وتسمَّى: سورة التوبة، وتسمى - أيضًا - الفاضحة؛ لأنها كشفت أسرار المنافقين.
واتفقت المصاحف والقرَّاء على إسقاط البسملة من أولها.
واختُلف في سبب ذلك:
فقال عثمان بن عفان ﵁: أشبهت معانيها معاني «الأنفال»، وكانت تدعى (^١) القرينتين في زمان رسول الله ﷺ؛ فلذلك قرنتُ بينهما ووضعتُها (^٢) في السبع الطُّوال (^٣).
وكان الصحابة قد اختلفوا: هل هما سورتان أو سورة واحدة؟ فتُرِكَتِ البسملةُ بينهما لذلك.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: البسملة أمان، و«براءة» نزلت بالسيف، فلذلك لم تبدأ بالأمان (^٤).
_________________
(١) في هامش أ: «تدعيان».
(٢) في أ، د: «ووضعتهما» والمثبت موافق لما في الرواية.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده (٣٩٩)، وأبو داود (٧٨٦)، والترمذي (٣٠٨٦)، والنسائي في الكبرى (٧/ ٢٥٣).
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٦٠).
[ ٢ / ٤٧٣ ]
[﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾].
﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ المراد بالبراءة: التبرُّؤ من المشركين.
وارتفاع ﴿بَرَاءَةٌ﴾ على أنه: خبر ابتداء، أو مبتدأ.
﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ تقدير الكلام: براءة واصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين، فـ "من" و"إلى" متعلقان بمحذوف لا بـ ﴿بَرَاءَةٌ﴾.
وإنما أسند العهد إلى المسلمين في قوله: ﴿عَاهَدْتُمْ﴾؛ لأن فِعْل الرسول ﷺ لازم للمسلمين، فكأنهم هم الذين عاهدوا المشركين.
وكان النبي ﷺ قد عاهد المشركين إلى آجال محدودة:
فمنهم من وفَّى، فأمر الله أن يُتَمَّ عهده إلى مدته.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
ومنهم من نقض، أو قارب النقض، فجُعل له أجَلٌّ أربعة أشهر، وبعدها لا يكون له عهد.
﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سيروا آمنين أربعة أشهر، وهي الأجل الذي جعل لهم.
واختلف في وقتها:
فقيل: هي شوال وذو قعدة وذو حجة والمحرّم؛ لأن السورة نزلت حينئذ، وذلك عام تسعة.
وقيل: هي من عيد الأضحى إلى تمام العشر الأوّل من ربيع الآخر؛ لأنهم إنما علموا بذلك حينئذ، وذلك أن رسول الله ﷺ بعث تلك السنة أبا بكر الصديق فحجَّ بالناس، ثم بعث بعده علي بن أبي طالب فقرأ على الناس سورة براءة: يوم عرفة، وقيل: يوم النحر.
﴿غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ أي: لا تفوتونه.
﴿وَأَذَانٌ﴾ أي: إعلام بتبرُّؤ الله تعالى ورسوله من المشركين.
﴿إِلَى النَّاسِ﴾ جَعَل البراءة مختصةً بالمعاهدين من المشركين (^١)، وجعل الإعلام بالبراءة عامًّا لجميع الناس؛ من عاهد، ومن لم يُعاهد، وللمشركين وغيرهم.
﴿الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ هو يوم عرفة، أو يوم النحر.
_________________
(١) سقط من أ، ب، ج، هـ.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
وقيل: أيام الموسم كلها؛ وعبر عنها بيوم؛ كقولك: يوم صفين والجمل وكانت أياما كثيرة.
﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ﴾ تقديره: أذان بأن الله بريء، وحذفت الباء تخفيفا.
وقرئ: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ بالكسر؛ لأن الأذان في معنى القول.
﴿وَرَسُولُهُ﴾ ارتفع:
بالعطف على الضمير في ﴿بَرِيءٌ﴾.
أو بالعطف على موضع اسم ﴿أَنَّ﴾.
أو بالابتداء، وخبره محذوف.
وقرئ بالنصب؛ عطفا على اسم ﴿أَنَّ﴾.
وأما الخفض:
فلا يجوز فيه العطف على ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾؛ لأنه معنى فاسد.
ويجوز على الجوار، أو على القسم، وهو - مع ذلك - بعيد، والقراءة به شاذة.
﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ يعني: التوبة من الكفر.
﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ يريد: الذين لم ينقضوا.
﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ يعني: الأشهر الأربعة التي جعلت لهم:
فمن قال: إنها شوال وذو قعدة وذو حجة والمحرم: فهي الحرم المعروفة زاد فيها شوال، ونقص رجب، وسميت حرما؛ تغليبا للأكثر.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
ومن قال: إنها إلى ربيع الثاني: فسميت حرما؛ لحرمتها ومنع القتال فيها حينئذ.
﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ناسخة لكل موادعة في القرآن.
وقيل: إنها نسخت أيضا: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤].
وقيل: بل نسختها هي؛ فيجوز المن والفداء.
﴿وَخُذُوهُمْ﴾ معناه: الأسر، والأخيذ: هو الأسير.
﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ كل طريق، ونصبه على الظرفية.
﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ يريد: من الكفر، ثم قرن بالإيمان الصلاة والزكاة؛ فذلك دليل على قتال تارك الصلاة والزكاة، كما فعل أبو بكر الصديق ﵁.
والآية في معنى قوله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة» (^١).
﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ تأمين لهم.
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ هو من الجوار؛ أي: استأمنك فأمنه حتى يسمع القرآن؛ ليرى هل يسلم أم لا.
﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ أي: إن لم يسلم فرده إلى موضعه.
وهذا الحكم ثابت عند قوم، وقال قوم: نسخ بالقتال.
* * *
_________________
(١) تقدم تخريجه في صفحة ٤٥٨.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
[﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾].
﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ لفظه (^١) استفهام، ومعناه: استنكار واستبعاد.
﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قيل: المراد قريش، وقيل: قبائل بني بكر.
﴿فَمَا اسْتَقَامُوا﴾ «ما» ظرفية.
_________________
(١) في أ، ب، ج، هـ: «لفظ».
[ ٢ / ٤٧٨ ]
﴿كَيْفَ﴾ تأكيدٌ للأولى، وحذف الفعل بعدها؛ للعلم به، تقديره: كيف يكون لهم عهد؟.
﴿لَا يَرْقُبُوا﴾ أي: لا يُرَاعوا.
﴿إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ الإلُّ: القرابة؛ وقيل: الحِلْف. والذمة: العهد.
﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ استثنى (^١) من قضَى له منهم بالإيمان.
﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ أي: رؤساء أهله؛ قيل: إنهم أبو جهل، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو. حكى ذلك الطبري (^٢)، وهو ضعيف؛ لأن أكثر هؤلاء كان قد مات قبل نزول هذه السورة.
والأحسن أنها على العموم.
﴿لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ أي: لا أيمان لهم يوفُون بها.
وقرئ: ﴿لَا إِيْمَانَ﴾ بكسر الهمزة.
﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ يتعلَّق بـ ﴿فَقَاتِلُوا﴾.
﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ قيل: يعني: إخراجه من المدينة حين قاتلوه بالخندق وأحد.
وقيل: يعني إخراجه من مكة إذ تشاوروا فيه بدار الندوة، ثم خرج هو بنفسه.
_________________
(١) في ب، ج، د: «استثناء».
(٢) انظر: تفسير الطبري (١١/ ٣٦٣).
[ ٢ / ٤٧٩ ]
﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني: إذايتهم للنبي ﷺ والمسلمين بمكة.
﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ يريد (^١): بالقتل والأسر، وفي ذلك وعد للمسلمين بالظفر.
﴿قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ قيل: إنهم خزاعة. والإطلاق أحسن.
﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ﴾ استئنافُ إخبارٍ بأن الله يتوب على بعض هؤلاء الكفار فيُسلم.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ الآية؛ معناها: أن الله لا يتركهم دون تمحيص يظهر فيه الطيب من الخبيث.
