[﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾].
قد تكلَّمنا في «البقرة» (^١) على حروف الهجاء.
وقيل: في ﴿يس﴾ إنه من أسماء النبي ﷺ.
وقيل: معناه: «يا إنسان».
﴿تَنْزِيلَ﴾ بالرفع خبر ابتداء مضمر.
وبالنصب:
مصدر.
أو مفعول بفعل مضمر.
_________________
(١) انظر (١/ ٢٦١).
[ ٣ / ٦٢٥ ]
﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ هم قريش، ويحتمل أن يدخل معهم سائر العرب وسائر الناس.
﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ ﴿مَا﴾ نافية، والمعنى: لم يرسل إليهم ولا لآبائهم رسول ينذرهم.
وقيل: المعنى: لتنذر قومًا مثل ما أنذر آباؤهم، فـ ﴿مَا﴾ على هذا: موصولة بمعنى «الذي»، أو مصدرية.
والأول أرجح؛ لقوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾، يعني: أن غفلتهم بسبب عدم إنذارهم، ويكون (^١) بمعنى قولهم: ﴿مَا أَتَاهُم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [السجدة: ٣] ولا يعارض هذا بعث الأنبياء المتقدّمين؛ فإن هؤلاء القوم لم يدركوهم هم (^٢) ولا آباؤهم الأقربون.
﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ أي: سبق القضاء.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ الآية؛ فيها ثلاثة أقوال:
الأول: أنها عبارة عن تماديهم على الكفر، ومنع الله لهم من الإيمان، فشبههم بمن جُعل في عنقه غُلٌّ يمنعه من الالتفات، وغُطي على بصره فصار لا يرى.
والثاني: أنها عبارة عن كفِّهم عن إذاية النبي ﷺ حين أراد أبو جهل أن يرميه بحجر، فرجع عنه فَزِعًا مرعوبًا.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «وتكون».
(٢) لم ترد في أ، ب، د، هـ.
[ ٣ / ٦٢٦ ]
والثالث: أن ذلك حقيقة في حالهم في جهنم.
والأول أظهر وأرجح؛ لقوله قبلها: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وقوله بعدها ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾.
﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ الذَّقَن: هو طرف الوجه حيث تنبت اللحية.
والضمير للأغلال، وذلك أن الغل حلقة في العنق، فإذا كان واسعا عريضا وصل إلى الذقن فكان أشد على المغلول.
وقيل: الضمير للأيدي، على أنها لم يتقدم لها ذكر، ولكنها تفهم من سياق الكلام؛ لأن المغلول تضم يداه (^١) في الغل إلى عنقه، وفي مصحف ابن مسعود: «إنا جعلنا في أيديهم أغلالا فهي إلى الأذقان»، وهذه القراءة تدل على هذا المعنى، وقد أنكره الزمخشري (^٢).
﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ يقال: قمح البعير: إذا رفع رأسه، وأقمحه غيره: إذا فعل به ذلك.
والمعنى: أنهم لما اشتدت الأغلال حتى وصلت إلى أذقانهم اضطرت رؤوسهم إلى الارتفاع.
وقيل: معنى ﴿مُقْمَحُونَ﴾: ممنوعون من كل خير.
﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ الآية؛ السد: الحائل بين الشيئين، وذلك عبارة عن منعهم من الإيمان.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «يده».
(٢) الكشاف (١٣/ ١٣ - ١٤).
[ ٣ / ٦٢٧ ]
﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ أي: غطينا على أبصارهم، وذلك أيضا مجاز يراد به: إضلالهم.
﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ الآية؛ ذكرنا معناها وإعرابها في «البقرة» (^١).
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ المعنى: أن الإنذار لا ينفع إلا من اتبع الذكر، وهو القرآن.
﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ معناه كقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر: ١٨]، وقد ذكرناه في «فاطر» (^٢).
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ أي: نبعثهم يوم القيامة.
وقيل: إحياؤهم: إخراجهم من الشرك إلى الإيمان.
والأول أظهر.
﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ أي: ما قدموا من أعمالهم، وما تركوه بعدهم، كعلم علموه أو تحبيس حبسوه.
وقيل: الآثار هنا: الخطا إلى المساجد، وجاء ذلك في الحديث (^٣).
_________________
(١) انظر (١/ ٢٦٩).
(٢) انظر صفحة ٢١٦.
(٣) أخرج البخاري (٦٥٥) من حديث أنس، ومسلم (٦٦٥) من حديث جابر بن عبد الله: قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال لهم: «إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد»، قالوا: نعم، يا رسول الله قد أردنا ذلك، فقال: «يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم».
[ ٣ / ٦٢٨ ]
﴿إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ أي: في كتابٍ، وهو اللوح المحفوظ، أو صحائف الأعمال.
* * *
[ ٣ / ٦٢٩ ]
[﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩) يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾].
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ الضمير لقريش، و﴿مَثَلًا﴾ و﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ مفعولان بـ ﴿اضْرِب﴾ على القول بأنها تتعدى إلى مفعولين، وهو الصحيح.
والقرية: أنطاكية.
﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ هم من الحواريين الذين أرسلهم عيسى ﵇ يدعون الناس إلى عبادة الله.
وقيل: بل هم رسل أرسلهم الله، ويدلُّ على هذا: قولُ قومهم: ﴿مَا أَنتُمْ
[ ٣ / ٦٣٠ ]
إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾، فإن هذا إنما يقال لمن ادعى أن الله أرسله.
﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ أي: قوينا الاثنين برسول ثالث، وقيل: اسمه شمعون.
﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ إنما أكدوا الخبر هنا باللام؛ لأنه جواب للمنكرين، بخلاف الموضع الأول؛ فإنه إخبار مجرد.
﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ أي: تشاءمنا، وأصل اللفظة: من زجر الطير؛ ليستدل على ما يكون من خير أو شر، وإنما تشاءموا بهم؛ لأنهم جاؤوا بدين غير دينهم.
وقيل: وقع فيهم الجذام لما كفروا.
وقيل: قحطوا.
﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: قال الرسل لأهل القرية: شؤمكم معكم؛ أي: إنما الشؤم الذي أصابكم بسبب كفركم، لا بسببنا.
﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ دخلت همزة الاستفهام على حرف الشرط، وفي الكلام حذف تقديره: أتتطيرون إن ذكرتم؟.
﴿يَسْعَى﴾ أي: يسرع؛ لجده (^١) ونصيحته.
وقيل: اسمه: حبيب النجار.
﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ أي: هؤلاء المرسلون لا يسألونكم أجرة على الإيمان، فلا تخسرون معهم شيئا من دنياكم،
_________________
(١) في ج: «بجده».
[ ٣ / ٦٣١ ]
وتربحون معهم الاهتداء في دينكم.
﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ المعنى: أي شيء يمنعني من عبادة ربي؟، وهذا توقيف وإخبار عن نفسه قصد به البيان لقومه، ولذلك قال: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فخاطبهم.
﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ﴾ هذا وصف للآلهة، والمعنى: كيف أتخذ من دون الله آلهة لا يشفعون، ولا ينقذونني من الضر.
﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ أي: إن اتخذت آلهة غير الله فإني لفي ضلال مبين.
﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾ خطاب لقومه؛ أي: اسمعوا قولي واعملوا بنصيحتي.
وقيل: خطاب للرسل؛ ليشهدوا له.
﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ قبل هذا محذوف يدل عليه الكلام، وروي في الأثر؛ وهو أن الرجل لما نصح قومه قتلوه، فلما مات قيل له: ادخل الجنة.
واختلف هل دخلها حين موته كالشهداء؟ أو هل ذلك بمعنى البشارة بالجنة ورؤيته لمقعده منها؟
﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ تمنى أن يعلم قومه بغفران الله له على إيمانه فيؤمنوا، ولذلك ورد في الحديث: «أنه نصح لهم حيا وميتا» (^١).
