًا.
وقيل: حفيظًا.
وقيل: الذي يُقيت الحيوانَ؛ أي: يرزقهم القوتَ.
﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ معنى ذلك: الأمر بردِّ السلام، والتخييرُ بين أن يردَّ بمثل ما سلَّم عليه أو بأحسنَ منه، والأحسنُ أفضل؛ مثل أن يقال له: "سلام عليك"، فيردُّ السلام ويزيد الرحمة، أو يزيد الرحمة والبركة.
_________________
(١) في د: "أو ترفع عنه".
(٢) في ب: "ليُفرِّج عنه كربةً، أو يَدفعَ مظلمةً، أو يَجلب إليه خيرًا".
[ ٢ / ٨٦ ]
وردُّ السلام واجب على الكفاية عند مالك والشافعي.
وقال بعض الناس: هو فرض عين.
واختلف في الردِّ على الكفار:
فقيل: يردُّ عليهم؛ لعموم الآية.
وقيل: لا يردُّ عليهم.
وقيل: يقال لهم: «عليكم»؛ حسبما جاء في الحديث (^١)، وهو مذهب مالك.
ولا يُبتدؤون بالسلام.
﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ جواب قسمٍ محذوف، وتضمَّن معنى الحشر؛ ولذلك تعدَّى بـ «إلى».
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ﴾ لفظه استفهامٌ؛ ومعناه: لا أحدَ أصدقُ من الله.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٢٥٨)، ومسلم (٢١٦٣).
[ ٢ / ٨٧ ]
[﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾].
﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ «ما» استفهاميةٌ بمعنى التوبيخ، والخطاب للمسلمين.
ومعنى ﴿فِئَتَيْنِ﴾ أي: طائفتين مختلفتين، وهو منصوب على الحال.
والمراد بالمنافقين هنا:
ما قال ابن عباس: إنها نزلت في قوم كانوا بمكة مع المشركين؛ فزعموا أنهم آمنوا ولم يهاجروا، ثم سافر قوم منهم إلى الشام بتجارات، فاختلف المسلمون هل يقاتلونهم ليغنموا تجارتهم؛ لأنهم لم يهاجروا؟ أو هل يتركونهم لأنهم مؤمنون؟
وقال زيد بن ثابت: نزلت في المنافقين الذين رجعوا عن القتال يوم أحد، فاختلف الصحابة في أمرهم.
ويردُّ هذا قوله: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾.
[ ٢ / ٨٨ ]
﴿أَرْكَسَهُم﴾ أي: أضلَّهم وأهلكهم.
﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ الضمير للمنافقين؛ أي: تمنَّوا أنْ تكفروا.
﴿فَخُذُوهُمْ﴾ يريد به: الأسر.
﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ الآية؛ استثناءٌ من قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾.
ومعناها:
أنَّ مَنْ وصل من الكفار غير المعاهدين إلى الكفار المعاهدين - وهم الذين بينهم وبين المسلمين عهدٌ ومهادنة - فحكمه (^١) كحكمهم في المسالمة وترك قتاله (^٢)، وكان ذلك في أول الإسلام، ثم نسخ بالقتال في أول سورة «براءة».
قال السهيلي وغيره: ﴿الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾: هم بنو مُدْلِج بن كنانة ﴿إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾: بنو خزاعة، فدخل بنو مدلج في صلح خزاعة مع رسول الله ﷺ (^٣)، فمعنى: ﴿يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾: ينتهون إليهم، ويدخلون فيما دخلوا فيه من المهادنة.
وقيل: معنى ﴿يَصِلُونَ﴾: ينتسبون؛ وهذا ضعيف جدًّا؛ بدليل قتال رسول الله ﷺ لقريش، وهم أقاربه وأقارب المؤمنين؛ فكيف لا يقاتل أقارب الكفار المعاهدين!.
_________________
(١) في د: «فحكمهم».
(٢) في ج: «قتله»، وفي د: «القتال».
(٣) انظر: التعريف والإعلام، للسهيلي، ص: ٨٤.
[ ٢ / ٨٩ ]
﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ عطفٌ:
على ﴿يَصِلُونَ﴾.
أو على صفة ﴿قَوْمٍ﴾؛ وهي: ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ﴾.
والمعنى يختلف على ذلك، والأول أظهر.
و﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ في موضع الحال؛ بدليل قراءة يعقوب: «حَصِرَةً»، ومعناه: ضاقت عن القتال وكرهته.
ونزلت الآية في قوم جاؤوا إلى المسلمين، وكرهوا أن يقاتلوا المسلمين، وكرهوا أيضًا أن يقاتلوا قومهم -وهم أقاربهم الكفار-، فأمر الله بالكفِّ عنهم، ثم نُسِخَ (^١) أيضًا ذلك بالقتال.
﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ أي: سالموكم فلا تقاتلوهم، و﴿السَّلَمَ﴾ هنا: الانقياد.
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ الآية؛ نزلت في قوم مخادعين، وهم من أسد وغطفان، كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا؛ ليأمنوا المسلمين، فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا؛ ليأمنوا قومهم.
و﴿الْفِتْنَةِ﴾ هنا: الكفر على الأظهر. وقيل: الاختبار.
_________________
(١) في ج: «أبيح».
[ ٢ / ٩٠ ]
[﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤) لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾].
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ نزلت بسبب قتل عياش بن ربيعة للحارث بن زيد، وكان الحارث يُعذِّبُه على الإسلام، ثم أسلم وهاجر، ولم يعلم عياش بإسلامه فقتله.
وقيل: إنَّ الاستثناء هنا منقطع؛ والمعنى: لا يَحلُّ لمؤمن أن يقتل مؤمنًا بوجه، لكن الخطأ قد يقع.
والصحيح: أنه متصل؛ والمعنى: لا ينبغي لمؤمن ولا يليق به أن يقتل مؤمنًا إلَّا على وجه الخطإ، من غير قصدٍ ولا تعمُّدٍ؛ إذ هو مغلوبٌ فيه.
[ ٢ / ٩١ ]
وانتصاب ﴿خَطَأً﴾ على أنه:
مفعولٌ من أجله.
أو حالٌ.
أو صفةٌ لمصدر محذوف.
﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ﴾ هذا بيانُ ما يجب على القاتل خطأً، فأوجب الله عليه التَّحريرَ والدية، فأما التحرير ففي مال القاتل، وأما الدية ففي مال عاقلته، وجاء ذلك عن النبي ﷺ (^١)، وهو بيانٌ للآية؛ إذ لفظها يَحتمل ذلك وغيره، وأجمع الفقهاء عليه.
واشترط مالك في الرَّقبة التي تُعتَق: أن تكون مؤمنةً، ليس فيها عقدٌ من عقود الحرية، سالمةً من العيوب.
فأما إيمانها: فنصٌّ هنا؛ ولذلك أجمع العلماء عليه هنا، واختلفوا في رقبة الظِّهار وكفارة اليمين.
وأما سلامتها من عقود الحرية: فيظهر من قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾؛ لأنَّ ظاهرَه أنه ابتداءُ عتق عند التكفير بها.
وأما سلامتها من العيوب: فزعموا أن إطلاق الرقبة يقتضيه؛ وفي ذلك نظر.
ولم يبين في الآية مقدار الدية، وهي عند مالك: مئة من الإبل على أهل الإبل، وألف دينار شرعية على أهل الذهب، واثنا عشر ألف درهم شرعية على أهل الوَرِق، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٩١٠) ومسلم (١٦٨١).
[ ٢ / ٩٢ ]
﴿مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ أي: مدفوعةٌ إليهم، والأهل هنا: الورثة.
واختلف في مدَّة تسليمها:
فقيل: هي حالةٌ عليهم.
وقيل: يؤدونها في ثلاث سنين.
وقيل: في أربع.
ولفظ التَّسليم مطلقٌ؛ وهو أظهر في الحلول لولا ما جاء من السنة في ذلك.
﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ الضمير يعود على أولياء المقتول؛ أي: إذا أسقطوا الدية سقطت.
