[﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾].
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ عطف الكتاب على القرآن كعطف الصفات بعضها على بعض، وإن كان الموصوف واحدًا.
﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾ في موضع نصبٍ على المصدر.
أو في موضع رفعٍ على أنه خبر ابتداء مضمر.
﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ تحتمل هذه الجملة:
[ ٣ / ٣٨٧ ]
أن تكون معطوفة، فتكون بقية صلة ﴿الَّذِينَ﴾.
أو تكون مستأنفةً وتمَّت الصلة قبلها. ورجَّح الزمخشري هذا (^١).
﴿يَعْمَهُونَ﴾ يتحيَّرون.
﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ يعني: في الدنيا وهو القتل يوم بدر.
ويحتمل أن يريد عذاب الآخرة.
والأول أرجح؛ لأنه ذكر الآية بعد ذلك.
﴿لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ أي: تُعطاه.
﴿آنَسْتُ﴾ ذكر في «طه» (^٢)، وكذلك ﴿قَبَسٍ﴾.
والشهاب: النجم، شبَّه القبس به.
وقرئ:
بإضافة ﴿بِشِهَابِ﴾ إلى ﴿قَبَسٍ﴾.
وبالتنوين، على البدل أو الصفة.
فإن قيل: كيف قال هنا: ﴿سَآتِيكُمْ﴾ وفي الموضع الآخر: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ [طه: ١٠]؛ والفرق بين الترجي والتسويف: أن التسويف متيقَّن الوقوع بخلاف الترجي؟
فالجواب: أنه قد يقول الراجي: «سيكون كذا» إذا قوي رجاؤه.
_________________
(١) الكشاف (١١/ ٤٥٤).
(٢) انظر صفحة ٩٢.
[ ٣ / ٣٨٨ ]
﴿تَصْطَلُونَ﴾ معناه: تستدفئون بالنار من البرد، ووزنه تفتعلون، وهو مُشْتَقٌّ مِنْ صَلِيَ بالنار، والطاء بدل من التاء.
﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ﴿أَنْ﴾ مفسّرة، و﴿بُورِكَ﴾ من البركة، و﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾: يعني مَنْ في مكان النار، و﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: مَنْ حول مكانها: يريد الملائكة الحاضرين وموسى ﵇.
وقال الزمخشري: والظاهر أنه عام في كل من كان في تلك الأرض، وفي ذلك الوادي وما حوله من أرض الشام (^١).
﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون:
مما قيل في النداء لموسى ﵇.
أو يكون مستأنفًا.
وعلى كلا الوجهين قُصِدَ به: تنزيه الله مما عسى أن يخطر ببال السامع في معنى النداء، و(^٢) في قوله: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾؛ إذ قال بعض الناس فيه ما يجب تنزيه الله عنه (^٣).
_________________
(١) الكشاف (١١/ ٤٦٤).
(٢) في أ، ج: «أو».
(٣) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قول المصنف ﵀: «﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون مما قيل في النداء لموسى ﵇» إلخ، أقول: الأظهر أن ذلك من جملة ما قيل لموسى ﵇ في النداء، وهو مع ذلك دالٌّ على تنزيه الله عن كل نقص، والتنزيه هو مدلول الكلمة في كل مواردها، وفي هذا تعليم لموسى ما يستحقه الرب من التنزيه، كما علَّمه تعالى ما يستحقه من الإلهية والربوبية والتنزيه عن الشرك في قوله: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾، وقوله: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾. =
[ ٣ / ٣٨٩ ]
﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ هذه الجملة معطوفة على قوله: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾؛ لأن المعنى: نودي أن بورك من في النار، وأن ألق عصاك؛ فكلاهما تفسير للنداء.
﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ الجان: الحية.
وقيل: الحية الصغيرة، وعلى هذا يشكل قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧]!.
والجواب: أنها ثعبان في جِرْمِها، جانٌّ في سرعة حركتها.
﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ لم يرجع، أو لم يلتفت.
﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ استثناء منقطع، تقديره: لكن مَنْ ظلم من سائر
_________________
(١) = وأما قول المصنف «أو يكون مستأنفًا، وعلى كلا الوجهين: قُصد به تنزيه الله» هذا القدر من عبارته صحيح، ولا إشكال فيه، ولكنه - عفا الله عنه - قيّد التنزيه بقوله: «مما عسى أن يخطر ببال السامع في معنى النداء» إلخ، وقد أجمل وأبهم ما عسى أن يخطر ببال السامع من معنى النداء، وكذا لم يوضح ما قاله بعض الناس في الآية مما يجب تنزيه الله عنه، ولهذا صار كلامه غامضا لا يفيد السامع معنى محددا، ولا يفهم مراده إلا من يعرف مذهبه في كلام الله، وإذ قد عُلم مما تقدم أن المؤلف على طريقة الأشاعرة، ومذهب الأشاعرة في كلام الله أنه معنى نفسي قديم، ليس بصوت ولا حرف، ولا يكون بمشيئته، فالذي يحذره المؤلف أن يُفهم من لفظ النداء أن كلامه تعالى بصوت؛ لأن النداء هو الخطاب بصوت رفيع مسموع، ومذهب أهل السنة أن كلام الله يكون بصوت، مناداة ومناجاة، فالله نادى موسى وناجاه، وأما قوله: «قال بعض الناس فيه ما يجب تنزيه الله عنه»، فلعله يريد قول من قال: المراد بمَن في النار هو الله، وهذا القول يستعظمه من لم يعرف مراد من قال ذلك من السلف، فقد جاء عن ابن عباس ﵄: ﴿أَنْ بُورِكَ﴾ أن قُدِّس، وأن النار هي نور، وبمعرفة ذلك يزول الإشكال.
