[﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤) يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾].
﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ أي: وسائط بين الله وبين الأنبياء، ومتصرّفين في أمر الله.
﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ صفاتٌ لـ ﴿أَجْنِحَةٍ﴾، ولم ينصرف للعَدْل والوصف.
والمعنى: أن الملائكة منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة أجنحة، ومنهم من له أربعة.
﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ قيل: يعني: حُسن الصوت.
وقيل: حسن الوجه.
[ ٣ / ٦٠١ ]
وقيل: حسن الخطّ.
والأظهر:
أنه يرجع إلى أجنحة الملائكة.
أو يكون على الإطلاق في كل زيادة في المخلوقين.
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ الفتح: عبارةٌ عن العطاء (^١)، والإمساك: عبارةٌ عن المنع.
والإرسال: الإطلاق بعد المنع.
والرحمة: كل ما يَمُنُّ الله به على عباده من خير الدنيا والآخرة.
فمعنى الآية: لا مانع لما أعطى الله، ولا مُعطي لما منع الله.
فإن قيل: لم أنَّثَ الضمير في قوله: ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ وذكَّره في قوله: ﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ وكلاهما يعود على ﴿مَا﴾ الشرطية؟
فالجواب: أنه لما فسر الأوَّل بقوله: ﴿مِنْ رَحْمَةٍ﴾ أنَّثه؛ لتأنيث الرحمة، وترك الآخر على الأصل من التذكير.
﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد إمساكه.
﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ رفعُ ﴿غَيْرُ﴾: على الصفة لـ ﴿خَالِقٍ﴾ على الموضع.
وخفْضه: صفةٌ على اللفظ.
_________________
(١) في د: «الإعطاء».
[ ٣ / ٦٠٢ ]
ورزق السماء: المطر، ورزق الأرض: النبات.
والمعنى: تذكيرٌ بنعم الله، وإقامةُ حجةٍ على المشركين، ولذلك أعقبه بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ الآية؛ تسليةٌ للنبي ﷺ على تكذيب قومه له، كأنه يقول: إن يكذِّبوك (^١) فلا تحزن لذلك؛ فإن الله سينصرك عليهم، كما كُذِّبت رسل من قبلك فنصرهم الله.
﴿الْغَرُورُ﴾: الشيطان.
وقيل: التَّسويف.
* * *
_________________
(١) في أ، هـ: «كذبوك».
[ ٣ / ٦٠٣ ]
[﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨) وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١) وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾].
﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ توقيف، وجوابه محذوف، تقديره: «أفمن زُيّن له سوء عمله كمن لم يُزيّن له؟»، ثم بنى على ذلك ما بعده.
فالذي زُيّن له سوء عمله: هو الذي أضلَّه الله، والذي لم يُزيّن له سوء عمله: هو الذي هداه الله.
﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ تسليةٌ للنبي ﷺ عن حُزْنه لعدم إيمانهم؛ لأن ذلك بيد الله.
﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ أي الحشر، والمعنى: كما يحيي الله الأرض بالنبات
[ ٣ / ٦٠٤ ]
كذلك يحيي الموتى.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ الآية؛ تحتمل ثلاثة معان:
أحدها - وهو الأظهر -: من كان يريد نيل العزة فليطلبها من عند الله؛ فإن العزة كلها لله.
والثاني: من كان يريد العزة بمغالبة الإسلام فلله العزة جميعًا، فالمغالب له مغلوب.
والثالث: من كان يريد أن يعلم لمن العزة فليعلم أن العزة لله جميعًا. ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ قيل: يعني: لا إله إلا الله.
واللفظ يعمُّ ذلك وغيره من الذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن، وتعليم العلم، فالعموم أولى.
﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ضمير الفاعل في ﴿يَرْفَعُهُ﴾ لله، وضمير المفعول: للعمل الصالح، فالمعنى: أن الله يرفع العمل الصالح؛ أي: يتقبَّلُه ويثيب عليه.
