[﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾]
﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾ السورة:
خبر ابتداء مضمر.
أو مبتدأ وخبره محذوف تقديره: فيما أُنزل عليكم سورة.
و﴿أَنزَلْنَاهَا﴾ صفة للسورة.
﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ أي: فَرَضْنا الأحكام التي فيها.
[ ٣ / ٢٦٢ ]
وقرئ بالتشديد للمبالغة.
﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ يعني: ما فيها من المواعظ والأحكام والأمثال.
وقيل: معنى ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ هنا: ليس فيها مُشكل.
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾: يراد بهما الجنس، وقدَّم الزانية؛ لأن الزنا كان حينئذ في النساء أكثر؛ فإنه كان منهنَّ إماء وبغايا يجاهرن (^١) بذلك.
وإعراب ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ كإعراب: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقد ذكر في «المائدة» (^٢).
وهذه الآية ناسخةٌ بإجماع لما في سورة «النساء» من الإمساك في البيوت في الآية الواحدة، ومن الأذى في الأخرى (^٣).
ثم إن لفظ هذه الآية عند مالك ليس على عمومه؛ فإنَّ جَلْد المئة إنما هو حدُّ الزانية والزاني إذا كانا مسلمينِ حُرَّينِ (^٤) غيرَ محصنينِ.
فيخرج منها الكفار؛ فيُرَدُّون إلى أهل دينهم.
ويخرج منها العبد والأمة والمحصن والمحصنة.
فأما العبد والأمة: فحدُّهما خمسون جلدةً، سواءً كان محصنين أو غير محصنين.
_________________
(١) في أ، ب، ج، هـ: «يجاهرون».
(٢) انظر (٢/ ١٧٦).
(٣) انظر (٢/ ٢٦).
(٤) في ب زيادة: «بالغين».
[ ٣ / ٢٦٣ ]
وأما المحصنان الحرَّان فحدُّهما الرجم.
هذا على مذهب مالك.
وأما الكلام على الآية بالنظر إلى سائر المذاهب:
فاعلم أن لفظ هذه الآية ظاهرهُ العموم في المسلمين والكافرين، وفي الأحرار والعبيد والإماء، وفي المحصن وغير المحصن، ثم إن العلماء خصَّصوا من هذا العموم أشياء؛ منها باتفاق، ومنها باختلاف.
فأما الكفار:
فرأى أبو حنيفة وأهل الظاهر أن حدَّهم جلدُ مئة؛ أُحصِنوا أو لم يُحصَنوا؛ أخذًا بعموم الآية.
ورأى الشافعي أن حدَّهم كحدِّ المسلمين؛ الجلدُ إن لم يُحصَنوا، والرجم إن أُحصِنوا؛ أخذًا بالآية، وبرجم النبي ﷺ لليهودي واليهودية إذا زنيا. ورأى مالك أن يُردُّوا إلى أهل دينهم؛ لقوله في سورة «النساء»: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، فخصَّ نساء المسلمين؛ على أنها قد نسختها هذه، ولكن بقيت في محلها.
وأما العبد والأمة:
فرأى أهل الظاهر أن حدَّ الأمة خمسون جلدةً؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وأن حدَّ العبد الجلدُ مئةٌ؛ لعموم الآية.
[ ٣ / ٢٦٤ ]
وقال غيرهم: يُجلَد العبد خمسين؛ بالقياس على الأمَة؛ إذ لا فرق بينهما.
وأما المحصن:
فقال الجمهور: حكمه الرجم، فهو مخصوص من هذه الآية، وبعضهم يسمي هذا التخصيص نسخًا، ثم اختلفوا في المخصص أو الناسخ:
فقيل: الآيةُ التي ارتفع لفظها وبقي حكمها، وهي قوله: «الشيخ والشيخة إذ زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم» (^١).
وقيل: الناسخ لها السنة الثابتة في الرجم.
وقال أهل الظاهر وعلي بن أبي طالب: يُجلد المحصن بالآية، ثم يُرجم بالسنة، فجمعوا عليه الحدَّين، ولم يجعلوا الآية منسوخةً بالرجم (^٢)، ولا مخصَّصةً.
وقال الخوارج: لا رجمَ أصلًا؛ فإن الرجم ليس في كتاب الله.
ولا يُعتدُّ بقولهم.
وظاهر الآية الجلد دون تغريب، وبذلك قال أبو حنيفة.
وقال مالك بالجلد والتغريب سنةً؛ للحديث، وهو قوله ﷺ: «البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (١٥٨٥)، وأحمد في مسنده (٢١٢٠٧)، (٢١٥٩٦)، وابن ماجه (٢٥٥٣).
(٢) لم ترد هذه الكلمة في أ، ب، هـ.
(٣) أخرجه مسلم (١٦٩٠).
[ ٣ / ٢٦٥ ]
ولا تغريب على النساء ولا على العبيد عند مالك.
وصفة الجلد:
عند مالك: في الظهر، والمجلودُ جالسٌ.
وقال الشافعي: يفرَّق على جميع الأعضاء، والمجلود قائم.
وتُسْتَر المرأة بثوبٍ لا يقيها الضرب.
ويجرَّد الرجل عند مالك.
وقال قوم: يجلد على قميص.
﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ قيل: يعني: في إسقاط الحدِّ؛ أي: أقيموه ولا بدَّ.
وقيل: في تخفيف الضرب.
وقيل: في الوجهين.
فعلى القول الأول: يكون الضرب في الزنا كالضرب في القذف غير مبرِّح، وهو مذهب مالك والشافعي.
وعلى القول الثاني والثالث: يكون الضرب في الزنا أشدَّ.
واختلف: هل يجوز أن تُجمَع مئةُ سوط ويضرب بها مرة واحدة؟ فمنعه مالك.
وأجازه أبو حنيفة؛ لما ورد في قصة أيوب ﵇.
وأجازه الشافعي للمريض؛ لورود ذلك في الحديث.
[ ٣ / ٢٦٦ ]
﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المراد بذلك: توبيخ الزُّناة، والغلظة عليهم.
واختُلف في أقل ما يجزئ من الطائفة؟
فقيل: أربعة؛ اعتبارًا بشهادة الزنا (^١)، وهو قول ابن أبي زيد.
وقيل: عشرة.
وقيل: اثنان (^٢)، وهو مشهور مذهب مالك.
وقيل: واحد.
﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ الآية؛ معناها: ذمُّ الزناة، وتشنيع الزنا، وأنه لا يقع فيه إلا زانٍ أو مشرك، ولا يوافقه عليه من النساء إلا زانية أو مشركة، و﴿يَنْكِحُ﴾ على هذا بمعنى: يجامع.
وقيل: معناها: لا يحلُّ لزانٍ أن يتزوج إلا زانيةً أو مشركة، ولا يحلُّ لزانية أن تتزوج إلا زانيًا أو مشركًا، ثم نُسخ هذا الحكم، وأبيح لهما التزوُّجُ ممن شاءا (^٣).
والأول هو الصحيح.
﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ الإشارةُ بـ ﴿ذَلِكَ﴾:
إلى الزنا؛ أي: حُرِّم الزنا على المؤمنين.
_________________
(١) في أ، ب: «الزناة».
(٢) في أ، ب، ج: «اثنين».
(٣) في د: «شاؤوا».
[ ٣ / ٢٦٧ ]
وقيل: الإشارة إلى تزوُّج المؤمن غير الزاني لزانية؛ فإن قومًا منعوا أن يتزوَّجها، وهذا على القول الثاني في الآية قبلها، وهو بعيد.
وأجاز تزوُّجها مالك وغيره، وروي عنه كراهته.
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ هذا حدُّ القذف، وهو الفِرْية التي عبّر الله عنها هنا بالرمي.
و﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ هنا يراد به: العفائف من النساء، وخصَّهنَّ بالذِّكر؛ لأن قذفهنَّ أكثرُ وأشنع من قذف الرجال، ودخل الرجال في ذلك بالمعنى؛ إذ لا فرق بينهم، وأجمع العلماء على أن حكم الرجال والنساء هنا واحدٌ.
وقيل: إن المعنى: يرمون الأنفس المحصنات؛ فيعمُّ اللفظ - على هذا - النساء والرجال.
ويُحتاج هنا إلى الكلام في القذف، والقاذف، والمقذوف، والشهادة في ذلك:
فأما القذف: فهو الرَّمي بالزنا؛ اتفاقًا.
أو بفعل قوم لوط عند مالك والشافعي؛ لعموم لفظ الرمي في الآية، خلافًا لأبي حنيفة.
أو النفي من النَّسب.
ومذهب مالك أن التعريض بذلك كلِّه كالتصريح، خلافًا للشافعي وأبي حنيفة.
[ ٣ / ٢٦٨ ]
وأما القاذف:
فيُحدُّ؛ سواءٌ كان مسلمًا أو كافرًا؛ لعموم الآية، وسواءٌ كان حرًّا أو عبدًا.
إلَّا أن العبد والأمة إنما يحدَّان (^١) أربعين عند الجمهور، فنصَّفوا حدَّهما قياسًا على تنصيفه في الزنا، خلافًا للظاهرية.
ولا يحدُّ الصبي ولا المجنون؛ لكونهما غيرَ مكلَّفَين.
وأما المقذوف:
فمذهب مالك: أنه يشترط فيه: الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والبراءة عما رُمِي به، والتمكُّن من الوطء؛ تحرُّزًا من المجبوب وشبهه، فلا يحدُّ عنده مَنْ قذف صبيًّا أو كافرًا أو مجنونًا أو عبدًا أو مَنْ لا يمكنه الوطء.
وقد قيل: يحدُّ مَنْ قذف واحدًا منهم؛ لعموم الآية.
