[﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣) إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤) قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾].
﴿الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ يعني: القرآن، و﴿الْمُبِينِ﴾ يحتمل:
أن يكون بمعنى البيّن، فيكون غير متعدٍّ.
أو يكون متعدّيًا، بمعنى أنه أبان الحقَّ؛ أي: أظهره.
﴿لَعَلَّكُمْ﴾ يتعلّق بـ ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾، أو بـ ﴿عَرَبِيًّا﴾.
﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ يعني: قصة يوسف، أو قصص الأنبياء على الإطلاق.
و﴿الْقَصَصِ﴾ يكون مصدرًا، أو اسم مفعول؛ بمعنى المقصوص.
فإن أريد به هنا المصدر فمفعول ﴿نَقُصُّ﴾ محذوف؛ لأن ذِكْر القرآن يدلُّ عليه.
[ ٢ / ٦١٧ ]
﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ الضمير في ﴿قَبْلِهِ﴾ للقصص؛ أي: من الغافلين عن معرفته، وفي هذا احتجاج على أنه من عند الله؛ لكونه جاء به من غير تعليم.
﴿إِذْ قَالَ﴾ العامل فيه: «اذكر» المضمر، أو ﴿الْقَصَصِ﴾.
﴿يَاأَبَتِ﴾ أي: يا أبي، والتاء للمبالغة.
وقيل: للتأنيث، وكُسِرت دلالةً على ياء المتكلم، والتاء عوض من ياء المتكلم.
﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ كرّر الفعل لطول الكلام، وأجرى الكواكب والشمس والقمر مجرى العقلاء في ضمير الجماعة؛ لما وصفها بفعل مَنْ يعقل، وهو السجود.
وتأويل الكواكب في المنام: إخوته، والشمس والقمر: أبواه، وسجودهم له: تواضعهم له ودخولهم تحت كنفه وهو مَلِك.
﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ إنما قال ذلك؛ لأنه علم أن تأويلها ارتفاع منزلته، فخاف عليه من الحسد.
﴿يَجْتَبِيكَ﴾ يختارك.
﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ قيل: هي عبارة الرؤيا، واللفظ أعم من ذلك.
﴿آلِ يَعْقُوبَ﴾ يعني: ذريته.
[ ٢ / ٦١٨ ]
[﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠) قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨) وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾].
﴿آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ أي: لمن سأل عنها، رُوي أن اليهود سألوا رسول الله ﷺ عن قصة يوسف، أو أمروا قريشًا أن يسألوه عنها، فهم السائلون على هذا، واللفظ أعم من ذلك.
﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ هو بنيامين، وهو أصغر من يوسف، ويقال إنه شقيق يوسف، وكان أصغر أولاد يعقوب.
﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي: جماعة نقدر على النفع والضر بخلاف الصَّغِيرين، والعصبة: العشرة فما فوقها إلى الأربعين.
[ ٢ / ٦١٩ ]
﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: في خطاٍ وخروجٍ عن الصواب بإفراط حبة ليوسف وأخيه.
﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ أي: لا يشارككم غيره في محبته لكم وإقباله عليكم.
﴿قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ أي: بالتوبة والاستقامة.
وقيل: هو صلاح حالهم مع أبيهم.
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ هو يهوذا، وقيل: روبيل.
﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ غَوْره، وما غاب منه.
﴿السَّيَّارَةِ﴾ جمع سيَّارٍ، وهم القوم الذين يسيرون في الأرض للتجارة، وغيرها.
﴿إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ أي: هذا هو الرأي إن فعلتموه.
﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ أي: لم تخاف عليه منا؟.
وقرأ السبعة ﴿تَأْمَنَّا﴾ بالإدغام والإشمام؛ لأن أصله بضم النون الأولى.
﴿يَرْتَعِ﴾ مَنْ قرأه بكسر العين فهو من الرَّعي:
أي: من رعي الإبل.
أو من رعي بعضهم لبعض، وحراسته.
ومن قرأه بالإسكان، فهو من الرَّتْع؛ وهو الإقامة في الخِصب والتنعُّم، والتاء على هذا أصلية، ووزن الفعل «يَفْعَلُ».
ووزنه على الأول «يَفْتَعِلُ».
[ ٢ / ٦٢٠ ]
ومن قرأ ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ بالياء: فالضمير ليوسف.
ومن قرأ بالنون: فالضمير للمتكلّمين؛ وهم إخوته.
وإنما قالوا: ﴿نَلْعَبْ﴾؛ لأنهم لم يكونوا حينئذ أنبياء، أو كان اللعب من المباح لتعلم القتال، كالمسابقة بالخيل.
﴿وَأَجْمَعُوا﴾ أي: عزموا، وجواب ﴿فَلَمَّا﴾ محذوف.
وقيل: إنه ﴿وَأَجْمَعُوا﴾، أو ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ على زيادة الواو.
﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ يحتمل أن يكون هذا الوحي: بواسطة ملك، أو بإلهام.
والضمير في ﴿إِلَيْهِ﴾ ليوسف، وقيل: ليعقوب، والأول هو الصحيح.
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ في موضع الحال:
من ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾؛ أي: لا يشعرون حين تنبئهم، فيكون خطابًا ليوسف ﵇.
أو من ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾؛ أي: لا يشعرون حين أوحينا إليه، فيكون خطابًا للمحمد ﷺ.
﴿نَسْتَبِقُ﴾ أي: نجري على أقدامنا لننظر أيُّنا يسبق.
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أي: بمصدّق لمقالتنا.
﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ أي: لا تصدِّقُنا ولو كنا عندك من أهل الصدق، فكيف وأنت تتهمنا!.
[ ٢ / ٦٢١ ]
وقيل: معناه: لا تصدقُنا وإن كنا صادقين في هذه المقالة، فذلك على وجه المغالطة منهم.
والأول أظهر.
﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي: ذي كذب، أو وُصِف بالمصدر مبالغة.
وروي أنهم لطخوا قميصه بدم جَدْيٍ، وقالوا ليعقوب: هذا دمه في قميصه، فقال لهم: ما بال الذئب أكله ولم يَخرِق قميصه؟، فاستدلَّ بذلك على كذبهم.
﴿سَوَّلَتْ﴾ زيَّنت.
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ وعد من نفسه بالصبر، وارتفاعه على أنه:
مبتدأ، تقديره: صبر جميل أمثل.
أو خبر مبتدإ، تقديره: شأني صبر جميل.
﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ رُوي أن هؤلاء (^١) السيارة من مَدين، وقيل: هم أعراب.