والثاني: أن ضمير الفاعل: للكلم الطيب، وضمير المفعول: للعمل الصالح، والمعنى على هذا: أنه لا يُقبل عملٌ صالح إلَّا ممن له كلمٌ طيب.
وهذا يصح إن قلنا: إن الكلم الطيب: «لا إله إلا الله»؛ لأنه لا يُقبل العمل إلَّا من موحِّدٍ.
والثالث: أن ضمير الفاعل: للعمل الصالح، وضمير المفعول: للكلم الطيب، والمعنى على هذا: أن العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب،
[ ٣ / ٦٠٥ ]
فلا يقبل الكلم إلا ممن له عمل صالح.
روي هذا المعنى عن ابن عباس، واستبعده ابن عطية (^١)، وقال: لم يصح عنه؛ لأن اعتقاد أهل السنة أن الله يتقبل من كل مسلم، قال: وقد يستقيم بأن يتأول: أن الله يزيد في رفعه وحسن موقعه.
﴿يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ لا يتعدى «مكر»؛ فتأويله:
«يمكرون المكرات السيئات»، فتكون ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ مصدرا.
أو تضمن (^٢) ﴿يَمْكُرُونَ﴾ معنى: يكتسبون، فتكون ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ مفعولا.
والإشارة هنا: إلى مكر قريش برسول الله ﷺ حين اجتمعوا في دار الندوة، وأرادوا أن يقتلوه أو يحبسوه أو يخرجوه.
﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ البوار: الهلاك أو (^٣) الكساد، ومعناه هنا: أن مكرهم يبطل ولا ينفعهم.
﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أي: أصنافا.
وقيل: ذكرانا وإناثا، وهذا أظهر.
﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ التعمير: طول العمر، والنقص: قصره، والكتاب: اللوح المحفوظ.
_________________
(١) المحرر الوجيز (٧/ ٢٠٦).
(٢) في أ، هـ: «يضمن».
(٣) في د: «و».
[ ٣ / ٦٠٦ ]
فإن قيل: إن التعمير والنقص لا يجتمعان لشخص واحد، فكيف أعاد الضمير في قوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ على الشخص المعمَّر؟
فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول - وهو الصحيح -: أن المعنى: ما يعمَّر من أحد ولا ينقص من عمره إلَّا في كتاب، فوضع ﴿مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ في موضع: «من أحد»، وليس المراد شخصًا واحدًا، وإنما ذلك كقولك: «لا يعاقب الله عبدًا ولا يثيبه إلَّا بحقٍّ».
والثاني: أن المعنى: لا يُزاد في عمر إنسانٍ ولا يُنقص من عمره إلَّا في كتاب، وذلك أن يكتب في اللوح المحفوظ أن فلانًا إن تصدَّق فعمره ستون سنة وإن لم يتصدق فعمره أربعون، وهذا ظاهر قول رسول الله ﷺ: «صلة الرحم تزيد في العمر» (^١)، إلَّا أن ذلك مذهب المعتزلة القائلين بالأجلين، وليس مذهب الأشعرية، وقد قال كعبٌ حين طُعن عمر: «لو دعا الله لزاد في أجله»، فأنكر الناس ذلك عليه، فاحتجَّ بهذه الآية (^٢).
والثالث: أن التعمير هو: كَتْبُ ما يُستقبل من العمر، والنقص هو: كَتْبُ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٩٨٦)، ومسلم (٢٥٥٧) بلفظ: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه».
(٢) قال الزيلعي في «تخريج أحاديث الكشاف» (٣/ ١٥١): «رواه إسحاق بن راهويه في مسنده: أخبرنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري عن سعيد بن المسيب، قال: قال كعب ..»، ورواه أيضًا عن عبد الرزاق معمر بن راشد كما في جامعه الملحق بالمصنف (١١/ ٢٢٤)، ورواه أيضًا الفريابي في كتاب القدر (ص: ٢٨١) عن عباس العنبري عن عبد الرزاق.
[ ٣ / ٦٠٧ ]
ما مضى منه في اللوح المحفوظ، وذلك في حق كل شخص (^١).