واتُّفِقَ على اشتراط البراءة مما رُمي به.
وأما الشهادة التي تُسقط حدَّ القذف:
فهي أن يشهد شاهدان عدلان بأن المقذوف عبدٌ أو كافرٌ (^٢)، أو يشهد أربعة شهود ذكور عدول على المعاينة لما قُذِف به كالمِرْوَدِ في المُكْحلة، ويؤدُّون الشهادة مجتمعين.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ تقدَّم قبل هذا الاستثناء ثلاثةُ أحكام؛ وهي الحدُّ، وردُّ شهادة القاذف، وتفسيقُه.
_________________
(١) في ب: «يجلد».
(٢) في ب، ج، د: «عبدًا أو كافرًا».
[ ٣ / ٢٦٩ ]
فاتُّفق على أن الاستثناء راجعٌ إلى التَّفسيق، وأن ذلك يزول عنه بالتوبة.
واتُّفق على أنه لا يرجع إلى الحدِّ، وأنه لا يسقط عنه بالتوبة.
واختلف هل يرجع إلى ردِّ الشهادة أم لا؟
فقال مالك: إذا تاب قُبِلت شهادته.
خلافًا لأبي حنيفة.
وتوبته: هو صلاح حاله في دينه.
وقيل: إكذاب نفسه.
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ هذه الآية في قذف الرجل لامرأته؛ فيجب اللِّعان بذلك.
وسببها: أن رجلًا قال يا رسول الله: الرجل يجد مع امرأته رجلًا؛ أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟، فسكت عنه نبيُّ الله ﷺ، ثم عاد فقال مثل ذلك، فقال رسول الله ﷺ: «قد أُنزل فيك وفي صاحبتك، فائتني (^١) بها» فتلاعنا، وفرَّق رسول الله ﷺ بينهما (^٢).
ومُوجِب اللعان عند مالك شيئان:
أحدهما: أن يدَّعي الزوج أنه رأى امرأته تزني.
والآخر: أن ينفي حملها ويدعي الاستبراء قبله.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «فأتِ».
(٢) أخرجه البخاري (٥٣٠٨)، مسلم (١٤٩٢).
[ ٣ / ٢٧٠ ]
فإذا تلاعن الزوج تعلَّقت به ثلاثة أحكام:
[١ -] نفي حدّ القذف عنه.
[٢ -] وانتفاء سبب الولد منه.
[٣ -] ووجوب حدّ الزنا عليها إن لم تلاعن، فإن تلاعنت سقط الحدُّ عنها.
ولفظ الآية عامٌّ في الزوجات؛ الحرائرِ والمماليكِ، والمسلماتِ والكافرات، والعدولِ وغيرهم، وبذلك أخذ مالك.
واشترط مالك في الزوج: الإسلام.
واشترط أبو حنيفة: أن يكونا مُسلِمَين حرَّين عدلين.
﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: يقول الزوج أربعَ مرّات: «أشهد بالله لقد رأيت هذه المرأة تزني»، أو «أشهد بالله ما هذا الحمل مني، ولقد زنت، وإني في ذلك لمن الصادقين»، ثم يقول في الخامسة: «لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين».
وزاد أشهب: أن يقول: «أشهد بالله الذي لا إله إلا هو».
وانتصب: ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ على المصدرية، والعامل فيه: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾.
وقرئ بالرفع، وهو خبر ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾.
وقوله: ﴿بِاللَّهِ﴾ و﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ من صلة ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾،
[ ٣ / ٢٧١ ]
أو من صلة (^١) ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾.
﴿وَالْخَامِسَةُ أَن لَعْنَتُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ قرئ بنصب ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ هنا وفي الموضع الثاني، وانتصب:
بفعل مضمر تقديره: ويشهد الشهادةَ (^٢) الخامسة.
أو بالعطف على ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ على قراءة النصب.
وقرئ بالرفع:
على الابتداء.
أو عطف على ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ بقراءة الرفع.
وقرئ ﴿أَنْ لَعْنَتُ﴾، و﴿أَنْ غَضِبَ﴾:
بتشديد ﴿أَنَّ﴾، ونصب اسمها.
وتخفيفها، ورفع اللعنة والغضب على الابتداء.
﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨)﴾ العذابُ هنا: حدُّ الزنا؛ أي: يدفعه الْتِعان المرأة، وهو (^٣) أن تقول أربع مرات: «أشهد بالله ما زنيت، وإنه في ذلك لمن الكاذبين»، ثم تقول في الخامسة: «غضب الله عليها إن كان من الصادقين».
_________________
(١) في ج: «لا من صلة».
(٢) سقطت هذه الكلمة من أ، ب.
(٣) في أ، ب، هـ: «وهي».
[ ٣ / ٢٧٢ ]
ويتعلق بالتّعانها ثلاثة أحكام:
[١ -] دفع الحدِّ عنها.
[٢ -] والتفريق بينها وبين زوجها.
[٣ -] وتأبيد التحريم.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾ جواب «لولا» محذوف هنا وفي الموضع الآخر، تقديره: «لولا فضل الله عليكم لَوَاخذكم (^١)»، أو نحو هذا.
_________________
(١) كذا رُسمت في النسخ المخطوطة بالواو، قال في «المصباح المنير» في مادة (أ خ ذ): «أخذه بذنبه: عاقبه عليه، وآخذه بالمد مؤاخذةً كذلك، والأمر منه آخِذْ بمد الهمزة، وتبدل واوًا في لغة اليمن فيقال: واخذوه مؤاخذةً، وقرأ بعض السبعة: ﴿لَا يُوَاخِذُكُم اللَّهُ﴾ بالواو على هذه اللغة».
[ ٣ / ٢٧٣ ]
[﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾].
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾ الإفك: أشدُّ الكذب.
ونزلت هذه الآية وما بعدها إلى تمام ستّ عشرة آية في شأن عائشة ﵂ وبراءتها مما رماها به أهل الإفك، وذلك أن الله برَّأ أربعة بأربعة:
[١ -] برَّأ يوسف بشهادة الشاهد من أهلها.
[٢ -] وبرأ موسى من قول اليهود بالحجر الذي ذهب بثوبه.
[٣ -] وبرأ مريم بكلام ولدها في حجرها.
[٤ -] وبرأ عائشة من الإفك بإنزال (^١) القرآن في شأنها.
_________________
(١) في أ، ب: «فأنزل».
[ ٣ / ٢٧٤ ]
ولقد تضمَّنت هذه الآيات الغايةَ العظمى في الاعتناء بها، والكرامة لها، والتشديد على من قذفها.
وقد خرَّج حديث الإفك البخاري ومسلم وغيرهما (^١)، واختصاره: أن عائشة خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، فضاع لها عِقْدٌ، فتأخرت على التماسه حتى رحل الناس، فجاء رجل يقال له صفوان بن المعطَّل، فرآها فنزل عن ناقته وتنحَّى عنها حتى ركبت عائشة، وأخذ يقودها حتى بلغ الجيش، فقال أهل الإفك في ذلك ما قالوا، فبلغ النبي ﷺ، فقال: «ما بال رجال رموا أهلي؟، والله ما علمت على أهلي إلَّا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلَّا خيرًا»، وسأل جارية عائشة، فقالت: «والله ما أعلم عليها إلَّا ما يعلمه الصَّائغ على تبر الذهب الأحمر».
والعصبة: الجماعة من العشرة إلى الأربعين، ولم يُذكر في الحديث من أهل الإفك إلَّا أربعة، وهم: عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، وحمنة بنت جحش، ومِسْطَح بن أُثاثة، وحسان بن ثابت.
وقيل: إن حسَّانَ لم يكن منهم.
وارتفاع ﴿عُصْبَةٌ﴾ لأنه خبر ﴿إِنَّ﴾.
واختار ابن عطية أن يكون ﴿عُصْبَةٌ﴾ بدلًا من الضمير في ﴿جَاءُوا﴾، ويكون الخبر: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾؛ على تقدير: إن حديث الذين جاؤوا بالإفك (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤١٤١)، ومسلم (٢٧٧٠).
(٢) انظر: المحرر الوجيز (٦/ ٣٥٣).
[ ٣ / ٢٧٥ ]
والأول أظهر.
﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ خطاب للمسلمين، والخير في ذلك من خمسة أوجه:
[١ -] تبرئة أم المؤمنين.
[٢ -] وكرامة الله لها بإنزال الوحي في شأنها.
[٣ -] والأجر الجزيل لها في الفرية (^١) عليها.
[٤ -] وموعظة المؤمنين.
[٥ -] والانتقام من المفترين.
﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ هو عبد الله بن أبي بن سلول المنافقُ.
وقيل: الذي بدأ بهذه الفرية، وهو غير معين.
والعذاب العظيم هنا: يحتمل أن يراد به:
الحدُّ.
أو عذاب الآخرة.
﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ ﴿لَوْلَا﴾ هنا: عَرَضٌ، والمعنى: أنه كان ينبغي للمؤمنين والمؤمنات أن يقيسوا ذلك الأمر على أنفسهم؛ فإن كان ذلك يبعد في حقّهم فهو في حق عائشة أبعدُ؛ لفضلها.
وروي أن هذا النظر وقع لأبي أيوب الأنصاري، فقال لزوجته: أكنت أنت تفعلين ذلك؟، قالت: لا والله!، قال: فعائشة أفضل منك، قالت: نعم.
_________________
(١) في ب: «بالفرية».