وقيل: أراد أن يعلموا ذلك فيندموا على فعلهم معه، ويحزنهم ذلك.
_________________
(١) قال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (٣/ ١٦٣): «رواه ابن مردويه في تفسيره».
[ ٣ / ٦٣٢ ]
﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المعنى: أن الله أهلكهم بصيحة صاحها جبريل، ولم يحتج في تعذيبهم إلى إنزال جند من السماء؛ لأنهم أهون من ذلك.
وقيل: المعنى: ما أنزل الله على قومه ملائكة رسلا كما قالت قريش: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧].
ولفظ الجند أليق بالمعنى الأول، وكذلك ذكر الصيحة بعد ذلك.
﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ ما كنا لننزل جندا من السماء على أحد.
﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ أي: ساكنون لا يتحركون ولا ينطقون.
﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ نداء للحسرة، كأنه قيل (^١): «يا حسرة احضري فهذا وقتك»، وهذا التفجع عليهم استعارة في معنى التهويل والتعظيم لما فعلوا من استهزائهم بالرسل.
ويحتمل أن يكون من كلام: الملائكة، أو المؤمنين من الناس.
وقيل: المعنى: يا حسرة العباد على أنفسهم.
﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ الضمير: لقريش، أو للعباد على الإطلاق، والرؤية هنا: بمعنى العلم.
﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾ قرئ ﴿لَمَّا﴾ بالتخفيف، وهي لام التأكيد دخلت على «ما» الزائدة، و﴿إِنْ﴾ على هذا: مخففة من الثقيلة.
وقرئ بالتشديد، وهي بمعنى «إلا»، و﴿إِنْ﴾ على هذا نافية.
_________________
(١) في ب، د، هـ: «قال».
[ ٣ / ٦٣٣ ]
[﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾]
﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ ﴿مَا﴾ معطوفة على ﴿ثَمَرِهِ﴾؛ أي: ليأكلوا من الثمر ومما (^١) عملته أيديهم بالحرث والزراعة والغراسة.
وقيل: ﴿مَا﴾ نافية.
وقرئ ﴿مَا عَمِلَتْ﴾ بغير هاء و﴿مَا﴾ على هذا: معطوفة.
﴿الْأَزْوَاجَ﴾ يعني: أصناف المخلوقات، ثم فسّرها بقوله: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ
_________________
(١) في ب، ج، د: «ومما».
[ ٣ / ٦٣٤ ]
الْأَرْضُ﴾ وما بعده، فـ «من» في المواضع الثلاثة للبيان.
﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: أشياء لا يعلمها بنو آدم كقوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨].
﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ أن نجرده منه، وهي استعارة.
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ أي: لحد وقت تنتهي إليه من فلكها، وهي نهاية جريها إلى أن ترجع في المنقلبين: الشتوي والصيفي.
وقيل: مستقرها: وقوفها كل يوم وقت الزوال، بدليل وقوف الظل حينئذ.
وقيل: مستقرها: يوم القيامة حين تكور.
وفي الحديث: «مستقرها تحت العرش تسجد فيه كل ليلة بعد غروبها» (^١)
وهذا أصح الأقوال؛ لوروده عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح.
وقرئ ﴿لَا مُسْتَقَرَّ لَهَا﴾؛ أي: لا تستقر عن جريها.
﴿وَالْقَمَرُ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ قرئ بالرفع:
على الابتداء.
أو عطف على ﴿اللَّيْلُ﴾.
وبالنصب: على إضمار فعل.
ولا بد في ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾ من حذف، تقديره: قدرنا سيره منازل.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٨٠٢)، ومسلم (١٥٩).
[ ٣ / ٦٣٥ ]
ومنازل القمر ثمانية وعشرون، ينزل القمر كل ليلة واحدة منها من أول الشهر، ثم يستتر (^١) في آخر الشهر ليلة أو ليلتين.