﴿وَارِدَهُمْ﴾ الوارد: هو الذي يستقي الماء لجماعة، ونقل السهيلي أن اسم هذا الوارد: مالك بن ذُعْرٍ من العرب العاربة، ولم يكن له ولد، فسأل يوسف أن يدعو له بالولد فدعا له، فرزقه الله اثني عشر ولدًا، أعقب كلُّ واحد منهم قبيلةً (^٢).
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «هذه».
(٢) انظر: التعريف والإعلام، للسهيلي (١٤٤).
[ ٢ / ٦٢٢ ]
﴿قَالَ يَابُشْرَى﴾ أي: نادى البُشرى، كقولك: يا حسرة، وأضافها إلى نفسه.
وقرئ: ﴿يَابُشْرَى﴾ بحذف ياء المتكلم، والمعنى كذلك.
وقيل على هذه القراءة: نادى رجلًا منهم اسمه بشرى، وهذا بعيد.
ولما أدلى الواردُ الحبلَ في الجب تعلَّق به يوسف فحينئذ قال: ﴿يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾.
﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ الضمير الفاعل للسيارة، والضمير المفعول ليوسف، أي: أخفوه من الرُّفقة، وقالوا لهم: دفعَهُ لنا قوم لنبيعه لهم بمصر.
﴿وَشَرَوْهُ﴾ أي: باعوه، والضمير أيضًا للذين أخذوه.
وقيل: الضمير لإخوة يوسف، وأنهم رجعوا إليه فقالوا للسيارة: هذا عبدنا.
﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أي: ناقصٍ عن قيمته.
وقيل: البخس هنا: الظلم.
﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ عبارةٌ عن قلَّتها.
﴿وَكَانُوا﴾ الضمير للذين أخذوه، أو لإخوته.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
[﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢) وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾].
﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ﴾ يعني: العزيز، وكان حاجب الملك وخازنه، وقال السهيلي: اسمه قِطْفِير (^١).
﴿مِنْ مِصْرَ﴾ هو البلد المعروف، ولذلك لم ينصرف.
وكان يوسف قد سيق إلى مصر، فنودي عليه في السوق حتى بلغ ثمنه وزنه ذهبًا، وقيل: فضةً، فاشتراه العزيز.
﴿تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ قد تقدَّم.
_________________
(١) انظر: التعريف والإعلام، للسهيلي (١٤٤).
[ ٢ / ٦٢٤ ]
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ في عودةِ الضمير وجهان:
أحدهما: أن يعود على الله؛ فالمعنى: أنه يفعل ما يشاء لا رادَّ لأمره.
والثاني: أنه يعود على يوسف؛ أي: يدبّر الله أمره بالحفظ له والكرامة.
﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ قيل: الأشدُّ البلوغ، وقيل: ثمانَ عشرة سنة، وقيل: ثلاث وثلاثون، وقيل: أربعون.
﴿حُكْمًا﴾ هو الحِكمة أو (^١) النبوة.
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: طلبت منه ما يكون من الرجل إلى المرأة (^٢)، وهي زليخا امرأة العزيز.
﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ روي أنها كانت سبعة أبواب.
﴿هَيْتَ لَكَ﴾ اسم فعل معناه: تعال وأقبل.
وقرئ بفتح الهاء وكسرها، وبفتح التاء وكسرها وضمها، والمعنى في ذلك كله واحد، وحركات التاء للبناء.
وأما من قرأه بالهمز؛ فهو فعل من تهيَّأْتُ، كقولك: جئت.
﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ منصوب على المصدرية، والمعنى: أعوذ بالله.
﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ يَحتمل أن يكون الضمير:
لله تعالى.
_________________
(١) في ج: «و».
(٢) في أ، ب، هـ: «للمرأة».
[ ٢ / ٦٢٥ ]
أو للذي اشتراه؛ لأن السيد يقال له ربّ، فالمعنى لا ينبغي لي أن أخونه.
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ الضمير للأمر والشأن، ويحتمل ذلك في الأوّل.
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ أكثر الناس الكلام في هذه الآية حتى ألفوا فيها التواليف، فمنهم مُفْرِط ومُفَرِّط.
وذلك أن منهم من جعل همَّ المرأة وهمَّ يوسف من حيث الفعل الذي أرادته، وذكروا في ذلك رواياتٍ من جلوسه بين رجليها، وحلِّه للتِّكَّة وغير ذلك، مما لا ينبغي أن يقال به؛ لضعف نقله، ولنزاهة الأنبياء عن مثله.
ومنهم من جعل أنها همَّت به لتضربه على امتناعه، وهمَّ بها ليقتلها، أو يضربها ليدفعها، وهو بعيدٌ، يرده قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾.
ومنهم من جعل همَّها به من حيث مرادها، وهمه بها ليدفعها، وهذا أيضًا بعيد؛ لاختلاف سياق الكلام.
والصواب إن شاء الله: أنها همت به من حيث مرادُها، وهمَّ بها كذلك، لكنه لم يعزم على ذلك، ولم يبلغ إلى ما ذُكِرَ مِنْ حلِّ التكة وغيرها، بل كان همُّه خَطْرةً خطرت على قلبه لم يُطِعْها، ولم يتابعها، ولكنه بادر إلى التوبة والإقلاع عن تلك الخطرة حتى محاها من قلبه لما رأى برهان ربه، ولا يَقْدَحُ هذا في عصمة الأنبياء؛ لأن الهمَّ بالذنب ليس بذنب، ولا نقص عليه في ذلك؛ فإنه من همَّ بذنب ثم تركه كتبت له حسنة.
﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ جوابه محذوف، تقديره: لولا أن رأى برهان ربه لخالطها، وإنما حذف؛ لأن قوله ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ يدلُّ عليه.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
وقد قيل: إن ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ هو الجواب، وهذا ضعيف؛ لأن جواب «لولا» لا يتقدَّم عليها.
واختُلف في البرهان الذي رآه:
فقيل: ناداه جبريل: يا يوسف تكون في ديوان الأنبياء وتفعل فعل السفهاء!.
وقيل: رأى يعقوب ينهاه.
وقيل: تفكَّر فاستبصر.
وقيل: رأى زليخا غطَّت وجه صنم لها حياءً منه، فقال: أنا أولى أن أستحيي من الله.
﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ﴾ الكاف:
في موضع نصب، متعلقة بفعل مضمر، التقدير: ثبتناه مثل ذلك التثبيت.
أو في موضع رفع، تقديره: الأمر مثل ذلك.
