[﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾].
﴿الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ ذُكر في «يونس» (^١).
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ هو الغناء، وفي الحديث أن الرسول ﷺ قال: «شراء المغنيات وبيعهنَّ حرام»، وقرأ هذه الآية (^٢).
وقيل: نزلت في قريشيٍّ اشترى جارية مغنية تغني بهجاء رسول الله ﷺ، فالشراء على هذا: على حقيقته.
_________________
(١) انظر (٢/ ٥٣٧).
(٢) أخرجه أحمد (٢٢١٦٩)، والترمذي (١٢٨٢)، وابن ماجه (٢١٦٨).
[ ٣ / ٥٠٣ ]
وقيل: نزلت في النضر بن الحارث، وكان قد تعلَّم أخبار فارس، فذلك هو لهو الحديث، وشراؤه لهو الحديث: استحبابه وقوله وسماعه، فالشراء على هذا: مجاز.
وقيل: ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾: الطَّبل.
وقيل: الشرك.
ومعنى اللفظ يعم ذلك كلَّه.
وظاهر الآية: أنه لهوٌ مضافٌ إلى كفر واستخفاف بالدين؛ لقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، وأن المراد شخصٌ معين؛ لوصفه بعد ذلك بجملة أوصاف.
﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ ذكر في «الرعد» (^١).
﴿أَنْ تَمِيدَ﴾ أي: لئلا تميد.
_________________
(١) انظر (٢/ ٦٦٧).
[ ٣ / ٥٠٤ ]
[﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾].
﴿لُقْمَانُ﴾ رجلٌ ينطق بالحكمة، واختلف هل هو نبيٌّ أم لا؟
وفي الحديث: «لم يكن لقمان نبيا، ولكن عبدًا حسَن اليقين، أحبَّ الله فأحبه، فمنَّ عليه بالحكمة» (^١).
وروي أنه كان ابن أخت أيوب أو ابن خالته.
وروي أنه كان قاضي (^٢) بني إسرائيل.
_________________
(١) لم أقف على إسناده، وذكره الثعلبي (٤/ ٣١٩) وابن عطية (٧/ ٤٤) في تفسيرهما، وقالا: «وقال ابن عمر ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لم يكن لقمان نبيا .. إلخ».
(٢) في ب: «قاضيًا في».
[ ٣ / ٥٠٥ ]
واختُلِف في صناعته:
فقيل: نجارٌ.
وقيل: خياطٌ.
وقيل: راعي غنم.
وكان ابنه كافرًا فما زال يوصيه حتى أسلم.
وروي أن اسم ابنه ثاران.
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ﴾ هذه الآية والتي بعدها اعتراضٌ في أثناء وصية لقمان لابنه؛ على وجه التأكيد لما في وصية لقمان من النهي عن الشرك بالله.
ونزلت الآية في سعد بن أبي وقاص وأمّه؛ حسبما ذكرنا في «العنكبوت» (^١).
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ أي: ضعفًا على ضعف؛ لأن الحمل كلَّما عظم ازدادت الحامل به ضعفًا.
وانتصاب ﴿وَهْنًا﴾ بفعل مضمر تقديره: تَهِنُ وَهْنًا.
﴿وَفِصَالُهُ﴾ أي فِطامه، وأشار بذلك إلى غاية مدة الرَّضاع.
﴿أَنِ اشْكُرْ﴾ تفسيرٌ للوصية واعترض بينها وبين تفسيرها بقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾؛ ليبين ما تكابده الأم بالولد؛ مما يوجب عظيم حقِّها، ولذلك كان حقُّها أعظم من حق الأب.
_________________
(١) انظر صفحة ٤٦٢.
[ ٣ / ٥٠٦ ]
﴿يَابُنَيَّ﴾ الآية؛ رَجَعَ إلى كلام لقمان، والتقدير: وقال لقمان يا بنيَّ.
﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ أي: وزْنَهَا، والمراد بذلك: أن الله يأتي بالقليل والكثير من أعمال العباد؛ فعبَّر بحبة الخردل ليدلَّ على ما هو أكثر.
﴿فِي صَخْرَةٍ﴾ قيل: المراد: الصخرة التي عليها الأرض، وهذا ضعيف.
وإنما معنى الكلام: أن مثقال خردلة من الأعمال أو من الأشياء ولو (^١) كانت في أخفى موضع كجوف صخرة: فإن الله يأتي بها يوم القيامة، وكذلك لو كانت في السموات أو في الأرض.
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ أمرٌ بالصبر على المصائب عمومًا.
وقيل: المعنى: ما يصيب من يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر.
﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ يحتمل أن يريد:
مما أمر الله به على وجه العزم والإيجاب.
أو من مكارم الأخلاق التي يعزم عليها أهل الحزم والجدِّ.
ولفظ العزم مصدرٌ يراد به المفعول؛ أي: من معزومات الأمور.
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ الصَّعَر في اللغة: الميل؛ أي: لا تولِّ الناس خدَّك، وتعرض عنهم تكبُّرًا عليهم.
﴿مَرَحًا﴾ ذكر في «الإسراء» (^٢).
_________________
(١) في أ، هـ: «لو».
(٢) انظر (٢/ ٨٠٧).
[ ٣ / ٥٠٧ ]
﴿مُخْتَالٍ﴾ من الخيلاء.
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي: اعتدل فيه، فلا تُسرع (^١) إسراعًا يدلُّ على الطيش، والخفة، ولا تبطئ (^٢) إبطاءً يدلُّ على النَّخوة والكبر.