وإذا أسقطها المقتولُ سقطت أيضًا عند مالك والجمهور، خلافًا لأهل الظاهر؛ وحجَّتهم: عَودُ الضمير على الأولياء.
وقال الجمهور: إنما هذا إذا لم يُسقِطها المقتولُ.
﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ معنى الآية: أنَّ المقتولَ خطأً إن كان مؤمنًا وقومه كفارٌ (^١) أعداءٌ - وهم المحاربون -، فإنما في قتله التَّحريرُ خاصةً دون الدية، فلا تُدفع لهم؛ لئلا يتقوَّوا بها على المسلمين.
ورأى ابن عباس أن ذلك إنما هو فيمن آمن وبقي في دار الحرب لم يهاجر، وخالفه غيره.
_________________
(١) في ج، هـ: «كفارًا».
[ ٢ / ٩٣ ]
ورأى مالك أن الدية في هذا لبيت المال؛ فالآية عنده منسوخةٌ.
﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ﴾ الآية؛ معناها: أن المقتول خطأً إن كان قومه كفارًا معاهدين ففي قتله تحريرُ رقبة والديةُ إلى أهله؛ لأجل معاهدتهم.
والمقتول على هذا مؤمن؛ ولذلك قال مالك: لا كفارةَ في قتل الذِّمِّيِّ.
وقيل: إن المقتول في هذه الآية كافرٌ؛ فعلى هذا: تجب الكفارة في قتل الذمي.
وقيل: هي عامةٌ في المؤمن والكافر.
ولفظ الآية مطلقٌ؛ إلا إنْ قيَّده قوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ في الآية التي قبلها، وقرأ الحسن هنا: "وهو مؤمن".
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ أي: من لم يجد العتق ولم يقدر عليه فصيام الشهرين المتتابعين عِوَضٌ منه.
﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ منصوبٌ على المصدر؛ ومعناه: رحمةٌ منه وتخفيفًا.
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية؛ نزلت بسبب مِقْيَسِ بن صُبابةَ؛ كان قد أخذ دية أخيه هشام المقتول خطأً، ثم قَتَل رجلًا من القوم الذين قتلوا أخاه وارتدَّ مشركًا، فأمر رسول الله ﷺ بقتله.
والمتعمِّد عند الجمهور: هو الذي يقصد القتل بحديدٍ أو حجرٍ أو عصًا أو غير ذلك.
[ ٢ / ٩٤ ]
وهذه الآية مُعضِلةٌ على مذهب الأشعرية وغيرهم ممن يقول: لا يُخَلَّدُ عصاةُ المؤمنين في النار.
واحتجَّ بها المعتزلة وغيرهم ممن يقول بتخليد العصاة في النار؛ لقوله: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾.
وتأوَّلها الأشعرية بأربعة أوجه:
أحدها: أنْ قالوا: إنها في الكافر إذا قَتَل مؤمنًا.
والثاني: قالوا: معنى المتعمّد هنا: المستحلُّ للقتل؛ وذلك يؤول إلى الكفر.
والثالث: قالوا: الخلود فيها ليست بمعنى الدَّوام الأبديِّ، وإنما هو عبارةٌ عن طول المدة.
والرابع: أنها منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
وأما المعتزلة: فحملوها على ظاهرها، ورأوا أنها ناسخةٌ لقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، واحتجوا على ذلك: بقول زيد بن ثابت: «نزلت الشديدة بعد الهيئة» (^١)، وبقول ابن عباس: «الشرك والقتل من مات عليهما خُلِّد» (^٢)، وبقول رسول الله ﷺ: «كلُّ ذنب عسى الله أن
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ٣٤٩).
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وكذلك أورده ابن عطية في تفسيره (٣/ ٦٣٤) بغير إسناد، فقال: «وكان ابن عباس يقول: الشرك والقتل مبهمان، من مات عليهما خُلِّد»، وعند الطبري (٧/ ٣٤٧) والخلال في جامعه (٩٤/)، وابن أبي شيبة (٥/ ٤٣٣) بلفظ: =
[ ٢ / ٩٥ ]
يغفره، إلاَّ الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل المؤمن متعمِّدًا» (^١)، وتقتضي الآية وهذه الآثار: أن للقتل حُكمًا يخصُّه من بين سائر المعاصي (^٢).
واختلف الناس في القاتل عمدًا إذا تاب؛ هل تقبل توبته أم لا؟.
_________________
(١) = «هما المبهمتان: الشرك والقتل»، قال الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على تفسير الطبري (٩/ ٦٧): «يعني بقوله: «المبهمتان»، يعني: الآيتان اللتان لا مخرج منهما، كأنها باب مبهم مصمت، أي: مستغلق لا يفتح، ولا مأتى له. وذلك أن الشرك والقتل، جزاؤه التخليد في نار جهنم، أعاذنا الله منها».
(٢) أخرجه أحمد (١٦٩٠٧)، والنسائي في الكبرى (٣/ ٤١٦).
(٣) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله: (وهذه الآية معضلة على مذهب الأشعرية وغيرهم) إلخ، أقول: ما ذكره من أن هذه الآية معضلة، أي مشكلة إشكالا قويا، على مذهب الأشاعرة وغيرهم من القائلين بأن عصاة الموحدين لا يخلدون في النار، وأجاب من جهة الأشاعرة وغيرهم من القائلين بعدم خلود أهل الكبائر في النار بأربعة أجوبة؛ أقول: أجودها: تفسير الخلود بالمكث الطويل، وأجود منه تقييد الآية بما تواترت به السنة من خروج عصاة الموحدين من النار بشفاعة الشافعين ورحمة أرحم الراحمين. وكذلك ما ذكره من احتجاج المعتزلة بهذه الآية على قولهم بتخليد أهل الكبائر في النار، أقول: ما ذكره من المذهبين في تخليد العصاة صحيح، ولكنه ﵀ ذكر احتجاج المعتزلة على مذهبهم بأثر ابن عباس وزيد وبالحديث، ولم يجب عن ذلك، بل أيده بقوله: (وتقتضي الآية وهذه الآثار: أن للقتل حُكمًا يخصه من بين سائر المعاصي). وهذا يجعل في كلامه نوع تناقض؛ لأنه قد أجاب عن الآية، وأما أثر ابن عباس وزيد والحديث فلا تقاوم دلالتها دلالة قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ في موضعين من سورة النساء. وهي التي ذكر فيها وعيد القاتل بالخلود في النار، ولا تقاوم دلالة السنة على خروج عصاة الموحدين من النار، وقد أجمع أهل السنة على ما دلت عليه آيتا النساء، وما دل عليه حديث الشفاعة. والله أعلم.
[ ٢ / ٩٦ ]
وكذلك حكى ابن رُشْدٍ الخلافَ في القاتل إذا اقتُصَّ منه؛ هل يسقط عنه العقاب (^١) في الآخرة أم لا؟ (^٢).
والصحيح: أنه يسقط عنه؛ لقول رسول الله ﷺ: «من أصاب ذنبًا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة» (^٣)، وبذلك قال جمهور العلماء.
﴿ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: سافرتم في الجهاد.
﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ من البيان.
وقرئ: بالثاء المثلثة؛ من الثبات.
والتفعُّل فيها بمعنى الاستفعال؛ أي: اطلبوا (^٤) بيان الأمر أو (^٥) ثبوته.
﴿أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ بغير ألف؛ أي: انقادَ وألقى بيده.
وقرئ: ﴿السَّلَامَ﴾؛ بمعنى التحية.
ونزلت في سريةٍ لقيت رجلًا فسلَّم عليهم، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فحمل عليه أحدهم فقتله، فشقَّ ذلك على رسول الله ﷺ.
وكان القاتل: مُحَلِّمُ بن جثَّامة، والمقتول: عامرُ بن الأَضْبَط.
وقيل: القاتل أسامة بن زيد، والمقتول: مِرْداس بن نَهِيك.
_________________
(١) في أ: «العذاب»، وفي الهامش: «خ: العقاب».
(٢) انظر: المقدمات الممهدات، لأبي الوليد ابن رشد الجد (ت ٥٢٠ هـ) (٣/ ٢٧٩).