و﴿أَمْ﴾ هنا بمعنى: بل والهمزة.
و﴿يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ أي: يعلم ذلك موجودًا؛ لتقوم به الحجة.
﴿وَلِيجَةً﴾ أي: بطانةً.
* * *
_________________
(١) في أ، ب، ج، هـ: «الله».
[ ٢ / ٤٨٠ ]
[﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾].
﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ أي: ليس لهم ذلك بالحقِّ والواجبِ، وإن كانوا قد عمروها تغلُّبًا (^١) وظلمًا.
ومن قرأ ﴿مَسَاجِدَ﴾ بالجمع: أراد جميع المساجد.
ومن قرأ بالتوحيد: أراد المسجد الحرام.
﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ أي: أن أحوالهم وأقوالهم تقتضي الإقرار بالكفر.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «تغليبًا».
[ ٢ / ٤٨١ ]
وقيل: الإشارةُ إلى قولهم في التلبية: «لا شريك لك، إلَّا شريكًا هو لك».
﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ الآية؛ سببها: أن قومًا من قريش افتخروا بسقاية الحاج، وبعمارة المسجد الحرام؛ فبيَّن الله أن الجهاد أفضل من ذلك.
ونزلت الآية في علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وطلحة ابن شيبة، افتخروا؛ فقال طلحة: أنا صاحب البيت وعندي مفتاحه، وقال العباس: أنا صاحب السقاية، وقال علي: لقد أسلمت قبل الناس، وجاهدت مع رسول الله ﷺ.
﴿لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ﴾ الآية؛ قيل: نزلت فيمن تثبَّط عن الهجرة، ولفظها عامٌّ، وكذلك حكمها.
﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ وعيدٌ لمن آثر أهله أو ماله أو مسكنه على الهجرة والجهاد.
﴿بِأَمْرِهِ﴾ قيل: يعني: فتح مكة، وقيل: هو إشارةٌ إلى عذاب أو عقوبة.
* * *
[ ٢ / ٤٨٢ ]
[﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾].
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ عطفٌ على ﴿مَوَاطِنَ﴾.
أو منصوبٌ بفعل مضمر، وهذا أحسن؛ لوجهين:
أحدهما: أن قوله: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ مختصٌ بحنين، ولا يصح في غيره من المواطن؛ فيضعف عطف (يوم حنين) على المواطن؛ للاختلاف الذي بينهما في ذلك.
والآخر: أن ﴿مَوَاطِنَ﴾ ظرف مكان، و﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ ظرف زمان؛ فيضعف عطف (^١) أحدهما على الآخر، إلا أن يريد بالمواطن الأوقات.
وحُنَين: اسم علم لموضع عُرِف برجل اسمه حنين، وانصرف لأنه مذكر.
﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ كانوا يومئذ اثني عشر ألفًا، فقال بعضهم: لن
_________________
(١) سقط من أ، ب، ج، هـ.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
نُغلَبَ اليوم من قلَّة، فأراد الله إظهار عجزهم، ففرَّ الناس عن رسول الله ﷺ حتى بقي على بغلته في نفر قليل، ثم استنصر بالله، وأخذ قبضة من تراب فرمى بها وجوه الكفار وقال: «شاهت الوجوه» (^١)، ونادى بأصحابه (^٢) فرجعوا إليه، وهزم الله الكفار.
وقصة حنين مذكورة في السِّيَر.
﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي: ضاقت على كثرة اتساعها، و«ما» هنا: مصدرية.
﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ يعني: الملائكة.
﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ﴾ إشارةٌ إلى إسلام هوازن الذين قاتلوا المسلمين بحنين.
﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ قيل: إن نجاستهم بكفرهم، وقيل: بالجنابة.
﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ نصٌّ على منع المشركين - وهم عبدة الأوثان- من المسجد الحرام، فأجمع العلماء على ذلك.
وقاس مالك على المشركين: سائرَ الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، وقاس على المسجد الحرام: سائر المساجد، فمنع جميع الكفار من جميع المساجد.
وجعلها الشافعي عامة في الكفار، خاصةً بالمسجد الحرام، (فَمَنع جميع الكفار من دخول المسجد الحرام خاصة) (^٣)، وأباح لهم دخول غيره.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٧٧٧).
(٢) في أ، ب، هـ: «أصحابه».
(٣) سقط من ب، ج، هـ.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
وقصَّرها أبو حنيفة على موضع النصِّ؛ فمنع المشركين خاصة من دخول المسجد الحرام خاصة، وأباح لهم دخول سائر المساجد، وأباح دخول أهل الكتاب في المسجد الحرام وغيره.
﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ يريد: عام تسعة من الهجرة؛ حين حج أبو بكر بالناس، وقرأ عليهم عليٌّ سورة «براءة».
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أي: فقرًا.
كان المشركون يجلبون الأطعمة إلى مكة، فخاف الناس قلة القوت بها إذ مُنِعَ المشركون منها، فوعدهم الله بأن يغنيهم من فضله، فأسلمت العرب كلها، وتمادى جلب الأطعمة إلى مكة ثم فتح الله للمسلمين (^١) سائر الأمصار.
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أمرٌ بقتال أهل الكتاب. ونفى عنهم الإيمان بالله؛ لقول اليهود: عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، ونفى عنهم الإيمان باليوم الآخر؛ لأن اعتقادهم فيه فاسد، فإنهم لا يقولون بالمعاد الجِسْماني (^٢).
﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ لأنهم يستحلون الميتة والدم ولحم الخنزير وغير ذلك.
﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ أي: لا يدخلون في الإسلام.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «ثم فتح المسلمون».
(٢) في أ، ج، هـ: «الحسابي».
[ ٢ / ٤٨٥ ]
﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ بيان للذين أُمر بقتالهم، وحين نزلت هذه الآية خرج رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك؛ لقتال النصارى.
﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ اتفق العلماء على قَبول الجزية من اليهود والنصارى ويُلْحَق بهم المجوس؛ لقوله ﷺ: «سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب» (^١).
واختلفوا في قَبولها من عَبَدة الأوثان والصابئين.
ولا تؤخذ من النساء والصبيان والمجانين.
وقَدْرها عند مالك: أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهمًا على أهل الورِق، ويؤخذ ذلك من كل رأس.
﴿عَنْ يَدٍ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: دفع الذميّ لها بيده، لا يبعثها مع أحد ولا يَمْطُل بها؛ كقولك: يدًا بيد.
الثاني: عن استسلام وانقياد؛ كقولك: ألقى فلان بيده.
﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي: أذلَّاء.
* * *
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطإ (٧٤٢).
[ ٢ / ٤٨٦ ]
[﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥) إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾].
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: إن هذه المقالة قالها أربعة من اليهود؛ وهم: سلّام بن مِشْكَم، ونعمان بن أوفى، وشأس بن قيس، ومالك بن الصَّيف.
وقيل: لم يقلها إلا فِنْحَاص، ونَسب ذلك إلى جميعهم؛ لأنهم متبعون لمن قالها.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
والظاهر أن جماعتهم قالوها؛ إذ لم ينكروها حين نُسبت إليهم.
وكان سبب قولهم ذلك: أنهم فقدوا التوراة، فحفظها عُزير وحده، فعلمها لهم، فقالوا: ما علّم الله عزير التوراة إلا أنه ابنه.
و﴿عُزَيْرٌ﴾ مبتدأ، و﴿ابْنُ اللَّهِ﴾ خبره.
ومُنع ﴿عُزَيْرٌ﴾ التنوين؛ لأنه أعجمي لا ينصرف.
وقيل: بل هو منصرف، وحذْف التنوين لالتقاء الساكنين، وهذا ضعيف.
وأما من نوّنه فجعله عربيًّا.
﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ قال أبو المعالي: «أطبقت النصارى على أن المسيح إله وابن إله» (^١)، وذلك كفرٌ شنيع.
﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ يتضمن معنيين:
أحدهما: إلزامهم هذه المقالة، والتأكيد في ذلك.