_________________
(١) في أ، ب زيادة: «فيه».
(٢) في ب زيادة: «فيه».
[ ٣ / ٥٠٨ ]
[﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾].
﴿نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ الظاهرة: الصحة والمال وغير ذلك، والباطنة: النعم التي لا يطلع عليها الناس، ومنها: ستر قبيح الأعمال.
وقيل: الظاهرة: نعم الدنيا، والباطنة: نعم العقبى.
واللفظ أعمُّ من ذلك كله.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ﴾ نزلت في النضر بن الحارث وأمثاله.
﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ معناه: أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم إلى النار؟!.
[ ٣ / ٥٠٩ ]
﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ﴿يُسْلِمْ﴾ أي: يخلص، أو يستسلم وينقاد.
والوجه هنا عبارة عن المقصد (^١).
﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ذكر في «البقرة» (^٢).
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وما بعده ذكر في العنكبوت.
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ الآية؛ إخبارٌ بكثرة كلمات الله، والمراد: اتساع علمه.
ومعنى الآية: أن شجر الأرض لو كانت أقلامًا، والبحر لو كان مِدادًا يصبُّ فيه سبعة أبحر صَبًّا دائمًا، وكُتِبت بذلك كلمات الله: لنَفِدَت الأشجار والبحار ولم تَنْفَدْ كلمات الله؛ لأن الأشجار والبحار متناهيةٌ، وكلمات الله غير متناهية.
فإن قيل: لمَ لمْ يقل: «والبحر مداد» كما قال في «الكهف»: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾ [الكهف: ١٠٩]؟
فالجواب: أنه أغنى عن ذلك قوله: ﴿يَمُدُّهُ﴾؛ لأنه من قولك: مَدَّ الدَّواةَ وأمدَّها.
فإن قيل: لمَ قال: ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ ولم يقل: «من شجر» باسم الجنس الذي يقتضي العموم؟
_________________
(١) في أ: «القصد».
(٢) انظر (١/ ٤٧٧).
[ ٣ / ٥١٠ ]
فالجواب: أنه أراد تفصيل الشجر إلى شجرة شجرة؛ حتى لا يبقى منها واحدة.
فإن قيل: لم قال ﴿كَلِمَاتُ اللهِ﴾ ولم يقل: «كَلِمُ الله» بجمع الكثرة؟
فالجواب: أن هذا أبلغ؛ لأنه إذا لم تَنْفَد الكلمات مع أنها جمع قلة، فكيف ينفد الجمع الكثير.
وروي أن سبب الآية: أن اليهود قالوا: قد أوتينا التوراة وفيها العلم كُلُّه، فنزلت الآية؛ لتدلَّ أن ما عندهم قليلٌ من كثير، والآية على هذا مدنية.
وقيل: إن سببها: أن قريشًا قالوا: إن القرآن سيَنفَدُ.
﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ بيانٌ لقدرة الله على بعث الناس، وردٌّ على من استبعد ذلك.
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ أي: يُدخل كلَّ واحدٍ منهما في الآخر؛ بما يزيد في أحدهما وينقص من الآخر.
أو بإدخال ظلمة الليل على ضوء النهار وإدخال ضوء النهار على ظلمة الليل.
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يعني: يوم القيامة.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ يحتمل أن تكون الباء:
سببية.
أو يكون المعنى: ذلك شاهدٌ بأن الله هو الحق.
[ ٣ / ٥١١ ]
[﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾].
﴿بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يريد بذلك:
ما تحمله السفن من الطعام والتجارات، فتكون الباء: للإلصاق أو للمصاحبة.
أو يريد الريح، فتكون الباء سببية.
﴿صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ مبالغة في صابر وشاكر.
﴿كَالظُّلَلِ﴾ جمع ظُلَّة، وهو ما يعلوك من فوق، وشبّه الموج بذلك إذا ارتفع وعظم حتى علا فوق الإنسان.
﴿فَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ﴾ المقتصد: المتوسط في الأمر، فيحتمل أن يريد: كافرًا متوسّطًا في كفره لم يسرف فيه.
أو مؤمنًا متوسّطًا في إيمانه؛ لأن الإخلاص الذي كان عليه في البحر يزول عنه.
وقيل: معنى ﴿مُقْتَصِدٌ﴾: مؤمنٌ ثبت في البرّ على ما عاهد الله عليه في البحر.
[ ٣ / ٥١٢ ]
﴿خَتَّارٍ﴾ أي: غدَّار شديد الغدر، وذلك أن جَحَدَ نعمة الله غدرٌ.
﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ أي: لا يقضي (^١) عنه شيئًا، والمعنى: أنه لا ينفعه، ولا يدفع عنه مضرةً.
﴿وَلَا مَوْلُودٌ﴾ أي: ولدٌ، فكما لا يقدر الولد لوالده على شيء، كذلك لا يقدر الوالد لولده على شيء.
﴿الْغَرُورُ﴾ الشيطان.
وقيل: الأمل والتسويف.
﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: متى تكون الساعة (^٢)؛ فإن ذلك مما انفرد الله بعلمه، ولذلك جاء في الحديث: «مفاتح الغيب خمس» وتلا هذه الآية (^٣).
﴿مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ يعني: من خيرٍ أو شر، أو مال أو ولد، أو غير ذلك.
_________________
(١) في ب: «لا يغني».
(٢) لم ترد هذه الكلمة في أ، ب.
(٣) أخرجه البخاري (١٠٣٩)، ومسلم (١٠).
[ ٣ / ٥١٣ ]