(٣) أخرجه البخاري (٣٨٩٢)، ومسلم (١٧٠٩).
(٤) في أ: «يطلب».
(٥) في ب، د: «و».
[ ٢ / ٩٧ ]
﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني: الغنيمة، وكان للرجل المقتول غَنَمٌ.
﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ وعدٌ، وتزهيدٌ في غنيمة مَنْ أظهر الإسلام.
﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ قيل: معناه: كنتم كفَّارًا، فهداكم الله للإسلام.
وقيل: كنتم تخفون إيمانكم من قومكم، فمَنَّ الله عليكم بالعزة والنصر حتى أظهرتموه.
﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ الآية؛ معناها: تفضيلُ المجاهدين على مَنْ لم يجاهد؛ وهم القاعدون.
﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ لما نزلت الآية قام ابن أمّ مكتوم الأعمى، فقال: يا رسول الله هل من رخصة؛ فإني ضرير البصر؟ فنزل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.
وقرى ﴿غَيْرُ﴾ بالحركات الثلاث:
فالرفعُ؛ صفةٌ للقاعدين.
والنصبُ؛ على الاستثناء، أو الحال.
والخفض؛ صفةٌ للمؤمنين.
﴿دَرَجَةً﴾ قيل: هي تفضيلٌ على القاعدين من أهل العذر، والدرجات: على القاعدين بغير عذر.
وقيل: إن الدرجات مبالغةٌ وتأكيدٌ للدرجة.
[ ٢ / ٩٨ ]
﴿الْحُسْنَى﴾ الجنة.
﴿أَجْرًا﴾ منصوب:
على الحال من ﴿دَرَجَاتٍ﴾ (^١)
أو على المصدرية من معنى ﴿فَضَّلَ﴾.
وانتصب ﴿دَرَجَاتٍ﴾:
على البدل من الأجر.
أو بفعل مضمر.
وانتصب ﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ بإضمار فعليهما؛ أي: غفر لهم ورحمهم مغفرةً ورحمةً.
_________________
(١) قال في الكشاف (٥/ ١٢٩): «ونُصب ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ على أنه حالٌ عن النكرة التي هي ﴿دَرَجَاتٍ﴾ مقدَّمةً عليها».
[ ٢ / ٩٩ ]
[﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾].
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ الآية؛ نزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا فلما كان يوم بدر خرجوا مع الكفار فَقُتِلوا؛ منهم: قيس بن الفاكه، والحارث بن زمعة، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وعلي بن أمية بن خلف.
ويحتمل ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾ أن يكون: ماضيًا، أو مضارعًا.
وانتصب ﴿ظَالِمِي﴾ على الحال.
﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي: في أيّ شيء كنتم من أمر دينكم.
﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ اعتذارٌ عن التوبيخ الذي وبَّخهم الملائكة؛ أي: لم نَقْدِر (^١) على الهجرة، وكان اعتذارًا بالباطل.
﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ ردٌّ عليهم، وتكذيبٌ لهم في اعتذارهم.
﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ أي: الذين كان استضعافُهم حقًّا، قال ابن عباس: كنت أنا وأبي وأمي ممن عنى الله بهذه الآية.
﴿مُرَاغَمًا﴾ أي: مُتَحَوَّلًا وموضعًا يُرغِم عدوَّه بالذَّهاب إليه.
_________________
(١) في أ: «تقدروا».
[ ٢ / ١٠٠ ]
﴿وَسَعَةً﴾ أي: اتساع في الأرض.
وقيل: في الرزق.
﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ﴾ أي: ثبت وصحَّ (^١).
﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ﴾ الآية؛ حكمها على العموم.
ونزلت في ضَمْرَةَ بن العِيْس (^٢) وكان من المستضعفين بمكة، وكان مريضًا فلما سمع ما أنزل الله في الهجرة قال: أخرجوني (^٣)، فهيئ له فراشٌ فوُضع عليه وخرج، فمات في الطريق.
وقيل: نزلت في خالد بن حزام؛ فإنه هاجر إلى أرض الحبشة، فنهشته حيةٌ في الطريق فمات قبل أن يصل إلى أرض الحبشة.
_________________
(١) هكذا جاء موضع تفسير هذه الجملة من الآية، متقدّمًا على تفسير جملة (ومن يخرج من بيته) في جميع النسخ الخطية!، وحقُّه أن يكون متأخرًا عن تفسير جملة (ومن يخرج من بيته)؛ جريًا على ترتيب الآية.
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية «العيس» بالسين، والذي في تفسير الطبري (٧/ ٣٩٣)، والإصابة لابن حجر (٢/ ٢٥٩): «العيص» بالصاد.
(٣) في هامش أ: «خ: اخرجوا بي».
[ ٢ / ١٠١ ]
[﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾].
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اختلف العلماء في تأويلها على خمسة أقوال:
الأول: أنها في قَصْر الصلاة الرُّباعيَّة إلى ركعتين في السَّفر، وأن ذلك لا يجوز إلَّا في حال الخوف على ظاهر الآية، وهو قول عائشة وعثمان بن عفان ﵄.
الثاني: أن الآية تقتضي ذلك، ولكن يؤخذ القصرُ في السفر دون الخوف من السُّنَّة، ويؤيد هذا: حديثُ يَعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: إنَّ الله يقول: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ وقد أمن الناس؟ فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألتُ رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا
[ ٢ / ١٠٢ ]
صدقته» (^١)، وقد ثبت أن النبي ﷺ قصر في السفر وهو آمن (^٢).
الثالث: أن قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ راجع إلى قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية التي بعد ذلك، والواو زائدة، وهذا بعيد.
الرابع: أنها في صلاة الخوف؛ على قول مَنْ يرى أن تُصليَّ كلُّ طائفةٍ ركعةً خاصة، قال ابن عباس: فرضت الصلاةُ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة.
الخامس: أنها في صلاة المسايفة؛ فالقصر على هذا هو من هيئات الصلاة؛ كقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
وإذا قلنا: إنها في القصر في السفر:
فظاهرها: أن القصرَ رخصةٌ، والإتمام أفضل. وهو مذهب الشافعي.
وقال مالك: القصر أفضل.
وقيل: إنهما سواءٌ.
وأوجب أبو حنيفة القصر.
وليس في لفظ الآية ما يدلُّ على مقدار المسافة التي يقصر فيها؛ لأن قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ معناه: السفر مطلقًا؛ ولذلك أجاز الظاهرية القصر في كل سفرٍ؛ طويلٍ أو قصيرٍ.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٦٨٦).
(٢) أخرجه البخاري (١٠٨٣)، ومسلم (٦٩٦).
[ ٢ / ١٠٣ ]
ومذهب مالك والشافعي: أن مسافة القصر ثمانية وأربعون ميلًا؛ واحتجوا بآثار عن ابن عمر وابن عباس.
وكذلك ليس في الآية ما يدلُّ على تخصيص القصر بسفر القُربة، أو السفر المباح دون سفر المعصية؛ فإنَّ لفظها مطلقٌ في السفر، ولذلك أجاز أبو حنيفة: القصر في سفر القربة، وفي المباح، وفي سفر المعصية.
ومنعه مالك: في سفر المعصية.
ومنعه ابن حنبل: في المعصية، وفي المباح (^١).
وللقصر أحكامٌ لا تتعلَّق بالآية؛ فأضربنا عن ذكرها.
والمراد بالفتنة في هذه الآية: القتال والتعرُّض بما يُكرَه.
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية؛ في صلاة الخوف، وظاهرها يقتضي: أنها لا تُصلَّى بعد رسول الله ﷺ؛ لأنه شَرَط كونه فيهم، وبذلك قال أبو يوسف.
وأجازها الجمهور بعده ﷺ؛ لأنهم رأوا أن الخطاب له يتناول أُمَّته، وقد فعلها الصحابة بعده ﵇.
واختلف الناس في صفة صلاة الخوف على عشرة أقوال؛ لاختلاف الأحاديث فيها، ولسنا نضطرُّ إلى ذكرها؛ فإنَّ تفسيرها لا يتوقَّف على ذلك.