﴿السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ خيانة سيده، والوقوع في الزنا.
﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ قرئ بفتح اللام حيث وقع؛ أي: الذين أخلصهم الله لطاعته.
وبالكسر؛ أي: أخلصوا دينهم لله.
﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ معناه: سابق كل واحد منهما صاحبه إلى الباب، فقصد هو الخروج والهروب عنها، وقصدت هي أن تردَّه.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
فإن قيل: كيف قال هنا: ﴿الْبَابَ﴾ بالإفراد، وقد قال بالجمع: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾؟
فالجواب: أن المراد هنا الباب البَرَّاني الذي هو المخرج من الدار.
﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ أي: قطعته من وراء، وذلك أنها قبضت في قميصه من خلفه لتردَّه، فتخرَّق القميص، والقدُّ: القطع بالطول، والقَطُّ: بالعرض.
﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾ أي: وجدا زوجها عند الباب.
﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾ لما رأت الفضيحة عكست القضية، وادَّعت أن يوسف راودها عن نفسها، فذكرت جزاء كلِّ من فعل ذلك على العموم، ولم تصرِّح بذكر يوسف؛ لدخوله في العموم، وبناء على أن الذنب ثابت عليه بدعواها.
و﴿مَا جَزَاءُ﴾ يحتمل أن تكون «ما»: نافيةً، أو استفهامية.
﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ برَّأ نفسه من دعواها.
﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ قيل: هو ابن عمها، وقيل: كان طفلًا في المهد فتكلم.
وكونه من أهلها أوجبُ للحجة عليها وأوثقُ لبراءة يوسف.
وكونه لم يتكلم قط، ثم تكلم بذلك كرامةً ليوسف ﵇.
والتقدير: شهد شاهد فقال، أو ضُمّنت الشهادة معنى القول.
﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ لأنها كانت تدافعه فتقدُّ قميصه من قبل.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾ لأنها جبذته إلى نفسها حين فرَّ منها، فقدَّت (^١) قميصه من دبر.
﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ فاعل ﴿رَأَى﴾: زوجها، أو الشاهد.
﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ الضمير للأمر، أو لقولها: ﴿مَا جَزَاءُ﴾.
﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أي: اكتمه ولا تحدِّث به، و﴿يُوسُفُ﴾ منادى حذف منه حرف النداء؛ لأنه قريب، وفي حذف الحرف إشارة إلى تقريبه وملاطفته.
﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ﴾ خطابٌ لها، وذلك من كلام زوجها، أو من كلام الشاهد.
﴿مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ جاء بلفظ التذكير، ولم يقل «من الخاطئات»؛ تغليبًا للذكور.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «فقد».
[ ٢ / ٦٢٩ ]
[﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾].
﴿نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ أي: في مصر، روى أنهن خمس نسوة: امرأة الساقي، وامرأة الخباز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن، وامرأة الحاجب.
﴿فَتَاهَا﴾ أي: خادمها، والفتى يقال بمعنى الشاب، وبمعنى الخادم.
﴿شَغَفَهَا﴾ بلغ شغاف قلبها وهو غلافه.
وقيل: السويداء منه.
وقيل: الشغاف: داء يصل إلى القلب.
﴿سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ أي: بقولهن، وسماه مكرا؛ لأنه كان في خفية.
وقيل: كانت قد استكتمتهن سرها فأفشينه عليها.
﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ أي: أعتدت لهن ما يتكأ عليه من الفرش ونحوها.
وقيل: المتكأ: طعام.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
وقرئ في الشاذ: «مُتَّكًا» بسكون التاء وتنوين الكاف، وهو الأُتْرُجُّ.
وإعطاؤها السكاكين لهنَّ يدلُّ على أن الطعام كان مما يقطع بالسكاكين كالأترج، وقيل: كان لحمًا.
﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ أمرٌ ليوسف، وإنما أطاعها؛ لأنه كان مملوك زوجها.
﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ أي: عظَّمن شأنه وجماله.
وقيل: معنى أكبرن: حِضْنَ، والهاء للسكت، وهذا بعيد جدًّا.
﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ أي اشتغلن بالنظر إليه، وبُهِتْنَ من جماله حتى قطّعن أيديهن وهنَّ لا يشعرن كما يقطع الطعام.
﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ معناه براءة وتنزيه؛ أي: تنزيهٌ لله وتعجب من قدرته على خلقة مثله.
و«حاش» في باب الاستثناء تخفض على أنها حرف، وأجاز المبرد النصب بها على أن تكون فعلًا.
وأما هنا: فقال أبو علي الفارسي: إنها فعل، والدليل على ذلك من وجهين:
أحدهما: أنها دخلت على لام الخبر وهو اللام في قوله ﴿لِلَّهِ﴾، ولا يدخل الحرف على حرف.
والآخر: أنها حذفت منها الألف على قراءة الجماعة، والحروف لا يحذف منها شيء، وقرأها أبو عمرو بالألف على الأصل، وإنما تحذف من الأفعال كقولك: لم يكُ، ولا أدرِ.
[ ٢ / ٦٣١ ]
والفاعل بـ ﴿حَاشَ﴾ ضمير يعود على يوسف، تقديره: بَعُدَ يوسفُ عن الفاحشة لخوف الله.
وقال الزمخشري: إن ﴿حَاشَ﴾ وُضع موضع المصدر، كأنه قال: «تنزيها»، ثم قال: «لله»؛ ليبين من ينزه، قال: وإنما حذف منه التنوين مراعاةً لأصله من الحرفية (^١).
﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ أخرجنه من البشر، وجعلنه من الملائكة؛ مبالغة في وصفه بالحسن.
﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ توبيخ لهن على اللوم (^٢).
﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي: طلب العصمة، وامتنع مما أرادت منه.
﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أي: أَمِلْ (^٣)، وكلامه هذا تضرُّعٌ إلى الله.
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ أي: ظهر، والفاعل محذوف، تقديره: رأيٌ، والضمير في ﴿لَهُمْ﴾:
لزوجها وأهلها.
أو (^٤) من تشاور معه في ذلك.
﴿رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ أي: الأدلة على براءته.
_________________
(١) انظر: الكشاف (٨/ ٣١٧).
(٢) سقط من أ، ب، ج، هـ.
(٣) في أ، ب، ج، هـ: «أميل».
(٤) في أ، ب، د، هـ: «و».
[ ٢ / ٦٣٢ ]
[﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾].
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ أي: شابَّان، وقبل هذا محذوف لا بد منه، وهو: فسجنوه.