[ ٣ / ٣٩٠ ]
الناس، لا من المرسلين.
وقيل: إنه متصل؛ على القول بتجويز الذنوب على الأنبياء، وهذا بعيد؛ لأن الصحيح عصمتهم من الذنوب، وأيضًا فإن تسميتهم ظالمين شنيع على القول بتجويز الذنوب عليهم.
﴿بَدَّلَ حُسْنًا﴾ أي: عمل عملًا صالحًا.
﴿فِي جَيْبِكَ﴾ ذكر في «طه» (^١).
﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ متصل بقوله: ﴿أَلْقِ﴾ و﴿أَدْخِلْ﴾، تقديره: نيسّر لك ذلك في جملة تسع آيات.
وقد ذُكرت الآيات التسع في «الإسراء» (^٢).
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ متعلّق بفعل محذوف يقتضيه الكلام تقديره: اذهب بالآيات التسع إلى فرعون.
﴿مُبْصِرَةً﴾ أي: ظاهرة واضحة الدلالة، أسند الإبصار لها مجازًا، وهو في الحقيقة لمتأمّلها.
﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ يعني: أنهم جحدوا بها مع أنهم تيقنوا أنها الحق، فكُفرهم عنادٌ، ولذلك قال فيه: ﴿ظُلْمًا﴾، والواو فيه واو الحال، وأضمرت بعدها «قد».
﴿وَعُلُوًّا﴾ يعني: تكبّرًا.
_________________
(١) انظر صفحة ٩٦، ولم يذكر هناك معنى الجيب هناك، وإنما ذكر تفسير بقية الآية، وذكر تفسير الجيب في سورة القصص.
(٢) انظر (٢/ ٨٣٥).
[ ٣ / ٣٩١ ]
[﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾]
﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ أي: ورث عنه النبوة والعلم والملك.
﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ أي: فَهْمنا من أصوات الطير المعاني التي في نفوسها.
﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عموم معناه الخصوص، والمراد بهذا اللفظ التكثير
[ ٣ / ٣٩٢ ]
كقولك: فلان يقصده كل أحد.
وقوله: ﴿عُلِّمْنَا﴾ ﴿وَأُوتِينَا﴾ يحتمل أن يريد:
نفسه وأباه.
أو نفسه خاصةً على وجه التعظيم؛ لأنه كان ملكًا.
﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ﴾ اختلف الناس في عدد جنود سليمان اختلافًا شديدًا، تركنا ذكره؛ لعدم صحته.
﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي: يُكفُّون ويردُّ أولهم إلى آخرهم، ولا بدَّ لكل ملك أو حاكم من وَزَعَةٍ يدفعون الناس.
﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ ظاهر هذا: أن سليمان وجنوده كانوا مشاةً بالأرض أو ركبانًا، حتى خافت منهم النملة.
ويحتمل أنهم كانوا في الكرسي المحمول بالريح، وأحسَّت النملة بنزولهم في وادي النمل.
﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ النمل حيوان فطِنٌ، قويُّ الحِسِّ، يدَّخر قُوتَه، ويقسم الحبة بقسمين؛ لئلا تنبت، ويقسم حبة الكُزْبُر بأربع قطع؛ لأنها تنبت إذا قسمت على اثنين، ولإفراط إدراكها قالت هذا القول، ورُوي أن سليمان سمعه، وكان بينه وبينها ثلاثة أميال، وذلك لا يسمعه البشر إلا من خصَّه الله بذلك.
﴿ادْخُلُوا﴾ خاطبتهم مخاطبة العقلاء؛ لأنها أمرتهم بما يُؤمر به العقلاء.
﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ يحتمل أن يكون:
جوابًا للأمر.
[ ٣ / ٣٩٣ ]
أو نهيًا بدلًا من الأمر؛ لتقارب المعنى.
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ الضمير لسليمان وجنوده، والمعنى: اعتذارٌ عنهم لو حطموا النمل؛ أي: لو شعروا بهم لم يَحطِموهم.
﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ تبسُّم لأحد أمرين:
أحدهما: سروره بما أعطاه الله.
والآخر: ثناءُ النملة عليه وعلى جنوده، فإن قولها: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وصفٌ لهم بالتقوى والتحفُّظ من مضرَّة الحيوان.
﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ اختلف الناس في معنى تفقُّده للطير؟
فقيل: ذلك عنايةٌ بأمور ملكه.
وقيل: لأن الطير كانت تُظِلُّه، فغاب الهدهد فدخلت الشمس عليه من موضعه.
﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعة؛ فإنه نظر إلى مكان الهدهد فلم يبصره، ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ أي: لا أراه ولعله حاضرٌ وستره ساتر، ثم علم أنه غائب فأخبر بذلك.
﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ روي أن تعذيبه للطير كان بنتف ريشه.
﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي حجةٍ بينة.
﴿فَمَكَثَ﴾ أي: أقام، ويجوز فتح الكاف وضمها، وبالفتح قرأ عاصم.
[ ٣ / ٣٩٤ ]
والفعل يحتمل أن يكون مسندًا:
إلى سليمان ﵇.
أو إلى الهدهد، وهو أظهر.
﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ يعني: زمانًا قريبًا.
﴿أَحَطْتُ﴾ أي: أحطت علمًا بما لم تعلمه.
﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ هي (^١) قبيلةٌ من العرب، وجدُّهم الذي يُعرَفون به: سبأُ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
ومَن صرفه أراد الحيَّ أو الأب، ومن لم يصرفه أراد القبيلة أو البلدة. وقرئ بالتسكين؛ لتوالي الحركات.
وعلى القراءة بالتنوين يكون في قوله: ﴿مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ﴾ ضربٌ من أدوات البيان، وهو التسجيع (^٢).
﴿وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ المرأة: بلقيس بنت شراحيل، كان أبوها ملك اليمن ولم يكن له ولد غيرها، فغلبت بعده على الملك.
والضمير في ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾ يعود على سبإ، وهم قومها.
﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عمومٌ يراد به الخصوص فيما يحتاجه المَلِك.
﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: سرير ملكها.
_________________
(١) في ج، د: "يعني".
(٢) في أ، ب، هـ: «التجنيس»، وانظر الباب العاشر من المقدمة الأولى (١/ ١١٢).
[ ٣ / ٣٩٥ ]
ووقف بعضهم على ﴿عَرْشٌ﴾، ثم ابتدأ ﴿عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا﴾ على تقدير: عظيمٌ أنْ وجدتها وقومها يسجدون للشمس. وهذا خطأ، وإنما حمله عليه الفرارُ من وصف عرشها بالعظمة.
﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ من كلام الهدهد، أو من كلام الله.
وقرأه الجمهور بالتشديد، و«أنْ»:
في موضع نصب على البدل من ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾.
أو في موضع خفض على البدل من ﴿السَّبِيلِ﴾.
أو يكون التقدير: «لا يهتدون لأن يسجدوا» فحذف اللام، وزاد «لا».
وقرئ بالتخفيف على أن تكون «ألا» حرفَ تنبيهٍ، وأن تكون الياء للنداء (^١)، فيوقف عليها بالألف على تقدير: «يا قوم» ثم يُبتدئ: «اسجدوا».
﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ الخبءُ في اللغة: الخفي:
فقيل: معناه هنا: الغيب.
وقيل: يخرج النبات من الأرض.
واللفظ يعمُّ كل خفيّ، وبه فسره ابن عباس.
﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: تنحَّ إلى مكان قريب؛ لتسمع ما يقولون، وروي أنه دخل عليها من كُوَّة فألقى إليها الكتاب وتوارى في الكَوَّة.
_________________
(١) في ج، د: «تكون ياء النداء».
[ ٣ / ٣٩٦ ]
وقيل: إنَّ التقدير: انظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم، فهو من المقلوب.
والمعنى الأول أحسن.
﴿مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ من قوله: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ: ٣١].
﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ قبل هذا الكلام محذوف، تقديره: فألقى الهدهد إليها الكتاب فقرأته، ثم جمعت (^١) أهل ملكها فقالت لهم: يا أيها الملأ.
﴿كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ وصفته بالكرم:
لأنه من عند سليمان.
أو لأن فيه اسم الله.
أو لأنه مختوم، كما جاء في الحديث: «كرم الكتاب ختمه» (^٢).
﴿مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ يحتمل أن يكون هذا:
نص الكتاب بدأ فيه بالعنوان.
وأن يكون من كلامها؛ أخبرتهم أن الكتاب من سليمان.
﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ يحتمل أن يكون:
من الانقياد؛ بمعنى: مستسلمين.
أو يكون من الدخول في الإسلام.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «فجمعت».
(٢) أخرجه الثعلبي في تفسيره (٧/ ٢٠٦)، والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ٥٨).
[ ٣ / ٣٩٧ ]
[﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧) قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾].
﴿أُولُو قُوَّةٍ﴾ يحتمل أن يريد:
قوة الأجساد.
أو قوة الملك والعُدد والعَدَد (^١).
﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ من كلام الله تعالى؛ تصديقًا لقولها، فيوقف على ما قبله.
_________________
(١) هذه الكلمة سقطت من أ، ج، د.
[ ٣ / ٣٩٨ ]
أو من كلام بلقيس:
تأكيدًا للمعنى الذي أرادته.
أو تعني: كذلك يفعل هؤلاء بنا.
﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ﴾ قالت لقومها: إني أجرب (^١) هذا الرجل بهدية من نفائس الأموال، فإن كان ملكًا دنيويًّا: أرضاه المال، وإن كان نبيًّا لم يرضه المال، وإنما يرضيه دخولنا في دينه، فبعثت إليه هديةً عظيمة وصفها الناس، واختصرنا وصفها؛ لعدم صحته.
﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ إنكارٌ للهدية؛ لأن الله أغناه عنها بما أعطاه.
﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ أي: أنتم محتاجون إليها فتفرحون بها، وأنا لست كذلك.
﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ خطابٌ للرسول.
وقيل: للهدهد.
والأول أرجح؛ لأن قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ مسندٌ إلى الرسول.
﴿لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ أي: لا طاقة لهم بها.
﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ القائل: سليمان، والملأ: جَمْعُه من الجن والإنس.
وطلب عرشها قبل أن يأتوه مسلمين؛ لأنه وُصف له بعظمةٍ، فأراد أخذه
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «مجربة».
[ ٣ / ٣٩٩ ]
قبل أن يُسلموا فيمنع إسلامُهم من أخذ أموالهم، فـ ﴿مُسْلِمِينَ﴾ على هذا: من الدخول في دين الإسلام.