وكانت صلاة رسول الله ﷺ لصلاة الخوف في غزوة ذات الرِّقاع.
_________________
(١) معتمد المذهب عند الحنابلة: جواز القصر في السفر المباح، وهذه الرواية عن الإمام اختارها جماهير الأصحاب، وعن أحمد رواية أخرى: لا يقصر إلا في سفر الطاعة، اختارها بعض الأصحاب. انظر: المسائل الفقهية من الروايتين والوجهين، لأبي يعلى (١/ ١٧٦)، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف (٥/ ٢٨).
[ ٢ / ١٠٤ ]
﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُم مَعَكَ﴾ يقسم الإمام المسلمين على طائفتين؛ فيصلي بالأُولى نصف الصلاة، وتقف الأُخرى تحرس، ثم يصلي بالثانية بقية الصلاة، وتقف الأُولى تحرس.
واختلف هل تُتِمُّ كلُّ طائفة صلاتها -وهو مذهب الجمهور-، أم لا؟ وعلى القول بالإتمام اختلف؛ هل يُتِمُّونها في إثر صلاتهم مع الإمام أو بعد ذلك؟
﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ اختلف مَنْ المأمور بأخذ الأسلحة؟.
فقيل: الطائفة المصلِّية.
وقيل: الحارسة.
والأول أرجح؛ لأنه قد قال بعد ذلك في الطائفة الأخرى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾.
ويدلُّ ذلك على أنَّهم إن قوتلوا وهم في الصلاة جاز لهم أن يقاتلوا مَنْ قاتلهم؛ وإلاَّ لم يكن معنى لأخذ الأسلحة إذا لم يدفعوا بها مَنْ قاتلهم.
﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ الضمير في قوله: ﴿سَجَدُوا﴾ للمصلين، والمعنى: إذا سجدوا معك في الركعة الأُولى.
وقيل: إذا سجدوا في ركعة القضاء.
والضمير في قوله: ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾:
[أ -] يحتمل أن يكون للذين سجدوا؛ أي: إذا سجدوا فليقوموا ولْيرجعوا وراءكم.
[ ٢ / ١٠٥ ]
وعلى هذا:
إن كان السجود هنا في الركعة الأولى: فيقتضي ذلك أنهم يقومون للحراسة بعد انقضاء الركعة الأولى، ثم يحتمل بعد ذلك أن يقضوا بقية صلاتهم أو لا يقضونها.
وإن كان السجود ركعة القضاء: فيقتضي ذلك أنهم لا يقومون للحراسة إلا بعد القضاء، وهو مذهب مالك والشافعي.
[ب -] ويحتمل أن يكون الضمير في قوله: ﴿فَلْيَكُونُوا﴾ للطائفة الأخرى؛ أي: يقفون وراء المصلين يحرسونهم في حال سجودهم.
﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ يعني: الطائفة الحارسة.
﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية؛ إخبارٌ عما جرى في غزوة ذات الرقاع من عزم الكفار على الإيقاع بالمسلمين إذا اشتغلوا بصلاتهم، فنزل جبريل على النبي ﷺ، وأخبره بذلك، وشُرعت صلاة الخوف؛ حذرًا من الكفار.
وفي قوله تعالى: ﴿مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ مبالغةٌ؛ أي: مُستأصلةً لا يُحتاج معها إلى ثانية.
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ الآية؛ نزلت بسبب عبد الرحمن بن عوف، كان مريضًا فوضع سلاحه فعنَّفه (^١) بعض الناس، فرخص الله في وضع السلاح في حال المرض والمطر، ويُقاس عليهما: كلُّ عذر يَحدث في ذلك الوقت.
_________________
(١) في أ: «فعتبه» وفي الهامش: «خ: فعنفه».
[ ٢ / ١٠٦ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ إن قيل: كيف طابق الأمر بالحذر للعذاب المهين؟
فالجواب: أن الأمر بالحذر من العدو يقتضي توهُّمُ قوَّتَهم وعزَّتَهم، فنفى ذلك الوهم بالإخبار أن الله يُهينُهم ولا ينصرهم؛ لتقوى قلوب المؤمنين. قال ذلك الزمخشري (^١).
وإنما يصحُّ ذلك إذا كان العذاب المهين في الدنيا، والأظهر: أنه في الآخرة.
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ الآية؛ أي: إذا فرغتم من الصلاة فاذكروا الله بألسنتكم.
وذكر القيام والقعود وعلى الجنوب؛ ليعمَّ جميع أحوال الإنسان.
وقيل: المعنى: إذا تلبَّستم بالصلاة فافعلوها قيامًا، فإن لم تقدروا فقعودًا، فإن لم تقدروا فعلى جنوبكم.
﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: إذا اطمأننتم من الخوف فأقيموا الصلاة على هيئتها المعهودة.
﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أي: محدودًا بالأوقات.
وقال ابن عباس: فرضًا مفروضًا.
﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ أي: لا تضعفوا في طلب الكفار.
_________________
(١) الكشاف (٥/ ١٤٣).
[ ٢ / ١٠٧ ]
﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ الآية؛ معناها: إن أصابكم ألمٌ من القتال فكذلك يصيب الكفارَ ألمٌ مثله، ومع ذلك فإنكم ترجون -إذا قاتلتموهم- النصرَ في الدنيا، والأجر في الآخرة، وذلك تشجيعٌ للمسلمين.
[ ٢ / ١٠٨ ]
[﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾].
﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ يحتمل أن يريد: بالوحي، أو بالاجتهاد أو بهما.
وإذا تضمَّنت الاجتهاد؛ ففيها دليلٌ على إثبات النظر والقياس، خلافًا لمن منع ذلك من الظاهرية وغيرهم.
﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ نزلت هذه الآية وما بعدها في قصة طُعْمَة ابن الأُبَيْرِق؛ إذ سَرَق طعامًا وسلاحًا لبعض الأنصار، وجاء قومُه إلى النبي ﷺ وقالوا: إنه بريء، ونسبوا السرقة إلى غيره، وظنَّ رسول الله ﷺ أنهم صادقون، فجادل عنهم؛ ليدفع ما نُسب إليهم، حتى نزل القرآن فافتُضحوا.
فالخائنون في الآية: هم السُّراق بنو الأبيرق، وقال السهيلي: هم بِشْرٌ
[ ٢ / ١٠٩ ]
وبُشَير ومُبشَّر وأَسير (^١).
ومعناها: لا تكن لأجل الخائنين مخاصمًا لغيرهم.
﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي: مِنْ خِصامك عن الخائنين؛ على أنه ﷺ إنما تكلم على الظاهر وهو يعتقد براءتهم.
﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾ أي: يُدبّرون ليلًا، وإنما سُمِّي التدبير قولًا؛ لأنه كلامُ النفس، وربما كان معه كلام باللسان.
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ قيل: إن الخطيئة تكون عن عمدٍ وعن غير عمدٍ، والإثم لا يكون إلّا عن عمد.
وقيل: هما بمعنى (^٢)؛ وكُرّر لاختلاف اللفظ.
﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ كان القوم قد نسبوا السرقة إلى لَبِيد بن سهل.
﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ هم الذين جاؤوا إلى النبي ﷺ وأبرؤوا ابنَ الأبيرق من السرقة.
وهذه الآيات (^٣)، وإن كانت إنما نزلت بسبب هذه القصة؛ فهي أيضًا تتضمَّن أحكامَ غيرِها.
وبقية الآية تشريفٌ للنبي ﷺ، وتقرير لنِعَم الله عليه.
_________________
(١) انظر: التعريف والإعلام، للسهيلي، ص: ٨٧.
(٢) في د زيادة: «واحد».
(٣) في ب: «الآية».
[ ٢ / ١١٠ ]
[﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾].
﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ إن كانت النجوى هنا بمعنى: الكلام الخفي؛ فالاستثناء الذي بعد هذا منقطع.
وقد يكون متَّصلًا؛ على حذف مضاف تقديره: إِلَّا نجوى مَنْ أمر.
وإن كانت النجوى بمعنى: الجماعة؛ فالاستثناء متصلٌ.