والثاني: أنهم لا حجة لهم عليه، وإنما هو مجرَّد (^٢) دعوى؛ كقولك لمن تكذّبه: هذا قولك بلسانك.
﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ معنى ﴿يُضَاهِئُونَ﴾: يشابهون.
فإن كان الضمير لليهود والنصارى؛ فالإشارة بقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾:
_________________
(١) الإرشاد، لأبي المعالي الجويني (ص: ٥١).
(٢) في ج، د: «عن».
[ ٢ / ٤٨٨ ]
للمشركين من العرب؛ إذ قالوا: الملائكة بنات الله، وهم أول كافر.
أو للصابئين.
أو لأمم متقدمة.
وإن كان الضمير للمعاصرين للنبي ﷺ من اليهود والنصارى؛ فـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ هم أسلافهم المتقدمون.
﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ دعاء عليهم، وقيل: معناه: لعنهم الله.
﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ تعجب كيف يُصرَفون عن الحق والصواب!.
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ أي: أطاعوهم كما يطاع الرب، وإن كانوا لم يعبدوهم.
﴿وَالْمَسِيحَ﴾ معطوف على الأحبار والرهبان.
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: أمرهم بذلك عيسى ومحمد ﷺ.
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ أي: يريدون أن يطفئوا نبوة محمد ﷺ وما جاء به من عبادة الله وتوحيده.
﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ إشارة إلى أقوالهم، كقولهم: ساحر وشاعر (^١)، وفيه أيضًا إشارة إلى ضعف حيلتهم فيما أرادوا.
﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ الضمير: للرسول ﷺ، أو للدين.
_________________
(١) في ب، هـ: «سحر وشعر».
[ ٢ / ٤٨٩ ]
وإظهاره: جعْلُهُ أعلى الأديان وأقواها حتَّى (^١) عمَّ المشارق والمغارب.
وقيل: ذلك عند نزول عيسى بن مريم حين (^٢) لا يبقى دين إلَّا دين الإسلام.
﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ هي (^٣): الرُّشا على الأحكام وغير ذلك.
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ ورد في الحديث أن: «كل ما أُدِّيَت زكاته فليس بكنز، وما لم تؤدَّ زكاته فهو كنز» (^٤).
وقال أبو ذرٍّ وجماعة من الزهاد: كلُّ ما فضَل عن حاجة الإنسان فهو كنز.
﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ الضمير للأموال والكنوز التي يتضمَّنها المعنى.
وقيل: هو للفضة، واكتفى بذلك عن الذهب؛ إذ الحكم فيهما واحد.
﴿يَوْمَ يُحْمَى﴾ العامل في الظرف: ﴿أَلِيمٌ﴾، أو محذوفٌ.
﴿عَلَيْهَا﴾ الضمير يعود على ما يعود عليه ضمير ﴿يُنْفِقُونَهَا﴾.
﴿اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ هي الأشهر المعروفة؛ أولها: المحرم، وآخرها: ذو الحجة.
وكان الذي جعل المحرم أول شهر من العام عمر بن الخطاب ﵁.
﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: في اللوح المحفوظ، وقيل: في القرآن.
والأول أرجح؛ لقوله: ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «حتى».
(٢) في ج، د: «حتى».
(٣) في أ، ب: «هنا».
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبير (٨/ ١٣).
[ ٢ / ٤٩٠ ]
﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ هي: رجب وذو قَعدة وذو حجة والمحرم.
﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ يعني: أن تحريم الأشهر الحرم هو الدين المستقيم دين إبراهيم وإسماعيل (^١)، وكانت العرب قد تمسكت به حتى غيره بعضهم.
﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ الضمير في قوله: ﴿فِيهِنَّ﴾ للأشهر الحرم تعظيمًا لأمرها، وتغليظًا للذنوب فيها، وإن كان الظلم ممنوعًا في غيرها.
وقيل: الضمير للاثني عشر شهرًا، وهي الزمان كله.
والأول أظهر.
﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ أي: قاتلوهم في الأشهر الحرم؛ فهذا نسخ لتحريم القتال فيها.
و﴿كَافَّةً﴾ حال من الفاعل، أو المفعول.
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ هو تأخير حرمة الشهر إلى الشهر الآخر، وذلك أن العرب كانوا أصحاب حروب وإغارات، وكانت محرَّمة عليهم في الأشهر الحرم، فيشقُّ عليهم تركها، فيجعلونها في شهر حرام ويحرّمون شهرًا آخر بدلًا منه، وربما أحلوا المحرَّم وحرموا صفرًا حتى يُكملوا في العام أربعة أشهر محرمة.
﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ أي: تارة يحلّون وتارة يحرّمون، ولم يُرِد العام حقيقة.
_________________
(١) لم يرد «وإسماعيل» في أ، ب، هـ.
[ ٢ / ٤٩١ ]
﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أي: ليوافقوا عدد الأشهر الحرم؛ وهو أربعة.
﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ يعني: إحلالهم القتال في الأشهر الحرم.
* * *
[ ٢ / ٤٩٢ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢)﴾].
﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا﴾ عتاب (^١) لمن تخلَّف عن غزوة تبوك.
﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ عبارةٌ عن تخلفهم، وأصل ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾: تثاقلتم.
﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ شرط وجزاء.
وهذا العذاب: في الدنيا أو في الآخرة.
﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ شرط وجواب، والضمير لرسول الله ﷺ.
فإن قيل: كيف ارتباط هذا الشرط مع جوابه (^٢)؟
_________________
(١) في هـ: «خطاب».
(٢) في أ، ب، هـ: «و».
[ ٢ / ٤٩٣ ]
فالجواب: أن المعنى: إن لم تنصروه أنتم فسينصره الله الذي نصره حين كان ثاني اثنين، فدل بقوله: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ على نصره في المستقبل.
﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: خروجه من مكة مهاجرا إلى المدينة، وأسند إخراجه إلى الكفار؛ لأنهم فعلوا معه من الأذى ما اقتضى خروجه.
﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ هو وأبو بكر الصديق.
﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ يعني: أبا بكر.
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ يعني: بالنصر واللطف.
﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ الضمير: للرسول ﷺ.
وقيل: لأبي بكر؛ لأن النبي ﷺ لم تزل معه السكينة، ويضعف ذلك: بأن الضمائر بعدها للرسول ﷺ.
﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ يعني: الملائكة يوم بدر وغيره.
﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾ يريد: بإذلالها ودحضها.
﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ قيل: هي: لا إله إلا الله، وقيل: الدين كله.
﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ أمر بالنفير إلى الغزو.
والخفة: استعارة لمن يمكنه السفر بسهولة، والثقل: من يمكنه بصعوبة.
وقال بعض العلماء: الخفيف: الغني، والثقيل: الفقير.
وقيل: الخفيف: الشاب، والثقيل: الشيخ.
وقيل: الخفيف: النشيط، والثقيل: الكسلان.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
وهذه الأقوال أمثلة في الثقل والخفة.
وقيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة: ٩١] الآية.
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ الآية؛ نزلت هي وكثيرٌ مما بعدها في هذه السورة في المنافقين الذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك؛ وذلك أنها كانت إلى أرض بعيدة، وكانت في شدَّة الحر وطيب الثمار والظلال، فثقلت عليهم، فأخبر الله في هذه الآية أن السفر لو كان لَعَرَضٍ من الدنيا، أو إلى مسافة قريبة لفعلوه.
﴿بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أي: الطريق والمسافة.
﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ إخبارٌ بغيب؛ وهو أنهم يعتذرون بأعذار كاذبة ويحلفون.
﴿يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ أي: يُوقعونها في الهلاك: بحَلفهم الكاذب، أو بتخلُّفهم عن الغزو.
* * *
[ ٢ / ٤٩٥ ]
[﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)﴾].
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية؛ كان بعض المنافقين قد استأذن النبي ﷺ في التخلُّف عن غزوة تبوك فأذن لهم، فعاتبه الله تعالى على إذنه لهم.
وقدَّم العفو على العتاب؛ إكرامًا له ﷺ.