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ قد فسرنا البحرين والفرات والأجاج في «الفرقان» (^٢)، و﴿سَائِغٌ﴾ في «النحل» (^٣).
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قول المصنف ﵀ في الوجه الثاني من وجوه مرجع الضمير في قوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ أن المراد من يعمر بسبب كالصدقة، أو يُنقص من عمره لعدم ذلك، فمن تصدق أو وصل رحمه زيد في عمره، بخلاف من ليس كذلك، واعترض ﵀ على هذا الوجه بأنه يوافق قول المعتزلة القائلين بالأجلين، وأنه خلاف قول الأشاعرة، ولا شك أن قول المعتزلة بأن للإنسان أجلين مكتوبين؛ أحدهما معلق على سبب، وهذا السبب غير معلوم لله، وغير مكتوب، ولا ريب أن هذا القول باطل، وأهل السنة يقولون بما دلت عليه السنة؛ بأن طول العمر قد يكون بسبب من قبل العبد؛ كالبر والصلة، فمن عمر بهذا السبب، فالسبب والمسبب قد سبق بهما علم الله وكتابه؛ بمعنى أن الله قد علم وكتب أن هذا يطول عمره بذلك السبب، ويعلم سبحانه أنه لو لم يكن منه ذلك السبب لكان عمره دون ذلك، فهما أجلان؛ أجل معلوم مكتوب فلا يقع سواه، وأجل معلوم أنه لا يقع، فهو غير مكتوب، فعلم الله شامل لما كان وما يكون، وما لا يكون لو كان كيف يكون. وبذلك يعلم أنه لا تغير في علم الله ولا في كتابه، ويمتنع أن يحدث ما يوجب ذلك؛ أي: التغيير في علم الله وكتابه. وأما المعتزلة فقولهم بالأجلين معناه - على ما ذكره أبو منصور الماتريدي في تفسيره (١/ ٤٩١) - أن الله تعالى يجعل لكل أحد أجلين، فإذا وصل رحمه أماته في أبعد الأجلين، وإذا لم يصل جعل أجله الأول، قال أبو منصور متعقبا: «فهذا أمر من يجهل العواقب، فأما من كان عالما بالعواقب فلا؛ لأنه بدوٌّ ورجوع عما تقدم من الأمر» اهـ. ومن فروع قول المعتزلة: إن أفعال العباد غير مخلوقة لهم ولا مقدرة، من فروع ذلك: أن المقتول مقطوع عليه أجله، وأهل السنة يقولون: إن المقتول ميت بأجله.
(٢) انظر صفحة ٣٤٤.
(٣) انظر (٢/ ٧٦٠).
[ ٣ / ٦٠٨ ]
والقصد بالآية: التنبيه على قدرة الله ووحدانيته وإنعامه على عباده.
وقال الزمخشري: المعنى: أن الله ضرب البحرين الملح والعذب مَثَلين للمؤمن والكافر (^١)، وهذا بعيد.
﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾ يعني: الحوت.
﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ يعني: الجوهر والمرجان.
فإن قيل: إن الحلية لا تخرج إلَّا من البحر المِلْح دون العذب؛ فكيف قال: ﴿وَمِنْ كُلٍّ﴾ أي: من كل واحد منهما؟
فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أن ذلك تجوُّزٌ في العبارة، كما قال: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] والرسل إنما هي من الإنس.
الثاني: أن المرجان إنما يوجد في البحر الملح حيث تنصبُّ أنهار الماء العذب، أو ينزل المطر، فلما كانت الأنهار والمطر وهي البحر العذب تنصبُّ (^٢) في البحر الملح: كان الإخراج منهما جميعًا.
الثالث: زعم قومٌ أنه قد يخرج اللؤلؤ والمرجان من الملح والعذب، وهذا قول يبطله الحسُّ.
﴿مَوَاخِرَ﴾ ذُكر في «النحل» (^٣).
_________________
(١) الكشاف (١٢/ ٦٢٥).
(٢) في ج، د: «تصبُّ».
(٣) انظر (٢/ ٧٣٦).