وقيل: إنما طلب عرشها قبل أن يأتوه؛ ليُظهر لهم قوته، فـ ﴿مُسْلِمِينَ﴾ على هذا: بمعنى منقادين.
﴿قَالَ عِفْرِيتٌ﴾ روي عن وهب بن منبه أن اسم هذا العفريت: الكودن.
﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ قبل أن تقوم من مجلس الحكم، وكان يجلس من غُدْوَةٍ (^١) إلى الظهر.
وقيل: معناه: قبل أن تستوي من جلوسك قائمًا.
﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ هو آصف، وكان رجلًا صالحًا من بني إسرائيل كان يعلم اسم الله الأعظم.
وقيل: هو الخَضِر.
وقيل: هو جبريل.
والأول أشهر.
وقيل: هو سليمان، وهذا بعيد.
﴿آتِيكَ بِهِ﴾ في الموضعين: يَحتمل أن يكون: فعلًا مستقلًا، أو اسم فاعل.
﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ الطَّرف: العين، فالمعنى على هذا: قبل أن
_________________
(١) في د: «من الصبح».
[ ٣ / ٤٠٠ ]
تُغمض بصرك إذا نظرت إلى شيء.
وقيل: الطرف: تحريك الأجفان إذا نظرت.
﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ﴾ قيل هذا محذوف، تقديره: فجاء الذي عنده علمٌ من الكتاب بعرشها.
ومعنى ﴿مُسْتَقِرًّا عِندَهُ﴾: حاصلًا عنده، وليس هذا بـ «مستقر» الذي يقدّر النحويون تعلقَ المجرورات به، خلافًا لمن فهم ذلك.
﴿يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: منفعةُ الشكر لنفسه.
﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ تنكيره: تغيير وصفه وستر بعضه.
وقيل: الزيادة فيه والنقص منه.
وقصد بذلك اختبار عقلها وفهمها.
﴿أَتَهْتَدِي﴾ يحتمل أن يريد تهتدي:
لمعرفة عرشها.
أو للجواب عنه إذا سئلت.
أو للإيمان.
﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ كان عرشها قد وصل إلى سليمان قبلها، فأمر بتنكيره، وأن يقال لها: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ أي: أمثل (^١) هذا عرشك؟ (ولم
_________________
(١) في ب، ج: «مثل».
[ ٣ / ٤٠١ ]
يقل لها: «أهذا عرشك؟») (^١)؛ لئلا تَفْطَن أنه هو، فأجابت بقولها: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ جوابًا على نحو السؤال، ولم تقل: «هو هو»؛ تحرُّزًا من الكذب، أو من التَّحقيق في محل الاحتمال.
﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ هذا من كلام سليمان وقومه، لما رأوها قد آمنت قالوا ذلك؛ اعترافًا بنعمة الله عليهم في أنْ آتاهم العلم قبل بلقيس، وهداهم للإسلام قبلها.
والجملة معطوفة على كلام محذوف تقديره: قد أسلمتُ هي وعلمتْ وَحدانية الله وصحة النبوَّة وأوتينا نحن العلم قبلها.
﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ هذا يحتمل أن يكون: من كلام سليمان وقومه.
أو من كلام الله تعالى.
ويحتمل أن يكون ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾: فاعلًا، أو مفعولًا.
فإن كان فاعلًا: فالمعنى: صدَّها ما كانت تعبد عن عبادة الله والدخول في الإسلام حتى إلى هذا الوقت.
وإن كان مفعولًا: فهو على إسقاط حرف الجر، والمعنى: صدَّها اللهُ أو سليمانُ عمَّا كانت تعبد من دون الله، فدخلت في الإسلام.
﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ الصَّرح في اللغة: القصر.
_________________
(١) سقط من ب، هـ.
[ ٣ / ٤٠٢ ]
وقيل: صحن الدار.
وروي أن سليمان أمر قبل قدومها، فبُنِيَ (^١) له على طريقها قصرٌ من زجاج أبيض، وأجرى الماء من تحته، وألقى فيه دوابَّ البحر من السمك وغيره، ووضع سريره في صدره فجلس عليه، فلما رأته حسبته لجةً، واللجة: الماء المجتمع كالبحر، فكشفت عن ساقيها؛ لتدخله لما أُمِرت بدخوله.
وروي أن الجن كرهوا تزوُّج سليمان لها، فقالوا له: إن عقلها مخبولٌ، وإن رجلها كحافر الحمار، فاختبر عقلها بتنكير العرش فوجدها عاقلة، واختبر ساقيها بالصرح، فلما كشفت عن ساقيها وجدها أحسن الناس ساقًا، فتزوجها وأقرَّها على ملكها باليمن، وكان يأتيها مرة في كل شهر.
وقيل: أسكنها معه بالشام.
﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ لما ظنَّت أن الصرح لجة ماء فكشفت (^٢) عن ساقيها لتدخل الماء؛ قال لها سليمان: إنه صرحٌ.
والممَرَّد: الأملس، وقيل: الطويل.
والقوارير: جمع قارورة، وهي الزجاجة.
﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ تعني: بكفرها فيما تقدَّم.
﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ هذا ضربٌ من ضروب التجنيس.
_________________
(١) في د: «أن يبنى».
(٢) في ج، د: «وكشفت».
[ ٣ / ٤٠٣ ]
[﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾].
﴿فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ الفريقان: من آمن ومن كفر، واختصامهم: اختلافهم وجدالهم في الدين.
﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي: لم تطلبون العذاب قبل الرحمة، أو المعصية قبل الطاعة.
﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ أي: تشاءمنا بك، وكانوا قد أصابهم القحط.
﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: السبب الذي يحدث عنه خيركم أو شركم هو عند الله، وهو قضاؤه وقدره، وذلك ردٌّ عليهم في تطيرهم، ونسبتهم ما أصابهم من القحط إلى صالح ﵇.
[ ٣ / ٤٠٤ ]
﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ يعني: مدينة ثمود.
﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ قيل: إنهم كانوا يقرضون الدنانير والدراهم. ولفظ الفساد أعمُّ من ذلك.
﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أي: احلفوا (^١) به.
وقيل: إنه فعل ماضٍ، وذلك ضعيف، والصحيح: أنه فعل أمرٍ، قاله بعضهم لبعض، وتعاقدوا عليه.
﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: لنقتلنه وأهله بالليل، وهذا هو الفعل الذي تحالفوا عليه.
﴿لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ أي: نتبرأ من دمه إن طلبنا به وليه.
و﴿مَهْلِكَ﴾ يحتمل أن يكون: اسم مصدر، أو زمانٍ، أو مكانٍ.
فإن قيل: إن قولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ يقتضي التبرّي من دم أهله، دون التبري من دمه.
فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أنهم أرادوا: ما شهدنا مُهْلَكه ومهلك أهله، وحذف مهلكه؛ لدلالة قولهم: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾.
والثاني: أن أهل الإنسان قد يراد به هو وهم؛ لقوله: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ يعني: فرعون وقومه.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «حلفوا».
[ ٣ / ٤٠٥ ]
الثالث: أنهم قالوا: ﴿مُهْلَكَ أَهْلِهِ﴾ خَاصَّةً؛ ليكونوا صادقين، فإنهم (^١) شهدوا مهلكه ومهلك أهله معًا، وأرادوا التعريض في كلامهم؛ لئلا يُكذبوا.
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ يحتمل أن يكون قولهم: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾:
مغالطةً، مع اعتقادهم أنهم كاذبون.
ويحتمل أنهم قصدوا وجهًا من التعريض؛ ليخرجوا به عن الكذب، وقد ذكرناه في الجواب الثالث عن ﴿مُهْلَكَ أَهْلِهِ﴾، وهو أنهم قصدوا أن يقتلوا صالحًا وأهله معًا، ثم يقولون: ما شهدنا مهلك أهله وحدهم، وإنا لصادقون في ذلك، (^٢) يعنون: لأنهم شهدوا مهلكه ومهلك أهله معًا، وعلى ذلك حمله الزمخشري (^٣).
﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ﴾ روي أن الرهط الذين تقاسموا على قتل صالح اختفوا ليلًا في غارٍ قريبًا من داره؛ ليخرجوا منه (^٤) إلى داره بالليل، فوقعت عليهم صخرةٌ أهلكتهم، ثم هلك قومهم بالصيحة ولم يعلم بعضهم بهلاك بعض، ونجا صالح ومن آمن به.
﴿وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ قيل: معناه تبصرون بقلوبكم أنها معصية.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «بأنهم».
(٢) في أ، ب، ج زيادة: «بل»!.
(٣) الكشاف (١١/ ٥٤٣).
(٤) في أ، ب، ج، هـ: «منها».
[ ٣ / ٤٠٦ ]
وقيل: تبصرون بأبصاركم؛ لأنهم كانوا ينكشفون بفعل (^١) ذلك ولا يستتر بعضهم من بعض.
وقيل: تبصرون آثار الكفار قبلكم وما نزل بهم من العذاب.
﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾ و﴿الْغَابِرِينَ﴾ و﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ قد ذُكِرَ (^٢).
_________________
(١) في ج، د: «لفعل».
(٢) انظر (٢/ ٣٦٣).
[ ٣ / ٤٠٧ ]
[﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤) قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾].
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ أمر الله رسوله ﷺ أن يتلو الآيات المذكورة بعد هذا؛ لأنها براهين على وحدانيته وقدرته، وأن يستفتح ذلك بحمده، والسلام على من اصطفاه من عباده، كما تستفتح الخطب والكتب وغيرها بذلك، تيمُّنًا بذكر الله.
قال ابن عباس: يعني بـ ﴿عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾: الصحابة.
واللفظ يعمُّ الملائكة والأنبياء والصحابة وجميع الصالحين.
﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا تُشْرِكُونَ﴾ هذا على وجه الردّ على المشركين، فدخلت ﴿خَيْرٌ﴾ التي يراد بها التفضيل؛ لتبكيتهم وتعنيفهم، مع أنه معلوم أنه لا خيرَ فيما أشركوه أصلًا، ثم أقام عليهم الحجة بأن الله هو الذي خلق السموات
[ ٣ / ٤٠٨ ]
والأرض، وبغير ذلك مما ذكره إلى تمام هذه الآيات، وأعقب كل برهان منها بقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ على وجه التَّقرير لهم، على أنه لم يفعل ذلك كلَّه إلا الله وحده، فقامت الحجة عليهم بذلك، وفيها أيضًا نِعَمٌ يجب شكرها، فقامت (الحجة عليهم) (^١) بذلك أيضًا.
و«أم» في قوله: ﴿خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ متصلةٌ عاطفة، و«أم» في المواضع التي بعده منقطعة، بمعنى: بل والهمزة.
﴿قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أي: يعدلون عن الحق والصواب.
أو يعدلون بالله غيره؛ أي: يجعلون له عَدِيلًا ومثيلا.