وقيل: إن قوله ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ ليس لذنب ولا عتاب، ولكنه استفتاح كلام؛ كما تقول: أصلحك الله.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ كانوا قد قالوا: نستأذنه في القعود، فإن أذن لنا قعدنا، (وإن لم يأذن لنا قعدنا) (^١).
وإنما كان يظهر الصدق من الكذب لو لم يأذن لهم؛ فحينئذ كان يقعد العاصي والمنافق، ويسافر المطيع.
﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية؛ أي: لا يستأذنك في التخلف عن الغزو لغير عذر مَنْ يؤمن بالله واليوم الآخر.
﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: شكَّت.
ونزلت الآية في عبد الله بن أبي بن سلول والجد بن قيس.
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ الآية؛ أي: لو كانت لهم نية في الغزو لاستعدوا له قبل أوانه.
﴿انْبِعَاثَهُمْ﴾ أي: خروجهم.
﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أي: كسر عزمهم، وجعل في قلوبهم الكسل.
﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا﴾ يحتمل أن يكون القائل لهم ﴿اقْعُدُوا﴾:
هو الله تعالى؛ وذلك عبارة عن قضائه عليهم بالقعود.
ويحتمل أن يكون ذلك من قول بعضهم لبعض.
﴿مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ أي: مع النساء والصبيان وأهل الأعذار، وفي ذلك ذمّ لهم لاختلاطهم في القعود مع هؤلاء.
_________________
(١) سقط من ب، ج، هـ.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ أي: شرا وفسادا.
﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ أي: أسرعوا السير، والإيضاع: سرعة السير، والمعنى: أنهم يسرعون بالفساد والنميمة.
﴿خِلَالَكُمْ﴾ أي: بينكم.
﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ أي: يحاولون أن يفتنوكم.
﴿سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ قيل: يسمعون كلامهم. وقيل: يسمعون أخباركم وينقلونها إليهم.
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: طلبوا الفساد، (وروي أنها نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه من المنافقين) (^١).
﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ أي: دبروها من كل وجه، فأبطل الله سعيهم.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَن لِي وَلَا تَفْتِنِي﴾ لما دعا النبي ﷺ إلى غزوة تبوك قال الجد بن قيس -وكان من المنافقين-: ائذن لي في القعود ولا تفتني برؤية بنات الأصفر (^٢)؛ فإني لا أصبر عن النساء.
﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أي: وقعوا في الفتنة التي فروا منها.
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ الحسنة هنا: النصر والغنيمة وشبه ذلك.
﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ أي: قد حذرنا وتأهبنا من قبل.
_________________
(١) سقط من أ، ب، ج، هـ.
(٢) في أ، ب، هـ: «بني الأصفر».
[ ٢ / ٤٩٨ ]
﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أي: ما قدَّر وقضى، وهذا ردٌّ على المنافقين.
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ أي: هل تنتظرون بنا إلَّا أحد أمرين: إما الظَّفَر والنصر، وإما الموت في سبيل الله، وكل واحدة من الخَصْلتين حسنى.
﴿بِعَذَابٍ مِنْ عِندِهِ﴾ المصائبُ وما ينزل من السماء، أو عذابُ الآخرة.
﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ يعني: القتل.
﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ تهديدٌ.
* * *
[ ٢ / ٤٩٩ ]
[﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤) فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾].
﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ تضمَّن الأمر هنا معنى الشرط، فاحتاج إلى جواب.
والمعنى: لن يتقبل منكم سواء أنفقتم طوعًا أو كرهًا، والطَّوع والكره عموم في الإنفاق؛ أي: لن يتقبل على كل حال.
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا﴾ تعليل لعدم قبول نفقاتهم بكفرهم.
ويحتمل أن يكون ﴿أَنَّهُمْ كَفَرُوا﴾:
فاعل ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ﴾.
أو في موضع المفعول من أجله، والفاعل الله.
[ ٢ / ٥٠٠ ]
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا﴾ قيل: عذابهم في الدنيا بالمصائب.
وقيل: ما أُلْزِموا من أداء الزكاة.
﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ إخبارٌ بأنهم يموتون على الكفر.
﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ أي: من المؤمنين.
﴿يَفْرَقُونَ﴾ يخافون.
﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ أي: ما يلجؤون إليه من المواضع.
﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ هي الغيران في الجبال.
﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ وزنه مُفْتَعَل؛ من الدخول، ومعناه: نفقٌ أو سَرَبٌ في الأرض.
﴿يَجْمَحُونَ﴾ أي: يُسرعون.
﴿وَمِنْهُم مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ أي: يعيبك على قِسْمتها.
والآية في المنافقين؛ كالتي قبلها وبعدها.
وقيل: هي في ذي الخويصرة الذي قال: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا﴾ الآية؛ ترغيبٌ لهم فيما هو خير لهم.
وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوفٌ؛ تقديره: لكان ذلك خيرًا لهم.
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية؛ ﴿إِنَّمَا﴾ هنا: تقتضي حصر الصدقات -وهي الزكاة (^١) - في هذه الأصناف الثمانية، فلا يجوز أن يعطى منها غيرهم.
_________________
(١) في ب، هـ: «الزكوات».
[ ٢ / ٥٠١ ]
ومذهب مالك: أن تفريقها في هؤلاء الأصناف إلى اجتهاد الإمام؛ فله أن يجعلها في بعضهم دون بعض.
ومذهب الشافعي: أنه يجب أن تقسم على جميع هذه الأصناف بالسَّواء.
واختلف العلماء هل الفقير أشدُّ حاجةً من المسكين أو بالعكس؟ فقيل: هما سواء.
وقيل: الفقير الذي يسأل ويُعلَم حاله، والمسكين ليس كذلك.
﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ أي: الذين يقبضونها ويفرِّقونها.
﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ كفارٌ يعطون ترغيبًا في الإسلام.
وقيل: هم مسلمون يعطون ليتمكَّن إيمانهم.
واختلف هل بقي حكمهم، أو سقط للاستغناء عنهم؟.
﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ يعني: العبيد؛ يُشترون ويُعتقون.
﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ يعني: مَنْ عليه دين، ويشترط أن يكون استدان في غير فساد ولا سرف (^١).
﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: الجهاد، فيعطى منها المجاهدون ويشترى منها آلات الحرب.
واختلف هل تصرف في بناء الأسوار وإنشاء الأساطيل؟.
﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو الغريب المحتاج.
_________________
(١) في أ، ب: «ولا إسراف».
[ ٢ / ٥٠٢ ]
﴿فَرِيضَةً﴾ أي: حقًّا محدودًا، ونصبه على المصدر.
فإن قيل: لم ذُكر مصرف الزكاة في تضاعيف ذِكْر المنافقين؟.
فالجواب: أنه حصَر مصرف الزكاة في تلك الأصناف؛ ليقطع طمع
المنافقين فيها، فاتَّصلت هذه الآية في المعنى بقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
[﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣) يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾].
﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ يعني: من المنافقين، وإذايتهم له ﷺ: بالأقوال والأفعال.
﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ أي: يسمع كلَّ ما يقال له ويصدقه.
ويقال: إنَّ قائل هذه المقالة هو نَبْتَل بن الحارث، وكان من مَرَدة المنافقين، وقيل: عتَّاب بن قُشير.
﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ أي: هو يسمع الخير والحق.
﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: يصدقهم؛ يقال: آمنت لك؛ إذا صدَّقتك؛ ولذلك تعدَّى هذا الفعل باللام، وتعدَّى ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ بالباء.
﴿وَرَحْمَةٌ﴾ بالرفع؛ عطفٌ على ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾.
وبالخفض؛ عطفٌ على ﴿خَيْرٍ﴾.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
﴿يَحْلِفُونَ﴾ يعني: المنافقين.
﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ تقديره: والله أحق أن يرضوه، ورسوله كذلك؛ فهما جملتان حُذف الضمير من الثانية؛ لدلالة الأولى عليها.
وقيل: إنما وحَّد الضمير لأن رضا الله ورسوله واحدٌ.
﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ من يعادي ويخالف.