[ ٢ / ١١١ ]
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أي: يُعاديه؛ والشِّقاق: هو العداوة.
ونزلت الآية بسبب ابن الأبيرق؛ لأنه ارتدَّ وسار إلى المشركين ومات على الكفر، وهي عامةٌ فيه وفي غيره.
﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ استدلَّ الأصوليون بهذا (^١) على صحة إجماع المسلمين، وأنه لا تجوز مخالفته؛ لأن مَنْ خالفه اتَّبع غير سبيل المؤمنين. وفي ذلك نظر.
﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ أي: نتركه مع اختياره الفاسد.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ قد تقدَّم الكلام على نظيرتها (^٢).
﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ الضمير في ﴿يَدْعُونَ﴾ للكفار.
ومعنى ﴿يَدْعُونَ﴾: يعبدون.
واختُلف في الإناث هنا:
فقيل: هي الأصنام؛ لأن العرب كانت تسمِّي الأصنام بأسماء مؤنثة، كاللَّات والعزى.
وقيل: المراد: الملائكة؛ لقول الكفار: إنهم إناثٌ، وكانوا يعبدونهم؛ فذكر ذلك على وجه إقامة الحجة عليهم بقولهم الفاسد.
وقيل: المراد: الأصنام؛ لأنها لا تَعْقِل، فيُخبَر عنها كما يُخبَر عن المؤنث.
_________________
(١) في ب، د: «بها».
(٢) انظر صفحة ٦٦.
[ ٢ / ١١٢ ]
﴿إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ يعني: إبليس، وإنما قال: إنهم يعبدونه؛ لأنهم يطيعونه في الكفر والضلال.
والمريد: هو الشديدُ العُتُوِّ والإضلال.
﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ صفة للشيطان.
﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ الضمير في ﴿قَالَ﴾ للشيطان.
و﴿مَفْرُوضًا﴾ أي: فَرَضْتُهُ لنفسي؛ من قولك: فَرَضَ للجندِ وغيرهم، والمراد بهم: أهلُ الضلال.
﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أي: أَعِدُهم الأمانيَّ الكاذبة.
﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ أي: يُقَطِّعونها، والإشارةُ بذلك إلى البَحيرة وشبهها.
﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ التَّغيير: هو الخِصاءُ وشِبهُه؛ وقد رخَّص جماعة من العلماء في خِصاء البهائم إذا كان فيه منفعةٌ، ومَنَعَه بعضُهم؛ لظاهر الآية.
وقيل: التغيير: هو الوَشْمُ وشِبهُه؛ ويدلُّ على هذا الحديثُ الذي لعن فيه الواشماتِ، والمستوشماتِ، والمتنمصاتِ، والمتفلجاتِ للحسنِ، المغيراتِ خلق الله (^١).
﴿مَحِيصًا﴾ أي: مَعدِلًا ومَهْرَبًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٨٨٦)، ومسلم (٢١٢٥).
[ ٢ / ١١٣ ]
﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ مصدران:
الأول: مؤكِّد للوعد الذي يقتضيه قوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾.
والثاني: مؤكِّد لـ ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾.
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ الآية؛ اسم «ليس» مضمر؛ تقديره: «الأمرُ» وشبهه. والخطاب للمسلمين، وقيل: للمشركين.
أي: لا يكون ما تتمنَّون (^١)، ولا ما يتمنَّى أهل الكتاب، بل يحكم الله بين عباده، ويجازيهم بأعمالهم.
﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وعيدٌ حتمٌ في الكفار، ومقيَّدٌ بمشيئة الله في المسلمين.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ دخلت «مِنْ» للتبعيض؛ رفقًا بالعباد؛ لأن الصالحات على الكمال لا يُطيقها البشر.
﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ تقييدٌ باشتراط الإيمان؛ فإنه لا يقبل عملٌ إلَّا به.
﴿نَقِيرًا﴾ هو النُّقْرَة التي في ظهر نواة التمرة، والمعنى: تمثيلٌ بأقلِّ الأشياء.
﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: دينَ الإسلام.
﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ: من المتَّبِع، أو من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾.
﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ أي: صفيًّا؛ وهو مشتقٌّ من الخُلَّة بمعنى المودَّة، وفي ذلك تشريفٌ لإبراهيم، وترغيبٌ في اتِّباعه.
_________________
(١) في ب، ج، هـ، د: «تمنَّون».
[ ٢ / ١١٤ ]
[﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧) وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾].
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ أي: يسألونك عمّا يجب عليهم في أمر النساء.
﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ عطفٌ على اسم ﴿اللَّهُ﴾؛ أي: يُفتيكم اللهُ والمتلوُّ (^١) في الكتاب؛ يعني: القرآنَ.
﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ كان الرجل من العرب يتزوَّج اليتيمةَ من أقاربه بدون ما تستحقُّه من الصَّداق.
فقَوْلُهُ: ﴿مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ يعني: ما تستحقه المرأةُ من الصداق.
_________________
(١) في ب، د زيادة: «عليكم».
[ ٢ / ١١٥ ]
وقوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ يعني: لجمالهنَّ ومالهنَّ من غير توفيةِ حقوقهنَّ، فنهاهم الله ﷿ عن ذلك في قوله أوّل السورة: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية، وهذه هي التي تُليت عليهم في يتامى النساء.
﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ عطفٌ على: ﴿يَتَامَى النِّسَاءِ﴾؛ أي: والذي يُتلى في المستضعفين من الولدان؛ وهو قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾؛ لأن العرب كانت لا تُوَرِّثُ البنتَ ولا الابن الصغير، فأمر الله أن يأخذوا نصيبهم من الميراث.
﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ عطفٌ على: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾؛ أي: والذي يُتلى عليكم في أن تقوموا لليتامى بالقسط.
ويجوز أن يكون منصوبًا (^١)؛ تقديره: ويأمركم أن تقوموا.
والخطاب في ذلك: للأولياء والأوصياء، أو للقضاة وشبههم.
والذي تُلي (^٢) عليهم في ذلك هو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] إلى غير ذلك.
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ معنى الآية: إباحةُ الصُّلح بين الزوجين إذا خافت النُّشورَ أو الإعراض، وكما يجوز الصلح مع الخوف؛ كذلك يجوز بعد وقوع
_________________
(١) في د زيادة: «بفعل محذوف».
(٢) في د: «يتلى».
[ ٢ / ١١٦ ]
النشوز أو (^١) الإعراض.
وقد تقدَّم معنى النشوز (^٢)، وأما الإعراض فهو أخفُّ منه.
ووجوه الصلح كثيرةٌ؛ منها: أن يعطيها الزوج شيئًا، أو تعطيه هي، أو تسقط حقَّها من النفقة أو الاستمتاع أو غير ذلك.
وسبب الآية: أن سَودةَ بنت زَمْعة لما كَبِرَتْ خافت أن يطلِّقها رسول الله ﷺ، فقالت له: أمسكني في نسائك ولا تَقْسِم لي، وقد وهبتُ يومي لعائشة.
﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ لفظٌ عامٌ؛ يدخل فيه صُلح الزوجين وغيرهما.
وقيل: معناه: صلح الزوجين خيرٌ من فراقهما؛ فـ ﴿خَيْرٌ﴾ على هذا للتفضيل، واللام في ﴿وَالصُّلْحُ﴾ للعهد.
﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ معناه: أن الشحَّ جُعِل حاضرًا مع النفوس لا يَغيب عنها؛ لأنها جُبِلت عليه.
والشُّحُّ: هو أن لا يسمح الإنسانُ لغيره بشيءٍ من حظوظ نفسه.
وشُحُّ المرأة من (^٣) هذا: هو طلبها لحقِّها من النفقة والاستمتاع.
وشُحُّ الزوج: هو منع الصَّداق، أو التضييق في النفقة، وزهده في المرأة؛ لكِبَر سنِّها أو قُبْح صورتها.
﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ معناه: العدلُ التامُّ الكامل في
_________________
(١) في ج، هـ، د: "و".
(٢) انظر صفحة ٥١.
(٣) في د: "على".