قال الزمخشري: «وهذه المنازل هي مواقع النجوم؛ وهي: الشرطان (^٢)، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الزبرة، الصرفة، العوا، السماك، الغفر، الزبانى، الإكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الأخبية، فرغ الدلو المقدم، فرغ الدلو المؤخر، الرشاء (^٣)» (^٤).
﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ العرجون: هو غصن النخلة، شبه القمر به إذا تناهى في نقصانه.
والتشبيه في ثلاثة أوصاف؛ وهي: الرقة، والانحناء، والصفرة.
_________________
(١) كذا في النسخ الخطية، ولعل الصواب: «يستسر»، قال ابن سيده في المحكم (٨/ ٤٠٨) «واستسر الهلال في آخر الشهر: خفي، لا يلفظ به إلا مزيدا .. والسرر والسرر والسرار والسرار كله: الليلة التي يستسر فيها القمر»، وهي الموافقة لما في الكشاف (٢/ ١١٩٠) ط: كلكتا.
(٢) في ب، ج، د: «السرطان» بالسين، والمثبت هو الصواب فالشرطان -بالشين- هو الذي يعد من منازل القمر الثمانية والعشرين، وأما السرطان -بالسين- فهو من البروج الاثني عشر. انظر: الأنواء لابن قتيبة (ص: ١٧، ١٢٠). وفي أ، هـ: «النطح»، وهو اسم لمنزلة الشرطان أيضا، والمثبت موافق لما في الكشاف (١٣/ ٥١)
(٣) في ب: «بطن الحوت»، وهو من أسماء هذه المنزلة كما في الأنواء لابن قتيبة (ص: ٨٥) والمثبت موافق لما في الكشاف.
(٤) الكشاف (١٣/ ٥١ - ٥٥).
[ ٣ / ٦٣٦ ]
ووصفه بالقديم؛ لأنه حينئذ تكون له هذه الأوصاف.
﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ المعنى: لا يمكن الشمس أن تجتمع مع القمر بالليل فتمحو نوره، هكذا قال بعضهم.
ويحتمل أن يريد: أن سير الشمس في الفلك بطيء، فإنها تقطع الفلك في سنة، وسير القمر سريع، فإنه يقطع الفلك في شهر، والبطيء لا يدرك السريع.
﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ يعني: أن كل واحد منهما جعل الله له وقتا موقتا، وحدا معلوما لا يتعداه، فلا يأتي الليل حتى ينفصل النهار، كما لا يأتي النهار حتى ينفصل الليل.
ويحتمل أن يريد: أن آية الليل وهي القمر لا تسبق آية النهار وهي الشمس؛ أي: لا تجتمع معه، فيكون المعنى كالذي قيل (١) في قوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ فحصل من ذلك: أن الشمس لا تجتمع مع القمر، وأن القمر لا يجتمع مع الشمس.
﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ذكر في «الأنبياء» (٢).
﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّاتِهِمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ معنى ﴿الْمَشْحُونِ﴾: المملوء.
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «قبل».
(٢) انظر (٣/ ١٤٣).
[ ٣ / ٦٣٧ ]
و﴿الْفُلْكِ﴾ هنا يحتمل أن يريد به:
جنس السفن.
أو سفينة نوح ﵇.
وأما الذرية: فقيل: إنه يعني الآباء الذين حملهم الله في سفينة نوح ﵇، وسمَّى الآباء ذريةً؛ لأن الذرية تناسلت (^١) منهم، وأنكر ابن عطية ذلك (^٢).
وقيل: يعني: النساء، وذلك بعيد.
والأظهر: أنه إن أراد بالفلك جنس السفن: فيعني جنس بني آدم، وإنما خصَّ ذريتهم بالذكر؛ لأنه أبلغُ في الامتنان عليهم، ولأن فيه إشارةً إلى حمل أعقابهم إلى يوم القيامة.
وإن أراد بالفلك سفينة نوح: فيعني بالذرية: مَنْ كان في السفينة، وسمَّاهم ذرية؛ لأنهم ذرية آدم ونوح، فالضمير في ﴿ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ على هذا: لنوع (^٣) بني آدم، كأنه يقول: الذرية منهم.
و﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِن مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ إن أراد بالفلك سفينة نوح: فيعني بقوله: ﴿مِن مِثْلِهِ﴾ سائر السفن التي يركبها الناس.
وإن أراد بالفلك جنس السفن: فيعني بقوله: ﴿مِن مِثْلِهِ﴾ الإبل وسائر المركوبات، فتكون المماثلة على هذا في أنه مركوبٌ لا غيرُ.
_________________
(١) في أ، هـ: «متناسلة».
(٢) المحرر الوجيز (٧/ ٢٥٠).
(٣) في ب، ج، هـ: «النوع».
[ ٣ / ٦٣٨ ]
والأول أظهر؛ لقوله: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾، ولا يتصور هذا في المركوبات غير السفن.
﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ أي: لا مغيث، ولا منقذ لهم من الغرق.
﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ قال الكسائي: نصب ﴿رَحْمَةً﴾ على الاستثناء، كأنه قال: إلا أن نرحمهم.
وقال الزجاج: نصب ﴿رَحْمَةً﴾ على المفعول من أجله، كأنه قال: إلا لأجل رحمتنا إياهم.
﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ يعني: آجالهم.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ الضمير لقريش، وجواب ﴿وَإِذَا﴾ محذوف، تقديره: «أعرضوا»، ويدل عليه: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾.
والمراد بما بين أيديهم وما خلفهم: ذنوبهم المتقدمة والمتأخرة.
وقيل: ما بين أيديهم: عذاب الأمم المتقدمة، وما خلفهم: عذاب الآخرة.
﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ كان النبي ﷺ والمؤمنون يحضون على الصدقات وإطعام المساكين فيجيبهم الكفار بهذا الجواب، وفي معناه قولان:
أحدهما: أنهم قالوا: كيف نطعم المساكين ولو شاء الله أن يطعمهم لأطعمهم، فمنذ حرمهم الله نحرمهم نحن، وهذا كقولهم: «كن مع الله على المدبر».
[ ٣ / ٦٣٩ ]
والآخر: أن قولهم ردٌّ على المؤمنين، وذلك أن المؤمنين كانوا يقولون: الأمور كلها بيد الله، فكان الكفارُ يقولون لهم: لو كان كما تزعمون لأطعم الله هؤلاء؛ فما بالكم تطلبون إطعامهم منا؟.
ومقصدهم (^١) في الوجهين: احتجاجٌ لبخلهم ومنعِهم الصدقات، واستهزاء بمن حضَّهم على الصدقة (^٢).
﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ يحتمل أن يكون:
من بقية كلامهم خطابًا للمؤمنين.
أو يكون من كلام الله خطابًا للكافرين.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ يعنون: يوم القيامة، أو نزول العذاب بهم.
﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ أي ما ينتظرون إلَّا صيحة واحدة، يعني: النفخة الأولى في الصور، وهي نفخة الصَّعْق.
﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ أي: تأخذهم بغتةً وهم يختصمون؛ أي: يتكلمون في أمورهم.
وأصل ﴿يَخِصِّمُونَ﴾: يختصمون، ثم أدغم.
وقرئ بفتح الخاء، وبكسرها، واختلاس حركتها.
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي: لا يقدرون أن يوصوا بما لهم وما عليهم؛ لسرعة الأمر.
_________________
(١) في ب، د: «ومقصودهم».
(٢) في ب: «بمن يعطي الصدقة».
[ ٣ / ٦٤٠ ]
﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: لا يستطيعون أن يرجعوا إلى منازلهم؛ لسرعة الأمر.
* * *
[ ٣ / ٦٤١ ]
[﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤) إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾].
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ هذه النفخة الثانية، وهي نفخة القيام من القبور.
و﴿الْأَجْدَاثِ﴾: هي القبور.
و﴿يَنْسِلُونَ﴾: يسرعون المشي.
وقيل: يخرجون.
﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا﴾ الويل: منادى، أو مصدر.
