[﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤) أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨)﴾].
﴿كِتَابٌ﴾ يعني: القرآن، وهو خبر ابتداء مضمر.
﴿أُحْكِمَتْ﴾ أي: أتقنت؛ فهو من الإحكام للشيء.
﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ قيل: معناه: بُيِّنَتْ.
وقيل: قُطِّعت سورةً سورةً.
و﴿ثُمَّ﴾ هنا ليست للترتيب في الزمان، وإنما هي لترتيب الأحوال؛
[ ٢ / ٥٧٠ ]
كقولك: فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل.
﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ «أن»: مفسّرة.
وقيل: مصدرية؛ في موضع مفعول من أجله، أو بدل من الآيات.
أو يكون كلامًا مستأنفًا، منقطعًا عما قبله، على لسان رسول الله ﷺ، ويدلُّ على ذلك قوله: ﴿إِنَّني لَكُمْ مِنْهُ نَذيرٌ وَبَشيرٌ﴾.
﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ أي: استغفروه مما تقدَّم من الشرك والمعاصي، ثم ارجعوا إليه بالطاعة والاستقامة عليها.
﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ أي: ينفعكم (^١) في الدنيا بالأرزاق، والنعم، والخيرات.
وقيل: هو طيب عيش المؤمن برجائه في الله ورضاه بقضائه؛ لأنه الكافر قد يُمَتَّع في الدنيا بالأرزاق.
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يعني: إلى الموت.
﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي: يعطي في الآخرة كل ذي عمل جزاء
عمله.
والضمير يحتمل أن يعود:
على الله تعالى.
أو على ﴿ذِي فَضْلٍ﴾.
_________________
(١) في هـ: «يمتعكم».
[ ٢ / ٥٧١ ]
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ خطاب للناس، وهو فعل مستقبل حذفت منه إحدى التاءين.
﴿عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ يعني: يوم القيامة، أو غيره كيوم بدر.
﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ قيل: كان الكفار إذا لقيهم رسول الله ﷺ يردُّون إليه ظهورهم؛ لئلا يرونه من شدة البغضة والعداوة، والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ على هذا يعود إلى رسول الله ﷺ.
وقيل: إن ذلك عبارة عما تنطوي عليه صدورهم من البغض والغلِّ.
وقيل: هو عبارة عن إعراضهم؛ لأن مَنْ أعرض عن شيء انثنى عنه وانحرف.
والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ على هذا يعود على الله تعالى؛ أي: يريدون أن يستخفوا من الله تعالى؛ فلا يُطلِع رسولَه والمؤمنين (^١) على ما في قلوبهم.
﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ أي: يجعلونها أغشية وأغطية؛ كراهيةً لاستماع القرآن، والعامل في ﴿حِينَ﴾: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾.
وقيل: المعنى: يريدون أن يستخفوا حين يستغشون ثيابهم، فيوقف عليه على هذا، ويكون ﴿يَعْلَمُ﴾ استئنافًا.
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ وعدٌ وضمان صادق.
فإن قيل: كيف قال: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ بلفظ الوجوب، وإنما هو تفضُّلُ؛ لأن الله لا يجب عليه شيء؟.
_________________
(١) في أ، ب، د، هـ: «فلا يطلع رسوله والمؤمنون».
[ ٢ / ٥٧٢ ]
فالجواب: أنه ذكره كذلك تأكيدًا في الضمان؛ ولأنه لما وعد به صار واقعًا لا محالة؛ لأنه لا يخلف الميعاد.
﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ المستقر: صلب الأب، والمستودع: بطن المرأة.
وقيل: المستقر: المكان في الدنيا، والمستودع: القبر.
﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ دليلٌ على أن العرش والماء كانا موجودين قبل خلق السموات والأرض.
﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أي: ليختبركم اختبارًا تقوم به الحجة عليكم؛ لأنه كان عالمًا بأعمالكم قبل خلقكم، ويتعلق ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ بـ ﴿خَلَقَ﴾.
﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يحتمل أن يشيروا:
إلى القرآن.
أو إلى القول بالبعث؛ يعنون أنه باطل كبطلان السحر.
﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾ يحتمل أن يريد: عذاب الدنيا، أو الآخرة.
﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ أي: إلى وقت محدود.
﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ أي: أيُّ شيء يمنع هذا العذاب الموعود به؟ وقولهم ذلك على وجه التكذيب والاستخفاف.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
[﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١) فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾].
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا﴾ الآية؛ ذمٌّ لمن يقنط عند الشدائد، ولمن يفخر ويتكبر عند النعم.
والرحمة هنا والنعماء: يراد بهما الخيرات الدنيوية.
والإنسان: عام يراد به الجنس، والاستثناء على هذا متصل.
وقيل: المراد بالإنسان الكافر، فالاستثناء على هذا منقطع.
﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ الآية؛ كان الكفار يقترحون على رسول الله ﷺ أن يأتي بكنز أو يأتي معه ملك، وكانوا يستهزؤون بالقرآن، فقال الله تعالى له: لعلك تترك أن تُلقي إليهم بعض ما أنزل إليك ويَثْقُلُ عليك تبليغهم من أجل استهزائهم، أو لعلك يضيق صدرك من أجل أن يقولوا: لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
والمقصد بالآية: تسليته ﷺ عن قولهم حتى يبلِّغ الرسالة، ولا يبالي بهم. وإنما قال ﴿وَضَائِقٌ﴾، ولم يقل «ضيق»؛ ليدلَّ على اتساع صدره ﵇ وقلة ضيقه.
﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ أي: ليس عليك إلَّا الإنذار والتبليغ، والله هو الوكيل الذي يقضي بما شاء من إيمانهم أو كفرهم.
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ «أم» هنا منقطعة بمعنى: «بل» والهمزة، والضمير في ﴿افْتَرَاهُ﴾ لما يوحى إليه.
﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ تحدَّاهم أوَّلًا بعشر سور، فلما بان عجزهم عنها تحداهم بسورة واحدة فقال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨]، والمماثلة المطلوبة: في فصاحته وعلومه.
﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾ صفة لـ ﴿عَشْرِ سُوَرٍ﴾، وذلك مقابلة لقولهم ﴿افْتَرَاهُ﴾، وليست المماثلة في الافتراء.
﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم﴾ أي: استعينوا بمن شئتم.
﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ فيها وجهان:
أحدهما: أن تكون مخاطبة من الله للنبي ﷺ وللمؤمنين؛ أي: إن لم يستج الكفار إلى ما دعوتوموهم إليه من معارضة القرآن؛ فاعلموا أنه من عند الله، وهذا على معنى: دوموا على علمكم بذلك، أو زيدوا يقينًا به.
والثاني: أن يكون خطابًا من النبي ﷺ للكفار؛ أي: إن لم يستجب مَنْ تدعونه من دون الله إلى شيء من المعارضة ولا قَدَر جميعكم عليه؛ فاعلموا
[ ٢ / ٥٧٥ ]
أنه من عند الله، وهذا أقوى من الأول؛ لقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
ومعنى ﴿بِعِلْمِ اللَّهِ﴾:
بإذنه.
أو بما لا يعلمه إلَّا الله من الغيوب.
وقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ لفظه استفهام، ومعناه: استدعاء إلى الإسلام، وإلزام للكفار أن يسلموا، لمَّا قام الدليل على صحة الإسلام؛ لعجزهم عن الإتيان بمثل القرآن.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ الآية؛ نزلت في الكفار الذين يريدون الدنيا، ولا يريدون الآخرة؛ إذ هم لا يصدقون بها.
وقيل: نزلت في أهل الرياء من المؤمنين الذين يريدون بأعمالهم الدنيا، حسبما ورد في الحديث - في القارئ، والمنفق، والمجاهد الذين أرادوا أن يقال لهم ذلك - «إنهم أول من تسجر (^١) بهم النار» (^٢).
والأول أرجح (^٣)؛ لتقدُّم ذكر الكفار المناقضين للقرآن، فإنما قصد بهذه الآية أولئك.
﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ أي: نوفّ إليهم أجور أعمالهم بما نعطيهم في الدنيا من الصحة والرزق.
_________________
(١) في هامش أ: «خ: تسعر» وهو الموافق لما في الرواية.
(٢) أخرجه مسلم (١٩٠٥)، والترمذي (٢٣٨٢)، والنسائي في الكبرى (١٠/ ٣٩٥).
(٣) في أ، ب: «أوضح».
[ ٢ / ٥٧٦ ]
والضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الدنيا، والمجرور متعلّق بقوله: ﴿نُوَفِّ﴾ أو بـ ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾.
﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ الضمير في ﴿فِيهَا﴾ هنا:
يعود على الآخرة إن تعلق المجرور بـ ﴿حَبِطَ﴾.
يعود على الدنيا إن تعلق بـ ﴿صَنَعُوا﴾.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
[﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾].
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ الآية؛ معادلةٌ لما تقدَّم، والمعنى: أَمَن كان يريد الحياة الدنيا كمن كان على بينة من ربه.
والمراد بمن كان على بينة من ربه: النبي ﷺ والمؤمنون؛ لقوله بعد ذلك: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
ومعنى البينة: البرهان العقلي والأمر الجلي.
﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ الضمير في ﴿وَيَتْلُوهُ﴾:
للبرهان؛ وهو البينة.
أو لمن كان على بينة من ربه.
والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ للرب تعالى.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
و﴿وَيَتْلُوهُ﴾ هنا بمعنى: يتبع.
والشاهد يراد به: القرآن؛ فالمعنى: يَتْبَعُ ذلك البرهانَ شاهدٌ من الله وهو القرآن، فيزيدُ وضوحه وتعظيمَ دلالته (^١).
وقيل: إن الشاهد المذكور هنا: هو علي بن أبي طالب.
﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾ أي: ومن قبل ذلك الشاهد كتابُ موسى، وهو أيضًا دليل آخر متقدّم.
وقد قيل أقوالٌ كثيرة في معنى هذه الآية، وأرجحها ما ذكرنا.
﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ أي: من أهل مكة.
﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾ جمع شاهد، كأصحاب، ويحتمل أن يكون: من الشهادة؛ فيراد به: الملائكة والأنبياء.
أو من الشهود بمعنى الحضور؛ فيراد به: كلُّ من حضر الموقف.
﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: يطلبون اعوجاجها، أو يصفونها بالاعوجاج.
﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾ أي: لا يُفْلِتون.
﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ إخبارٌ عن تشديد عذابهم، وليس بصفة لـ ﴿أَوْلِيَاءَ﴾.
﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ الآية؛ «ما» نافية، والضمير للكفار، والمعنى:
_________________
(١) في ب: «وتعظُمُ دلالتُه».
[ ٢ / ٥٧٩ ]
وصَفَهم بأنهم لا يسمعون ولا يبصرون، كقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] الآية.
وقيل غير ذلك، وهو بعيد.
﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: لا بدَّ، ولا شكَّ.
﴿وَأَخْبَتُوا﴾ خشعوا، وقيل: أنابوا.
﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ يعني: المؤمنين والكافرين.
﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ شبَّه الكافر بالأعمى وبالأصم، وشبَّه المؤمن بالبصير وبالسميع، فهو على هذا تمثيل للمؤمنين بمثالين، وتمثيل للكافرين بمثالين.
وقيل: التقدير كالأعمى الأصم، والبصير السميع، فالواو لعطف الصفات، فهو على هذا تمثيل للمؤمن بمثال واحد؛ وهو مَنْ جمع بين السمع والبصر، وتمثيل للكافر بمثال واحد؛ وهو مَنْ جمع بين العَمى والصَّمَم.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
[﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨) وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾].
﴿عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ وصفُ اليوم بالأليم على وجه المجاز؛ لوقوع الألم فيه.
﴿أَرَاذِلُنَا﴾ جمع أَرْذَل، وهم سَفِلَة الناس، وإنما وصفوهم بذلك لفقرهم؛ جهلًا منهم، واعتقادًا أن الشرف هو بالمال والجاه، وليس الأمر كما اعتقدوا، بل المؤمنون كانوا أشرف منهم على حال فقرهم وخمولهم في الدنيا.
وقيل: إنهم كانوا حاكةً وحجَّامين.