[ ٣ / ٦٠٩ ]
﴿يُولِجُ﴾ ذُكر في «لقمان» (^١).
﴿قِطْمِيرٍ﴾ هو القشر الرَّقيق الأبيض الذي على نوى التمر، والمعنى: أن الأصنام لا يملكون أقلَّ الأشياء فكيف أكثرها؟.
﴿يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي: بإشراككم، فالمصدر مضاف للفاعل. وكُفْر الأصنام بالشرك يحتمل أن يكون:
بكلام يخلقه الله عندها.
أو بقرينة الحال.
﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أي: لا يخبرك بالأمر مُخبِرٌ مثل مخبرٍ عالمٍ به، يعني: نفسه تعالى في إخباره أن الأصنام يَكْفُرون يوم القيامة بِمَنْ عبدهم.
* * *
_________________
(١) انظر صفحة ٥١١.
[ ٣ / ٦١٠ ]
[﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾].
﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ خطاب لجميع الناس، وإنما عرَّف ﴿الْفُقَرَاءُ﴾ بالألف واللام؛ ليدلَّ على اختصاص الفقر بجنس الناس، وإن كان غيرهم فقراء، ولكن فقر (^١) الناس أعظم، ثم وصف نفسه بأنه الغني في مقابلة وصفهم بالفقر.
ووصفُه بأنه الحميد؛ ليدلَّ على جوده وكرمه الذي يوجب أن يَحمَدَه عباده.
﴿وَلَا تَزِرُ﴾ ذُكر في «سبحان» (^٢).
﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ الحمل: عبارةٌ عن الذنوب.
والمثقلة: الثقيلة الحِمْل؛ أي: النفس الكثيرة الذنوب.
_________________
(١) في ج، د: «فقراء».
(٢) انظر (٢/ ٧٩٨).
[ ٣ / ٦١١ ]
والمعنى: أنها لو دعت أحدا إلى أن يحمل عنها ذنوبها لم يحمل عنها.
وحذف مفعول ﴿وَإِنْ تَدْعُ﴾؛ لدلالة المعنى، وقصد العموم.
وهذه الآية بيان وتكميل لمعنى قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ المعنى: ولو كان المدعو ذا قربى ممن دعاه إلى حمل ذنوبه لم يحمل عنه شيئا؛ لأن كل أحد يقول: نفسي نفسي.
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ المعنى: أن الإنذار لا ينفع إلا الذين يخشون ربهم، وليس المعنى: اختصاصهم بالإنذار.
﴿بِالْغَيْبِ﴾ في موضع حال من الفاعل في ﴿يَخْشَوْنَ﴾؛ أي: يخشون ربهم، وهم غائبون عن عذابه، أو غائبون عن الناس، فخشيتهم حق لا رياء.
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩)﴾ تمثيل للكافر والمؤمن.
﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠)﴾ تمثيل للكفر والإيمان.
﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١)﴾ تمثيل للثواب والعقاب.
وقيل: ﴿الظِّلُّ﴾: الجنة، و﴿الْحَرُورُ﴾: النار.
(والحرور في اللغة: شدة الحر بالنهار والليل، والسموم: بالنهار خاصة) (^١).
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ تمثيل لمن آمن فهو كالحي، ومن لم يؤمن فهو كالميت.
_________________
(١) سقط من أ، ب، هـ.
[ ٣ / ٦١٢ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ عبارة عن هداية الله لمن يشاء.
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ عبارة عن عدم سمع الكفار للبراهين والمواعظ، فشبههم بالموتى في عدم إحساسهم.
وقيل: المعنى: أن أهل القبور - وهم الموتى حقيقة - لا يسمعون، فليس عليك أن تسمعهم، وإنما بعثت إلى الأحياء.
وقد استدلت عائشة بالآية على أن الموتى لا يسمعون، وأنكرت ما ورد من خطاب النبي ﷺ لقتلى بدر حين جعلوا في القليب.
ولكن يمكن الجمع بين قولها وبين الحديث: بأن الموتى في القبور إذا ردت إليهم أرواحهم سمعوا، وإن لم ترد إلى أجسادهم لم يسمعوا.
﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ معناه: أن الله قد بعث إلى كل أمة نبيا يقيم عليهم الحجة.
فإن قيل: كيف ذلك وقد كان بين الأنبياء فترات وأزمنة طويلة؟ ألا ترى أن بين عيسى ومحمدا صلى الله عليهما وسلم ست مئة سنة لم يبعث فيها نبي؟
فالجواب: أن دعوة عيسى ومن تقدمه من الأنبياء كانت قد بلغتهم فقامت عليهم الحجة.
فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [السجدة: ٣]؟
فالجواب: أنهم لم يأتهم نذير معاصر لهم، فلا يعارض ذلك من تقدم قبل عصرهم، وأيضا فإن المراد بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ أن نبوة
[ ٣ / ٦١٣ ]
محمد ﷺ ليست بِبِدْعٍ، فلا ينبغي أن تنكر؛ لأن الله أرسله كما أرسل مَنْ قبله، والمراد بقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أنهم محتاجون إلى الإنذار؛ لكونهم لم يتقدَّم مَنْ يُنذرهم، فاختلف سياق الكلام فلا تعارض بينهما.
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ الآية؛ تسليةٌ بالتأسي.
﴿نَكِيرِ﴾ ذكر في «سبأ» (^١).
* * *
_________________
(١) انظر صفحة ٥٩٥.
[ ٣ / ٦١٤ ]
[﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾].
﴿ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ يريد: الصفرة والحمرة وغير ذلك من الألوان.
وقيل: يريد الأنواع.
والأول أظهر؛ لذكره البيض والحمر والسُّود بعد ذلك.
وفي الوجهين دليلٌ على أن الله تعالى فاعل مختار، يخلق ما يشاء ويختار.
[ ٣ / ٦١٥ ]
وفيه ردٌّ على الطبائعيين؛ لأن الطبيعة لا يصدر عنها إلَّا نوع واحد.
﴿جُدَدٌ﴾ جمع جُدَّةٍ، وهي الخِطط والطرائق في الجبال.
﴿وَغَرَابِيبُ﴾ جمع غِرْبيب، وهو الشديد السواد.
وقدَّم الوصف الأبلغ، وكان حقه أن يتأخَّر؛ لقصد التأكيد، ولأن (^١) ذلك كثيرًا ما يأتي في كلام العرب.
﴿كَذَلِكَ﴾ يتعلَّق بما قبله فيتمُّ الوقف عليه، والمعنى: أن من الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه، مثل الجبال المختلف ألوانها، والثمرات المختلف ألوانها، وذلك كله استدلالٌ على قدرة الله وإرادته.
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ يعني: العلماء بالله وصفاته وشرائعه علمًا يوجب لهم الخشية من عذابه، وفي الحديث: «أعلمكم بالله أشدُّكم له خشيةً» (^٢)؛ لأن العبد إذا عرف الله خاف من عقابه، وإذا لم يعرفه لم يخف منه؛ فلذلك خصَّ العلماء بالخشية.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ أي: يقرؤون القرآن.
وقيل: معنى ﴿يَتْلُونَ﴾: يتبعون.
والأول أظهر.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «لأن» بدون واو.
(٢) قال الحافظ ابن حجر في «الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف» (ص: ١٣٩): لم أجده هكذا، وفى الصحيح: «أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية».
[ ٣ / ٦١٦ ]
والخبر:
﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً﴾.
أو محذوف.
﴿لَنْ تَبُورَ﴾ أي: لن تكسد، ويعني بالتجارة: طلب الثواب.
﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ توفية الأجور: هي ما يستحقه المطيع من الثواب، والزيادة: التضعيف فوق ذلك.
وقيل: الزيادة: النظر إلى وجه الله.
﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ذُكر في «البقرة» (^١).
﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ يعني: أمة محمد ﷺ، والتوريث: عبارةٌ عن أن الله أعطاهم الكتاب بعد غيرهم من الأمم.
﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ قال عمر وابن مسعود وابن عباس وكعب وعائشة وأكثر المفسرين: هذه الأصناف الثلاثة في أمة محمد ﷺ، فالظالم لنفسه: العاصي، والسابق: التقيُّ (^٢)، والمقتصد: بينهما.
وقال الحسن: السابق: من رجحت حسناته على سيئاته، والظالم لنفسه: من رجحت سيئاته (على حسناته) (^٣)، والمقتصد: من استوت حسناته
_________________
(١) انظر (١/ ٣٠٨).
(٢) في ج: «المتقي».
(٣) زيادة من د، وهامش ب.
[ ٣ / ٦١٧ ]
وسيِّئاته، وجميعهم يدخلون الجنة.
وروي أن رسول الله ﷺ قال: «سابقنا سابق، ومقتصدنا ناجٍ، وظالمنا مغفور له» (^١).
وقيل: الظالم: الكافر، والمقتصد: المؤمن العاصي، والسابق: التقي. فالضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ على هذا: يعود على العباد.
وأما على القول الأول: فيعود على ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾، وهو أرجح وأصح؛ لوروده في الحديث، وجلالة القائلين به.
فإن قيل: لم قدَّم الظالم ووسَّط المقتصد وأخَّر السابق؟
فالجواب: أنه قدَّم الظالم لنفسه رفقًا به؛ لئلا ييئس، وأخَّر السابق لئلا يُعجب بنفسه.
وقال الزمخشري: قدَّم الظالم لكثرة الظالمين، وأخَّر السابق لقلة السابقين (^٢).
﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ الإشارة إلى الاصطفاء.
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدلٌ من ﴿الْفَضْلُ﴾.
أو خبر مبتدإ تقديره: «ثوابهم (^٣) جنات عدن».
أو مبتدأ تقديره: «لهم جنات عدن».
_________________
(١) أخرجه البيهقي في كتاب البعث والنشور (ص: ٦٠).
(٢) الكشاف (١٢/ ٦٥٩).
(٣) في د: «مثواهم».
[ ٣ / ٦١٨ ]
﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ ضمير الفاعل يعود على الظالم، والمقتصد، والسابق، على القول بأن الآية في هذه الأمة.
وأما على القول بأن الظالم هو الكافر فيعود على المقتصد والسابق خاصةً.
وقال الزمخشري: إنه يعود على السابق خاصةً (^١)، وذلك على قول المعتزلة في الوعيد.
﴿أَسَاوِرَ﴾ ذُكر في «الحج» (^٢).
﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ قيل: هو عذاب النار.
وقيل: أهوال القيامة.
وقيل: الموت.
وقيل: هموم الدنيا.
والصواب: العموم في ذلك كلِّه.
﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ هي الجنة، و﴿الْمُقَامَةِ﴾: هي الإقامة في الموضع، وإنما سمِّيت الجنة دار المقامة؛ لأنَّهم يقيمون فيها، ولا يخرجون منها.
﴿نَصَبٌ﴾ النصب: تعب البدن، واللغوب: تعب النفس اللازم عن تعب البدن.
_________________
(١) الكشاف (١٢/ ٦٥٨).
(٢) بل ذُكر في «الكهف» (٣/ ٢٦).
[ ٣ / ٦١٩ ]
﴿يَصْطَرِخُونَ﴾ يَفتعلون من الصُّرَاخِ؛ أي: يستغيثون فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾.
وفي قولهم: ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ اعترافٌ (^١) بسوء عملهم وتندُّمٌ عليه.
﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم﴾ الآية؛ توبيخٌ لهم وحجةٌ عليهم.
وقيل إن مدة التَّذكير: ستون سنة.
وقيل: أربعون.
وقيل: البلوغ.
والأول أرجح؛ لقول رسول الله ﷺ: «من عَمَّرهُ اللهُ ستِّين فقد أعذر إليه في العمر» (^٢).
﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ يعني: النبي ﷺ.
وقيل: يعني: الشيب؛ لأنه نذيرٌ بالموت.
والأول أظهر (^٣).