﴿فَأَنَّ لَهُ﴾ «أنَّ» هنا مكررة؛ تأكيدًا للأولى.
وقيل: بدل منها.
وقيل: التقدير: فواجب أنَّ له؛ فهي في موضع خبر مبتدإٍ محذوف.
﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: تُنزل في شأنهم سورة على النبي ﷺ، والضمائر في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ و﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾ و﴿قُلُوبِهِمْ﴾ تعود على المنافقين.
وقال الزمخشري: إن الضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ و﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾ للمؤمنين، وفي ﴿قُلُوبِهِمْ﴾ للمنافقين (^١).
والأول أظهر.
﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ تهديدٌ.
﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ صَنَع ذلك بهم في هذه السورة؛ لأنها فضحتهم.
﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ نزلت في وديعة بن ثابت؛ بلغ النبيَّ ﷺ أنه
_________________
(١) انظر: الكشاف (٧/ ٢٩٢).
[ ٢ / ٥٠٥ ]
قال: هذا يريد أن يفتح قصور الشام! هيهات هيهات!، فسأله عن ذلك فقال: إنما كنا نخوض ونلعب.
﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ كان منهم رجل اسمه مُخَشِّن (^١)، تاب ومات شهيدًا.
_________________
(١) قال ابن هشام في السيرة (٢/ ٥٢٤): «يقال له: مُخَشِّنُ بْنُ حُمَيْر، ويقال: مخشي».
[ ٢ / ٥٠٦ ]
[﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾].
﴿بَعْضُهُم مِنْ بَعْضٍ﴾ نفيٌ لأن يكونوا من المؤمنين.
﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ كنايةٌ عن البخل.
﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ أي: غفلوا عن ذكره.
﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ تركهم من رحمته وفضله.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ﴾ الأصل في الشر أن يقال: «أوعد»، وإنما يقال فيه «وعد» إذا صُرِّح بالشر.
﴿وَالْكُفَّارَ﴾ يعني: المجاهرين بالكفر.
[ ٢ / ٥٠٧ ]
﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ خطابٌ للمنافقين، والكاف:
في موضعِ نصبٍ؛ والتقدير: فعلتم مثلَ فعلِ الذين من قبلكم.
أو في موضعِ خبر مبتدإٍ؛ تقديره: أنتم كالذين من قبلكم.
﴿وَخُضْتُمْ﴾ أي: خلطتم، وهو مستعارٌ من الخوض في الماء، ولا يقال إلَّا في الباطل من الكلام.
﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ تقديره: كالخوض الذي خاضوا.
وقيل: كالذين خاضوا؛ فـ «الذي» هنا -على هذا- بمعنى الجَمْع.
﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ﴾ الآية؛ تهديدٌ لهم بما أصاب الأمم المتقدمة.
﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ يعني: مدائنَ قومِ لوط.
﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالمعجزات.
﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ في مقابلةِ قوله - في المنافقين -: ﴿بَعْضُهُم مِن بَعْضٍ﴾، ولكنه خصَّ المؤمنين بالوصف بالولاية.
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ قيل: عدن: هي مدينة الجنة وأعظمها.
وقال الزمخشري: هو اسم علم (^١).
﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أي: رضوانٌ من الله أكبر من كلّ ما ذُكر.
وذلك معنى ما ذكر في الحديث: «إن الله تعالى يقول لأهل الجنة:
_________________
(١) انظر: الكشاف (٧/ ٣٠٤).
[ ٢ / ٥٠٨ ]
أتريدون شيئًا أزيدكم، فيقولون: يا ربنا أي شيء تزيدنا؟ فيقول: رضواني فلا أسخط عليكم أبدًا» (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩).
[ ٢ / ٥٠٩ ]
[﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤) وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)﴾].
﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ جهاد الكفار بالسيف، وجهاد المنافقين باللسان ما لم يظهر ما يدل على كفرهم، فإن ظهر منهم ذلك فحكمهم حكم الزنديق، وقد اختُلف هل يقتل أم لا؟.
﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ الغلظة ضدُّ الرحمة والرأفة، وقد تكون بالقول والفعل
وغير ذلك.
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ نزلت في الجُلَّاس بن سُوَيد؛ فإنه قال: إن كان ما يقول محمد حقًّا فنحن شرٌّ من الحُمُر، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقرره عليه، فحلف أنه ما قاله.
[ ٢ / ٥١٠ ]
﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ يعني: ما تقدَّم من قول الجُلَاس؛ لأن ذلك يقتضي التكذيب.
﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ لم يقل: «بعد إيمانهم»؛ لأنهم كانوا يقولون بألسنتهم: آمنا، ولم يدخل الإيمان في قلوبهم.
﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ همَّ الجُلَاس بقتل مَنْ بلَّغ تلك الكلمة عنه.
وقيل: همَّ بقتل النبي ﷺ.
وقيل: الآية نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول، وكلمةُ الكفر التي قالها قوله: سمِّنْ كلبك يأكلك، وهمُّه بما لم ينل: قوله: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨].
﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ﴾ أي: ما عابوا إلَّا الغنى الذي كان حقُّه أن يشكروا عليه، وذلك في الجُلَاس، أو في عبد الله بن أبيّ.
﴿فَإِنْ يَتُوبُوا﴾ فتح الله لهم باب التوبة، فتاب الجُلَاس وحسن حاله.
﴿وَمِنْهُم مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية؛ نزلت في ثعلبة بن حاطب، وذلك أنه قال: يا رسول الله ادع الله أن يكثر مالي، فقال له رسول الله ﷺ: «قليلٌ تؤدي شكره خيرٌ من كثير لا تطيقه»، فأعاد عليه حتى دعا له، فكثر ماله، فتشاغل به حتى ترك الصلوات، ثم امتنع من أداء الزكاة، فنزلت فيه الآية، فجاء بزكاته إلى النبي ﷺ، فأعرض عنه ولم يأخذها منه، وقال: «إن الله أمرني أن لا آخذ زكاتك»، ثم لم يأخذها منه أبو بكر ولا عمر ولا عثمان (^١).
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٥٧٨ - ٥٨٠).
[ ٢ / ٥١١ ]
﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ إشارةٌ إلى منعه الزكاة.
﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾ ذلك عقوبةٌ على العصيان بما هو أشدُّ منه.
﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ حكم بوفاته على النفاق.
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ نزلت في المنافقين؛ حين تصدق عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف فقالوا: ما هذا إلَّا رياء.
وأصل ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ المتطوعين، والمراد به هنا: مَنْ تصدق بكثير.
﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ هم الذين لا يقدرون إلَّا على القليل فيتصدقون به.
نزلت في أبي عقيل؛ تصدق بصاع من تمر، فقال المنافقون: إن الله غني عن صدقة هذا.
﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ أي: يستخفُّون بهم.
﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ تسميةٌ للعقوبة باسم الذنب (^١).
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله: قول ابن جزي ﵀: «تسمية للعقوبة باسم الذنب» أقول: معنى كلامه أن الله لا يسخر حقيقة بالمنافقين، بل هذا من تسمية العقوبة باسم الذنب الذي ارتكبوه، وهو سخريتهم بالمؤمنين المتصدقين، وهذا معنى قول بعضهم: هذا من قبيل المشاكلة، أي اللفظية، كما قالوا مثل ذلك في المكر والاستهزاء والخداع، والصواب: أن الله يمكر حقيقة بالماكرين من الكافرين والمنافقين، ويخدع المخادعين، ويستهزئ بالمستهزئين، ومن ذلك إملاؤه تعالى للكافرين واستدراجهم، وإظهاره سبحانه قبول ما أظهره المنافقون من الإيمان، فيحسبون أنهم خدعوا الله بما أظهروه من العمل، وهو تعالى محمود على ذلك؛ لأنه عدلٌ. =
[ ٢ / ٥١٢ ]
﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون لفظُ أمرٍ، ومعناه الشرط، بمعنى: إن استغفرت لهم أو لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم، كما جاء في سورة «المنافقين».