[ ٢ / ٥٨١ ]
واختار ابن عطية أنهم أرادوا: أراذل في أفعالهم؛ لقول نوح: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١٢] (^١).
﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ أي: أول الرأي، من غير نظر ولا تدبُّر.
و﴿بَادِيَ﴾ منصوب على الظرفية، أصله: وقت حدوث أول رأيهم، والعامل فيه: ﴿اتَّبَعَكَ﴾ على أصح الأقوال، والمعنى: اتبعك الأراذل من غير نظر ولا تثبُّت.
وقيل: هو صفة لـ ﴿بَشَرًا مِثْلَنَا﴾؛ أي: غير متثبّت في الرأي.
﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ أي: من زيادة وشرف، والخطاب لنوح ﵇ ومن معه.
﴿عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: على برهان وأمر جليّ، وكذلك في قصة صالح
وشعيب.
﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِندِهِ﴾ يعني: النبوَّة.
﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: خَفيت عليكم، والفاعل: البينة، أو الرحمة.
﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ أي: أَنُكْرِهُكم على قَبولها قهرًا؟، وهذا هو جواب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾.
ومعنى الآية: أن نوحًا ﵇ قال لقومه: أرأيتم إن هداني الله وأضلكم أأجبركم على الهدى وأنتم له كارهون؟.
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (٦/ ٤٩٥).
[ ٢ / ٥٨٢ ]
﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾ الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ عائد على التَّبليغ.
﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يقتضي أنهم طلبوا منه طرد الضعفاء.
﴿إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ المعنى: أنه يجازيهم على إيمانهم.
﴿مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ أي: من يدفع عني عقاب الله إن ظلمتهم بالطَّرد.
﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ الآية؛ أي: لا أَدَّعي ما ليس لي فتنكرون قولي.
﴿تَزْدَرِي﴾ أي: تحتقر؛ من قولك: زريت على الرجل: إذا قصَّرتَ به.
والمراد بالذين تزدري أعينهم: ضعفاء المؤمنين.
﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: إن قلتُ للمؤمنين: لن يؤتيهم الله خيرًا.
والخير هنا يحتمل أن يراد به: خير الدنيا، أو الآخرة.
﴿جِدَالَنَا﴾ الجدال: هو المخاصمة والمراجعة في الحجة.
﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ أي: بالعذاب.
﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي﴾ الآية؛ جزاء قوله: ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ هو ما دلَّ عليه قوله: ﴿نُصْحِي﴾، وجزاء قوله: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ هو ما دلَّ عليه قوله: ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي﴾، فتقديرها: إن أراد الله أن يغويكم لم ينفعكم نصحي إن نصحت لكم، ثم استأنف قوله: ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾.
ولا يجوز أن يكون ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ جواب الشرط.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ الآية؛ الضمير في ﴿يَقُولُونَ﴾ لكفار قريش، وفي ﴿افْتَرَاهُ﴾ لمحمد ﷺ، هذا قول جميع المفسرين.
واختار ابن عطية أن تكون في شأن نوح ﷺ، فيكون الضمير في ﴿يَقُولُونَ﴾ لقوم نوح، وفي ﴿افْتَرَاهُ﴾ لنوح؛ لئلا يعترض ما بين قصة نوح بغيرها، وهذا بعيد (^١).
﴿إِجْرَامِي﴾ أي: ذنبي.
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (٤/ ٥٦٩).
[ ٢ / ٥٨٤ ]
[﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠) وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧) قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨) تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾].
﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ أي: فلا تحزن.
﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: تحت نظرنا وحفظنا.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
﴿وَوَحْيِنَا﴾ أي: وتعليمنا لك كيف تصنع الفلك.
﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: لا تشفع لي فيهم؛ فإني قد قضيت عليهم بالغرق.
﴿وَكُلَّمَا﴾ يُحتمل أن يكون جوابها: ﴿سَخِرُوا مِنْهُ﴾، أو ﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا﴾.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تهديدٌ، و﴿مَنْ يَأْتِيهِ﴾ منصوبٌ بـ ﴿تَعْلَمُونَ﴾.
﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ هو الغرق، والعذاب المقيم: عذاب النار.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ غايةٌ لقوله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾.
﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ أي: فار بالماء، جعل الله تلك علامةً لنوح؛ ليركب حينئذ في السفينة.
والمراد: التنور (^١) الذي يُوقَد فيه عند ابن عباس وغيره، ورُوي أنه كان تنور آدم خَلَصَ إلى نوح.
وقيل: التنور: وجه الأرض.
﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ المراد بالزوجين: الذكر والأنثى من الحيوان.
وقرئ ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ بغير تنوين؛ فعَمِلَ ﴿احْمِلْ﴾ في ﴿اثْنَيْنِ﴾.
وقرئ بالتنوين؛ فعمل ﴿احْمِلْ﴾ في ﴿زَوْجَيْنِ﴾، وجُعِل ﴿اثْنَيْنِ﴾ توكيدًا.
_________________
(١) في د: «بالتنور».
[ ٢ / ٥٨٦ ]
﴿وَأَهْلَكَ﴾ أَيْ: قرابتك، وهو معطوف على ما عَمِل فيه ﴿احْمِلْ﴾.
﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ أَيْ: من قُضي عليه بالعذاب، فهو مستثنى من أَهْلِهِ، والمراد بذلك: ابنه الكافر وامرأته.
﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ معطوفٌ على ﴿وَأَهْلَكَ﴾؛ أَيْ: احمل أَهْلَكَ وَمَنْ آمن من غيرهم.
﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ قيل: كانوا ثمانين، وقيل: عشرة، وقيل: ثمانية.
﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ الضمير في ﴿قَالَ﴾ لنوح، والخطاب لمن كان معه، والضمير في ﴿فِيهَا﴾ للسفينة.
وروي أنهم ركبوا فيها أول يوم من رجب، واستقرَّت على الجوديِّ يوم عاشوراء.
﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ اشتقاق ﴿مَجْرَاهَا﴾ من الجري، واشتقاق ﴿وَمُرْسَاهَا﴾ من الإرساء، وهو الثُّبوت؛ أَيْ (^١): وقوف السفينة.