* * *
_________________
(١) في أ، هـ: «اعترافهم».
(٢) أخرجه أحمد (٩٣٩٤)، والنسائي في الكبرى (١٠/ ٣٩٥)، وأخرجه البخاري (٦٤١٩) بلفظ: «أعذر الله إلى امرئ أخر أجله، حتى بلغه ستين سنة».
(٣) في ب: «أرجح وأظهر».
[ ٣ / ٦٢٠ ]
[﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾].
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بما تُضْمِره الصدور وتعتقده.
قال الزمخشري: «ذات» هنا: تأنيث «ذو» بمعنى صاحب؛ لأن المضمرات تصحب الصدور (^١).
﴿خَلَائِفَ﴾ ذكر في «الأنعام» (^٢).
_________________
(١) الكشاف (١٢/ ٦٦٥ - ٦٦٦).
(٢) انظر ٢/ ٣٢٧.
[ ٣ / ٦٢١ ]
﴿مَقْتًا﴾ المقت: احتقارك (^١) الإنسان وبغضه من أجل عيوبه أو ذنوبه.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ﴾ الآية؛ احتجاجٌ على المشركين وإبطالٌ لمذهبهم.
﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ﴾ أي: نصيبٌ.
﴿عَلَى بَيِّنَتٍ﴾ أي: على أمرٍ جليٍّ.
والضمير في ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ يحتمل أن يكون: للأصنام.
أو للمشركين، وهذا أظهر في المعنى.
والأول أليق بما قبله من الضمائر.
﴿أَنْ تَزُولَا﴾ في موضع مفعول من أجله، تقديره: كراهة أن تزولا.
أو مفعول به؛ لأن ﴿يُمْسِكُ﴾ بمعنى: يمنع.
﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ أي: لو فُرِضَ زوالهما لم يمسكهما أحدٌ.
وقيل: أراد: زوالهما يوم القيامة عند طيّ السماء وتبديل الأرض ونسف الجبال.
﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد ترك (^٢) الإمساك.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ الضمير لقريش، وذلك أنهم قالوا: لعن الله اليهود
_________________
(١) في ج، د: «احتقار».
(٢) في أ، ب، هـ: «تركه».
[ ٣ / ٦٢٢ ]
والنصارى؛ جاءتهم الرسل فكذبوهم، والله لئن جاءنا رسول لنكونن أهدى منهم.
﴿إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ يعني: اليهود والنصارى.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ يعني: محمدا ﷺ.
﴿اسْتِكْبَارًا﴾ بدل من ﴿نُفُورًا﴾.
أو مفعول من أجله.
﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ هذا من إضافة الصفة إلى الموصوف (^١)، كقولك: "مسجد الجامع"، و"جانب الغربي"، والأصل أن يقال: المكر السيئ.
﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ أي: لا يحيط وبال المكر السيئ إلا بمن مكره ودبره.
وقال كعب لابن عباس: إن في التوراة: "من حفر حفرة لأخيه وقع فيها"، فقال ابن عباس: أنا أجد هذا (^٢) في كتاب الله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: هل ينتظرون إلا عادة الأمم المتقدمة في أخذ الله لهم وإهلاكهم بتكذيب الرسل.
_________________
(١) كذا وردت العبارة في جميع النسخ الخطية، والعبارة فيها قلب ولعل صوابها: "من إضافة الموصوف إلى الصفة"، كذا قال مكي في "مشكل إعراب القرآن" (٢/ ٥٩٦)، فالموصوف - وهو ﴿مَكْرَ﴾ - أضيف إلى صفته - وهي ﴿السَّيِّئِ﴾، وليس العكس.
(٢) في أ، هـ: "أجدها".
[ ٣ / ٦٢٣ ]
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: لا يَفُوتُه شيءٌ، ولا يصعب عليه.
﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ الضمير للأرض، والدابة: عمومٌ في كل ما يَدِبُّ
وقيل: أراد بني آدم خاصة.
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يعني: يوم القيامة
وباقي الآية وعدٌ ووعيد.
* * *
[ ٣ / ٦٢٤ ]