والآخر: أن يكون تخييرًا؛ كأنه قال: إن شئت فاستغفر، وإن شئت فلا تستغفر لهم، ثم أعْلَمَه الله أنه لا يغفر لهم، وهذا أرجح؛ لقول رسول الله ﷺ: «إن الله خيَّرني فاخترت»، وذلك حين قال عمر: أتصلي على عبد الله بن أبيٍّ وقد نهاك الله عن الصلاة عليه! (^١).
﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ ذكرها على وجه التمثيل للعدد الكثير.
_________________
(١) = ومن مكر الله واستهزائه بالمنافقين يوم القيامة أنهم يكونون مع المؤمنين، فيعطون أنوارا حتى يظنوا أنهم ناجون، وليسوا بناجين، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ الآيات، ومن مكر الله بالكافرين ما ذكره في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾. والله أعلم.
(٢) أخرجه البخاري (١٣٦٦)، ومسلم (٢٧٧٤).
[ ٢ / ٥١٣ ]
[﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣) وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥) وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧) لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾].
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ أي: الذين خلَّفهم الله عن الغزو وأقعدهم عنه، وفي هذا تحقيرٌ وذمٌّ لهم، ولذلك لم يقل: «المتخلفون».
﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ أي: بقعودهم.
﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ أي: بعده حين خرج إلى تبوك، فـ ﴿خِلَافَ﴾ على هذا ظرف.
وقيل: هو مصدر مِنْ خَالَفَ؛ فهو على هذا مفعول من أجله.
﴿وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ قال هذه المقالة رجل من بني سَلِمَة ممن صعب عليه السفر إلى تبوك في الحرِّ.
[ ٢ / ٥١٤ ]
﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ أمرٌ بمعنى الخبر، فَضَحِكُهُم القليل: في الدنيا مدة بقائهم فيها، وبكاؤهم الكثير: في الآخرة.
وقيل: هو بمعنى الأمر؛ أي: يجب أن يكونوا يضحكون قليلًا ويبكون كثيرًا في الدنيا؛ لما وقعوا فيه.
﴿إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ إنما لم يقل: «إليهم»؛ لأن منهم من تاب من النفاق وندم على التخلُّف.
﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ عقوبةٌ لهم فيها خزي وتوبيخ. ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني: في غزوة تبوك.
﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ أي: مع القاعدين؛ وهم النساء والصبيان.
﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَدًا﴾ نزلت في شأن عبد الله بن أبي بن سلول وصلاةِ رسول الله ﷺ عليه حين مات.
فروي أنه صلى عليه فنزلت الآية بعد ذلك.
وروي أن رسول الله ﷺ لما تقدَّم ليصلي عليه جاءه جبريل فجبذ بثوبه، وتلا عليه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَدًا﴾ الآية، فانصرف ﷺ ولم يصل عليه.
﴿وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾ قيل: يعني براءة، والأرجح أنه على الإطلاق.
﴿أَنْ آمِنُوا﴾ «أنْ» هنا مفسِّرة.
﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ أي: أُولوا الغنى والمال الكثير.
[ ٢ / ٥١٥ ]
﴿لَكِنِ الرَّسُولُ﴾ الآيَةَ؛ أي: إن تخلَّف هؤلاء فقد جاهد الرسول ومن معه.
﴿الْخَيْرَاتُ﴾ تعمُّ منافع الدارين.
وقيل: هي الحور العين؛ لقوله: ﴿خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠].
[ ٢ / ٥١٦ ]
[﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦) الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾].
﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ هم: المعتذرون؛ ثم أدغمت التاء في الذال، ونقلت حركتها إلى العين، واختلف هل كانوا في اعتذارهم صادقين أو كاذبين؟.
وقيل: هم المقصرون؛ من عذَّر في الأمر: إذا قصّر فيه ولم يجد؛ فوزنه على هذا: المفعلون.
[ ٢ / ٥١٧ ]
وروي أنها نزلت في قوم من غِفَار.
﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ هم قوم لم يجاهدوا ولم يعتذروا عن تخلفهم؛ فكذبوا في دعواهم الإيمان.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ أي: من المعذّرين.
﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ هذا رفعٌ للحرج عن أهل الأعذار الصحيحة من ضعف البدن والفقر إذا تركوا الغزو.
وقيل: إن الضعفاء هنا هم النساء والصبيان، وهذا بعيد.
﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ﴾ قيل: نزلت في بني مُقَرِّنٍ، وهم ستة إخوة صحبوا النبي ﷺ.
وقيل: في عبد الله بن مغفل المزني.
﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ﴾ يعني: بنِيَّاتهم وأقوالهم، وإن لم يخرجوا للغزو.
﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ وصفهم بالمحسنين؛ لأنهم (^١) نصحوا لله ورسوله، ورفع عنهم العقوبة والتعنيف واللوم.
﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ قيل: هم بنو مقرّن.
وقيل: ابن مغفل.
وقيل: سبعة نفر من بطون شتى؛ وهم البكّاؤون.
ومعنى ﴿لِتَحْمِلَهُمْ﴾: على الإبل.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «أنهم».
[ ٢ / ٥١٨ ]
وجواب ﴿إِذَا﴾ يحتمل أن يكون: ﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ﴾ أو ﴿تَوَلَّوا﴾.
﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ يعني: من غزوة تبوك.
﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ لن نصدِّقكم.
﴿مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ نعتٌ لمحذوف هو المفعول الثاني؛ تقديره: قد نبأنا الله جملةً من أخباركم.
﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ هم أهل البوادي من العرب.
﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ يعني: أنهم أحقُّ أن لا يعلموا الشرائع؛ لبعدهم عن الحاضرة ومجالس العلم.
﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ أي: تثقل عليه الزكاة والنفقة في
سبيل الله ثِقَلَ المغرم الذي ليس بحق عليه.
﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ أي: ينتظر بكم مصائب الدنيا.
﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ خبرٌ، أو دعاءٌ.
﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ أي: دعواته لهم.
وهو عطفٌ على ﴿قُرُبَاتٍ﴾؛ أي: يقصدون بنفقاتهم التقرب إلى الله (^١) واغتنام دعاء الرسول لهم.
وقيل: نزلت في بني مقرِّن.
_________________
(١) في أ، ج، هـ: «إليه».
[ ٢ / ٥١٩ ]
[﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)﴾].
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ قيل: هم من صلَّى للقبلتين.
وقيل: من شهد بدرًا.
وقيل: من حضر بيعة الرضوان.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم﴾ سائر الصحابة، ويدخل في ذلك التابعون ومن بعدهم إلى يوم القيامة؛ بشرط الإحسان.
﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ أي: اجترؤوا عليه، وقيل: أقاموا عليه.
﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ العذاب العظيم: هو عذاب النار.
وأمّا المرَّتان قبله:
فالثانية منهما: عذاب القبر.
والأولى: عذابهم بإقامة الحدود عليهم.
وقيل: فضيحتهم في النفاق.
﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِم﴾ الآية؛ قيل: إنها نزلت في أبي لبابة، فعمله الصالح: الجهاد، وعمله السيئ: نصيحته لبني قريظة.
وقيل: هي فيمن تخلَّف عن تبوك من المؤمنين، فعملهم الصالح: ما سبق لهم، وعملهم السيئ: تخلفهم عن تبوك، وروي أنهم ربطوا أنفسهم إلى سواري المسجد، وقالوا: لا نَحُلُّ أنفسنا حتى يحلَّنا رسول الله ﷺ.
وقيل: هي عامة في الأمة إلى يوم القيامة.
قال بعضهم: ما في القرآن آية أرجى لهذه الأمة من هذه.
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ قيل: نزلت في المتخلفين الذين ربطوا أنفسهم؛ لما تاب الله عليهم قالوا: يا رسول الله إنا نريد أن نتصدق بأموالنا، فنزلت هذه الآية، وأخذ ثلث أموالهم.
[ ٢ / ٥٢١ ]
وقيل: هي الزكاة المفروضة؛ فالضمير على العموم لجميع المسلمين.
﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ خطاب للنبي ﷺ، في موضع صفة لـ ﴿صَدَقَةً﴾.
أو حال من الضمير في ﴿خُذْ﴾.
﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ادْعُ لهم.
﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ أي: تَسْكُن به نفوسهم؛ فهو عبارةٌ:
عن صحة الاعتقاد.
أو عن طُمأنينة نفوسهم إذ علموا أن الله تاب عليهم.
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ الضمير في ﴿يَعْلَمُوا﴾: للتائبين من التخلف.
وقيل: للذين تخلفوا ولم يتوبوا.
وقيل: عام.
وفائدة الضمير المؤكد: تخصيص الله تعالى بقبول التوبة دون غيره.
﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ قيل: معناه: يأمر بها.
وقيل: يقبلها من عباده.
﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ قيل: هم الثلاثة الذين خُلِّفوا قبل أن يتوب الله عليهم.
وقيل: هم الذين بنَوْا مسجد الضِّرار.
وقرئ ﴿مُرْجَوْنَ﴾ بالهمز وتركه، وهما لغتان، ومعناه: التأخير.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ قرئ ﴿الَّذِينَ﴾ بغير واو؛ صفة لقوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾، أو على تقدير: هم الذين، وهذه القراءة جارية على قول من قال في الـ ﴿مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾: هم أهل مسجد الضرار.
وقرئ ﴿وَالَّذِينَ﴾ بالواو؛ عطفًا على ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾، وهذه القراءة جارية على قول من قال في المرجين: إنهم الثلاثة الذين خلفوا.
﴿ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ كان بنو عمرو بن عوف من الأنصار قد بنوا مسجد قباء، وكان رسول الله ﷺ يأتيه ويصلي فيه، فحسدهم على ذلك قومهم بنو غَنْم بن عوف وبنو سالم بن عوف؛ فبنوا مسجدًا آخر مجاورًا له؛ ليقطعوا الناس عن الصلاة في مسجد قباء، وذلك هو الضرار الذي قصدوا، وسألوا من رسول الله ﷺ أن يأتيه، ويصلي لهم فيه، فنزلت عليه هذه الآية.
﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أرادوا أن يتفرَّق المؤمنون عن مسجد قباء.
﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: انتظارًا لمن حارب الله ورسوله، وهو أبو عامر الراهب الذي سمَّاه رسول الله ﷺ: الفاسق، وكان من أهل المدينة، فلما قدمها رسول الله ﷺ جاهر بالكفر والنفاق، ثم خرج إلى مكة فحزَّب الأحزاب من المشركين، فلما فتحت مكة خرج إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف خرج إلى الشام، ليستنصر بقيصر فهلك هناك.
وكان أهل مسجد الضرار يقولون: إذا قدم أبو عامر المدينة يصلي في هذا المسجد.
والإشارةُ بقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ إلى ما فعل مع الأحزاب.
[ ٢ / ٥٢٣ ]
﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ أي: الخَصْلة الحسنى؛ وهي الصلاة وذكر الله، فأكَذَبَهم الله في ذلك.
﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ نهي عن إتيانه والصلاة فيه، فكان رسول الله ﷺ لا يمرُّ بطريقه.
﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ قيل: هو مسجد قباء.
وقيل: مسجد النبي ﷺ بالمدينة، وقد رُوي ذلك عن رسول الله ﷺ (^١).
﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ كانوا يستنجون بالماء، ونزلت في الأنصار على قول من قال: إن المسجد الذي أُسِّس على التقوى هو مسجد المدينة.
ونزلت في بني عمرو بن عوف خاصةً على قول من قال: إنه مسجد قباء.
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ الآية؛ استفهام بمعنى التقرير.
والذي أُسِّس على التقوى والرضوان: مسجد المدينة أو مسجد قباء، والذي أُسِّس على شفا جرف هارٍ: هو مسجد الضرار.
وتأسيس البناء على التقوى والرضوان: هو بحسن النية فيه، وقصد وجه الله، وإظهار شرعه.
والتأسيس على شفا جرف هار: هو بفساد النية، وقصد الرياء، والتفريق بين المؤمنين؛ فذلك على وجه الاستعارة والتشبيه البديع.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٦٨٣).
[ ٢ / ٥٢٤ ]
ومعنى ﴿شَفَا جُرُفٍ﴾: طَرَفِه.
ومعنى ﴿هَارٍ﴾: ساقط، أو واهٍ؛ بحيث أشْفى على السقوط، وأصل «هارٍ»: هائرٌ؛ فهو من المقلوب؛ لأن لامه جعلت في موضع العين. ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ أي: طاح في جهنم، وهذا ترشيحٌ للمجاز؛ فإنه لما شُبِّه بالجرف وُصِف بالانهيار؛ الذي هو من شأن الجرف.
وقيل: إن ذلك حقيقة، وأنه سقط في نار جهنم وخرج الدخان من موضعه.
والصحيح أن رسول الله ﷺ أمر بهدمه فهُدِم.
﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: لا يزال في قلوب أهل مسجد الضرار ريبةٌ من بنيانه؛ أي: شكٌّ في الإسلام بسبب بنيانه؛ لاعتقادهم صواب فعلهم.
أو غيظ بسبب هدمه.
﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: إلَّا أن يموتوا.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
[﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١١٦) لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾].
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ قيل: إنها نزلت في بيعة العقبة.
وحكمها عام في كل مؤمن مجاهد في سبيل الله إلى يوم القيامة.
قال بعضهم: ما أكرم الله!؛ فإن أنفسنا هو خلقها، وأموالنا هو رزقها، ثم وهبها لنا، ثم اشتراها منا بهذا الثمن الغالي، فإنها لصفقة رابحة!.
[ ٢ / ٥٢٦ ]
﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جملةٌ في موضع الحال؛ بيانًا للشراء.
﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ﴾ قال بعضهم: ناهيك من بيع البائع فيه ربُّ العُلى، والثمن جنة المأوى، والواسطة محمد المصطفى ﷺ.
﴿التَّائِبُونَ﴾ وما بعده: أوصاف المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم؛ تقديره: هم التائبون.
﴿السَّائِحُونَ﴾ قيل: معناه الصائمون.
ويقال: ساح في الأرض: أي: ذهب.
﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ نزلت في شأن أبي طالب؛ فإنه لما امتنع أن يقول: «لا إله إلا الله» عند موته؛ قال له رسول الله ﷺ: «والله لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك»، فكان يستغفر حتى نزلت هذه الآية (^١).
وقيل: إن النبي ﷺ استأذن ربه أن يستغفر لأمِّه؛ فنزلت الآية.
وقيل: إن المسلمين أرادوا أن يستغفروا لآبائهم المشركين؛ فنزلت.
﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾ المعنى: لا حجة لكم أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم لأبيه؛ فإن ذلك لم يكن إلَّا لوعد (^٢) تقدَّم، وهو قوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي﴾ [مريم: ٤٧].
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤).
(٢) في أ، ب، هـ: «وعد».
[ ٢ / ٥٢٧ ]
﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ قيل: تبين له ذلك بموت أبيه على الكفر.
وقيل: بأنه نُهي عن الاستغفار.
﴿لَأَوَّاهٌ﴾ قيل: كثير الدعاء، وقيل: مُوقنٌ، وقيل: فقيه، وقيل: كثير الذكر لله، وقيل: كثير التأوُّه من خوف الله.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ الآية؛ نزلت في قوم من المسلمين؛ استغفروا للمشركين من غير إذن، فخافوا على أنفسهم من ذلك، فنزلت الآية؛ تأنيسًا لهم؛ أي: ما كان الله ليؤاخذكم بذلك قبل أن يبين لكم المنع من ذلك.
﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ يعني: حين محاولة غزوة تبوك.
والساعة هنا: بمعنى الحين والوقت، وإن كان مدةً.
و﴿الْعُسْرَةِ﴾: الشدة وضيق الحال.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ يعني: تزيغ:
عن الثبات على الإيمان.
أو عن الخروج في تلك الغزوة؛ لِمَا رأوا من الضيق والمشقة.
وفي ﴿كَادَ﴾:
ضمير الأمر والشأن.