وكان يوسف قد قال لأهل السجن: إني أعْبُرُ الرؤيا، فلذلك سأله الفتيان عن منامهما.
وقيل: إنهما استعملاها ليُجرِّباه.
وقيل: رأيا ذلك حقًا.
* ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ قيل فيه: سمَّى العنب خمرًا بما يؤول إليه.
وقيل: هي لغة.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قيل: معناه: في تأويل الرؤيا.
وقيل: إحسانه إلى أهل السجن.
﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ الآية؛ تقتضي أنه وصف لهما نفسه بكثرة العلم؛ ليجعل ذلك وُصْلةً إلى دعائهما لتوحيد الله.
وفيه وجهان:
أحدهما: أنه قال: إنه يخبرهما بكل ما يأتيهما في الدنيا من طعام قبل أن يأتيهما، وذلك من الإخبار بالغيوب الذي هو معجزة للأنبياء.
والآخر: أنه قال: لا يأتيكما طعام في المنام إلَّا أخبرتكما بتأويله قبل أن يظهر تأويله في الدنيا.
﴿ذلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ رُوي أنهما قالا له: من أين لك هذا العلم وأنت لست بكاهن ولا منجم؟ فقال: ﴿ذلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾.
﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون هذا الكلام:
تعليلًا لما قبله من قوله: ﴿عَلَّمَنِي رَبِّي﴾.
أو يكون استئنافًا.
﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ نسبهما إلى السجن:
إما لأنهما سكناه.
أو لأنهما صَحِباه فيه، فكأنه قال: يا صاحبيَّ في السجن.
﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ﴾ الآية؛ دعاهما إلى توحيد الله، وأقام عليهما
[ ٢ / ٦٣٤ ]
الحجة؛ رغبة في إيمانهما.
﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً﴾ أوقع الأسماء هنا موقع المسمَّيات، والمعنى: سميتم آلهةً ما لا يستحق الإلهية، ثم عبدتموها (^١).
﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: حجة وبرهان.
﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ يعني: الملك.
﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ الظن هنا يحتمل:
أن يكون بمعنى اليقين؛ لأن قوله: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ يقتضي ذلك.
أو يكون على بابه؛ لأنه عبارة الرؤيا ظنٌّ.
﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: عند الملك.
﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ قيل: الضمير ليوسف؛ أي: نسي في ذلك الوقت أن يذكر الله، ورجا غيره، فعاقبه الله على ذلك بأن لبث في السجن.
وقيل: الضمير للذي نجا منهما، وهو السَّاقي؛ أي: نسي ذِكْرَ يوسف عند ربه، فأضاف الذِّكر إلى ربه؛ إذهو عنده، والربُّ على هذا التأويل: الملك.
﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ البضع: من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: إلى التسعة.
وروي أن يوسف ﵇ سُجِن خمس سنين أولًا، ثم سجن بعد قوله ذلك سبع سنين.
_________________
(١) في ب: «تسميتهم آلهةً ما لا يستحق الإلهية، ثم عبدوها».
[ ٢ / ٦٣٥ ]
[﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾].
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ هو ملك مصر الذي كان العزيز خادمًا له، واسمه ريان بن الوليد، وقيل: مصعب بن الريان، وكان من الفراعنة.
وقيل: إنه فرعون موسى، عُمِّر أربع مئة سنة حتى أدركه موسى، وهذا بعيد.
﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ يعني: في المنام.
﴿عِجَافٌ﴾ أي: ضعاف في غاية الهزال.
﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ خطاب لجلسائه وأهل دولته.
﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ أي: تعرفون تأويلها، يقال: عبرتُ الرؤيا بتخفيف الباء، وأنكر بعضهم التشديد، وهو مسموع من العرب.
وأدخلت اللام على المفعول به لما تقدَّم عن الفعل.
﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: تخاليطها وأباطيلها، وما يكون منها من
[ ٢ / ٦٣٦ ]
حديثُ نفسٍ ووسوسة شيطانٍ بحيث لا يُعْبَرُ.
وأصل الأضغاث: ما جُمِع من أخْلاط النبات، واحده: ضِغْثٌ.
فإن قيل: لم قال ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ بالجمع، وإنما كانت الرؤيا واحدةً؟
فالجواب: أن هذا كقولك: فلان يركب الخيل، وإن ركب فرسًا واحدًا.
﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ إمَّا أن يريدوا:
تأويل الأحلام الباطلة.
أو تأويل الأحلام على الإطلاق، وهو الأظهر.
﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ هو ساقي الملك.
﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد حينٍ.
﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ يُقَدَّر قبله محذوفٌ لا بد منه، وهو: فأرسلوه فقال: يا يوسف.
وسمَّاه صديقًا؛ لأنه كان قد جرَّب صِدْقَه في تعبير الرؤيا وغيرها، والصِّدِّيق مبالغة في الصِّدق.
﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ﴾ أي: فيمن رأى سبع بقرات، وكان الملك قد رأى سبع بقرات سمان أكلتهن سبع عجاف، فعجب كيف غلبتهنَّ؟ وكيف وسعت في بطونهنَّ؟، ورأى سبع سنبلات خضر، وقد التفتْ بها سبعٌ يابسات، حتى غطَّتْ خضرتها.
﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ﴾ هذا تعبيرٌ للرؤيا، وذلك أنه عبَّر البقرات السّمان
[ ٢ / ٦٣٧ ]
بسبع سنين مخصبةٍ، وعبّر البقرات العجاف بسبع سنين مجدبةٍ، وكذلك السنبلات الخضر واليابسة.
﴿دَأْبًا﴾ بسكون الهمزة وفتحها، مصدر دأب على العمل: إذا داوم عليه، وهو مصدر في موضع الحال.
﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ﴾ هذا رأيٌ أرشدهم يوسف إليه، وذلك أن أرض مصر لا يبقى فيها الطعام عامين، فعلَّمهم حيلةً يبقى بها من السنين المخصبة إلى السنين المجدبة، وهي أن يتركوه في سنبله غير مدروس (^١)، فإن الحبة إذا بقيت في غشائها انحفظت.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ أي: لا تَدْرُسُوا منه إلَّا ما يُحتاج للأكل خاصة.
﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ يعني: سبع سنين ذات شدَّةٍ وجوع.
﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أي: تأكلون فيهنَّ ما اختزنتم من الطعام في سنبله، وأسند الأكل إلى السنين مجازًا.
﴿مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ أي: تُحْرِزون (^٢) وتُخَبِّئون.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾ هذا زيادةٌ على ما تقتضيه الرؤيا، وهو الإخبار بالعام الثامن.