[ ٣ / ٦٤٢ ]
﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ المرقد: يحتمل أن يكون: اسم مصدر، أو اسم مكان.
قال أبي بن كعب ومجاهد: إن البشر ينامون نومةً قبل الحشر.
قال ابن عطية: وهذا غير صحيح الإسناد، وإنما الوجه في معنى قولهم: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ أنها استعارة وتشبيه به (^١)، يعني: أن قبورهم شبهت بالمضاجع، لكونهم فيها على هيئة الراقد (^٢)، وإن لم يكن رقادٌ (^٣) في الحقيقة.
﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ ﴿هَذَا﴾: مبتدأ، وما بعده: خبره.
وقيل: إن ﴿هَذَا﴾ صفة لـ ﴿مَرْقَدِنَا﴾، و﴿مَا وَعَدَ﴾ مبتدأ محذوف الخبر، وهذا ضعيف.
ويحتمل أن يكون هذا الكلام:
من بقية كلامهم.
أو يكون من كلام الله تعالى.
أو من كلام الملائكة.
أو المؤمنين، يقولونها (^٤) للكفار على وجه التقريع.
_________________
(١) المحرر الوجيز (٧/ ٢٥٦).
(٢) في ب: «الراقدين».
(٣) في ج، د: «راقدًا».
(٤) في ب: «يقولونه».
[ ٣ / ٦٤٣ ]
﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ يعني: النفخة الثانية، وهي نفخة القيام.
﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ قيل: هو افتضاض الأبكار.
وقيل: سماع الأوتار.
والأظهر: أنه عام في الاشتغال بالنعيم (^١) واللذات.
﴿فَاكِهُونَ﴾ قرئ:
بالألف، ومعناه: أصحاب فاكهة.
وبغير ألف، وهو في الفكاهة بمعنى الراحة والسرور.
﴿فِي ظِلَالٍ﴾ جمع ظلٍّ.
وقرئ بالضم، جمع ظُلَّةٍ.
﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة، وهي السرير.
﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ أي: ما يتمنَّون.
وقيل: معناه: أن ما يدعون به يأتيهم.
﴿سَلَامٌ﴾ مبتدأ.
وقيل: بدلٌ من ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾.
﴿قَوْلًا﴾ مصدر مؤكَّد، والمعنى: أن السلام عليهم قولٌ من الله، بواسطة الملائكة، أو بغير واسطة.
_________________
(١) في ب: «بالنعم».
[ ٣ / ٦٤٤ ]
﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ أي: انفردوا عن المؤمنين، وكونوا على حِدَةٍ.
﴿جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ الجِبِلُّ: الأمة العظيمة.
وقال الضحاك: أقلها عشرة آلاف ولا نهاية لأكثرها.
وقرئ:
بكسر الجيم والباء وتشديد اللام.
وبضمهما مع التخفيف.
وبضم الجيم وإسكان الباء.
وهي لغات بمعنى واحد.
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: نمنعهم من الكلام، فتنطق أعضاؤهم يوم القيامة.
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ هذا تهديد لقريش.
والطمس على الأعين: هو العمى، و﴿الصِّرَاطَ﴾: الطريق، و﴿أَنَّى﴾: استفهام يراد به النفي.
فمعنى الآية: لو نشاء لأعميناهم؛ فلو راموا أن يمشوا على الطريق لم يبصروه.
وقيل: يعني: عَمَى البصائر؛ أي: لو نشاء لختمنا على قلوبهم، والطريق على هذا استعارةٌ بمعنى الإيمان والخير.
[ ٣ / ٦٤٥ ]
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ﴾ هذا تهديدٌ بالمسخ.
فقيل: معناه: المسخ قردةً وخنازير، أو حجارة.
وقيل: معناه: لو نشاء لجعلناهم مقعدين مبطولين لا يستطيعون تصرُّفًا.
وقيل: إن هذا التهديد كلّه بما (^١) يكون يوم القيامة.
والأظهر أنه في الدنيا.