أو ترتفع بها القلوب.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: على هذا الفريق؛ أي: رجع بهم عما كادوا يقعون فيه.
﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومُرارة ابن الربيع، تخلَّفوا عن غزوة تبوك من غير عذر ومن غير نفاق ولا قصدٍ للمخالفة، فلما رجع رسول الله ﷺ عتب عليهم، وأمر أن لا يكلمهم أحد، وأمرهم أن يعتزلوا نساءهم، فبقوا على ذلك مدَّةً إلى أن أنزل الله توبتهم، وقد وقع حديثهم في البخاري ومسلم (^١) والسِّير.
ومعنى ﴿خُلِّفُوا﴾ هنا: عن الغزوة.
وقال كعب بن مالك: معناه: خُلفوا عن قبول العذر، وليس بالتخلُّف عن الغزو، ويقوِّي ذلك: كونه جَعَل ﴿إِذَا ضَاقَتْ﴾ غايةً للتخلف.
﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ﴾ عبارةٌ عما أصابهم من الغم والخوف من الله.
﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ أي: رجع بهم ليستقيموا على التوبة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩).
[ ٢ / ٥٢٩ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١) وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾].
﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ يحتمل أن يريد: صدق اللسان؛ إذ كان هؤلاء الثلاثةُ قد صدقوا ولم يعتذروا بالكذب، فنفعهم الله بذلك.
ويحتمل أن يريد: أعمَّ من صدق اللسان، وهو الصدق في الأقوال والأفعال والمقاصد والعزائم.
والمراد بـ ﴿الصَّادِقِينَ﴾: المهاجرون؛ لقول الله في «الحشر»: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]، وقد احتجَّ بها أبو بكر الصِّدِّيقُ على الأنصار يوم السقيفة، فقال: نحن الصادقون، وقد أمركم الله أن تكونوا معنا؛ أي: تابعين لنا (^١).
﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ الآية؛ عتابٌ لمن تخلف عن غزوة تبوك من أهل يثرب ومن جاورها من قبائل العرب.
_________________
(١) أخرجه الواقدي في كتاب الردة (ص: ٣٦).
[ ٢ / ٥٣٠ ]
﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: لا يمتنعوا من اقتحام المشقات التي تحملها هو ﷺ.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ﴾ تعليل لما يجب من عدم التخلف.
﴿ظَمَأٌ﴾ أي: عطش.
﴿وَلَا نَصَبٌ﴾ أي: تعب.
﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾ أي: جوع.
﴿وَلَا يَطَئُونَ﴾ بأرجلهم أو بدوابهم.
﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ عموم في كل ما يصيب الكفار.
﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ ابن عباس: هذه الآية في البعوث إلى الغزو والسرايا؛ أي: لا ينبغي خروج جميع المؤمنين في السرايا، وإنما يجب ذلك إذا خرج رسول الله ﷺ بنفسه، ولذلك عاتبهم في الآية المتقدمة على التخلف عنه، فالآية الأولى: في الخروج معه ﷺ، وهذه: في السرايا التي كان يبعثها.
وقيل: هي ناسخة لكل ما ورد من الأمر بخروج الجميع؛ فهو دليل على أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين.
وقيل: هي في طلب العلم؛ ومعناها: أنه لا تجب الرحلة في طلب العلم على الجميع، بل على البعض؛ لأنه فرض كفاية.
﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ تحضيض على نفير بعض المؤمنين للجهاد، أو لطلب العلم.
[ ٢ / ٥٣١ ]
﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ إن قلنا: إن الآية في الخروج إلى طلب العلم؛ فالضمير في ﴿يَتَفَقَّهُوا﴾ للفرقة التي (تنفر -أي: ترحل-، وكذلك الضمير في ﴿يُنذِرُوا﴾ وفي ﴿رَجَعُوا﴾؛ أي: يُعلِّمون قومهم إذا رجعوا إليهم من الرِّحلة.
وإن قلنا: إن الآية في السرايا؛ فالضمير في ﴿يَتَفَقَّهُوا﴾ للفرقة التي) (^١) تقعد في المدينة ولا تخرج مع السرايا، وكذلك الضمير في ﴿يُنذِرُوا﴾، وأما الضمير في ﴿رَجَعُوا﴾ فهو للفرقة التي خرجت مع السرايا.
وقيل: إن التفقُّه يكون في حين خروجهم مع السَّرايا؛ فعلى هذا تكون الضمائر كلها للفرقة التي خرجت مع السرايا.
﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ الضمير للقوم.
_________________
(١) سقط من أ، ب، ج، هـ.
[ ٢ / ٥٣٢ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧) لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾].
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ أمر بقتال الأقرب فالأقرب على تدريج.
وقيل: إنها إشارة إلى قتال الروم بالشام؛ لأنهم كانوا أقرب الكفار إلى أرض العرب، وكانت أرض العرب قد عمها الإسلام، وكانت العراق حينئذ بعيدةً.
﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ أي: من المنافقين من يقول لبعضهم لبعض: أيكم زادته هذه إيمانًا؟ على وجه الاستخفاف بالقرآن؛ كأنهم يقولون: أيُّ عجبٍ في هذا؟ وأي دليل في هذا؟.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وذلك لما يتجدَّد عندهم من البراهين والأدلة عند نزول كل سورة.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ المرض: عبارة عن الشك والنفاق.
ومعنى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ زادتهم كفرًا ونفاقًا إلى كفرهم ونفاقهم.
﴿يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ﴾ قيل: ﴿يُفْتَنُونَ﴾ أي: يختبرون بالأمراض والجوع.
وقيل: بالأمر بالجهاد.
واختار ابن عطية أن يكون المعنى: يفضحون بما يُكشف من سرائرهم (^١).
﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أي: تغامزوا، وأشار بعضهم إلى بعض؛ على وجه الاستخفاف بالقرآن، ثم قال بعضهم لبعض: ﴿هَلْ يَرَاكُم مِنْ أَحَدٍ﴾ فيَنقل عنكم هذا الاستخفاف؟، فقولهم: ﴿هَلْ يَرَاكُم مِنْ أَحَدٍ﴾ كان بسبب خوفهم أن يُنقل عنهم ذلك.
وقيل: معنى ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: على وجه التعجب مما ينزل في القرآن؛ من كشف أسرارهم، ثم قال بعضهم لبعض: ﴿هَلْ يَرَاكُم مِنْ أَحَدٍ﴾؛ أي: هل رأى أحدٌ أحوالكم فنقلها عنكم؟ أو عُلمت من غير نقل؟ فهذا أيضًا على وجه التعجُّب.
﴿ثُمَّ انصَرَفُوا﴾ يحتمل أن يريد:
الانصراف بالأبدان.
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (٤/ ٤٣٩).
[ ٢ / ٥٣٤ ]
أو الانصراف بالقلوب عن الهدى.
﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ دعاءٌ، أو خبرٌ.
﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ تعليلٌ لصرف قلوبهم.
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ يعني: النبي ﷺ، والخطاب: للعرب.
أو لقريش خاصة؛ أي: من قبيلتكم حيث تعرفون حسَبه وصدقه وأمانته.
أو لبني آدم كلهم؛ أي: من جنسكم.
وقرئ: «مِنْ أَنْفَسِكُمْ» بفتح الفاء؛ أي: من أشرفكم.
﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: يشقُّ عليه عنتُكم، والعنَت: هو ما يضرهم في دينهم أو دنياهم.
و﴿عَزِيزٌ﴾ صفة للرسول، و﴿مَا عَنِتُّمْ﴾ فاعلٌ بـ ﴿عَزِيزٌ﴾، و«ما» مصدرية.
أو ﴿مَا عَنِتُّمْ﴾ مصدر، و﴿عَزِيزٌ﴾ خبر مقدَّم، والجملة في موضع الصفة.
﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾ أي: حريص على إيمانكم وسعادتكم.
﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ سماه الله هنا باسمين من أسمائه.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ أي: إن أعرضوا عن الإيمان بك فاستعن بالله وتوكل عليه.
وقيل: إن هاتين الآيتين نزلتا بمكة.
[ ٢ / ٥٣٥ ]