﴿يُغَاثُ النَّاسُ﴾ يحتمل أن يكون:
من الغيث؛ أي: يُمطرون.
_________________
(١) درَس الحنطةَ دِرَاسًا: إذا داسها. لسان العرب (٧/ ٣٨٢).
(٢) في د: «تخزنون».
[ ٢ / ٦٣٨ ]
أو من الغوث؛ أي: يفرِّجُ الله عنهم.
﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أي: يعصرون الزيتون والعنب والسمسم وغير ذلك مما يعصر.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
[﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾].
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ قَبْلَ هَذا محذوفٌ، وهو: فرجع الرسول إلى الملك فقصَّ عليه مقالة يوسف، فرأى علمه وعقله، فقال: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾.
﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ﴾ لما أمر الملك بإخراج يوسف من السجن وإتيانه إليه، أراد يوسف أن يبرِّئ نفسه مما نُسب إليه من مراودة امرأة العزيز عن نفسها، وأن يُعلم الملك وغيره أنه سُجن ظلمًا، فذكَر طرفًا من قصَّته لينظر الملك فيها فيتبيَّن له الأمر، وكان هذا الفعل من يوسف صبرًا وحلمًا، إذا لم يُجب إلى الخروج من السجن ساعةَ دُعِيَ إلى ذلك بعد طول المدَّة، ومع ذلك فإنه لم يذكر امرأة العزيز؛ رَعْيًا لِذِمَام زوجها وستْرًا لها، بل ذكر النسوة اللَّاتي قطَّعن أيديهنَّ.
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ﴾ الآيَةُ؛ جمع الملك النسوة وامرأة العزيز معهنَّ، فسألهنَّ عن قصة يوسف، وأسند المراودة إلى جميعهن؛ لأنه لم يكن عنده علم بأنَّ امرأة العزيز هي التي راودته وحدها.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ تبرئةٌ ليوسف.
أو تبرئةٌ لأنفسهن من مراودته، وتكون تبرئة يوسف بقولهن: ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾.
﴿الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أي: تبَيَّن وظهر، ثم اعترفت على نفسها بالحق.
﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ قيل: إنه من كلام امرأة العزيز متصلًا بما قبله، والضمير في ﴿لِيَعْلَمَ﴾ و﴿أَخُنْهُ﴾ على هذا ليوسف ﵇؛ أي: ليعلم يوسف أني لم أكذب عليه في حال غيبته، والإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى توبتها وإقرارها.
وقيل: إنه من كلام يوسف ﵇، فالضمير للعزيز؛ أي: لم أخنه في زوجته في غيبته، بل تعفَّفتُ عنها، والإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى توقُّفه عن الخروج من السجن حتى تظهر براءته.
﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ اختلف أيضًا هل هو من كلام امرأة العزيز، أو من كلام يوسف؟.
فإن كان من كلامها: فهو اعترافٌ بعد الاعتراف.
وإن كان من كلامه:
فهو اعترافٌ بما همَّ به على وجه خُطُورِهِ على قلبه، لا على وجه العزم والقصد.
أو قاله في عموم الأحوال على وجه التواضع.
﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ النفس هنا للجنس، والنفوس ثلاثة أنواع:
[ ٢ / ٦٤١ ]
أمارة بالسوء، ولوَّامة؛ وهي التي تلوم صاحبها، ومطمئنة.
﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ استثناءٌ من ﴿النَّفْسَ﴾؛ إذ هي بمعنى النُّفوس، أي: إلَّا النفس المرحومة وهي المطمئنة، فـ «ما» على هذا بمعنى الذي.
ويحتمل أن تكون ظرفية؛ أي: إلَّا حين رحمة الله.
﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أي: أجعله خاصَّتي وخلاصتي، قال أولًا: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾، فلما تبين له حاله قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾.
﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ أي: لما رأى حُسن كلامه وعرف وفور عقله وعلمه قال: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾، والمكين: من التَّمكين، والأمين: من الأمانة.
﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ لما فهم يوسف من الملك أنه يريد تصريفه والاستعانة به قال له ذلك، وإنما طلب منه الولاية رغبةً منه في العدل وإقامة الحق والإحسان، وكان هذا الملك كافرًا.
ويُستدلُّ بذلك على أنه يجوز للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر إذا علم أنه يُصلح بعض الأحوال.
وقيل: إن الملك أسلم.
وأراد بقوله: ﴿خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾: أرض مصر؛ إذ لم يكن للملك غيرها، والخزائن: كل ما يختزن من طعام ومال وغير ذلك.
﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ صفتان تعمُّ (^١) وجوه المعرفة والضبط للخزائن.
_________________
(١) في هامش أ: «تَعُمَّان».
[ ٢ / ٦٤٢ ]
وقيل: حفيظٌ للحساب، عليمٌ بالألسن، واللفظ أعم من ذلك.
ويُستدلُّ بذلك أنه يجوز للرجل أن يعرِّف بنفسه ويمدح نفسه بالحق إذا جُهل أمره، وإذا (^١) كان في ذلك فائدة.
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ الإشارة بـ «ذلك» إلى ما تقدَّم من جميل صنع الله به.
ورُوي أن الملك ولَّاه في موضع العزيز، وأسند إليه جميع الأمور حتى تغلَّب على أمره، وأن امرأة العزيز شاخت وافتقرت، فتزوجها يوسف ودعا الله، فردَّ عليها جمالها وشبابها، وأنه باع من أهل مصر في أعوام القحط الطعام بالدنانير والدراهم في السنة الأولى حتى لم يبق لهم شيء منها، ثم بالحلي، ثم بالدواب، ثم بالضِّياع والعقار، ثم برقابهم حتى تملَّكهم جميعًا، ثم أعتقهم وردَّ عليهم أملاكهم.
﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ الرحمة هنا: يراد بها الدنيا، وكذلك الأجر في قوله: ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ بدليل قوله بعد ذلك: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾، فأخبر تعالى أن رحمته في الدنيا يصيب بها من يشاء من مؤمن وكافر ومطيع وعاص، وأن المحسن لا بدَّ له من أجره في الدنيا، فالأول: في المشيئة، والثاني: واقعٌ لا محالة، ثم أخبر أن أجر الآخرة خيرٌ من ذلك كلّه للذين آمنوا وكانوا يتقون.
وفي الآية إشارةٌ إلى أن يوسف ﵇ جمع الله له بين خيري الدنيا والآخرة.
_________________
(١) في أ، هـ: «أو إذا».