﴿عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ المكانة: المكان، والمعنى: لو نشاء لمسخناهم مسخًا يُقعدهم في مكانهم.
﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: إذا مُسخوا في مكانهم لم يقدروا أن يذهبوا ولا أن يرجعوا.
﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ أي: نحوّل خِلْقته من القوة إلى الضعف، ومن الفَهْم إلى البَلَه، وشبه ذلك، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤].
وإنما قصد بذكر ذلك هنا: الاستدلال على قدرته تعالى على مسخ الكفار، كما قَدَر على تنكيس الإنسان إذا هَرِمَ.
* * *
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «إنما».
[ ٣ / ٦٤٦ ]
[﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦) أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾].
﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ الضميران (^١) لمحمد ﷺ، وذلك ردٌّ على الكفار في قولهم: إنه شاعر، وكان ﷺ لا يَنظِم الشعر ولا يزنه، وإذا ذكر بيت شعر كسر وزنه.
فإن قيل: قد روي عنه ﷺ أنه قال:
أنا النَّبِي لَا كَذِب … أنا ابنُ عَبدِ المُطَّلِب
وروي عنه أيضًا ﷺ:
هل أنتَ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ … وفي سبيلِ الله ما لقيتِ
وهذا كلامٌ على وزن الشعر.
_________________
(١) في ج، د: «الضمير».
[ ٣ / ٦٤٧ ]
فالجواب: أنه ليس بشعر؛ لأنه (^١) لم يقصد به الشعر، وإنما جاء موزونًا بالاتفاق لا بالقصد، فهو كالكلام المنثور، ومثل هذا يقال فيما جاء في القرآن من الكلام الموزون.
ويقتضي قوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ تنزيه النبي ﷺ عن الشعر؛ لما فيه من الأباطيل وإفراط التجوز (^٢)، حتى يقال: «إن الشعر أطيبه أكذبه»، وليس كلُ الشعر كذلك؛ فقد قال ﷺ: «إن من الشعر لحكمة» (^٣).
وقد أكثر الناس في ذمّ الشعر ومدحه، وإنما الإنصاف قول الشافعي: الشعر كلامٌ، والكلام منه حسنٌ ومنه قبيح.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾ الضمير للقرآن؛ يعني:
أنه ذكرٌ لله.
أو تذكير للناس.
أو شرفٌ لهم.
﴿لِيُنذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ أي: حيّ القلب والبصيرة.
﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: يجب عليهم العذاب.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ مقصد الآية: تعديدُ نعمةٍ (^٤) وإقامة حجة.
_________________
(١) في ج، د: «وأنه».
(٢) في ب، ج: «التجاوز».
(٣) أخرجه البخاري (٦١٤٥).
(٤) في أ، هـ: «نعمة الله».
[ ٣ / ٦٤٨ ]
والأيدي هنا:
عند أهل التأويل: عبارةٌ عن القدرة.
وهي عند أهل التسليم: من المتشابه الذي يجب الإيمان به، وعلمه عند الله (^١).
﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ الرَّكوب -بفتح الراء-: هو المركوب.
﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ يعني: الأكلَ منها والحَمْلَ عليها، والانتفاعَ بالجلود
والصوف وغيره.
﴿وَمَشَارِبُ﴾ يعني: الألبان.
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ الضمير في ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ للأصنام، وفي ﴿نَصْرَهُمْ﴾ للمشركين.
ويحتمل العكس.
ولكنَّ الأول أرجح؛ فإنه لما ذكر أن المشركين اتخذوا الأصنام لعلهم يُنصرون: أخبر أن الأصنام لا يستطيعون نصرهم، فخاب أملهم.
﴿وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ﴾ الضمير الأول: للمشركين، والثاني: للأصنام يعني: أن المشركين يخدمون الأصنام ويتعصَّبون لهم؛ حتى إنهم لهم كالجند.
وقيل: بالعكس؛ بمعنى: أن الأصنام جندٌ محضرون لعذاب المشركين في الآخرة.