[ ٣ / ٢٧٦ ]
فإن قيل: لم قال: ﴿سَمِعْتُمُوهُ﴾ بلفظ الخطاب، ثم عدل إلى لفظ الغيبة في قوله: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾، ولم يقل: «ظننتم»؟
فالجواب: أن ذلك التفافٌ، قُصِد به المبالغة، والتصريح بالإيمان الذي يوجب أن لا يصدّق المؤمن على المؤمن شرًّا (^١).
﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ ﴿لَوْلَا﴾ هنا عَرْضٌ، والضمير في ﴿جَاءُوا﴾ لأهل الإفك، ثم حكم الله بكذبهم إذ لم يأتوا بالشهداء.
﴿أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ يقال: أفاض في الحديث وخاض فيه: إذا أكثر الكلام فيه.
﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ العامل في ﴿إِذْ﴾: ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ أو ﴿أَفَضْتُمْ﴾.
ومعنى ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾: يأخذه بعضكم من بعض.
وفي هذا الكلام وفي الذي قبله وبعده عتابٌ لهم على خوضهم في حديث الإفك، وإن كانوا لم يصدقوه؛ فإن الواجب كان الإغضاء عن ذكره والتركُ له بالكلية، فعاتبهم على ثلاثة أشياء، وهي:
تلقّيه بالألسنة؛ أي: السؤال عنه وأخذه من المسؤول.
والثاني: قولهم ذلك.
والثالث: أنهم حسبوه هيّنًا وهو عند الله عظيم.
وفائدة قوله: ﴿بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ و﴿بِأَفْوَاهِكُم﴾: الإشارة إلى أن ذلك الحديث كان باللسان دون القلب؛ إذ كانوا لم يعلموا حقيقته بقلوبهم.
_________________
(١) انظر: الكشاف (١١/ ٣٤).
[ ٣ / ٢٧٧ ]
﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ أي: كان الواجب أن تبادروا إلى إنكار هذا الحديث أول سماعكم (^١) له.
و﴿لَوْلَا﴾ أيضًا في هذه الآية عَرْضٌ، وكان حقُّها أن يليها الفعل من غير فاصل بينهما، ولكنه فصل بينهما بقوله: ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾؛ لأن الظروف يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها، والقصد بتقديم هذا الظرف: الاعتناء به، وبيان أنه كان الواجب المبادرة إلى إنكار ذلك الكلام في أول وقتِ سمعوه (^٢).
ومعنى ﴿مَا يَكُونُ لَنَا﴾: ما ينبغي لنا ولا يحلُّ لنا أن نتكلم بهذا.
﴿سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهٌ لله عن أن تكون زوجة رسوله ﷺ على ما قال أهل الإفك.
وقال الزمخشري: هو بمعنى التعجبُ من عِظَم الأمر، والاستبعاد له، والأصل في ذلك أن يسبَّح الله عند رؤية العجائب (^٣).
﴿بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ البهتان: أن يقال في الإنسان ما ليس فيه، والغيبة: أن يقال ما فيه.
﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ تقديره: يعظكم كراهةَ أن تعودوا، ثم عظَّم الأمر وأكَّده بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ الإشارة بذلك إلى المنافقين الذين
_________________
(١) في أ، ب: «أن يبادروا .. سماعهم».
(٢) في ج: «سمعتموه».
(٣) انظر: الكشاف (١١/ ٤١).
[ ٣ / ٢٧٨ ]
أحبُّوا أن يشيع حديث الإفك، ثم هو عامٌّ في غيرهم ممن اتصف بصفتهم.
والعذاب في الدنيا الحدُّ.
وأما عذاب الآخرة؛ فقد ورد في الحديث أن من عوقب في الدنيا على ذنب لم يعذَّب (^١) عليه في الآخرة (^٢)، فأشكل اجتماع الحدِّ مع عذاب الآخرة في هذا الموضع، فيحتمل:
أن يكون القاذف يعذَّب في الآخرة، ولا يُسقط الحدُّ عنه عذابَ الآخرة، بخلاف سائر الحدود.
أو يكون هذا مختصًّا بمن قذف عائشة؛ فإنه روي عن ابن عباس أنه قال: من أذنب ذنبًا ثم تاب منه قُبلت توبته إلَّا من خاض في أمر عائشة (^٣).
أو يكون (^٤) لمن مات مصرًّا غير تائب.
أو يكون للمنافقين.
_________________
(١) في د: «يعاقب».
(٢) أخرجه البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩).
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ٢٢٨)
(٤) في أ، ب: «تكون».
[ ٣ / ٢٧٩ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾].
﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ ذُكر في «البقرة» (^١).
﴿بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ذُكر في «النحل» (^٢).
﴿زَكَى﴾ أي: تطهَّر من الذنوب، وصلَح دينه (^٣).
﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ معنى ﴿يَأْتَلِ﴾: يحلف؛ فهو من قولك: آلَيْتُ: إذا حلفتَ.
وقيل: معناه: يُقَصِّر؛ فهو من قولك: أَلَوْتُ أي: قصَّرتُ؛ ومنه: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨].
_________________
(١) انظر (١/ ٣٩٢).
(٢) انظر (٢/ ٧٧٣).
(٣) في د: «حاله».
[ ٣ / ٢٨٠ ]
و﴿الْفَضْلِ﴾ هنا: يحتمل أن يريد به:
الفضل في الدين.
أو الفضل في المال؛ وهو أن يَفْضُل له عن مقدار ما يكفيه.
و﴿وَالسَّعَةِ﴾: هي اتساع المال.
ونزلت الآية بسبب أنَّ أبا بكر الصديق ﵁ حلف أن لا يُنفق على مِسْطح، لمَّا تكلم في حديث الإفك، وكان ينفق عليه لمسكنته، ولأنه قريبه، وكان ابن بنت خالته (^١)، فلما نزلت الآية رَجَع إلى مسطح النفقة والإحسان، وكفَّر عن يمينه.
قال بعضهم: هذه أرجى آية في القرآن؛ لأن الله أوصى بالإحسان إلى القاذف.
ثم إن لفظ الآية على عمومه في أن لا يحلف أحدٌ على ترك عمل صالح.
﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: كما تحبون أن يغفر الله لكم؛ كذلك اغفروا أنتم لمن أساء إليكم.
ولما نزلت قال أبو بكر ﵁: «إني لأحبُّ أن يغفر الله لي»، ثم ردَّ النفقة إلى مسطح.
﴿الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ معنى ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ هنا: العفائف ذواتُ الصَّوْن.
ومعنى ﴿الْغَافِلَاتِ﴾: السَّليمات الصدور؛ فهو من الغفلة عن الشرِّ.
_________________
(١) في أ، ب، ج: «ابن خالته»، والمثبت هو الصواب كما في الإصابة لابن حجر (١٠/ ١٣٩).
[ ٣ / ٢٨١ ]
﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ هذا الوعيد للقاذفين لعائشة، ولذلك لم يذكر فيه توبةً، قال (^١) ابن عباس: كلُّ مذنب تقبل توبته إذا تاب إلَّا من خاض في حديث عائشة.
وقيل: الوعيد لكل قاذف، والعذاب العظيم يحتمل أن يراد به: الحدُّ أو عذاب الآخرة.
﴿يَوْمَ تَشْهَدُ﴾ العامل فيه: ﴿يُوَفِّيهِمُ﴾، وكرَّر ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ تأكيدًا.
وقيل: العامل فيه ﴿عَذَابٌ﴾، أو فعل مضمر.
﴿دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ أي: جزاءهم الواجب لهم.
﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ هذه الآية تدلُّ على أن ما قبلها في المنافقين؛ لأن المؤمن قد علم في الدنيا أن الله هو الحق المبين.
ومعنى ﴿الْمُبِينُ﴾: الظاهر الذي لا شك فيه.
﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ الآية؛ معناها: أن الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، وأن الطيِّبات من النساء للطيِّبين من الرجال؛ ففي ذلك ردٌّ على أهل الإفك؛ لأن النبي ﷺ هو أطيب الطيِّبين؛ فزوجته (^٢) أطيب الطيِّبات.
وقيل: (^٣) المعنى: أن ﴿الخبيثات﴾ (^٤) من الأعمال للخبيثين من الناس،
_________________
(١) في ب، ج، د، هـ: «فقال».
(٢) في أ، ب، هـ: «وزوجته».
(٣) في أ، ب، هـ زيادة: «إن».
(٤) في ب: «الخبائث».
[ ٣ / ٢٨٢ ]
والطَّيِّبَات من الأعمال للطيِّبين من الناس؛ ففيه أيضًا ردٌّ على أهل الإفك؛ لأن عائشة لا يليق بها إلَّا الطيبات من الأعمال، بخلاف ما قاله أهل الإفك.
وقيل: المعنى: أن الخبيثات من الأقوال للخبيثين من الناس، والإشارة بذلك إلى أهل الإفك؛ أي: أن أقوالهم الخبيثة لا يقولها إلَّا خبيث مثلهم.
﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ الإشارة بـ ﴿أُولَئِكَ﴾ إلى الطيبين والطيبات والضمير في ﴿يَقُولُونَ﴾ للخبيثات والخبيثين، والمراد: تبرئة عائشة ﵂ مما رميت به.
[ ٣ / ٢٨٣ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾].
﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ هذه الآية أمرٌ بالاستئذانِ في غيرِ بيتِ الداخلِ، فيعمُّ بذلك بيوت الأقارب وغيرهم، وقد جاء في الحديثِ الأمر بالاستئذان على الأمِّ؛ خيفةَ أن يراها عُريانةً.
[ ٣ / ٢٨٤ ]
ومعنى ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾: تستأذنوا، وهو مأخوذ من قولك: آنستُ الشيءَ: إِذا عَلِمته؛ فالاستئناس: أن يستعلم هل يريد أهلُ الدار الدخول أم لا؟.