[ ٢ / ٦٤٣ ]
[﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾].
﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾ كان سبب مجيئهم أنهم أصابتهم مجاعة في بلادهم فخرجوا إلى مصر ليشتروا بها من الطعام الذي ادّخره يوسف.
﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ إنما أنكروه لبعد العهد به وتغير سنّه، أو لأنه كان متلثما.
وروي أنهم دخلوا عليه وهو على (^١) هيئة عظيمة من الملك، وأنه سألهم
_________________
(١) في د: «في».
[ ٢ / ٦٤٤ ]
عن أحوالهم، وأخبروه أنهم تركوا أخًا لهم (عند أبيهم) (^١)، فحينئذ قال لهم: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾، وهو بنيامين شقيق يوسف.
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ الْجهاز: ما يحتاج إليه المسافر من زاد وغيره، والمراد به هنا: الطعام الذي باع منهم.
﴿خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ أي: المضيفين.
﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ أي: نفعل ذلك لا محالة.
﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ جمع فتًى، وهو الخادم سواء كان حرًا أو عبدًا.
﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ أمر أن يجعلوا البضاعة التي اشتروا منه بها الطعام في أوعيتهم.
﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾ أي: لعلهم يعرفون اليد والكرامة في ردِّ البضاعة إليهم، وليس الضمير للبضاعة.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: لعل معرفتهم بها تدعوهم إلى الرجوع، وقصد بردِّ البضاعة إليهم مع الطعام استئلافهم بالإحسان إليهم.
﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ إشارة إلى قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾، فهو خوف من المنع في المستقبل.
﴿نَكْتَلْ﴾ وزنه نَفْتَعِل من الكيل.
﴿مَا نَبْغِي﴾ ﴿مَا﴾ استفهامية، و﴿نَبْغِي﴾ بمعنى: نطلب، والمعنى: أيُّ شيء نطلبه بعد هذه الكرامة، وهي ردُّ البضاعة مع الطعام؟.
_________________
(١) لم ترد في أ، ج، هـ.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
ويحتمل أن تكون ﴿مَا﴾ نافية، و﴿نَبْغِي﴾ من البغي؛ أي: لا نتعدَّى على أخينا ولا نكذب على الملك.
﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي: نسوق لهم الطعام.
﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ يريدون بعير أخيهم؛ إذ كان يوسف لا يعطي إلا كيل بعير من الطعام لإنسان، فأعطاهم عشرة أبعرة، ومنعهم الحادي عشر؛ لغيبة صاحبه حتى يأتي، والبعير: الجمل.
﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ إن كانت الإشارة إلى الأحمال فالمعنى: أنها قليلة لا تكفيهم حتى يضاف إليها كيل بعير.
وإن كانت الإشارة إلى ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ فالمعنى: أنه يسيرٌ على يوسف؛ أي: قليل عنده أو سهلٌ عليه، فلا يمنعهم منه.
﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أراد أن يحلفوا له، و﴿لَتَأْتُنَّنِي﴾ جواب اليمين.
﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ إلَّا أن تُغلبوا، فلا تطيقون الإتيان به.
﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ خاف عليهم من العين إن دخلوا مجتمعين؛ إذ كانوا أهل جمالٍ وهيئة.
﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم﴾ جواب ﴿وَلَمَّا﴾، والمعنى: أن ذلك لا يدفع ما قضى الله.
﴿إِلَّا حَاجَةً﴾ استثناءٌ منقطع، والحاجة هنا: هي شفقته عليهم ووصيته لهم.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
[﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧) قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾].
﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ أي: ضمَّه.
﴿قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ أخبره بأنه أخوه، واستكتمه ذلك.
﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ أي: لا تحزن؛ وهو من البؤس.
﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الضمير لإخوة يوسف، ويعني: ما فعلوا بيوسف وأخيه.
ويحتمل أن يكون لفتيانه؛ أي: لا تبالي بما تراه من تحيلي في أخذك.
﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ السِّقاية هي الصواع، وهو إناءٌ يشرب به.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
الملك، ويكال به الطعام، وكان من فضة، وقيل: من ذهب.
وقصَد بجعْلِه في رحل أخيه أن يحتال على إمساكه معه؛ إذ كان شَرْعُ يعقوب أنَّ مَنْ سرَق استعبَده المسروقُ له.
﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أي: نادى منادٍ.
﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ أي: أيتها الرفقة.
﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ خطابٌ لأخوة يوسف، وإنما استحلَّ أن يرميَهم بالسرقة لما في ذلك من المصلحة من إمساك أخيه.
وقيل: إن حافظ السقاية نادى: إنكم لسارقون، بغير أمر يوسف، وهذا بعيدٌ؛ لتفتيش الأوعية.
﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أي: لمن وجده ورده حِمْلُ بعير من طعام على وجه الجُعْل.
﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أي: ضامنٌ لحمل البعير لمن ردَّ الصواع، وهذا من كلام المنادي.
﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ استشهدوا بعلمهم؛ لما ظهر لهم من ديانتهم في دخولهم أرضهم، حتى كانوا يجعلون الأكِمَّةَ في أفواه إبلهم؛ لئلا تنال زروع الناس.
﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾ أي: قال فتيان يوسف: ما جزاء آخِذ الصواع إن كنتم كاذبين في قولكم: ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾، فالضمير في قوله: ﴿جَزَاؤُهُ﴾ يعود على الآخِذ المفهوم من الكلام.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ المعنى: أن إخوة يوسف أفتوا فيما سُئلوا عنه فقالوا: جزاء السارق أن يُستعبد، ويُؤخَذَ في السرقة.
وأما الإعراب فيحتمل وجهين:
الأول: أن يكون ﴿جَزَاؤُهُ﴾ الأول مبتدأ، و﴿مَنْ﴾ مبتدأ وهي شرطية أو موصولة، وخبرها ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾، والجملة خبر ﴿جَزَاؤُهُ﴾ الأول.
والوجه الثاني: أن يكون ﴿مَنْ﴾ خبر المبتدأ الأول على حذف مضاف، وتقديره: جزاؤه أخذُ مَنْ وُجد في رحله، وتمَّ الكلام، ثم قال: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾؛ أي: هذا الحكم جزاؤه.
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ من كلام إخوة يوسف؛ أي: هذا حُكمنا في السارق.
وقد كان هذا الحكم في أول الإسلام، ثم نسخ بقطع الأيدي.
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ هذا تمكين للحيلة، ورفع للتهمة.
﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ ليصحَّ له بذلك إمساكه معه، وإنما أنَّث الصواع في هذا الموضع؛ لأنه سقاية، أو لأن الصواع يذكَّر ويؤنث.
﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ أي: صنعنا له هذا الصُّنع.
﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي: في شَرْعه أو عادته؛ لأنه إنما كان جزاء السارق عنده أن يُضرب ويُضعَّف عليه الغرم، ولكن حكم في هذه القضية بحكم آل يعقوب.
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ يعني: الرفعة بالعلم؛ بدليل ما بعده.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ أي: فوق كل عالم مَنْ هو أعلم منه من البشر، أو الله ﷿.
﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ الضمير في ﴿قَالُوا﴾ لإخوة يوسف، وأشاروا إلى يوسف، ومعنى كلامهم: إن يسرق بنيامين فقد سرق أخوه يوسف من قبل؛ فهذا الأمر إنما صدر من ابني راحيل (^١)، لا مِنَّا، وقصدوا بذلك رفع المَعَرَّة عن أنفسهم، ورموا بها يوسف وشقيقه.
واختلف في السرقة التي رموا بها يوسف على ثلاثة أقوال:
الأول: أن عمّته ربَّتْه، فأراد والده أن يأخذه منها، وكانت تحبه ولا تصبر عنه، فجعلت عليه مِنْطَقَةً لها، ثم قالت: إنه أخذها، فاستعبدته بذلك، وبقي عندها إلى أن ماتت.
والثاني: أنه أخذ صنما لجدِّه والدِ أمِّه فكسره.
والثالث: أنه كان يأخذ الطعام من دار أبيه ويعطيه المساكين.
﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ قال الزمخشري: الضمير للجملة التي بعد ذلك؛ وهي قوله: ﴿أَنتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾، والمعنى: قال في نفسه: ﴿أَنتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ (^٢).
وقال ابن عطية: الضمير للحزازة التي وجد في نفسه من قولهم: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، أسرّ كراهية مقالتهم، ثم جاهرهم بقوله: ﴿أَنتُمْ
_________________
(١) راحيل: اسم أمِّ يوسف وبنيامين.
(٢) انظر: الكشاف (٨/ ٤٠١ - ٤٠٣).
[ ٢ / ٦٥٠ ]
شَرٌّ مَكَانًا﴾؛ أي: لسوء أفعالكم (^١).
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ إشارةٌ إلى كذبهم فيما وصفوه به من السرقة.
﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ استعطافٌ، وكانوا قد أعلموه بشدَّة محبة أبيه فيه.
﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ على وجه: الضمان، أو (^٢) الاسترهان، أو الاستعباد، وهذا هو الأظهر؛ لقوله: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ﴾.
﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: أحسنت إلينا فيما فعلت معنا قبلُ، أو على الإطلاق.
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ١٢٦).
(٢) في ب: «و».
[ ٢ / ٦٥١ ]
[﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦) يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾].
﴿اسْتَيْأَسُوا﴾ أي: يئسوا.
﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أي: انفردوا عن غيرهم يناجي بعضهم بعضا.
والنجي يكون: بمعنى المناجي، ومصدرًا.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قيل: كبيرهم في السن؛ وهو روبيل.
وقيل: كبيرهم في الرأي؛ وهو شمعون.
وقيل: يهوذا.
﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ تحتمل ﴿مَا﴾ وجوهًا:
الأول: أن تكون زائدةً.
والثاني: أن تكون مصدريةً، ومحلها الرفع بالابتداء، تقديره وقع من قبلُ (^١) تفريطكم في يوسف.
والثالث: أن تكون موصولةً، ومحلها أيضًا الرفع كذلك.
والأول أظهر.
﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ يريد: الموضع الذي وقعت فيه القصة.
﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾ من قول كبيرهم.
وقيل: من قول يوسف، وهو بعيد.
﴿إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ قرأ الجمهور بفتح السين والراء.
وروي عن الكسائي «سُرِّقَ» بضم السين وكسر وتشديد الراء؛ أي: نُسبتْ له السرقة.
﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ أي: قولنا لك: ﴿إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ إنما هي شهادة بما علمنا من ظاهر ما جرى.
_________________
(١) في هامش ب زيادة «هذا».
[ ٢ / ٦٥٣ ]
﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ أي: لا نعلم الغيب هل ذلك حقٌّ في نفس الأمر، أم لا؛ إذ يمكن أن دُسَّ الصُّواع في رحله من غير علمه.
وقال الزمخشري: المعنى: ما شهدنا إلَّا بما علمنا من سرقته وتيقَّنَّاه؛ لأن الصواع استُخرج من وعائه، ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ أي: ما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الميثاق (^١).
وقراءة ﴿سَرَقَ﴾ بالفتح تعضد قول الزمخشري، والقراءة بالضم تعضد القول الأول.
﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ تقديره: واسأل أهل القرية، وكذلك: أهل العير؛ يعنون الرفقة، هذا قول الجمهور.
وقيل: المراد سؤال القرية بنفسها والعير بنفسها، ولا يبعد أن تخبره الجمادات؛ لأنه نبيٌّ.
والأول أظهر وأشهر على أنه مجاز.
والقرية هنا: هي مصر.
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ﴾ قبله محذوفٌ تقديره: فرجعوا إلى أبيهم فقالوا له هذا الكلام، فقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ الآية.
﴿بِهِمْ جَمِيعًا﴾ يعني: يوسف، وأخاه بنيامين، وأخاهم الكبير الذي قال: لن أبرح الأرض.
﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ لما لم يصدِّقهم أعرض عنهم، ورجع إلى التأسُّف.
_________________
(١) انظر: الكشاف (٨/ ٤١٠).
[ ٢ / ٦٥٤ ]
﴿وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾ تأسَّف على يوسف، دون أخيه الثاني والثالث الذهبين؛ لأن حُزْنَه عليه كان أشدَّ؛ لإفراط محبته، ولأن مصيبته كانت السابقة.
﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ أي: من البكاء الذي هو ثمرة الحزن، فقيل: إنه عَمِيَ، وقيل: إنه كان يدرك إدراكًا ضعيفًا.
وروي عن النبي ﷺ: أن يعقوب حَزِنَ حُزْنَ سبعين ثكلى، وأعطي أجر مئة شهيد، وما ساء ظنُّه بالله قطُّ (^١).
﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ قيل: إنه فعيل بمعنى فاعل؛ أي: كاظِم لحزنه لا يظهره لأحد، ولا يشكو إلَّا إلى لله (^٢).
وقيل: بمعنى مفعول، كقوله: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨]؛ أي: مملوءُ القلب بالحزن، أو بالغيظ على أولاده.