ويمكن أن يكونا: ظرفين للزمان أو للمكان، أو مصدرين.
ويحتمل الإعراب وجهين:
أحدهما: أن يكون ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿ارْكَبُوا﴾، والتقدير: اركبوا متبركين باسم الله، أو قائلين بسم الله،
_________________
(١) في أ، ب: «أو من».
[ ٢ / ٥٨٧ ]
فيكون ﴿مُجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ على هذا ظرفين للزمان، بمعنى: وقتَ إجرائها وإرسائها، أو ظرفين للمكان، ويكون العامل فيه (^١) ما في قولك: «بسم الله» من معنى الفعل، ويكون قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ متصلًا مع ما قبله، والجملة كلام واحد.
والوجه الثاني: أن يكون كلامين، فيوقف على ﴿ارْكَبُوا فِيهَا﴾، ويكون ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ في موضع خبر، و﴿مُجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ مبتدأ بمعنى المصدر؛ أي: إجراؤها وإرساؤها، ويكون ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ على هذا مستأنفًا غير متصل بما قبله، ولكنه من كلام نوح حسبما روي أن نوحًا كان إذا أراد أن يَجري بالسفينة قال: «بسم الله» فتجري، وإذا أراد وقوفها قال: «بسم الله» فتقف.
﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ روي أن الماء طبَّق ما بين السماء والأرض، فصار الكل كالبحر، قال ابن عطية: وهذا ضعيف، وأين كان الموج كالجبال على هذا؟ (^٢).
وصوَّبه الزمخشري، وقال: كانت تجري في موج كالجبال قبل التطبيق، وقبل أن يغمر الماء الجبال (^٣).
﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ كان اسمه: كَنْعان، وقيل: يام، وكان له ثلاثة بنون (^٤) سواه؛ وهم: سامٌ وحامٌ ويافثُ، ومنهم تناسل الخلق.
_________________
(١) في د: «فيهما».
(٢) انظر: المحرر الوجيز (٤/ ٥٨٠).
(٣) انظر: الكشاف (٨/ ٨٠).
(٤) في د: «بنين».
[ ٢ / ٥٨٨ ]
﴿فِي مَعْزِلٍ﴾ في ناحية.
﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ يحتمل أربعة أوجه: أحدها: أن يكون ﴿عَاصِمَ﴾ اسم فاعل، و﴿مَنْ رَحِمَ﴾ كذلك بمعنى الراحم، فالمعنى: لا عاصم إلَّا الراحم؛ وهو الله تعالى.
والثاني: أن يكون ﴿عَاصِمَ﴾ بمعنى: ذي عصمة؛ أي: معصوم، و﴿مَنْ رَحِمَ﴾ بمعنى مفعول؛ أي: من ﵀، فالمعنى: لا معصوم إلَّا من ﵀.
والاستثناء على هذين الوجهين متصل.
والثالث: أن يكون ﴿عَاصِمَ﴾ اسم فاعل، و﴿مَنْ رَحِمَ﴾ بمعنى المفعول والمعنى: لا عاصم من أمر الله، لكن من ﵀ فهو المعصوم.
والرابع: عكسه.
والاستثناء على هذين منقطع.
﴿ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ عبارةٌ عن جفوف الأرض من الماء.
﴿أَقْلِعِي﴾ أي: أمسكي عن المطر، ورُوي أنها أَمْطَرَتْ من كل موضع منها.
﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ أي: نقص.
﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: تمَّ وكمل.
﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ أي: استقرت السفينة على الجودي؛ وهو جبل بالموصل.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
﴿وَقِيلَ بُعْدًا﴾ أي: هلاكًا، وانتصابه على المصدر.
﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ يحتمل أن يكون هذا النداء:
قبل الغرق؛ فيكون العطف من غير ترتيب.
أو يكون بعده.
﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ أي: وقد (^١) وعدتني أن تنجي أهلي.
﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي: ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم؛ لأنه كافر.
وقال الحسن: لم يكن ابنه، ولكن خانته امرأته، وكان لغير رشدةٍ، وهذا
ضعيف؛ لأن الأنبياء ﵈ قد عصمهم الله من أن يزني نساؤهم، ولقوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾.
﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ فيه ثلاثة تأويلات على قراءة الجمهور: أحدها: أن يكون الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ لسؤال نوح نجاة ابنه.
والثاني: أن يكون الضمير لابن نوح، وحُذِف مضاف من الكلام؛ تقديره: إنه ذو عمل غير صالح.
والثالث: أن يكون الضمير لابن نوح، و﴿عَمَلٌ﴾ مصدر وصف به مبالغةً، كقولك: رجل صومٌ.
وقرأ الكسائي: ﴿عَمِلَ﴾ بفعل ماضٍ ﴿غَيْرَ صَالِحٍ﴾ بالنصب، والضمير
_________________
(١) في أ، ب، ج، هـ: «قد» بلا واو.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
على هذا لابن نوح بلا إشكال.
﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: لا تطلب مني أمرًا لا تعلم أصوابٌ هو أم غير صواب حتى تقف على كُنْهِهِ.
فإن قيل: لم سمِّي نداؤه سؤالًا، ولا سؤال فيه؟.
فالجواب: أنه تضمَّن السؤال وإن لم يصرَّح به.
﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ «أن» في موضع مفعول من أجله؛ تقديره: أعظك؛ كراهة أن تكون من الجاهلين، وليس في ذلك وصفٌ (^١) له بالجهل، بل فيه ملاطفة وإكرام.
﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ أي: اهبط من السفينة بسلامة.
﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّن مَعَكَ﴾ أي: ممن معك في السفينة.
واختار الزمخشري أن يكون المعنى: من ذرية مَنْ معك، ويعني به: المؤمنين إلى يوم القيامة، فـ «من» على هذا لابتداء الغاية، والتقدير: على أمم ناشئة ممن معك (^٢).
وعلى الأول: تكون «من» لبيان الجنس.
﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ يعني: نمتعهم متاع الدنيا - وهم الكفار - إلى يوم القيامة.
_________________
(١) أ، ب، ج، هـ: «وصفًا».