﴿رَوَاسِيَ﴾ يعني: الجبال.
﴿الْبَحْرَيْنِ﴾ ذكر في «الفرقان» (^٢).
﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ قيل: هو المجهود.
وقيل: الذي لا حول له ولا قُوَّة.
واللفظ مشتقٌّ:
من الضَّرر؛ أي: الذي أصابه الضُّر.
أو من الضرورة؛ أي: الذي ألجأته الضرورة إلى الدعاء.
﴿خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ أي: خلفاء فيها يتوارثون (^٣) سكناها.
_________________
(١) سقطت من أ، ب.
(٢) انظر صفحة ٣٤٤.
(٣) في د: «تتوارثون».
[ ٣ / ٤٠٩ ]
﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ﴾ يعني: الهداية بالنجوم والطرقات.
﴿نُشُرًا﴾ ذُكِر في «الأعراف» (^١).
﴿مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الرزق من السماء: المطر، ومن الأرض: النبات.
﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ تعجيزٌ للمشركين.
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ هذه الآية تقتضي انفراد الله تعالى بعلم الغيب، وأنه لا يعلمه سواه، ولذلك قالت عائشة ﵂: «من زعم أن محمدًا يعلم الغيب فقد أعظم الفرية على الله»، ثم قرأت هذه الآية (^٢).
فإن قيل: فقد كان النبي ﷺ يخبر بالغيوب، وذلك معدود في معجزاته.
فالجواب: أنه ﷺ قال: «إني لا أعلم (^٣) إلَّا ما علمني الله» (^٤).
فإن قيل: كيف ذلك مع ما ظهر من إخبار الكُهَّان والمنجمين، وأشباههم بالأمور المغيبة؟
فالجواب: أن إخبارهم بذلك عن ظنٍّ ضعيفٍ أو عن وهمٍ لا عن علم، وإنما اقتضت الآية نفيَ العلم.
وقد قيل: إن الغيب في هذه الآية يراد به متى تقوم الساعة؛ لأن سبب
_________________
(١) انظر (٢/ ٣٥٣).
(٢) أخرجه مسلم (١٧٧).
(٣) في أ، ب زيادة: «الغيب»، ولم ترد في الحديث.
(٤) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٢٣٢).
[ ٣ / ٤١٠ ]
نزولها أنهم سألوا عن ذلك، ولذلك قال: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، فعلى هذا: يندفع السؤال الأول والثاني؛ لأن علم الساعة انفرد به الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦٣]، ولقوله ﷺ: «في خمس لا يعلمها إلّا الله، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] إلى آخر السورة» (^١).
فإن قيل: كيف قال: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ بالرفع على البدل، والبدل لا يصح إلا إذا كان الاستثناء متصلًا، ويكون ما بعد «إلّا» من جنس ما قبلها؟، والله تعالى ليس ممن في السموات والأرض باتفاق؛ فإن القائلين بالجهة والمكان يقولون إنه فوق السموات والأرض، والقائلين بنفي الجهة يقولون: إنه تعالى ليس فيهما ولا فوقهما، ولا داخلًا فيهما، ولا خارجًا عنهما؛ فهو على هذا استثناء منقطع، فكان يجب أن يكون منصوبًا؟
فالجواب: من أربعة أوجه:
الأول: أن البدل هنا جاء على لغة بني تميم في البدل؛ وإن كان منقطعًا، كقولهم: «ما في الدار أحد إلا حمار» بالرفع، والحمار ليس من الآدمين، وهذا ضعيف؛ لأن القرآن نزل بلغة أهل الحجاز، لا بلغة بني تميم.
والثاني: أن الله في السموات والأرض بعلمه كما قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤] يعني: بعلمه، فجاء البدل على هذا المعنى، وهذا ضعيف؛ لأن قوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقعت فيه لفظة «في» الظرفية الحقيقية، وهي في حق الله على هذا المعنى للظرفية المجازية، ولا يجوز
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩).
[ ٣ / ٤١١ ]
استعمال لفظة واحدة في الحقيقة والمجاز في حالة واحدة عند المحققين.
الجواب الثالث: أن قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يراد به: كل موجود، فكأنه قال: «من في الوجود»، فيكون الاستثناء على هذا متصلًا، فيصح الرفع على البدل، وإنما قال: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ جريًا على منهاج كلام العرب، فهو لفظ خاصٌّ يراد به ما هو أعم منه.
الجواب الرابع: أن يكون الاستثناء متصلًا، على أن يُتأوَّل ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ في حق الله كما يتأول قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] وحديث السوداء (^١) وشبه ذلك (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٧٩٠٦) من حديث أبي هريرة أن رجلا أتى النبي ﷺ بجارية سوداء أعجمية، فقال: يا رسول الله، إن علي عتق رقبة مؤمنة، فقال لها رسول الله: «أين الله؟» فأشارت إلى السماء بإصبعها السبابة، فقال لها: «من أنا؟» فأشارت بإصبعها إلى رسول الله وإلى السماء، أي: أنت رسول الله، فقال: «أعتقها»، وأخرجه مسلم (٥٣٧) في ضمن حديث طويل من حديث معاوية بن الحكم السلمي.