وقيل: هو مأخوذ من الأُنْس ضد الوَحشة.
وقرأ ابن عباس: «حتى تستأذنوا».
والاستئذان واجب، وأما السلام فلا ينتهي إلى الوجوب.
واختُلف أيّهما يقدَّم؟
فقيل: يقدّم السلام، ثم يستأذن؛ فيقول: «السلام عليكم»، ثم يقول: «أأدخل؟».
وقيل: يقدّم الاستئذان؛ لتقديمه في الآية.
وليس في الآية عدد الاستئذان، وجاء في الحديث أن يستأذن ثلاث مرات (^١)، وهو تفسير للآية.
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ سبب هذه الآية: أنه لما نزلت آية الاستئذان تعمَّق قومٌ؛ فكانوا يأتون المواضع غير المسكونة فيسلّمون ويستأذنون، فأباحت هذه الآية دخولها بغير استئذان.
واختُلف في البيوت غير المسكونة المذكورة في هذه الآية؟
فقيل: هي الفنادق التي في الطرق، ولا يسكنها أحد، بل هي موقوفة ليأوي إليها كلُّ ابن سبيل.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٢٤٥)، ومسلم (٢١٥٣).
[ ٣ / ٢٨٥ ]
والمتاع على هذا: التمتع بالنزول فيها والمبيت وغير ذلك.
وقيل: هي الخِرَب التي تُدخَل للبول والغائط.
والمتاع على هذا: حاجة الإنسان.
وقيل: هي حوانيت القَيْساريَّة (^١).
والمتاع على هذا: الثياب والبُسط وشبهُها.
وهذا القول خطأ؛ لأن الاستئذان في الحوانيت واجب بإجماع.
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ إعرابها كإعراب ﴿يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] في "إبراهيم"، وقد ذُكر (^٢).
و﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ للتبعيض.
والمراد: غضُّ البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل.
وقيل: معنى التبعيض فيه: أن النظرة الأولى لا حرج فيها، ويُمنَع ما بعدها.
وأجاز الأخفش أن تكون ﴿مِنْ﴾ زائدة.
وقيل: هي لابتداء الغاية؛ لأن البصر مفتاح القلب.
والغضُّ المأمور به: هو عن النظر إلى العورات، أو إلى ما لا يحلُّ من
_________________
(١) جاء في تكملة المعاجم العربية (٨/ ٤٣٥): «قيسارية: .. ميدان عام يقام فيه سوق، أو هي بالأحرى: بناية مربعة في شكل رواق الدير، فيها حجرات ومخازن وحوانيت للتجار».
(٢) انظر (٢/ ٧٠٤).
[ ٣ / ٢٨٦ ]
النساء، أو إلى كتاب الغير وشبه ذلك مما يُستر.
وحفظ الفروج المأمور به: هو عن الزنا.
وقيل: أراد ستر العورة.
والأظهر أن الجميع مراد.
﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ تؤمر المرأة بغض بصرها عن عورة الرجل وعن عورة المرأة إجماعًا.
واختلف هل يجب عليها غض بصرها عن سائر جسد الرجل الأجنبي أم لا؟ وعن سائر جسد المرأة أم لا؟
فعلى القول بذلك: تشتمل الآية عليه.
والكلام في حفظ فروج النساء كحفظ فروج الرجال.
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ نهى عن إظهار الزينة بالجملة، ثم استثنى الظاهر منها، وهو ما لا بد من النظر إليه عند حركتها، أو إصلاح شأنها، وشبه ذلك.
فقيل: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يعني: الثياب؛ فعلى هذا: يجب سَتْرُ جميع جسدها.
(وقيل: الثياب والوجه) (^١).
_________________
(١) سقط من أ، ج، د. ومثبت في ب، هـ، وهو قولٌ في تفسير الآية كما في المحرر الوجيز (٦/ ٣٧٤)
[ ٣ / ٢٨٧ ]
وقيل: الثياب والوجه والكفَّان، وهو مذهب مالك؛ لأنه أباح كشف وجهها وكفيها في الصلاة.
وزاد أبو حنيفة: القدمين.
﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ الجيوب: هي التي يقول لها العامة: أطواق.
وسببها: أن النساء كنَّ في ذلك الزمان يلبسن ثيابًا واسعةً (^١) الجيوب يظهر منها صدورهنَّ، وكنَّ إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة سدلنها من وراء الظهر، فيبقى الصدر والعنق والأذنان لا سِتر عليها، فأمرهنَّ الله بلَيِّ الأخمرة على الجيوب؛ ليستر جميع ذلك.
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ الآية؛ المراد بالزينة هنا: الباطنة، فلما ذُكر في الآية قبلها ما أباح أن يراه غير ذي المحرم من الزينة الظاهرة؛ ذَكر في هذه ما أباح أن يراه الزوج وذو المحارم (^٢) من الزينة الباطنة.
وبدأ بالبعولة - وهم الأزواج -؛ لأن اطلاعهم يقع على أعظم من هذا، ثم ثنَّى بذوي المحارم، وسوَّى بينهم في إبداء الزينة، ولكن مراتبهم تختلف بحسب القرب.
والمراد بالآباء: كل من له ولادة من والدٍ وجدٍّ، وبالأبناء: كل من عليه ولادة من ولد وولد ولد.
_________________
(١) في ج: «واسعات».
(٢) في هـ: «المحرم».
[ ٣ / ٢٨٨ ]
ولم يذكر في هذه الآية من ذوي المحارم: العمُّ والخال:
ومذهب جمهور العلماء: جواز رؤيتهما للمرأة؛ لأنهما من ذوي المحارم.
وكره ذلك قوم.
وقال الشَّعبيُّ (^١): إنما لم يذكر العمُّ والخال؛ لئلا يصفا زينة المرأة لأولادهما.
﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ (^٢) يعني: جميع المؤمنات؛ فكأنه قال: أو صنفهن، ويخرج عن ذلك: نساء الكفار.
﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يدخل في ذلك: الإماء المسلمات والكتابيات.
وأما العبيد: ففيهم ثلاثة أقوال:
منع رؤيتهم لسيدتهم، وهو قول الشافعي.
والجواز، وهو قول ابن عباس وعائشة.
والجواز بشرط أن يكون العبد وغْدًا (^٣)، وهو مذهب مالك، وإنما أخذ جوازه من قوله: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾.
_________________
(١) في أ، ج: «الشافعي» وهو خطأ، الصواب أنه الشعبي، كما في تفسير الطبري (١٩/ ١٧٣)
(٢) في ب: «يدخل».
(٣) المراد بالوغذ: القبيح المنظر (شرح مختصر خليل للخرشي (٣/ ٢٢١»، وفي المدونة (٤/ ٥٢) سأل ابن القاسم الإمام مالكًا عن الوغد فقال: «الذي لا منظر له ولا خَطْب فذلك الوغد».
[ ٣ / ٢٨٩ ]
واختُلف هل يجوز أن يراها عبد زوجها وعبد الأجنبيّ أم لا؟ على قولين.
﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ شَرط في رؤية غير ذوي المحارم شرطين:
أحدهما: أن يكونوا (^١) تابعين، ومعناه: أن يَتْبَع لشيءٍ يُعطاه كالوكيل والمتصرِّف، ولذلك قال بعضهم: هو الذي يتبعك وهِمَّتُه بطنُه.
والآخر: أن لا يكون لهم إربةٌ في النساء، كالخَصِيِّ والمخنَّث والشيخ الهَرِم والأحمق.
فلا يجوز رؤيتهم للنساء إلَّا باجتماع الشرطين.
وقيل: بأحدهما.
ومعنى ﴿الْإِرْبَةِ﴾: الحاجة إلى الوطء.
﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ أراد بـ ﴿الطِّفْلِ﴾: الجنس، ولذلك وصفه بالجمع، ويقال: طفل: ما لم يراهق الحُلُم.
و﴿يَظْهَرُوا﴾ معناه: يَطَّلعون بالوطء على عورات النساء، فمعناه: الذين لم يطؤوا النساء.
وقيل: الذي لا يدرون ما عوراتُ النساء. وهذا أحسن.
﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ روي أن امرأةً كان لها خَلخالان، فكانت تضرب بهما؛ فيسمعُهما الرجال، فنهى الله ﷿ عن ذلك.
_________________
(١) في أ: «يكونًا»!.
[ ٣ / ٢٩٠ ]
قال الزجاج: إسماع صوت الزينة أشدُّ تحريكًا للشهوة من إبدائها (^١).
﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ التوبة واجبة على كل مكلف؛ بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
وفرائضها ثلاثة:
[١ -] الندم على الذنب؛ من حيث عُصِي به ذو الجلال (^٢)، لا من حيث أضرَّ ببدن أو مال.
[٢ -] والإقلاع عن الذنب في أول أوقات الإمكان، من غير تأخير ولا توانٍ.
[٣ -] والعزم أن لا يعود إليها أبدًا، ومهما قُضِي عليه بالعَوْد أحدث عزمًا مجددًا.
وآدابها ثلاثة:
[١ -] الاعتراف بالذنب مقرونًا بالانكسار.
[٢ -] والإكثار من التضرع والاستغفار.
[٣ -] والإكثار من الحسنات لمحو ما تقدَّم من السيئات.
ومراتبها سبع:
[١ -] فتوبة الكفار: من الكفر.
_________________
(١) انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ٤٠).
(٢) في ب، د: «عُصى به ذا الجلال».
[ ٣ / ٢٩١ ]
[٢ -] وتوبة المخلِّطين (^١): من الذنوب الكبائر (^٢).
[٣ -] وتوبة العدول: من الصغائر.
[٤ -] وتوبة العابدين: من الفَتَرات.