(٢) انظر: الكشاف (٨/ ٩٨).
[ ٢ / ٥٩١ ]
﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ إشارةٌ إلى القصة، وفي الآية دليلٌ على أن القرآن من عند الله؛ لأن النبي ﷺ لم يكن يعلم ذلك قبل الوحي.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
[﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)﴾].
﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ يعني: في عبادتهم لغير الله.
﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ السماء هنا: المطر، و﴿مِدْرَارًا﴾ بناءُ تكثيرٍ؛ من الدَّرِّ، يقال: درَّ المطر واللبن وغيره.
وفي الآية دليل على أن الاستغفار والتوبة سببٌ لنزول الأمطار، ورُوي أن عادًا كان المطر قد حُبس عنهم ثلاث سنين، فأمرهم بالتوبة والاستغفار، ووعدهم على ذلك بالمطر.
والمراد بالتوبة هنا: الرجوع عن الكفر، ثم عن الذنوب؛ لأن التوبة من الذنوب لا تصحُّ إلا بعد الإيمان.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ أي: بمعجزة، وذلك كذب منهم وجحود.
أو يكون معناه: بآية تضطرنا إلى الإيمان بك، وإن كان قد أتاهم بآية نظرية.
﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي: بسبب قولك.
﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ معناه: ما نقول إلَّا أن بعض آلهتنا أصابتك بجنون لما سببتها ونهيتنا عن عبادتها.
﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ هذا أمرٌ بمعنى التعجيز؛ أي: لا تقدرون أنتم ولا آلهتكم على شيء، ثم ذكر سبب قوته في نفسه وعدم مبالاته بهم، فقال: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية.
﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ أي: هي في قبضته وتحت قهره، والأخذ بالناصية تمثيل لذلك، وهذه الجملة تعليل لقوة توكله على الله وعدم مبالاته بالخلق.
﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يريد: أن أفعال الله جميلة، وقوله صدق، ووعده حق، فالاستقامة تامة.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾ أصل ﴿تَوَلَّوْا﴾ هنا: تتولوا؛ لأنه فعل مستقبل حذفت منه تاء المضارعة.
فإن قيل: كيف وقع الإبلاغ جوابًا للشرط، وقد كان الإبلاغ قبل التولّي؟.
فالجواب: أن المعنى إن تتولوا فلا عَتْبَ عليَّ؛ لأني قد أبلغتكم رسالة ربي.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ أي: لا تَنقُصونه شيئًا إذا أهلككم واستخلف غيركم.
﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ إن قيل: لم قال هنا وفي قصة شعيب ﴿وَلَمَّا﴾ بالواو وقال في قصة صالح ولوط ﴿فَلَمَّا﴾ بالفاء؟
فالجواب على ما قال الزمخشري: أنه وقع ذلك في قصة صالح ولوط بعد الوعيد؛ فجيء بالفاء التي تقتضي التَّسبيب، كما تقول: وعدته فلما جاء الميعاد ..، بخلاف قصة هود وشعيب؛ فإنه لم يتقدم ذلك فيهما فعطف بالواو (^١).
﴿وَنَجَّيْنَاهُم مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ يُحتمل أن يريد به عذاب الآخرة؛ ولذلك عطفه على النجاة الأولى التي أراد بها النجاة من الريح.
ويحتمل أن يريد بالثاني أيضًا الريح، وكرَّره؛ إعلامًا بأنه عذاب غليظ، وتعديدًا للنعمة في نجاتهم.
﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ في جمع الرسل هنا وجهان:
أحدهما: أن من عصى رسولًا واحدًا لزمه عصيان جميعهم؛ فإنهم متفقون على الإيمان بالله وعلى توحيده.
والثاني: أن يراد الجنس؛ كقولك: فلان يركب الخيل، وإن لم يركب إلَّا فرسًا واحدًا.
﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ هذا تشنيع لكفرهم، وتهويل بحرف التنبيه، وبتكرار اسم عاد.
_________________
(١) انظر: الكشاف (٨/ ١٨٤).
[ ٢ / ٥٩٥ ]
﴿أَلَا بُعْدًا﴾ أي: هلاكًا، وهذا دعاء عليهم، وانتصابه بفعل مضمر.
فإن قيل: كيف دعا عليهم بالهلاك بعد أن هلكوا؟.
فالجواب: أن المراد: أنهم أهلٌ لذلك.
﴿لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ بيانٌ؛ لأن عادًا اثنان؛ أحدهما: قوم هود، والآخر (^١): إرَم.
_________________
(١) في ج، هـ: «والأخرى».
[ ٢ / ٥٩٦ ]
[﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾].
﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ لأن آدم خلق من تراب.
﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ أي: جعلكم تَعْمُرونها؛ فهو من العمران للأرض.
وقيل: هو من العُمر؛ نحو: استبقاكم من البقاء.
﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا﴾ أي: كنا نرجو أن ننتفع بك حتى قلت ما قلت.
وقيل: المعنى: كنا نرجو أن تدخل في ديننا.
﴿فِي دَارِكُمْ﴾ أي: بلدكم.
﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ قيل: إنها الخميس والجمعة والسبت؛ لأنهم عقروا الناقة يوم الأربعاء، وأخذهم العذاب يوم الأحد.
﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ معطوف على ﴿نَجَّيْنَا﴾ أي: نجيناهم من خزي يومئذ.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
﴿جَاثِمِينَ﴾ ذُكِرَ في «الأعراف» (^١).
﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ كأن لم يقيموا فيها، والضمير للديار، وكذلك في قصة شعيب.
_________________
(١) انظر صفحة ٣٦٢.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
[﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾].
﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ﴾ الرسل هنا: الملائكة.
﴿بِالْبُشْرَى﴾ بشَّروه بالولد.
﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ نصب على المصدر، والعامل فيه فعل مضمر؛ تقديره: سلَّمنا عليكم سلامًا.
﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ تقديره: عليكم سلام، أو سلام عليكم، وهذا على أن يكون
[ ٢ / ٥٩٩ ]
بمعنى التحية، وإنما رُفِع جوابه؛ ليدلَّ على إثبات السلام، فيكون قد حيَّاهم بأحسن مما حيَّوه.