[ ٢ / ١١٧ ]
الأقوال والأفعال والمحبّة وغير ذلك، فرفع الله ذلك عن عباده؛ فإنهم لا يستطيعونه، وقد كان رسول الله ﷺ يَقْسِمُ بين نسائه ثم يقول: «اللهم هذا فعلي فيما أملك؛ فلا تؤاخذني فيما (^١) لا أملك» (^٢) يعني: مَيْلَه بقلبه.
وقيل: إنَّ الآية نزلت في ميله ﷺ بقلبه إلى عائشة.
ومعناها: اعتذارٌ من الله تعالى عن عباده.
﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ أي: لا ذات زوج ولا مطلَّقة.
﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ الآية؛ معناها: إن تفرَّق الزوجان بطلاقٍ أغنى الله كلَّ واحدٍ منهما من فضله عن صاحبه، وهذا وعدٌ بخير وتأنيسٌ.
﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا﴾ الآية؛ إخبارٌ أنَّ الله وصَّى الأوَّلين والآخرين بأن يتقوه.
﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ أي: بقومٍ غيركم، وروي أنَّ النبي ﷺ لما نزلت ضرب بيده على كَتِف سلمان الفارسي، وقال: «هم قوم هذا» (^٣).
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ الآية؛ تقتضي الترغيب في طلب ثواب الآخرة؛ لأنه خيرٌ من ثواب الدنيا.
وتقتضي -أيضًا- أن يُطلَب ثوابُ الدنيا والآخرة من الله وحده؛ فإنَّ ذلك بيده لا بيد غيره.
_________________
(١) في أ، ب، ج، هـ: «بما»، والمثبت موافق لما في السنن والمسند.
(٢) أخرجه أحمد (٢٥١١١)، وأبو داود (٢١٣٤)، والترمذي (١١٤٠)، والنسائي (٣٣٩٥)، وابن ماجه (١٩٧١).
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ٥٨٢).
[ ٢ / ١١٨ ]
وعلى أحد هذين الوجهين يَرتبط الشرطُ بجوابه:
فالتقدير على الأول: من كان يريد ثواب الدنيا فلا يَقتَصِرْ عليه خاصةً؛ فعند الله ثواب الدنيا والآخرة.
وعلى الثاني: من كان يريد ثواب الدنيا فليطلبه من الله؛ فعنده ثواب الدنيا والآخرة.
[ ٢ / ١١٩ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾].
﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ أي: مجتهدين في إقامة العدل.
﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ معناه: لوجه الله ولمرضاته.
﴿وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ يتعلق بـ ﴿شُهَدَاءَ﴾.
وشهادةُ الإنسانِ على نفسه: هي إقراره بالحق.
ثم ذَكَر الوالدين والأقربين؛ إذ هم مَظَنَّةٌ للتعصب والميل؛ فإقامة الشهادة على الأجنبيين من باب أحرى وأولى.
﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ جواب «إن» محذوفٌ على الأظهر؛ أي: إن
[ ٢ / ١٢٠ ]
يكن المشهودُ عليه غنيًّا فلا يَمتنِعُ (^١) من الشهادة عليه تعظيمًا له، وإن كان فقيرًا فلا يَمتنعُ (^٢) من الشهادة عليه إشفاقًا عليه؛ فإنَّ اللهَ أولى بالغني والفقير؛ أي: بالنظر لهما.
﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ «أنْ» مفعولٌ من أجله، ويحتمل أن يكون المعنى:
مِنَ العدل؛ فالتقدير: إرادةَ أن تعدِلوا بين الناس.
أو من العُدول؛ فالتقدير: كراهةَ أن تعدِلوا عن الحقِّ.
﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ قيل: إنَّ الخطاب للحُكَّام.
وقيل: للشهود.
واللفظ عامٌّ في الوجهين.
واللَّيُّ: هو تحريف الكلام.
أي: إن تَلْوُوا عن الحكم بالعدل أو عن الشهادة بالحقِّ، أو تُعْرِضوا عن صاحب الحق، أو عن المشهود (^٣) له فإنَّ الله يُجازيكم؛ فإنه خبير بما تعملون.
وقرئ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ بضم اللام؛ من الولاية؛ أي: إن وَلِيتُم إقامة الشهادة، أو أعرضتم عنها.
_________________
(١) في د: «تمتنع».
(٢) في د: «تمتنع».
(٣) في د: «الشهادة».
[ ٢ / ١٢١ ]
﴿آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ الآية؛ خطابٌ للمسلمين، معناه:
الأمر بأن يكون إيمانهم على الكمال بكلِّ ما ذُكر.
أو يكونُ أمرًا بالدَّوام على الإيمان.
وقيل: خطابٌ لأهل الكتاب الذين آمنوا بالأنبياء المتقدِّمين، معناه: الأمر بأن يؤمنوا مع ذلك بمحمد ﷺ.
وقيل: خطابٌ للمنافقين، معناه: الأمر بأن يؤمنوا بألسنتهم وقلوبهم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ الآية؛ قيل: هي في المنافقين؛ لتردُّدهم بين الإيمان والكفر.
وقيل: في اليهود والنصارى؛ لأنهم آمنوا بأنبيائهم ثم (^١) كفروا بمحمد ﷺ.
والأول أرجح؛ لأنَّ الكلام من هنا فيهم.
والأظهر: أنها فيمن آمن بمحمد ﷺ، ثم ارتدَّ، ثم عاد إلى الإيمان، ثم ارتدَّ وزاد كفرًا.
﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ذلك فيمن عَلِمَ اللهُ أنه يموت على كفره، وقد يكون إضلالهم عقابًا لهم بسوء أفعالهم.
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ الآية؛ إشارةٌ إلى قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] وغيرها.
_________________
(١) في د: «و».
[ ٢ / ١٢٢ ]
وفي الآية دليلٌ على وجوب تجنُّب أهل المعاصي.
والضمير في قوله: ﴿مَعَهُمْ﴾ يعود على: ما يدلُّ عليه سياق الكلام مِنْ الكافرين والمنافقين.
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ صفةٌ للمنافقين؛ أي: ينتظرون بكم دوائرَ الزمان.
﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: نَغْلِبْ على أمركم بالنُّصرة لكم والحَمِيَّة.
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ قال علي بن أبي طالب وغيره: ذلك في الآخرة.
وقيل: السبيل هنا: الحجة الغالبة (^١).
_________________
(١) كذا في ب، وهامش أ ورمز له بـ «خ» وهو موافق لما في المحرر الوجيز (٣/ ٤٩)، وفي بقية النسخ: «البالغة».
[ ٢ / ١٢٣ ]
[﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧) لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾].
﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ ذُكِر في «البقرة» (^١).
﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ تسميةٌ للعقوبة باسم الذنب؛ لأنَّ وبالَ خداعهم راجعٌ عليهم (^٢).
﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ أي: مضطربين متردِّدين، لا إلى المسلمين ولا إلى الكفار.
﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: حجةٌ ظاهرة.
_________________
(١) انظر صفحة ١/ ٢٧٣.
(٢) انظر تعليق الشيخ عبد الرحمن البراك ١/ ٢٧٥، ١/ ٥٤٥، وصفحة ٤٢٢، ٥١٢ من هذا الجزء.
[ ٢ / ١٢٤ ]
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ﴾ أي: في الطبقة السُّفلى من جهنم، وهي سبعُ طبقاتٍ.
وفي ذلك دليلٌ على أنهم شرٌّ من الكفار.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ استثناءٌ من المنافقين، والتوبة هنا: الإيمان الصَّادق في الظاهر والباطن.
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ المعنى: أيُّ حاجةٍ أو منفعةٍ لله بعذابكم وهو الغنيُّ عنكم!.
وقدَّم الشكر على الإيمان؛ لأنَّ العبد ينظر إلى النعم فيشكر عليها ثم يؤمن بالمنعم، فكأنَّ الشكر سببٌ للإيمان متقدِّمٌ عليه.
ويحتمل أن يكون الشكر يتضمَّن الإيمان، ثم ذكر الإيمان بعده توكيدًا واهتمامًا به.
والشَّاكر اسم الله، ذُكِر في «اللغات» (^١).
﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ أي: إلَّا جَهْرَ المظلوم، فيجوز له من الجهر:
أن يدعو على مَنْ ظلمه.
وقيل: أن يَذكر ما فُعل به من الظُّلم.
وقيل: أن يَرُدَّ عليه بمثل مظلمته إن كان شتمه.
﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية؛ ترغيبٌ في فعل الخير سرًّا وعلانية،
_________________
(١) انظر المادة (٥٤٠) في اللغات.
[ ٢ / ١٢٥ ]
وفي العفو عن الظلم بعد أن أباح الانتصار؛ لأن العفو أحبُّ إلى الله من الانتصار، وأكّد ذلك بوصفه تعالى نفسه بالعَفُوّ مع القُدرة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ الآية؛ (^١) في اليهود والنصارى؛ لأنهم آمنوا بأنبيائهم وكفروا بمحمد ﷺ وغيره.
ومعنى التَّفريق بين الله ورسله: الإيمانُ به والكفر برسله.
وكذلك التفريق بين الرُّسل: هو الكفر ببعضهم والإيمان ببعضهم، فحَكم الله على مَنْ كان كذلك بحُكم الكفر الحقيقيّ الكامل.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية؛ في أمة محمد ﷺ؛ لأنهم آمنوا بالله وجميع رسله.
_________________
(١) في د زيادة: «نزلت».
[ ٢ / ١٢٦ ]
[﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾].
﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ الآية؛ روي أن اليهود قالوا للنبي ﷺ: لن نؤمن بك حتى تأتينا بكتاب من السماء جملةً كما أتى موسى بالتوراة.
وقيل: كتابٌ إلى فلان، وكتابٌ إلى فلان بأنك رسول الله.
وإنما طلبوا ذلك على وجه التعنت، فذكر الله سؤالهم من موسى، وسوء أدبهم معه؛ تسليةً للنبي ﷺ بالتأسّي بغيره.
[ ٢ / ١٢٧ ]
ثم ذكر أفعالهم القبيحة؛ ليبين أنَّ كفرهم إنما هو عنادٌ، وقد تقدَّم في «البقرة» (^١) ذكرُ طلبهم للرؤية، واتخاذهم العجلَ، ورفع الطور فوقهم، واعتدائهم في السَّبت وغير ذلك مما أشير إليه هنا.
﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَاقَهُمْ﴾ «ما» زائدةٌ؛ للتأكيد، والباء تتعلَّق:
بمحذوف؛ تقديره: بسبب نقضهم فعَلْنا بهم ما فعلنا.
أو تتعلَّق بقوله: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾، ويكون ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ -على هذا- بدلًا من قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾.
﴿بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ هو أنْ رَمَوْا مريم بالزِّنا مع رؤيتهم الآية في كلام عيسى في المهد.
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عدَّ اللهُ في جملة قبائحهم قولهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾؛ لأنهم قالوها افتخارًا وجرأةً مع أنهم كذَّبوا في ذلك، ولزمهم الذنبُ وهم لم يقتلوه؛ لأنهم صلبوا الشخص الذي أُلْقِي شَبَهُه عليه، وهم يعتقدون أنه عيسى.
وروي أن عيسى قال للحواريين: أيُّكم يُلْقَى عليه شَبَهِي فيُقتَل ويكون رفيقي في الجنة؟ فقال أحدهم: أنا، فأُلْقِي عليه شَبَهُ عيسى فقُتِل على أنه عيسى.
وقيل: بل دلَّ على عيسى يهوديٌّ، فألقى اللهُ شَبَه عيسى على اليهودي،
_________________
(١) انظر صفحة ١/ ٣١٥ وما بعدها.
[ ٢ / ١٢٨ ]
فَقُتِلَ اليهوديُّ، ورُفِعَ عيسى إلى السماء حيًّا، حتى ينزل إلى الأرض فيقتل الدَّجَّال.
﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ إن قيل: كيف قالوا فيه ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ وهم يكفرون به ويسبُّونه؟
فالجواب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنهم قالوا ذلك على وجه التهكُّم والاستهزاء.
والثاني: أنهم قالوه على حسَب اعتقاد المسلمين فيه؛ كأنهم قالوا: رسول الله عندكم أو بزعمكم.
الثالث: أنه من قول الله لا من قولهم؛ فيوقف قبله، وفائدته: تعظيم ذنبهم، وتقبيح قولهم: إنا قتلناه.
﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ ردٌّ عليهم وتكذيبٌ لهم وللنصارى أيضًا في قولهم: إنه صُلِب؛ حتى عبدوا الصَّليب من أجل ذلك، والعجب كلُّ العجب من تناقضهم في قولهم: إنه إلهٌ أو ابن إله، ثم يقولون: إنه صُلِب!.
﴿وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: ما ذكرناه من إلقاء شَبَهه على الحواريِّ، أو على اليهودي.
والآخر: أنَّ معناه: شُبِّه لهم الأمرُ؛ أي: خَلط لهم القومُ الذين حاولوا قتله؛ فإنهم قتلوا رجلًا آخر وصلبوه ومنعوا الناس أن يقربوا منه، حتى تغيَّر بحيث لا يُعرف، وقالوا للناس: هذا عيسى، ولم يكن عيسى، فاعتقد الناس صدقهم وكانوا متعمِّدين للكذب.
[ ٢ / ١٢٩ ]
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ روي أنه لما رُفع عيسى وأُلقي شبهُه على غيره فقتلوه قالوا: إن كان هذا المقتولُ عيسى فأين صاحبُنا؟، وإن كان هذا صاحبَنا فأين عيسى؟ فاختلفوا، فقال بعضهم: هو هو، وقال بعضهم: ليس هو، فأجمعوا أنَّ شخصًا قُتِل، واختلفوا مَنْ كان.
﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ استثناءٌ منقطع؛ لأنَّ العلم تحقيقٌ والظن تردُّدٌ.
وقال ابن عطية: هو متَّصلٌ؛ إذ الظنُّ والعلم يجمعهما جنسُ المعتقدات (^١).
فإن قيل: كيف وصفهم بالشكِّ وهو تردُّدٌ بين احتمالين على السَّواء، ثم وصفهم بالظنِّ وهو ترجيحُ أحد الاحتمالين؟
فالجواب: أنهم كانوا على الشكِّ، ثم لاحتْ لهم أمارةٌ فظنُّوا. قاله الزمخشري (^٢).
وقد يقال: الظنُّ بمعنى الشك، وبمعنى الوَهْم الذي هو أضعف من الشك.
﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أي: ما قتلوه قتلًا يقينًا؛ فإعراب ﴿يَقِينًا﴾ على هذا: صفةٌ لمصدر محذوف.
وقيل: هو مصدرٌ في موضع الحال؛ أي: ما قتلوه متيقِّنين.
وقيل: هو تأكيدٌ للنفي الذي في قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾؛ أي: تيقَّنَ نفيُ قتله، وهو على هذا منصوبٌ على المصدرية.
_________________
(١) المحرر الوجيز (٣/ ٦٢).
(٢) الكشاف (٥/ ٢٢١).
[ ٢ / ١٣٠ ]
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى سمائه (^١)، وقد ورد في حديث الإسراء أنه في السماء الثانية (^٢).
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ فيها تأويلان:
أحدهما: أنَّ الضمير في ﴿مَوْتِهِ﴾ لعيسى، والمعنى: أنَّ كلَّ أحدٍ من أهل الكتاب يؤمن بعيسى حين ينزلُ إلى الأرض، قبل أن يموت عيسى، وتصيرُ الأديانُ كلُّها حينئذٍ دينًا واحدًا، وهو دين الإسلام.
والثاني: أنَّ الضمير في ﴿مَوْتِهِ﴾ للكتابي الذي تضمَّنه قولُه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، التقدير: وإن من أهل الكتاب أحدٌ إلَّا ليؤمننَّ بعيسى ويَعلَمُ أنه نبيٌّ قبل أن يموت هذا الإنسان؛ وذلك حين معاينة الموت، وهو إيمانٌ لا ينفعه، وقد رُوي هذا المعنى عن ابن عباس وغيره.