[٥ -] وتوبة السالكين: من عِلل القلوب والآفات.
[٦ -] وتوبة أهل الورع: من الشبهات.
[٧ -] وتوبة أهل المشاهدة: من الغَفَلات.
والبواعث على التوبة سبعة:
[١ -] خوف العقاب.
[٢ -] ورجاء الثواب.
[٣ -] والخجل من الحساب.
[٤ -] ومحبة الحبيب.
[٥ -] ومراقبة الرقيب القريب.
[٦ -] وتعظيم المقام.
[٧ -] وشكر الإنعام.
﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الأيامى: جمع أيِّمٍ، ومعناه: الذين لا أزواج لهم رجالًا كانوا أو نساء، أبكارًا أو ثيِّباتٍ.
_________________
(١) في ج، د: «المخلصين».
(٢) في أ، ب: «الكبار».
[ ٣ / ٢٩٢ ]
والخطاب هنا: للأولياء والحكام؛ أمرهم الله بتزويج الأيامى، فاقتضى ذلك النهي عن عضلهنَّ من التزويج.
وفي الآية دليلٌ على عدم استقلال النساء بالإنكاح، واشتراط الولاية فيه، وهو مذهب مالك والشافعي، خلافًا لأبي حنيفة.
﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ يعني: الذين يصلحون للتزويج من ذكور العبيد وإناثهم.
وقال الزمخشري: ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ بمعنى: الصلاح في الدين، قال: وإنما خصهم الله بالذكر؛ ليحفظ عليهم صلاحهم (^١).
والمخاطبون هنا ساداتهم (^٢).
ومذهب الشافعي: أن السيد يُجبَر على تزويج عبيده؛ لهذه الآية، خلافًا لمالك.
ومذهب مالك: أن السيد يُجبر عبده وأمته على النكاح، خلافًا للشافعي.
﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وعد الله بالغنى للفقراء الذين يتزوَّجون لطلب رضا الله، ولذلك قال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح.
﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أمرٌ بالاستعفاف، وهو الاجتهاد في طلب العفَّة من الحرام لمن لا يقدر على التزوُّج.
_________________
(١) انظر: الكشاف (١١/ ٧٣ - ٧٥).
(٢) في ج، د، هـ: «سادتهم».
[ ٣ / ٢٩٣ ]
فقوله: ﴿لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ معناه:
لا يجدون استطاعة على التزوُّج بأيِّ وجهٍ تعذَّر التزوج.
وقيل: معناه: لا يجدون صَداقًا للنكاح.
والمعنى الأول أعم، والثاني أليق بقوله: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ ﴿الْكِتَابَ﴾ هنا: مصدرٌ بمعنى الكتابة، وهي مقاطعة العبد على مال مُنَجَّم، فإذا أدَّاه خرج حرًّا، وإن عجَز بقي رقيقًا.
وقيل: إن الآية نزلت بسبب حويطب بن عبد العزى، سأل (^١) مولاه أن يكاتبه فأبى عليه.
وحكمها مع ذلك عامٌّ؛ فأمر الله سادات العبيد أن يكاتبوهم إذا طلبوا الكتابة، وهذا الأمر على الندب عند مالك والجمهور.
وقال الظاهرية وغيرهم: هو على الوجوب، وذلك ظاهر قول عمر بن الخطاب ﵁ لأنس بن مالك حين سأله مملوكه سيرين الكتابة، فتلكأ أنس، فقال له عمر: لتكاتبنَّه أو لأوجعنك بالدِّرَّةِ (^٢).
وإنما حمله مالك على الندب؛ لأن الكتابة كالبيع، فكما لا يجبر على البيع لا يجبر عليها.
_________________
(١) كذا وردت الكلمة في جميع النسخ الخطية!، والصواب: «سأله مولاه»، وحويطب من سادات قريش وليس من العبيد، ومولاه الذي سأل الكتابة اسمه صبيح. انظر: الإصابة لابن حجر (٢/ ٦٥٦، ٥/ ٢١٨).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ٢٧٦).
[ ٣ / ٢٩٤ ]
واختلف هل يُجبر السيدُ عبده على الكتابة أم لا؟ على قولين في المذهب.
﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ الخير هنا: القوة على أداء الكتابة بأيِّ وجهٍ كان.
وقيل: هو المال الذي يؤدِّي منه كتابته من غير أن يسأل أموال الناس.
وقيل: هو الصلاح في الدين.
﴿وَآتُوهُمْ مِن مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ هذا أمرٌ بإعانة المكاتب على كتابته، واختلف فيمن المخاطب بذلك؟
فقيل: هو خطاب للناس أجمعين.
وقيل: للولاة.
والأمر على هذين القولين: للندب.
وقيل: هو خطاب لسادات المكاتبين، وهو على هذا القول:
ندب عند مالك.
ووجوب عند الشافعي.
فإن كان الأمر للناس: فالمعنى: أن يعطوهم صدقات (^١) من أموالهم.
وإن كان للولاة: فيعطوهم من الزكوات (^٢).
وإن كان للسَّادات (^٣): فيحطُّوا عنهم من كتابتهم.
_________________
(١) في د، هـ: «صدقة».
(٢) في أ، د: «الزكاة».
(٣) في أ، ب: «للسادة».
[ ٣ / ٢٩٥ ]
وقيل: يعطوهم من أموالهم من غير الكتابة.
وعلى القول بالحظ من الكتابة؛ اختلف في مقدار ما يُحَطُّ؟
فقيل: الربع، وروي ذلك عن رسول الله ﷺ.
وقيل: الثلث.
وقال مالك والشافعي: لا حدَّ في ذلك، بل أقلُّ ما ينطلق عليه (^١) شيء، إلَّا أن الشافعيَّ يُجبره على ذلك، ولا يُجبره مالك.
وزمان الحطِّ عنه: في آخر الكتابة عند مالك.
وقيل: في أول نَجْم.
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ معنى ﴿الْبِغَاءِ﴾: الزنا، نهى الله المسلمين أن يُجبروا مملوكاتهم على ذلك.
وسبب الآية: أن عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق كان له جاريتان، فكان يأمرهما بالزنا للكسب منه وللولادة، ويضربهما على ذلك، فشكتا ذلك إلى النبي ﷺ فنزلت الآية فيه وفيمن فعل مثل فعله.
﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ هذا الشرط راجعٌ إلى إكراه الفتيات على الزنا؛ إذ لا يتصوَّر إكراهُهن إلَّا إذا أردن التحصُّن، وهو التعفُّف.
وقيل: هو راجع إلى قوله: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى﴾. وذلك بعيد.
﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني: ما تكسبه الأمةُ بفرجها، وما تلده من الزنا.
_________________
(١) في د زيادة: «اسم».
[ ٣ / ٢٩٦ ]
ويتعلق ﴿لِتَبْتَغُوا﴾ بقوله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا﴾.
﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ المعنى: غفورٌ لهنَّ رحيم بهن، لا يؤاخذهنَّ بالزنا؛ لأنهن أُكرهن عليه.
ويحتمل أن يكون المعنى: غفور رحيم للسيد الذي يُكرههن إذا تاب من ذلك.
﴿آيَاتٍ مُبَيَّنَاتٍ﴾ بفتح الياء: أي بيَّنها الله.
وبالكسر: مبينات للأحكام والحلال والحرام.
﴿وَمَثَلًا﴾ يعني: ضرب لكم الأمثال بمن كان قبلكم في تحريم الزنا؛ لأنه كان حرامًا في كل ملة.
أو في براءة عائشة، كما برَّأ يوسف ومريم.
[ ٣ / ٢٩٧ ]
[﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾].
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ النور يطلق حقيقةً: على الضوء الذي يدرك بالأبصار، ومجازًا: على المعاني التي تدرك بالقلوب، والله ليس كمثله شيء؛ فتأويل الآية: الله ذو نور السموات والأرض.
أو وصف نفسه بأنه نور، كما تقول: زيد كَرَمٌ: إذا أردت المبالغة في أنه كريم.
فإن أراد بالنور المدرك بالأبصار: فمعنى ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أنه خلق النور الذي فيهما من الشمس والقمر والنجوم.
أو أنه خلقهما وأخرجهما من العدم إلى الوجود، فإنما ظهرت به، كما تظهر الأشياء بالضوء.
[ ٣ / ٢٩٨ ]
ومن هذا المعنى قرأ علي بن أبي طالب: «الله نَوَّرَ السماواتِ والأرضَ» بفتح النون والواو والراء وتشديد الواو؛ أي: جعل فيهما النور.
وإن أراد بالنور المدرك بالقلوب: فمعنى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: جاعل النور في قلوب أهل السموات والأرض، ولهذا قال ابن عباس: معناه: هادي أهل السموات والأرض (^١).