ويحتمل أن يكون السلام بمعنى السلامة، ونُصِب الأول؛ لأنه في معنى الطلب، ورُفِع الثاني؛ لأنه في معنى الخبر.
﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ﴾ أي: ما لبث مجيئه، بل عَجِل، و«ما» نافية، و﴿أَنْ جَاءَ﴾ فاعل بـ ﴿لَبِثَ﴾.
﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أي: مشويّ، وفعيل هنا بمعنى مفعول.
﴿نَكِرَهُمْ﴾ أي: أنكرهم ولم يعرفهم؛ يقال: نكر وأنكر بمعنى واحد. ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ قيل: إنه لم يعرفهم، فخاف منهم لما لم يأكلوا طعامه.
وقيل: عرف أنهم ملائكة، ولكن خاف أن يكونوا أُرسلوا بما يُخاف، فأمنوه بقولهم: ﴿لَا تَخَفْ﴾.
﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ قيل: قائمة خلف سِتْرٍ.
وقيل: قائمة في الصلاة.
وقيل: قائمة تخدم القوم، واسمها سارة.
﴿فَضَحِكَتْ﴾ قيل: معناه حاضت، وهو ضعيف.
وقال الجمهور: هو الضَّحِك المعروف، واختلفوا من أيِّ شيءٍ ضحكت؟.
[ ٢ / ٦٠٠ ]
فقيل: سرورًا بالولد الذي بُشِّرت به؛ ففي الكلام على هذا تقديم وتأخير.
وقيل: سرورًا بالأمن بعد الخوف.
وقيل: سرورًا بهلاك قوم لوط.
﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ أسند البشارة إلى ضمير الله تعالى؛ لأنها كانت بأمره.
﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبُ﴾ أي: من بعده، وهو ولده.
وقيل: الوراء ولد الولد.
و﴿يَعْقُوبُ﴾ بالرفع: مبتدأ، وبالفتح: معطوف على ﴿إِسْحَاقَ﴾.
﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَا﴾ الألف فيه مبدلة من المتكلم، كذلك في «يا لهفا» و«يا أسفا» و«يا عجبًا»، ومعناه: التعجب من الوِلادة، وروي أنها كانت حينئذ بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مئة سنة.
﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ يحتمل الدعاء والخبر.
﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ أي: أهل بيت إبراهيم، وهو منصوب بفعل مضمر على الاختصاص، أو منادى.
﴿حَمِيدٌ﴾ أي: محمود.
﴿مَجِيدٌ﴾ من المجد؛ وهو العلو والشرف.
﴿يُجَادِلُنَا﴾ هذا جواب ﴿فَلَمَّا﴾، على أن يكون المضارع في موضع الماضي، أو على تقدير: ظلَّ أو أخذ يجادلنا.
أو يكون ﴿يُجَادِلُنَا﴾ مستأنفًا، والجواب محذوف.
[ ٢ / ٦٠١ ]
ومعنى جداله: كلامه مع الملائكة في رفع العذاب عن قوم لوط.
وقد ذُكر في «اللغات» ﴿حَلِيمٌ﴾ (^١)، وفي «براءة» ﴿أَوَّاهٌ﴾ (^٢).
﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أي: قلنا: يا إبراهيم أعرض عن هذا؛ يعني: عن المجادلة فيهم، فقد نفذ القضاء بعذابهم.
﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ الرسل هم الملائكة، ومعنى ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أصابه سوءٌ وضجر؛ لما ظن أنهم من بني آدم، وخاف عليهم من قومه.
﴿يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أي: شديد.
﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: يُسرعون، وكانت امرأة لوط قد أخبرتهم بنزول الأضياف عنده، فأسرعوا ليعملوا بهم عملهم الخبيث.
﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: كانت عادتهم إتيان الفواحش في الرجال.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ المعنى: فتزوجوهنَّ، وإنما قال ذلك ليقي أضيافه ببناته.
وقيل: اسم بناته الواحدة ريثا (^٣)، والأخرى غوثا (^٤)، وأن اسم امرأته الهالكة والهة، واسم امرأة نوح والغة.
_________________
(١) انظر المادة (١٢٩) في اللغات.
(٢) انظر صفحة ٥٢٨.
(٣) في ب، ج، هـ: «زينا».
(٤) في ب، ج، هـ: «رغوثا».
[ ٢ / ٦٠٢ ]
﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ أي: ما لنا فيهنَّ أَرَبٌ.
﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ يعنون: نكاح الذكور.
﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ جواب «لو» محذوف؛ تقديره: لو كانت لي قدرة على دفعكم لفعلت.
ويحتمل أن تكون «لو» للتمني.
﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ معنى ﴿آوِي﴾ ألجأ، والمراد بالركن الشديد: ما يلجأ إليه من عشيرة أو أنصار يحمونه من قومه، وكان رسول الله ﷺ
يقول: «يرحم الله أخي لوطًا؛ لقد كان يأوي إلى ركن شديد» (^١) يعني: إلى الله وملائكته.
﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ الضمير في ﴿قَالُوا﴾ للملائكة، والضمير في ﴿لَنْ يَصِلُوا﴾ لقوم لوط، وذلك أن الله طمس على أعينهم حينئذٍ.
﴿فَاسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ أي: اخرج بهم بالليل؛ فإن العذاب ينزل بأهل هذه المدائن.
وقرئ ﴿فَاسْرِ﴾ بوصل الألف وقطعها، وهما لغتان؛ يقال: سَرى وأسرى.
﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ أي: قطعة منه.
﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾ نُهوا عن الالتفات؛ لئلا تتفطر أكبادهم على قريتهم.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٧٢)، ومسلم (١٥١).
[ ٢ / ٦٠٣ ]
وقيل: ﴿يَلْتَفِتْ﴾ معناه: يتلوى (^١).
﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ قرئ بالنصب والرفع:
فالنصب: استثناء من قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾، فيقتضي هذا أنه لم يُخرجها مع أهله.
والرفع: بدل من ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾، ورُوي على هذا أنه أخرجها معه، وأنها التفتت وقالت: يا قوماه!، فأصابها حجر فقتلها.
﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ أي: وقت عذابهم الصبح.
﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ ذُكر أنهم لما قالوا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ قال لهم لوط: هلَّا عُذِّبوا الآن! فقالوا له: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.
﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ الضمير للمدائن، رُوي أن جبريل أدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط، واقتلعها فرفعها حتى سمع أهل السماء صُراخ الدِّيَكة ونباح الكلاب، ثم أرسلها مقلوبة.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً﴾ أي: على المدائن، والمراد أهلها، روي أنه من كان منهم خارج المدائن أصابته حجارة من السماء، وأما من كان في المدائن فهَلَك لما قُلِبت.
﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ قيل: معناه من ماء وطين، وإنها كان مثل (^٢) الآجرِّ المطبوخ.
_________________
(١) قال في المحرر الوجيز (٤/ ٦٢٥): «وقالت فرقة: هي من لَفَتَ الشيء يَلْفِتُه: إذا ثناه ولواه، فمعناها: ولا يتثبَّط».
(٢) في د: «من».
[ ٢ / ٦٠٤ ]
وقيل: من سَجَلَه: إذا أرسله.
وقيل: هو لفظ أعجمي.
﴿مَنْضُودٍ﴾ أي: مضموم بعضه فوق بعض.
﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ معناه: معلَّمة بعلامة، روي أنه كان فيها بياض وحمرة.
وقيل: كان في كل حجر اسم صاحبه.
﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ الضمير للحجارة، والمراد بـ ﴿الظَّالِمِينَ﴾ كفار قريش، فهذا تهديدٌ لهم؛ أي: ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم؛ لأجل كفرهم.
وقيل: الضمير للمدائن، فالمعنى: ليست ببعيدة منهم أفلا يعتبرون بها؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠].
وقيل: إن ﴿الظَّالِمِينَ﴾ على العموم.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
[﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾].
﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ يعني: رخص الأسعار، وكثرة الأرزاق.
﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ يوم القيامة، أو يوم عذابهم في الدنيا.
﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: ما أبقاه الله لكم من رزقه ونعمته.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ الصلاة: هي المعروفة، ونسب الأمر إليها مجازًا، كقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
والمعنى: أصلواتك تأمرك أن نترك عبادة الأوثان؟، وإنما قال الكفار هذا على وجه الاستهزاء.
﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ يعنون: ما كانوا عليه من بخس المكيال والميزان.
و﴿أَنْ نَفْعَلَ﴾ عطفٌ على ﴿أَنْ نَتْرُكَ﴾ (^١).
﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قيل: إنهم قالوا ذلك على وجه الاستهزاء والتهكُّم.
وقيل: معناه: الحليم الرشيد عند نفسك.
﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ أي: سالمًا من الفساد الذي أدخلتم في أموالكم.
وجواب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ محذوف، يدلُّ عليه المعنى، وتقديره: أرأيتم إن كنت على بينة من ربي أيصح (^٢) لي ترك تبليغ رسالته؟.
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ يقال: خالفني فلان إلى كذا: إذا
_________________
(١) كذا في جميع النسخ الخطية!، ولعل الصواب -كما في المحرر الوجيز-: أنها عطف على ﴿مَا يَعْبُدُ﴾ أي: أصلواتك تأمرك أن نترك عبادة الأوثان أو أن نترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء!، قال في المحرر الوجيز (٥/ ٥): «﴿أنَّ﴾ الثانية عطفٌ على ﴿مَا﴾، لا على ﴿أَنِ﴾ الأولى؛ لأن المعنى يصير: أصلواتك تأمرك أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟، وهذا قلبٌ ما قصدوه»، وانظر: حاشية الطيبي على الكشاف (٨/ ١٦٧).
(٢) في د: «أيصلح».
[ ٢ / ٦٠٧ ]
قصده وأنت مُوَلّ عنه، وخالفني عنه: إذا ولَّى عنه وأنت قاصده.
﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ أي: لا تُكْسِبُكم عدواتي أن يصيبكم مثلُ عذاب الأمم المتقدمة، و﴿شِقَاقِي﴾ فاعل، و﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ﴾ مفعول.
﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ يعني: في الزمان؛ لأنهم كانوا أقرب الأمم الهالكين إليهم.
ويحتمل أن يريد: في البلاد.
﴿مَا نَفْقَهُ﴾ أي: ما نفهمُ.
﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ أي: ضعيف الانتصار والقدرة، وقيل: نَحِيل البدن، وقيل: أعمى.
﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ الرَّهْط: القرابة، والرَّجم: بالحجارة، أو بالسبِّ.
﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِنَ اللَّهِ﴾ هذا توبيخٌ لهم.
فإن قيل: إنما وقع كلامهم فيه وفي رهطه وأنهم هم الأعزة دونه، فكيف طابق جوابه كلامهم؟.
فالجواب: أنَّ تهاونهم به وهو رسول الله تهاونٌ بالله؛ فلذلك قال: ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِنَ اللَّهِ﴾.
﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ الضمير في ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ لله تعالى، أو لدينه وأمره.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
والظِّهْرِيُّ: ما يُطَّرح وراء الظهر ولا يُعْبَأ به، وهو منسوب إلى الظهر بتغيير النسب.
﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ تهديدٌ، ومعنى ﴿مَكَانَتِكُمْ﴾ تمكُّنكم في الدنيا وعزَّتكم فيها.
﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ عذاب الدنيا والآخرة.
﴿وَارْتَقِبُوا﴾ تهديدٌ.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
[﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)﴾].
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ أي: بالمعجزات.
﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: برهان بيّن.
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ أي: يتقدّم قُدّامهم للنار، كما كانوا في الدنيا يتّبعونه على الضلال والكفر.
﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ الورود هنا بمعنى: الدخول، وذكره بلفظ الماضي؛ لتحقّق وقوعه.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ عطفٌ على ﴿فِي هَذِهِ﴾؛ فإن المراد به: في الدنيا.
[ ٢ / ٦١٠ ]
﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ أي: العطية المعطاة.
﴿قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ باقٍ وداثرٌ.
﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ حجة على التوحيد ونفي الشرك.
﴿تَتْبِيبٍ﴾ أي: تخسير.
﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ أي: يُجْمَعون فيه للحساب، والثواب والعقاب.
وإنما عبَّر باسم المفعول دون الفعل؛ ليدلَّ على ثبوت الجمع لذلك اليوم؛ لأن لفظ ﴿مَجْمُوعٌ﴾ أبلغ من لفظ «يُجْمَع».
﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ أي: يحضره الأولون والآخرون.
﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ العامل في الظرف: ﴿لَا تَكَلَّمُ﴾، أو مضمر.
وفاعل ﴿يَأْتِ﴾ ضمير:
يعود على ﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾.
وقال الزمخشري: يعود على الله تعالى؛ كقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ويعضده عَوْد الضمير عليه في قوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ (^١).
﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ الضمير يعود على أهل الموقف الذي دلَّ عليهم قوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾.
﴿زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ الزفير: إخراج النفس، والشهيق: ردُّه.
وقيل: الزفير: صوت المحزون، والشهيق: صوت الباكي.
_________________
(١) انظر: الكشاف (٨/ ١٩٥).
[ ٢ / ٦١١ ]
وقيل: الزفير من الحلق، والشهيق من الصدر.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن يراد بها سماوات الآخرة وأرضها، وهي دائمة أبدًا.
والآخر: أن يكون عبارة عن التأبيد، كقول العرب: ما لاح كوكب، وما ناح الحمام، وشبه ذلك مما يقصد به الدوام.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ في هذا الاستثناء ثلاثة أقوال:
قيل: إنه على طريق التأدب مع الله، كقولك: «إن شاء الله» وإن كان الأمر واجبًا.
وقيل: المراد به: زمان خروج المذنبين من النار، ويكون ﴿الَّذِينَ شَقُوا﴾ على هذا يعم الكفار والمذنبين.
وقيل: استثنى مدة كونهم في الدنيا وفي البرزخ.
وأما الاستثناء في أهل الجنة فيصح فيه القول الأول والثالث، دون الثاني.
﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي: غير مقطوع.
﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ المرية: الشك، والإشارة إلى عبدة الأصنام؛ أي: لا تشك في فساد دين هؤلاء.
﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ﴾ أي: هم متبعون لآبائهم، تقليدًا من غير برهان.
﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ يعني: من العذاب.
[ ٢ / ٦١٢ ]
[﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣) وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥) فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾].
﴿كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾ يعني: القدر، وذلك أن الله قضى أن يفصل بينهم يوم القيامة، فلا يفصل في الدنيا.
﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ قرئ: بتشديد ﴿إِنَّ﴾، وبتخفيفها وإعمالها عمل الثقيلة.
والتنوين في ﴿كُلًّا﴾ عوضٌ من المضاف إليه؛ يعني: كلَّهم.
واللام في ﴿لَمَّا﴾ موطئة للقسم، و«ما» زائدة، و﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾.
[ ٢ / ٦١٣ ]
وقرئ ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد؛ على أن تكون ﴿إِنْ﴾ نافيةً، و﴿لَمَّا﴾ بمعنى «إِلَّا».
﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ يعني: جزاء أعمالهم.
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني: الكفار، وقيل: إنهم الظَّلَمة من الولاة وغيرهم.
﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ مستأنفٌ غير معطوف، وإنما ذكر بـ ﴿ثُمَّ﴾ لبعد النصرة.
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ الآية؛ يراد بها الصلوات المفروضة، فالطرف الأول: الصبح، والطرف الثاني: الظهر والعصر، والزُّلَف من الليل: المغرب والعشاء.
﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ لفظه عام، وخصَّصه أهل التأويل بأن الحسنات الصلوات الخمس، ويمكن أن يكون ذلك على وجه التمثيل.
رُوي أن رجلًا قبَّل امرأةً، ثم ندم، فذكر ذلك للنبي ﷺ، وصلى معه الصلاة، فنزلت الآية، فقال النبي ﷺ: «أين السائل؟»، فقال: ها أنا ذا، فقال: «قد غُفر لك»، فقال الرجل: ألي خاصة أو للمسلمين عامة؟، فقال: «للمسلمين عامة» (^١)، والآية على هذا مدنية.
وقيل: إن الآية كانت قبل ذلك، وذكرها النبي ﷺ للرجل مستدلًّا بها، والآية على هذا مكية كسائر السورة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٢٦)، ومسلم (٢٧٦٣).
[ ٢ / ٦١٤ ]
وإنما تُذهبُ الحسناتُ - عند الجمهور - الصغائرَ إذا اجتُنبتِ الكبائر.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة:
إلى الصلوات.
أو إلى كل ما تقدَّم من وعظ ووعد ووعيد.
﴿فَلَوْلَا﴾ تحضيض بمعنى «هلاَّ».
﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ أي: أولو خير ودين بقي لهم دون غيرهم.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ استثناء منقطع، معناه: ولكنَّ قليلًا ممن أنجينا من القرون ينهون عن الفساد في الأرض.
وقيل: هو متصل، فإن الكلام الذي قبله في حكم النفي؛ كأنه قال: ما كان فيهم من ينهى عن الفساد في الأرض إلَّا قليلًا، على أن الوجه في مثل هذا البدل، ويجوز فيه النصب.
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني: الذين لم ينهوا عن الفساد.
﴿بِظُلْمٍ﴾ هذا المجرور في موضع الحال من ﴿رَبُّكَ﴾، والمعنى: أنه لا يُهلك أهل القرى ظالمًا لهم، تعالى الله عن ذلك.
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني: مؤمنة، لا خلاف بينهم في الإيمان.
﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ يعني: في الأديان، والملل، والمذاهب.
﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قيل: الإشارة إلى الاختلاف.
[ ٢ / ٦١٥ ]
وقيل: إلى الرحمة.
وقيل: إليهما.
﴿وَكُلًّا نَقُصُّ﴾ انتصب ﴿كُلًّا﴾ بـ ﴿نَقُصُّ﴾، و﴿مَا﴾ بدل من ﴿كُلًّا﴾.
﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ الإشارةُ إلى السورة.
﴿اعْمَلُوا﴾ ﴿وَانتَظِرُوا﴾ تهديدٌ.
[ ٢ / ٦١٦ ]