_________________
(١) انظر (٢/ ١٩٥).
[ ٣ / ٦٤٩ ]
والأول أرجح؛ لأنه تقبيح لحال المشركين.
﴿فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ تسليةٌ للنبي ﷺ، معلَّلةٌ بما بعدها.
﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ هذه الآية وما بعدها إلى آخر السورة براهينُ على الحشر يوم القيامة، وردٌّ على من أنكر ذلك.
والنطفة: هي نقطة (^١) المنيِّ التي خلق الإنسان منها، ولا شكَّ أن الإله الذي قدَرَ على خِلْقته من نطفة قادرٌ على أن يخلقه مرة أخرى عند البعث.
وسبب الآية: أن العاصي بن وائل جاء إلى النبي ﷺ بعظم رميم فقال: يا محمد من يحيي هذا؟
وقيل: إن الذي جاء بالعظم أمية بن خلف.
وقيل: أبيُّ بن خلف.
فقال له رسول الله ﷺ: «الله يحييه ويميتك ثم يحييك ويدخلك جهنم» (^٢).
﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ أي: متكلِّمٌ قادر على الخصام، يُبين ما في نفسه بلسانه.
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ إشارةٌ إلى قول الكافر: من يحيي هذا العظم؟.
﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أي: نسي الاستدلالَ بخِلْقته الأولى على بعثه.
والنسيان هنا يحتمل أن يكون بمعنى الذهول، أو الترك.
_________________
(١) انظر (٢/ ١٩٥).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٦٦) وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه».
[ ٣ / ٦٥٠ ]
﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ أي: بالية متفتتة.
﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ استدلال بالخلقة الأولى على البعث.
﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ أي: يعلم كيف يخلق كل شيء، فلا يصعب عليه بعث الأجساد بعد فنائها.
والخلق هنا يحتمل أن يكون مصدرا، أو بمعنى المخلوق.
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ هذا دليل آخر على إمكان البعث، وذلك أن الذين أنكروه من الكفار والطبائعيين قالوا: طبع الموت يضاد طبع الحياة فكيف تصير العظام حية؟ فأقام الله عليهم الدليل بخروج النار من الشجر الأخضر الممتلئ ماء، مع مضادة طبع الماء للنار.
ويعني بـ ﴿الشَّجَرِ﴾: زناد العرب، وهو شجر المرخ والعفار، فإنه يقطع من كل واحد منهما غصنا أخضر يقطر منه الماء، فيسحق المرخ على العفار، فينقدح (^١) النار بينهما.
قال ابن عباس: ليس من شجرة إلا وفيها نار إلا العناب، ولكنه في المرخ والعفار أكثر.
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ هذا دليل آخر على البعث، فإن الإله الذي قدر على خلقة السموات والأرض على عظمتها وكبر أجرامها (^٢) قادر على أن يخلق أجساد بني آدم بعد فنائها.
_________________
(١) في ب، ج: «فيقدح».
(٢) في د: «عظمتهما وكبر أجراهما».
[ ٣ / ٦٥١ ]
والضمير في ﴿مِثْلَهُمْ﴾ يعود على الناس.
﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ في ذِكْر هذه الاسمين أيضًا استدلالٌ على البعث،
وكذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾؛ لأن هذه (^١) عبارة عَنْ قدرته على جميع الأشياء، ولا شكَّ أن الخلاق العليم القدير (^٢) لا يصعب عليه إعادة الأجساد.
﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ في هذا استدلالٌ على البعث، وتنزيهٌ لله عما نسبه (^٣) الكفار إليه من العجز عن البعث، وإنهم (^٤) ما قدروا الله حق قدره، وكلُّ من أنكر البعث فإنما أنكره لجهله بقدرة الله سبحانه.
* * *
_________________
(١) في د: «هذا».
(٢) في أ، ب، ج، هـ: «القادر».
(٣) في ب، ج: «ينسبه».
(٤) في د: «فإنهم».
[ ٣ / ٦٥٢ ]