(٢) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قول المصنف ﵀: «والله تعالى ليس ممن في السموات والأرض باتفاق» إلخ، أقول: بنى المؤلف على قوله: (إن الله ليس ممن في السماوات باتفاق) أن الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ منقطع، وهو يقتضي نصب الاسم الشريف، والقراءةُ بالرفع، وذكر عن هذا الإشكال أربعة أجوبة، وليس مقصودنا في هذه التعليقات التعقبات اللغوية، بل التعقبات العقدية، لكن قوله في الجواب الأول من الأجوبة الأربعة: «إن القرآن نزل بلغة أهل الحجاز لا بلغة بني تميم» لا يسلم له على الإطلاق، بل هذا باعتبار الأغلب، ومما جاء في القرآن على لغة تميم إدغام المضعف المجزوم في نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ﴾، كما نقله السيوطي في الإتقان عن ابن مالك، وعلى لغة تميم أيضًا قوله تعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾، من أملى لا من أملل، كما في التفسير البسيط للواحدي وغيره. =
[ ٣ / ٤١٢ ]
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: لا يشعر من في السموات والأرض متى يبعثون؛ لأنَّ عِلْمَ الساعة مما انفرد به الله.
وروي أن سبب نزول الآية أن قريشًا سألوا النبي ﷺ متى الساعة؟
﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ وزن ﴿ادَّارَكَ﴾: تَفاعَل، ثم سُكِّنت التاء وأدغمت الدال واجتلبت ألف الوصل.
والمعنى: تتابع علمهم بالآخرة وتناهى إلى أن يكفروا بها.
أو تناهى إلى أن لا يعلموا وقتها.
_________________
(١) = والذي يهمنا هنا قوله: «والله تعالى ليس ممن في السموات والأرض باتفاق»، يريد باتفاق المثبتين للعلو والنافين له، وهم من عبر عنهم بالمثبتين للجهة والنافين؛ فإنهم جميعا يقولون: إنه تعالى ليس داخل العالم، فالمثبتون للعلو يقولون: إنه تعالى فوق العالم على العرش، ونفاة العلو يقولون: إنه تعالى لا داخل العالم ولا خارج العالم، وهم من عبّر عنهم بنفاة الجهة، يقول: «والقائلون بنفي الجهة يقولون: إنه تعالى ليس فيهما ولا فوقهما، ولا داخلا فيهما، ولا خارجا عنهما»، فعلى كلا القولين: فالله ليس في السماء ولا في الأرض، وهذا معنى قوله «باتفاق». والحق أنه تعالى فوق سماواته على عرشه، وهو ما دلَّ عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة، ويقابل ذلك قولان باطلان: أحدهما: أنه تعالى داخلٌ في المخلوقات، أي: إنه تعالى حالٌ في كل مكان. الثاني: أنه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه، وكلا القولين باطل، والثاني أبطل؛ فإنه مع مناقضته للسمع مناقض للعقل أظهر مناقضة؛ فإن من الممتنع أن يكون موجودٌ لا داخل العالم ولا خارجه، فإن ذلك من سلب النقيضين الذي لا يصح إلا في المعدوم، فإذا أضيف إلى ذلك أنه موجود تضمن أنه موجودٌ معدومٌ، وهذا جمعٌ بين النقيضين، الذي هو أحد الممتنعات، والقول بنفي الجهة وما تفرع عنه هو المشهور من مذهب الأشاعرة.
[ ٣ / ٤١٣ ]
وقرئ ﴿أَدْرَاكَ﴾ بهمزة قطع على وزن: أَفْعَلَ، والمعنى على هذا: يُدْرِكُ علمهم في الآخرة؛ أي: يعلمون فيها الحقَّ؛ لأنهم يشاهدون حينئذ الحقائق.
فقوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾:
على هذا: ظرفٌ.
وعلى القراءة الأولى: بمعنى الباء.
﴿عَمُونَ﴾ جمع عَمٍ، وهو من عمى القلوب.
[ ٣ / ٤١٤ ]
[﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١) وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾].
﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ أي: تَبَعَكم، واللام زائدة.
أو ضُمِّن معنى «قَرُبَ»؛ فتعدَّى باللام.
ومعنى الآية: أنهم استعجلوا العذاب بقولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾، فقيل لهم: عسى أن يكون قرب لكم بعض العذاب الذي تستعجلون، وهو قتلهم يوم بدر.
﴿غَائِبَةٍ﴾ الهاء فيه للمبالغة؛ أي: ما من شيء في غاية الخفاء، إلَّا وهو عند الله في كتاب.
[ ٣ / ٤١٥ ]
﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ شبَّه مَنْ لا يسمع ولا يعقل بالموتى؛ في أنهم لا يسمعون وإن كانوا أحياء، ثم شبههم بالصُّمِّ وبالعُمْي؛ وإن كانوا صِحاح الحواس، وأكَّد عدم سماعهم بقوله: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾؛ لأن الأصم إذا أدبر وبَعُد عن الداعي زاد صممه وعدم سماعه بالكلية.
﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: إذا حان وقتُ عذابهم الذي تضمنه القولُ الأزلي من الله في ذلك وهو قضاؤه (^١)، والمعنى: إذا قربت الساعة أخرجنا لهم دابة من الأرض.