وفي مصحف أبيِّ بن كعب: «قبل موتهم»، وفي هذه القراءة تقويةٌ للقولِ الثاني.
والضمير في ﴿بِهِ﴾: لعيسى على الوجهين.
وقيل: هو لمحمد ﷺ.
﴿وَبِصَدِّهِمْ﴾ يَحتملُ أن يكون:
بمعنى الإعراض؛ فيكون ﴿كَثِيرًا﴾ صفةً لمصدر محذوف؛ تقديره: صدًّا كثيرًا.
_________________
(١) انظر تعليق الشيخ عبد الرحمن البراك في صفحة ١/ ٥٤٦.
(٢) أخرجه البخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤).
[ ٢ / ١٣١ ]
أو بمعنى صدّهم لغيرهم؛ فيكون ﴿كَثِيرًا﴾ مفعولًا بالصدّ؛ أي: صَدُّوا كثيرًا من الناس عن سبيل الله.
﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ هم عبد الله بن سلام، ومُخَيْرِيق، ومَن جرى مجراهم.
﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ منصوبٌ على المدح بإضمارِ فعلٍ، وهو جائزٌ كثيرٌ في الكلام.
وقالت عائشة: هو من لحن كُتَّاب المصحف (^١).
وفي مصحف ابن مسعود: «والمقيمون» على الأصل.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ٦٨٠)، والفراء في معاني القرآن (١/ ١٠٦) بإسنادهما عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة ﵂ عن قوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾، وعن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ وعن قوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ فقالت: «يا ابن أختي، هذا عمل الكُتَّاب أخطؤوا في الكتاب»، وقال السيوطي في الإتقان (٢/ ٢٦٩): «هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين»، وقال الطبري تعليقًا على هذا الأثر (٧/ ٦٨٤): «فلو كان ذلك خطأ من الكاتب لكان الواجب أن يكون في كل المصاحف غير مصحفنا الذي كتبه لنا الكاتب الذي أخطأ في كتابه = بخلاف ما هو في مصحفنا، وفي اتفاق مصحفنا ومصحف أُبيّ في ذلك ما يدل على أن الذي في مصحفنا من ذلك صوابٌ غيرُ خطإٍ، مع أن ذلك لو كان خطأ من جهة الخط لم يكن الذين أُخِذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله ﷺ يعلمون من علَّموا ذلك من المسلمين على وجه اللحن، ولأصلحوه بألسنتهم، ولقَّنوه للأمة تعليمًا على وجه الصواب، وفي نقل المسلمين جميعًا ذلك قراءةً على ما هو به في الخط مرسومًا أدلُّ الدليل على صحة ذلك وصوابه، وأن لا صُنْعَ في ذلك للكاتب»، وانظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٥/ ٢٤٨) وما بعدها.
[ ٢ / ١٣٢ ]
[﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥) لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩) يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾].
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية؛ ردٌّ على اليهود الذين سألوا من النبي ﷺ (^١) أن يُنزِّلَ عليهم كتابًا من السماء، واحتجاجٌ عليهم بأن الذي أتى به وحيٌّ، كما أتى مَنْ تقدَّم مِنْ الأنبياء بالوحي من غير إنزال كتابٍ من السماء، ولذلك أكثرَ مِنْ ذكر الأنبياء الذين كان شأنهم هذا؛ لتقوم بهم الحجة.
﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ﴾ منصوبٌ بفعل مضمر؛ أي: أرسلنا رسلًا.
_________________
(١) في أ: «سألوا النبيَّ».
[ ٢ / ١٣٣ ]
﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ تصريح بالكلام، مؤكَّد بالمصدر، وذلك دليل على بطلان قول المعتزلة: إنَّ الشجرة هي التي كَلَّمت موسى.
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ﴾ منصوب:
بفعل مضمر.
أو على البدل.
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أي: بعثهم الله ليقطع حجَّة مَنْ يقول: لو أرسل إليَّ رسولٌ لآمنت.
﴿لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ﴾ الآية؛ معناها: أنَّ الله يشهد بأن القرآن من عنده، وكذلك تشهد الملائكة بذلك.
وسبب الآية: إنكارُ اليهود للوحي، فجاء الاستدراك؛ على تقدير أنهم قالوا: لن نشهدَ بما أُنزل إليك، فقيل: لكن الله يشهد بذلك.
وفي الآية من أدوات البيان: التَّرديد، وهو ذكر الشهادة أوَّلًا، ثم ذكرها في آخر الآية.
﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ في هذا دليلٌ لأهل السنة على إثبات علم الله، خلافًا للمعتزلة في قولهم: إنه عالم بلا علم، وقد تأوَّلوا الآية بتأويلٍ بعيد.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطابٌ عام؛ لأن النبي ﷺ بُعث إلى جميع الناس.
﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ انتصب ﴿خَيْرًا﴾ هنا، وفي قوله: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾:
بفعلٍ مضمر لا يظهر؛ تقديره: ائتوا خيرًا لكم. هذا مذهب سيبويه.
[ ٢ / ١٣٤ ]
وقال الخليل: انتصب بقوله: ﴿فَآمِنُوا﴾ و﴿انتَهُوا﴾ على المعنى.
وقال الفرَّاء: فآمنوا إيمانًا خيرًا لكم؛ فنصبه على النعت لمصدر محذوف.
وقال بعض الكوفيين: هو خبر «كان» المحذوفة؛ تقديره: يكن الإيمان خيرًا لكم.
﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو غنيٌّ عنكم، لا يضرُّه كفرُكم.
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ هذا خطابٌ للنصارى؛ لأنهم غلوْا في عيسى حتى كفروا، فلفظ «أهل الكتاب» عمومٌ يراد به الخصوص في النصارى؛ بدليل ما بعد ذلك.
والغلو: هو الإفراط وتجاوز الحد.
﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ أي: مكونٌ عن كلمته التي هي «كن»، من غير واسطة أبٍ ولا نطفة.
﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: ذو روحٍ من الله، فـ «من» هنا: لابتداء الغاية، والمعنى: من عند الله.
وجعله من عند الله؛ لأن الله أرسل به جبريل ﵇ إلى مريم.
﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ نهيٌّ عن التثليث الخبيث، وهو مذهب النصارى.
وإعراب ﴿ثَلَاثَةٌ﴾: خبر ابتداء مضمر.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ برهانٌ على تنزيهه تعالى عن الولد؛ لأنه مالك كل شيء.
[ ٢ / ١٣٥ ]
[﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣) يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥) يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾].
﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ﴾ لن يأنف. وكذلك (^١) حيث وقع.
﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ﴾ فيه دليل لمن قال: إنَّ الملائكة أفضل من الأنبياء؛ لأنَّ المعنى: لن يستنكف عيسى ولا مَنْ فوقه.
﴿قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ﴾ هو القرآن، وهو أيضًا النور المبين.
ويحتمل أن يريد بالبرهان: الدلائل والحجج، وبالنور: النبي ﷺ؛ لأنه سمَّاه سراجًا.
﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ أي: يطلبون منك الفتيا.
ويحتمل أن يكون هذا الفعل:
طالبًا للكلالة، و﴿يُفْتِيكُمْ﴾ أيضًا طالبًا لها؛ فيكون من باب الإعمال،
_________________
(١) في د زيادة: «معناه».
[ ٢ / ١٣٦ ]
وأُعْمِل العامل الثاني على اختيار البصريين.
أو يكون ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ مقطوعًا عن ذلك؛ فيوقف عليه. والأول أظهر.
وقد تقدَّم معنى الكلالة في أوَّل السورة (^١).
والمراد بالأخت والأخ هنا: الشقائق، والذين للأب إذا عَدِم الشقائقُ، وقد تقدَّم حكم الإخوة للأمِّ في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ الآية.
﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ ارتفع بفعل مضمر عند البصريين.
ولا إشكال فيما ذُكر هنا من أحكام المواريث.
﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ مفعول من أجله؛ تقديره: كراهةَ أن تَضِلُّوا.
_________________
(١) انظر صفحة ٢٣.
[ ٢ / ١٣٧ ]