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قول المصنف ﵀: «﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ النور يطلق حقيقة على الضوء الذي يدرك بالأبصار، ومجازا على المعاني التي تدرك بالقلوب» إلخ، أقول: ما ذكره المصنف من أن النور نوعان حسي ومعنوي، هو صحيح ومعلوم، وهذا يقتضي أن معنى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: منورهما بالنور الحسِّي، وهو ما خلقه فيهما من الأنوار، كالشمس والقمر، وبالنور المعنوي، وهو هداه الذي يجعله في قلوب أنبيائه وأوليائه وملائكته، وقد سمَّى الله وحيه الذي بعث به رسله نورا وهدى، قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾، وقال في الوحي: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾، ونظائر هذا متعددة. وهذا معنى ما جاء عن ابن عباس، قال: «نور السموات والأرض، أي: هادي أهل السموات والأرض»، كما ذكره المصنف ﵀. وقد جاء في السنة نظير ما في آية النور، قال ﷺ: «ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض»، وإذا كان الله منوّر السماوات والأرض، والنور كمالٌ فهو أحق أن يكون النور وصفه؛ إذ كل كمال ثبت للمخلوق فالخالق أولى به، ومعطي الكمال أحق به، ولم يثبت أن النور اسم من أسمائه تعالى؛ بل الاسم الذي نطق به الكتاب والسنة: نور السماوات والأرض، فيُدعى بهذا الاسم كما دعا به الرسول ﷺ. وأما قول المؤلف: «أو وصف نفسه بأنه نور»؛ فهذا لا يصح؛ لأن لفظ النور في الآية مقيَّد بالإضافة إلى السماوات والأرض، فلم يقل تعالى: الله نور، بل قال: نور السماوات والأرض، وتقدم معنى نور السموات والأرض، وهذا الاسم ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ نظير: رب السماوات والأرض، وقيوم السماوات والأرض، لكن (قيوم) جاء في القرآن معرفا غير مضاف، وفي السنة جاء مضافا وغير مضاف. والله أعلم.
[ ٣ / ٢٩٩ ]
﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ المشكاة: هي الكُوَّة غير النافذة تكون في الحائط، ويكون المصباح فيها شديد الإضاءة.
وقيل: المشكاة: العمود الذي يكون المصباح على رأسه.
والأول أصح وأشهر.
والمعنى: صفة نور الله في وضوحه كصفة مشكاة فيها مصباح، على أعظم ما يتصوَّره البشر من الإضاءة والإنارة.
وإنما شبهه بالمشكاة وإن كان نور الله أعظم؛ لأن ذلك غاية ما يدركه الناس من الأنوار، فضرب المثل لهم بما يصلون إلى إدراكه.
وقيل: الضمير في ﴿نُورِهِ﴾ عائد على محمد ﷺ.
وقيل: على القرآن.
وقيل: على المؤمن.
وهذه الأقوال ضعيفة؛ لأنه لم يتقدَّم ما يعود عليه الضمير.
فإن قيل: كيف يصح أن يقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فأخبر أنه هو النور، ثم أضاف النور إليه في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، والمضاف غير المضاف إليه؟
فالجواب: أن ذلك يصح مع التأويل الذي قدَّمناه؛ أي: الله ذو نور السموات والأرض.
أو كما تقول: زيدٌ كَرَمٌ، ثم تقول: يَنْعَش الناس بكرمه (^١).
_________________
(١) أي: يرفعهم من الفقر إلى الغنى. انظر: شرح الفصيح لابن درستويه (ص: ٨٣).
[ ٣ / ٣٠٠ ]
﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ المصباح: هو الفَتِيل بناره، والمعنى: أنه في قنديل من زجاج؛ لأن الضوء فيه أزهر، لأنه جسم شفاف.
﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ شبه الزجاجة في إنارتها بكوكب دريّ، وذلك يحتمل معنيين:
إما أن يريد أنها تضيء بالمصباح الذي فيها.
وإما أن يريد أنها في نفسها شديدة الضوء؛ لصفائها ورقة جوهرها، وهذا أبلغ؛ لاجتماع نورها مع نور المصباح.
والمراد بالكوكب الدريّ: أحد الدراري المضيئة؛ كالمشتري، والزهرة وسهيل، ونحوها.
وقيل: أراد الزهرة.
ولا دليل على هذا التخصيص.
وقرأ نافع ﴿دُرِيٌّ﴾ بضم الدال وبشدّ الياء من غير همز، ولهذه القراءة وجهان:
إما أن ينسب الكوكب إلى الدُّرِّ لبياضه وصفائه.
أو يكون مسهّلًا من الهمز.
وقرئ بالهمز وكسر الدال، وبالهمز وضم الدال، وهو مشتقٌّ من الدَّرء بمعنى الدفع.
﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ من قرأ ﴿يُوقَدُ﴾ بالياء، أو ﴿تَوَقَّدَ﴾ بالفعل الماضي: فالفعل مسند إلى المصباح.
[ ٣ / ٣٠١ ]
ومن قرأ ﴿تُوقَدُ﴾ بالتاء والفعل المضارع فهو مسند إلى الزجاجة.
والمعنى: يوقد من زيت شجرة مباركة، ووصفها بالبركة: لكثرة منافعها.
أو لأنها تنبت في الأرض المباركة، وهي الشام.
﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قيل: يعني: أنها بالشام، فليست من شرق الأرض ولا من غربها، وأجود الزيتون زيتون الشام.
وقيل: هي منكشفة تصيبها الشمس طول النهار، فليست خالصةً للشرق فتسمى شرقية، ولا للغرب فتسمى غربية، بل هي غربية شرقية؛ لأن الشمس تستدير عليها من الشرق والغرب.
وقيل: إنها في وسط دَوْحة، فهي لا في جهة الشرق من الدوحة ولا في جهة الغرب.
وقيل: إنها من شجر الجنة، ولو كانت في الدنيا لكانت شرقيةً أو غربية.
﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ مبالغةٌ في وصف صفائه وحسنه.
﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ يعني: اجتماعَ نورِ المصباح وحسنِ الزجاجة وطيبِ الزيت، والمراد بذلك: كمال النور الممثَّل به.
﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يوفق الله من يشاء لإصابة الحق.
﴿فِي بُيُوتٍ﴾ يعني: المساجدَ.
وقيل: بيوت أهل الإيمان من مساجد أو مساكن.
[ ٣ / ٣٠٢ ]
والأول أصح.
والجارُّ يتعلَّق بما قبله؛ أي: كمشكاة في بيوت، أو تُوقَد في بيوت.
وقيل: بما بعده، وهو ﴿يُسَبِّحُ﴾، وكرر الجارَّ بعد ذلك تأكيدًا.
وقيل: بمحذوف؛ أي: سبِّحوا في بيوت.
﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ المراد بالإذن: الأمرُ.
ورفعها: بناؤها.
وقيل: تعظيمها.
﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ أي: غُدْوَةً وعشيَّةً (^١).
وقيل: أراد الصبح والعصر.
وقيل: صلاة الضحى والعصر.
﴿رِجَالٌ﴾ فاعل ﴿يُسَبِّحُ﴾ على القراءة بكسر الباء.
وأما على القراءة بالفتح: فهو مرفوع بفعل مضمر يدلُّ عليه الأول.
﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: لا تشغلهم.
ونزلت الآية في أهل الأسواق الذين إذا سمعوا النداء بالصلاة تركوا كلَّ شغل وبادروا إليها.
والبيع من التجارة، ولكنه خصَّه بالذِّكْر تجريدًا؛ كقوله: ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨].
_________________
(١) في ج: «وعشيًّا».
[ ٣ / ٣٠٣ ]
أو أراد بالتجارة الشراء.
﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ أي: تضطرب من شدة الهول والخوف.
وقيل: تفقهُ القلوب وتُبصِر الأبصار بعد العمى؛ لأن الحقائق تنكشف حينئذ.
والأول أصح؛ كقوله: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠].
وفي قوله: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ﴾ تجنيس.
﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ متعلق: بما قبله، أو بفعل من معنى ما قبله.
﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ تقديره: جزاء أحسنِ ما عملوا.
﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني: زيادةً على ثواب أعمالهم.
﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ذُكر في «البقرة» (^١).
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ لما ذكر الله حال المؤمنين؛ أعقب ذلك بمثالين لأعمال الكفَّار:
الأول: يقتضي حال أعمالهم في الآخرة، وأنها لا تنفعهم، بل يضمحلُّ ثوابها كما يضمحل السراب.
والثاني: يقتضي حال أعمالهم في الدنيا، وأنها في غاية الفساد والضلال كالظلمات التي بعضها فوق بعض.
_________________
(١) انظر (١/ ٤٣٠).
[ ٣ / ٣٠٤ ]
والسراب: هو ما يرى في الفلَوات من ضوء الشمس في الهَجيرة حتى يظهر كأنه ماءٌ يجري على وجه الأرض.
والقيعة: جمع قاعٍ، وهو المنبسط من الأرض.
وقيل: القيعة بمعنى القاع، وليس بجمع.
﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ الظَّمْآن: العطشان؛ أي: يظن العطشان أن السراب ماء، فيأتيه ليشربه، فإذا جاء خاب ما أمَّل، وبطَل ما ظنَّ، وكذلك الكافر يظن أن أعماله تنفعه، فإذا كان يوم القيامة لم تنفعه فهي كالسراب.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾ ضمير الفاعل: للظمآن، وضمير المفعول: للسراب، أو لموضع السراب.
أو يكون ضمير الفاعل: للكافر، وضمير المفعول: لعمله.
﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ أي: شيئًا يُنتفع به، أو شيئًا موجودًا على العموم؛ لأنه معدوم.
ويحتمل أن يكون:
ضمير الفاعل: للظمآن، وضمير المفعول للسراب.
أو ضمير الفاعل: للكافر، وضمير المفعول: لعمله.
﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ﴾ ضمير الفاعل في ﴿وَجَدَ﴾ للكافر، والضمير في ﴿عِندَهُ﴾ لعمله.
[ ٣ / ٣٠٥ ]
والمعنى: وجد الله عنده بالجزاء، أو وجد زبانية الله (^١) (^٢).
﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ هذا هو المثل الثاني، وهو عطف على قوله: ﴿كَسَرَابٍ﴾.
والمشبَّه بالظلمات: أعمال الكفَّار؛ أي: هم من الضلال والحيرة في مثل الظلمات المجتمعة من ظلمة البحر تحت الموج تحت السحاب.
﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ منسوب إلى اللُّجِّ، وهو معظم الماء.