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قول المصنف ﵀: «إذا حان وقت عذابهم» إلخ، أقول: في تفسير وقوع القول بقرب وقت العذاب نظر؛ والأظهر أن قوله: ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: حق القول عليهم، وهو حكم الله بأنهم لا يؤمنون، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾، ولا ريب أن ما حق عليهم من القول بأنهم لا يؤمنون هي كلمته تعالى القدرية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾، فمعنى وقع القول عليهم، أي: وقع عليهم موجب كلمته تعالى السابقة في الحكم بأنهم لا يؤمنون، فهذه كلماته الكونية سبقت لقوم في الشقاوة ولقوم بالسعادة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾، وقال سبحانه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾ الآيتين. وقول المؤلف «القول الأزلي من الله» الأزلي هو الذي لا بداية له، وهذا يجري على قول الأشاعرة إن كلام الله قديم بقدمه سبحانه؛ لأن كلام الله عندهم لا تتعلق به المشيئة، ولا ريب أن كلماته القدرية صادرة عن إرادته تعالى، وما كان بإرادة يمتنع أن يكون أزليًّا، وكلماته تعالى التي أخبر أنها سبقت يحتمل أن تكون عند كتابة المقادير في أم الكتاب، والله أعلم.
[ ٣ / ٤١٦ ]
وخروج الدابة من أشراط الساعة، ورُوي أنها تخرج من المسجد الحرام، وقيل: من الصفا.
وأن طولها ستون ذراعًا.
وقيل: هي الجساسة التي وردت في الحديث (^١).
﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ قيل: تكلمهم ببطلان الأديان كلها إلَّا دين الإسلام.
وقيل: تقول: «ألا لعنة الله على الظالمين».
وروي أنها تَسِمُ (^٢) الكافر وتَخْطِمُ أنفه (^٣) وتسوِّد وجهه، وتبيِّض وجه المؤمن.
﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ من قرأ بكسر الهمزة: فهو ابتداء كلام.
ومن قرأ بالفتح:
فهو معمول ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾؛ أي: تقول لهم: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون.
أو مفعول من أجله تقديره: تكلمهم؛ لأن الناس لا يوقنون، ثم حذفت اللام.
_________________
(١) حديث الجساسة أخرجه مسلم (٢٩٤٢).
(٢) في ج، د: «تشتم».
(٣) تخطم أنف الكافر: أي: تسمه، من خطمتُ البعير، إذا كويته خطًّا من الأنف إلى أحد خدَّيه، وتسمى تلك السِّمة الخِطام. النهاية لابن الأثير (٣/ ١٢٠٨).
[ ٣ / ٤١٧ ]
ويحتمل قوله: ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾:
(أي: لا يوقنون) (^١) بخروج الدابة.
أو لا يوقنون بالآخرة وأمور الدين، وهذا أظهر.
_________________
(١) سقطت من أ، ب، ج، هـ
[ ٣ / ٤١٨ ]
[﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦) وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠) إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾].
﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي: يساقون بعنف.
﴿أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ «أم» استفهامية، والمعنى: إقامة الحجة عليهم، كأنه قيل (^١) لهم: إن كان لكم عمل أو حجة فهاتوها.
﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم﴾ أي: حقَّ العذاب عليهم، أو قامت الحجة عليهم.
﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ إنما يسكتون؛ لأن الحجة قد قامت عليهم.
وهذا في بعض مواطن القيامة (^٢)، وقد جاء أنهم يتكلمون في مواطن أُخَرَ (^٣).
_________________
(١) في د: «قال».
(٢) في هـ زيادة: «دون بعض».
(٣) هذه الكلمة لم ترد في أ، ب، هـ.
[ ٣ / ٤١٩ ]
﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ ذُكر في «يونس» (^١).
﴿يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ذُكر في «الكهف» (^٢).
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قيل: هم الشهداء.
وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت.
﴿دَاخِرِينَ﴾ صاغرين متذللين.
﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ أي: قائمة ثابتة.
﴿وَهِيَ تَمُرُّ﴾ يكون مرورها في أول أحوال القيامة، ثم ينسفها الله في خلال ذلك فتكون كالعهن، ثم تصبر هباء منبثًّا.
﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ، والعامل فيه محذوف.
وقيل: هو منصوب على الإغراء: أي: انظروا صنع الله.
﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ قيل: إن الحسنة «لا إله إلا الله». واللفظ عام.
معنى: ﴿خَيْرٌ مِنْهَا﴾: أن له بالحسنة الواحدة عشرًا.
﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ مَنْ نوَّن ﴿فَزَعٍ﴾: فتح الميم من ﴿يَوْمَئِذٍ﴾.
ومن أسقط التنوين للإضافة قرأ:
بفتح الميم على البناء.
_________________
(١) انظر (٢/ ٥٨٨).
(٢) انظر صفحة ٥٥.
[ ٣ / ٤٢٠ ]
أو بكسرها على الإعراب.
﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ السيئة هنا: الكفر، والمعاصي التي قضى الله بتعذيب فاعلها.
﴿هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ يعني: مكة.
﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ أي: جعلها حرَمًا آمنًا، لا يُقاتلها أحدٌ، ولا تُنْتَهك حرمتها.
ونَسَب تحريمها هنا إلى الله؛ لأنه بقضائه وأمره، ونسبه النبي ﷺ إلى إبراهيم ﵇ في قوله: «إن إبراهيم حرَّم مكة» (^١)؛ لأن إبراهيم هو الذي أعلمَ الناس بتحريمها، فليس بين الآية والحديث تعارض، وقد جاء في حديث آخر: «إن مكة حرمها الله يوم خلق السموات والأرض» (^٢).
﴿وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ أي: إنما عليَّ الإنذار والتبليغ.
﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ وعيدٌ بالعذاب الذي يضطرُّهم إلى معرفة آيات الله، إما في الدنيا أو في الآخرة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢١٢٩)، ومسلم (١٣٦٠).
(٢) أخرجه البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤).
[ ٣ / ٤٢١ ]