وذهب بعضهم إلى أن أجزاء هذا المثال (^٣) قوبلت به أجزاء الممثَّل به؛ فالظلمات: أعمال الكافر، والبحر اللجي: صدره، والموج: جهله، والسحاب: الغطاء الذي على قلبه.
وذهب بعضهم إلى أنه تمثيل بالجملة من غير مقابلة.
وفي وصف هذه الظلمات بهذه الأوصاف مبالغةٌ، كما أن في وصف النور المذكور قبلها مبالغة.
﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ المعنى: مبالغة في وصف الظلمة، والضمير في ﴿أَخْرَجَ﴾ وما بعده للرجل الذي وقع في الظلمات الموصوفة.
_________________
(١) في أ، ب: «زِبْنِيَّةَ الله» وهو مفرد الزبانية، وفي ج: «زبانيته».
(٢) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قول المصنف ﵀: «وجد الله عنده بالجزاء» أي: وجد جزاء عمله الذي أعده الله له، أقول: هذا معنى صحيح؛ ولا ينفي أن يكون من معنى الآية أن الكافر يجد الله يوم القيامة، أي: يلقاه، فيوبخه على كفره، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾. والله أعلم.
(٣) في ج، د: «المثل».
[ ٣ / ٣٠٦ ]
واختُلف في تأويل الكلام:
فقيل: المعنى: إذا أخرج يده لم يقارب رؤيتها، فنفى الرؤية ومقاربتها.
وقيل: بل رآها بعد عسر وشدة؛ لأنَّ كاد إذا نُفيت تقتضي الإيجاب، وإذا أُوجبت تقتضي النفي.
وقال ابن عطية: إنما ذلك إذا دخل حرف النفي على الفعل الذي بعدها، فأما إذا دخل حرف النفي على «كاد» كقوله: ﴿لَمْ يَكَدْ﴾ فإنه يحتمل النفي والإيجاب (^١).
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ أي: من لم يهده الله لم يهتد، فالنور كنايةٌ عن الهدى والإيمانِ في الدنيا.
وقيل: أراد: في الآخرة؛ أي: من لم يرحمه الله فلا رحمة له.
والأول أليق بما قبله.
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (٣/ ٣٩٥).
[ ٣ / ٣٠٧ ]
[﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤) وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)﴾].
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الرؤية هنا بمعنى: العلم.
والتسبيح: التنزيه والتعظيم، وهو من العقلاء بالنطق، وأما تسبيح الطير وغيرها مما لا يعقل:
فقال الجمهور: إنه حقيقي، ولا يبعد أن يلهمها الله التسبيح، كما يلهمها الأمور الدقيقة التي لا يهتدي إليها العقلاء.
وقيل: تسبيحه ظهور الحكمة فيه.
﴿صَافَّاتٍ﴾ يَصْفُفْنَ أجنحتهنَّ في الهواء.
﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ﴾ الضمير في ﴿عَلِمَ﴾: لله، أو لـ ﴿كُلٌّ﴾.
والضمير في ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾: لـ ﴿كُلٌّ﴾.
[ ٣ / ٣٠٨ ]
﴿يُزْجِي﴾ معناه: يسوق، والإزجاء إنما يستعمل في سَوْق كل ثقيل، كالسحاب.
﴿رُكَامًا﴾ متكاثفًا، بعضه فوق بعض.
﴿الْوَدْقَ﴾ المطر.
﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾ أي: من بينه، وهو جمع خَلَلٍ، كجبل وجبال.
﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ قيل: إن الجبال هنا حقيقةٌ، وإن الله جعل في السماء جبالًا من بَرَدٍ.
وقيل: إنه مجاز، كقولك: عند فلان جبالٌ من مالٍ أو علم؛ أي: هي في الكثرة مثل الجبال.
و﴿مِنْ﴾:
في قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: لابتداء الغاية.
وفي قوله: ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾ كذلك، وهي بدلٌ من الأولى، أو تكون للتبعيض فتكون مفعول ﴿يُنَزِّلُ﴾.
و﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾: لبيان الجنس، أو للتبعيض؛ فتكون مفعول ﴿وَيُنَزِّلُ﴾.
وقال الأخفش: هي زائدة. وذلك ضعيف.
وقوله: ﴿فِيهَا﴾ صفة للجبال، والضمير يعود على السماء.
﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ السَّنَا بالقصر: الضوء، وبالمدّ: المجد والشرف.
[ ٣ / ٣٠٩ ]
﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ أي: يأتي بهذا بعد هذا.
﴿خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾ يعني: بني آدم والبهائم والطيور؛ لأن ذلك كله يَدِبُّ. ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ يعني: المنيَّ.
وقيل: الماء الذي في الطين الذي خُلِق منه آدم وغيره.
﴿عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالحيَّات والحوت.
﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا﴾ الآية؛ نزلت في المنافقين، وسببها: أن رجلًا من المنافقين كانت بينه وبين يهودي خصومة، فدعاه اليهودي إلى رسول الله ﷺ فأعرض عنه، ودعاه إلى كعب بن الأشرف.
﴿مُذْعِنِينَ﴾ أي: منقادين طائعين؛ لقصد الوصول إلى حقوقهم.
﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ توقيفٌ يراد به التوبيخ، وكذلك ما بعده.
﴿أَنْ يَحِيفَ﴾ معناه: أن يجور، والحَيْف: الميل، وأسنده إلى الله؛ لأن الرسول إنما يحكم بأمر (^١) الله وشرعه.
_________________
(١) في أ: «بما أمر».
[ ٣ / ٣١٠ ]
[﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)﴾].
﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية؛ معناها: إنما الواجب أن يقول المؤمنون: «سمعنا وأطعنا» إذا دعوا إلى الله ورسوله.
وجَعَل الدعاء إلى الله؛ من حيث هو إلى شرعه.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية؛ قال ابن عباس: معناها: ﴿وَمَنْ﴾ ﴿يُطِعِ اللَّهَ﴾: في فرائضه، ﴿وَرَسُولَهُ﴾: في سننه (^١)، ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾: فيما مضى من ذنوبه، ﴿وَيَتَّقْهِ﴾: فيما يُستقبل.
وسأل بعض الملوك عن آية كافية جامعة، فذُكِرت له هذه الآية.
وسمعها بعض بطارقة الروم فأسلم، وقال: إنها جمعت كلَّ ما في التوراة والإنجيل.
_________________
(١) في ج، د: «سنته».
[ ٣ / ٣١١ ]
﴿وَأَقْسَمُوا﴾ أي: حلفوا، والضمير للمنافقين.
﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: بالغوا في اليمين وأكدُوها.
﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾ يعني: إلى الغزو.
﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾ نهى عن اليمين الكاذبة؛ لأنه قد عرف أنهم يحلفون على الباطل.
﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ مبتدأ وخبره محذوف؛ أي: طاعة معروفة أمثل وأولى بكم.
أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: المطلوب منكم طاعة معروفة لا يُشَكُّ فيها.
﴿عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ يعني: تبليغ الرسالة.
﴿وَعَلَيْكُم مَا حُمِّلْتُمْ﴾ يعني: السمع والطاعة واتباع الشريعة.
﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وعدٌ ظهر صدقه بفتح مشارق الأرض ومغاربها لهذه الأمة.
وقيل: إن المراد بالآية: خلافةُ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃؛ لقول رسول الله ﷺ: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» (^١)، وانتهت الثلاثون إلى آخر خلافة علي.
فإن قيل: أين القَسَم الذي جاء قوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ جوابًا له؟
فالجواب: أنه محذوف، تقديره: وعدهم الله وأقسم.
أو جعل الوعد بمنزلة القَسَم؛ لتحقُّقِه.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢١٩١٩)، وأبو داود (٤٦٤٧)، والترمذي (٢٢٢٦).
[ ٣ / ٣١٢ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾]
﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قيل: المراد بـ ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: الرجال خاصة.
وقيل: النساء خاصة؛ لأن الرجال يستأذنون في كل وقت.
وقيل: الرجال والنساء.
﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ يعني: الأطفال غير البالغين.
[ ٣ / ٣١٣ ]
﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ نصب على الظرفية لأنهم أُمِروا (^١) بالاستئذان في ثلاثة مواطن.
فمعنى الآية: أن الله أمر المماليك والأطفال بالاستئذان في ثلاثة أوقات وهي: قبل الصبح، وحين القائلة وسط النهار، وبعد صلاة العشاء الآخرة؛ لأن هذه الأوقات يكون الناس فيها متجرِّدين للنوم في غالب أمرهم.
وهذه الآية محكمة.
وقال ابن عباس: ترك الناس العمل بها.
وحملها بعضهم على الندب.
﴿تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ﴾ يعني: تتجرَّدون.
﴿الظَّهِيرَةِ﴾ وسط النهار.
﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾ جمع عورة؛ من الانكشاف، كقوله: ﴿بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣].
ومَن رفع ﴿ثَلَاثُ﴾ فهو خبر ابتداء مضمر، تقديره: هذه الأوقات ثلاث عورات لكم؛ أي: تنكشفون فيها.
ومَن نصبه فهو بدلٌ من ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾.
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ هذا الضمير المؤنث يعود على الأوقات المتقدِّمة؛ أي: ليس عليكم ولا على المماليك والأطفال جناح في ترك الاستئذان في غير المواطن الثلاثة.
_________________
(١) في ج: «لأنه أمر».
[ ٣ / ٣١٤ ]
﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ تقديره: المماليك والأطفال طوافون عليكم؛ فلأجل ذلك لم يؤمروا بالاستئذان (^١) في كل وقت.
﴿بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ بدلٌ من ﴿طَوَّافُونَ﴾؛ أي: بعضكم يطوف على بعض.
وقال الزمخشري: هو مبتدأ؛ أي: بعضكم طائفٌ (^٢) على بعض، أو فاعل بفعل مضمر (^٣).
﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ لما أمر الأطفال في الآية المتقدمة بالاستئذان في ثلاثة أوقات، وأباح لهم الدخول بغير إذن في غيرها؛ أمرهم هنا بالاستئذان في جميع الأوقات إذا بلغوا ولحقوا بالرجال.
﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ جمع قاعد، وهي العجوز:
فقيل: هي التي قعدت عن الولد.
وقيل: التي قعدت عن التصرُّف.
وقيل: التي إذا رأيتها استقذرتها.
﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ أباح الله لهذا الصنف من العجائز ما لم يُبَح لغيرهنّ من وضع الثياب.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «فلأجل ذلك يؤمر بالاستئذان»!، والمثبت هو الصواب الذي يستقيم به المعنى. انظر: المحرر الوجيز (٦/ ٤٠٧)، والكشاف (١١/ ١٤١).
(٢) في أ، ب، د: «يطوف»، والمثبت موافق لعبارة الكشاف.
(٣) انظر: الكشاف (١١/ ١٤٥)، وتقدير الفعل المضمر: «يطوف».
[ ٣ / ٣١٥ ]
قال ابن مسعود: إنما أبيح لهنَّ وضع الجلباب الذي فوق الخمار والرداء. وقال بعضهم: إنما ذلك في منزلها الذي يراها فيه ذوو محارمها.
﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ إنما أباح الله لهنَّ وضع الثياب، بشرط أن لا يقصدْن إظهار زينة، والتبرُّج: هو الظهور.
﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ المعنى: أن استعفافهنَّ عن وضع الثياب المذكورة خيرٌ لهنَّ من وضعها، والأولى لهنَّ أن يلتزمن ما يلتزم شباب النساء من السِّتْر.
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية؛ اختلف في المعنى الذي رفع الله فيه الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض في هذه الآية:
فقيل: هو في الغزو؛ أي: لا حرج عليهم في تأخُّرهم (^١) عنه، وقوله: ﴿وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ مقطوعٌ من الذي قبله على هذا القول؛ كأنه قال: ليس على هؤلاء الثلاثة حرجٌ في ترك الغزو، ولا عليكم حرج في الأكل.
وقيل: الآية كلُّها في معنى الأكل، واختلف الذاهبون إلى ذلك:
فقيل: إن أهل هذه الأعذار كانوا يتجنَّبون الأكل مع الناس؛ لئلا يتقذَّرهم (^٢) الناس، فنزلت الآية مبيحةً لهم الأكل مع الناس.
وقيل: إن الناس كانوا إذا نهضوا إلى الغزو، وخلفوا أهل هذه الأعذار
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «تأخيرهم».
(٢) في أ، ب، هـ: «يستقذرهم».
[ ٣ / ٣١٦ ]
في بيوتهم؛ كانوا (^١) يتجنَّبون أكل مال الغائب، فنزلت الآية في ذلك.
وقيل: إن الناس كانوا يتجنَّبون الأكل معهم تقذُّرًا، فنزلت الآية، وهذا ضعيف؛ لأن رفع الحرج عن أهل الأعذار لا عن غيرهم.
وقيل: إنَّ رَفْع الحرج عن هؤلاء الثلاثة في كل ما تمنعهم (^٢) منه أعذارهم من الجهاد وغيره.
﴿وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ أباح الله تعالى الإنسان الأكل من هذه البيوت المذكورة في الآية، فبدأ ببيت الرجل نفسه، ثم ذكر القرابة على ترتيبهم.
ولم يذكر فيهم الابن؛ لأنه دخل في قوله: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾؛ لأن بيت ابن الرجل بيته؛ لقوله ﷺ: «أنت ومالك لأبيك» (^٣).
واختلف العلماء فيما ذُكر في هذه الآية من الأكل من بيوت القرابة:
فذهب قوم إلى أنه منسوخ، وأنه لا يجوز الأكل من بيت أحد إلَّا بإذنه، والناسخ قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وقوله ﷺ: «لا يحل مال امرئ مسلم إلَّا عن طيب نفس منه» (^٤).
وقيل: الآية محكمة، ومعناها: إباحة الأكل من بيوت القرابة إذا أذنوا في ذلك.
_________________
(١) في أ، هـ: «فكانوا».
(٢) في أ، ب، هـ: «يمنعهم».
(٣) أخرجه أحمد (٦٩٠٢)، وأبو داود (٣٥٣٠)، وابن ماجه (٢٢٩١).
(٤) أخرجه أحمد (٢٠٦٩٥).
[ ٣ / ٣١٧ ]
وقيل: بإذن وبغير إذن.
﴿أَوْ مَا مَلَكْتُم مَفَاتِحَهُ﴾ يعني: الوكلاء والأجراء والعبيد الذين يمسكون مفاتح مخازن أموال ساداتهم، فأُبيح (^١) لهم الأكل منها.
وقيل: المراد: ما ملك الإنسان من مفاتح نفسه. وهذا ضعيف.
﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ الصديق يقع على الواحد والجماعة، كالعدوّ، والمراد به هنا: جمعٌ ليناسب ما ذكر قبله من الجموع في قوله: ﴿آبَائِكُمْ﴾ و﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ وغير ذلك.
وقرن الله الصديق بالقرابة؛ لقرب مودّته، وقال ابن عباس: الصديق أوكد من القرابة.
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ إباحةٌ للأكل في حال الاجتماع والانفراد؛ لأنَّ بعض العرب كان لا يأكل وحده أصلًا؛ خيفةً من البخل، فأباح لهم الله ذلك.
﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ أي: إذا دخلتم بيوتًا مسكونةً فسلموا على مَنْ فيها من الناس، وإنما قال: ﴿عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ بمعنى: صنفكم؛ كقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١].
وقيل: المعنى: إذا دخلتم بيوتًا خاليةً فسلموا على أنفسكم؛ بأن يقول الرجل: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين».
_________________
(١) في ج: «فأباح الله».
[ ٣ / ٣١٨ ]
وقيل: يعني بالبيوت: المساجد، فأمر (^١) بالسلام على من فيها، فإن لم يكن فيها أحدٌ فليسلمْ على النبي ﷺ وعلى الملائكة وعلى عباد الله الصالحين.
_________________
(١) في ج: «وأمر»، وفي د: «أمر»، وفي هـ: «والأمر».
[ ٣ / ٣١٩ ]
[﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)﴾].
﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ الآية؛ الأمر الجامع: هو الذي يجمع له الناس؛ للمشورة فيه، أو للتعاون عليه.
ونزلت هذه الآية في وقت حفر الخندق بالمدينة؛ فإن بعض المؤمنين كانوا يستأذنون في الانصراف لضرورة، وكان المنافقون يذهبون من غير استئذان.
﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أي: لبعض حوائجهم.
﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ في معناها ثلاثة أقوال:
الأول: أن الدعاء هنا يراد به: دعاء النبي ﷺ إياهم؛ ليجتمعوا إليه في أمرٍ جامع، أو في قتال وشبه ذلك؛ فالمعنى: أن إجابتكم له إذا دعاكم (^١) واجبةٌ عليكم، بخلاف إذا دعا بعضكم بعضًا، فهو كقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].
_________________
(١) في ج، د: «إجابتهم له إذا دعاهم».
[ ٣ / ٣٢٠ ]
ويقوي هذا القولَ: مناسبتُه لما قبله من الاستئذان والأمرِ الجامعِ.
والقول الثاني: أن المعنى: لا تدعوا الرسول ﵇ باسمه، كما يدعو بعضُكم بعضًا باسمه؛ بل قولوا له: «يا رسول الله» أو «يا نبي الله»؛ تعظيمًا له ودعاءً بأشرف أسمائه.
وقيل: المعنى: لا تحسبوا دعاءَ الرسول عليكم كدعاء بعضكم على بعض؛ أي: دعاؤه عليكم مجابٌ فاحذروه.
ولفظ الآية بعيدٌ من هذا المعنى على أن المعنى صحيح.
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا﴾ يعني: الذي ينصرفون عن حفر الخندق.
واللُّواذ: الرَّوَغان والمخالفة.
وقيل: الانصراف في خُفية.
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الضمير لله أو (^١) لرسوله ﷺ.
واختلف في ﴿عَنْ﴾ هنا:
فقيل: إنها زائدةٌ، وذلك ضعيف.
وقال ابن عطية: معناه: يقع خلافهم بعد أمره، كما تقول: كان المطر عن ريح (^٢).
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «و»، والمثبت موافق لما في الكشاف (١١/ ١٦٤) ..
(٢) انظر: المحرر الوجيز (٦/ ٤١٥).
[ ٣ / ٣٢١ ]
وقال الزمخشري: يقال: خالفه إلى الأمر: إذا ذهب إليه دونه، وخالفه عن الأمر: إذا صدَّ الناس عنه؛ فمعنى ﴿يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾: يصدُّون الناس عنه؛ فحذف المفعول؛ لأن الغرض ذكر المخالف (^١).
﴿فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الفتنة: في الدنيا؛ بالرزايا، أو بالفضيحة، أو القتل.
والعذاب: في الآخرة.
﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ دخلت ﴿قَدْ﴾ للتأكيد، وفي الكلام معنى الوعيد.
وقيل: معناها: التقليل على وجه التهكُّم.
والخطاب: لجميع الخلق، أو للمنافقين خاصة.
﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ يعني: المنافقين.
والعامل في الظرف: ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾.
_________________
(١) انظر: الكشاف (١١/ ١٦١).
[ ٣ / ٣٢٢ ]