وقيل: الكظيم: الشديدُ الحُزْنِ.
﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ أي: لا تفتؤ، والمعنى: لا تزال، وحذف حرف النفي؛ لأنه لا يلتبسُ بالإثبات؛ لأنه لو كان إثباتًا لكان مؤكدًا باللام والنون.
﴿حَرَضًا﴾ أي: مشفيًا (^٣) على الهلاك.
﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ ردَّ عليهم تفنيدهم له؛ أي: إنما
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٣٠٧ - ٣٠٨).
(٢) في أ، ب: «إلَّا لله».
(٣) في د: «مشرفًا».
[ ٢ / ٦٥٥ ]
أشكو إلى الله، لا إليكم ولا لغيركم.
والبثُّ: أشدّ الحزن.
﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أعلم من لطفه ورأفته ورحمته ما يوجب حسن ظنِّي به، وقوة رجائي فيه.
﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا﴾ يعني: إلى الأرض التي تركتم بها أخويكم.
﴿فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ أي: تعرَّفوا خبرَهما، والتحسُّسُ: طلب الشيء بالحواس؛ السمع والبصر.
وإنما لم يذكر الولد الثالث؛ لأنه بقي هناك اختيارًا منه، ولأن يوسف وأخاه كانا أحبَّ إليه.
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ أي: من رحمة الله.
﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ إنما جعل اليأس من صفة الكافر؛ لأن سببه تكذيب الربوبية، أو جهل بصفات الله من قدرته وفضله ورحمته.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أي: على يوسف، وقَبْلَ هذا محذوف؛ تقديره: فرجعوا إلى مصر.
﴿الضُّرُّ﴾ يريدون به: المجاعة، أو الهمَّ على إخوتهم.
﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ يعنون الدراهم التي جاؤوا بها لشراء الطعام، والمزجاة: القليلة، وقيل: الرديئة، وقيل: الناقصة.
وقيل: إن بضاعتهم كانت عُروضًا؛ فلذلك قالوا هذا.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ قيل: يعنون بما بين الدراهم الجياد ودراهمهم.
وقيل: أوف لنا الكيل الذي هو حَقُّنَا، وزدنا على حَقُّنَا، وسموا الزيادة صدقة، ويقتضي هذا أن الصدقة كانت حلالًا للأنبياء قبل محمد ﷺ.
وقيل: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ برَدِّ أخينا إلينا.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ قال النقاش: هو من المعاريض؛ وذلك أنهم كانوا يعتقدون أنه كافر؛ لأنهم لم يعرفوه، فظنوا أنه على دين أهل مصر، فلو قالوا: إن الله يَجْزِيك بصدقتك كذبوا، فقالوا لفظًا يوهم أنهم أرادوه وهم لم يريدوه.
﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ لما شكوا إليه رَقَّ لهم وعرَّفهم بنفسه.
ورُوِي أنه كان يكلمهم وعلى وجهه لثام، ثم أزال اللثام ليعرفوه.
وأراد بقوله: ﴿مَا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ التفريق بينهما في الصغر، ومضرَّتهم ليوسف، وإذاية أخيه من بعده؛ فإنهم كانوا يُذلُّونه ويشتمونه.
﴿إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾ اعتذارٌ عنهم؛ فيحتمل أن يريد: الجهل بقبح ما فعلوه، أو جهل الشباب.
﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ قرئ بالاستفهام، والخبر.
فالخبر على أنهم عرفوه.
والاستفهام على أنهم توهَّموا أنه هو ولم يحقِّقوه.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
﴿مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ قيل: أراد مَنْ يتق في ترك المعصية، ويصبر على السجن.
واللفظ أعمُّ من ذلك.
﴿آثَرَكَ اللَّهُ﴾ أي: فضَّلك.
﴿لَخَاطِئِينَ﴾ أي: عاصين، وفي كلامهم استعطاف واعتراف.
﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ عفوٌ جميل، والتثريب: التعنيف، أو العقوبة.
وقوله: ﴿الْيَوْمَ﴾ راجعٌ إلى ما قبله فيوقف عليه، وهو يتعلَّق بالتثريب، أو بالمقدَّر في ﴿عَلَيْكُمُ﴾ من معنى الاستقرار.
وقيل: إنه يتعلَّق بـ ﴿يَغْفِرُ﴾، وذلك بعيد؛ لأنه تحكُّمٌ على الله؛ وإنما ﴿يَغْفِرُ﴾ دعاءٌ، فكأنه أسقط حقَّ نفسه بقوله: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾، ثم دعا الله (^١) أن يغفر لهم حقَّه.
﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي﴾ روي أن هذا القميص كان لإبراهيم، كساه الله له حين أُخرِج من النار، وكان من ثياب الجنة، ثم صار لإسحاق، ثم ليعقوب، ثم دفعه يعقوب ليوسف، وهذا يحتاج إلى سند يوثق به.
والظاهر: أنه كان قميص يوسف الذي بمنزلة قميص كلِّ أحدٍ.
﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ الظاهر: أنه عَلِمَ ذلك بوحي من الله.
_________________
(١) في ب، د، هـ: «دعا إلى الله».
[ ٢ / ٦٥٨ ]
[﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾].
﴿فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ أي: خرجت من مصر متوجهةً إلى يعقوب.
﴿قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ كان يعقوب ببيت المقدس، ووجد ريح القميص وبينهما مسافة بعيدة.
﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ أي: تلومونني أو تردون عليَّ قولي.
وقيل: معناه: تقولون: ذهب عقلك؛ لأن الفَنَد هو الخَرَفُ.
﴿لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ أي: ذهابك عن الصواب؛ بإفراط محبتك في يوسف قديمًا.
﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ روي أن البشير يهوذا؛ لأنه كان جاء بقميص الدَّمِ،
[ ٢ / ٦٥٩ ]
فقال لإخوته: إني ذهبت إليه بقميص التَّرْحة؛ فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة.
﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ ووعدهم بالاستغفار لهم، فقيل: سوَّفهم إلى السَّحَر؛ لأن الدعاء يستجاب فيه، وقيل: إلى ليلة الجمعة.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ﴾ هنا محذوفاتٌ يدلُّ عليها الكلام؛ وهي: فرحَلَ يعقوب بأهله حتى بلغوا يوسف.
﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ أي: ضمَّهما، أراد (^١) بالأبوين: أباه وأمه.
وقيل: أباه وخالته؛ لأن أمه كانت قد ماتت، وسمَّى (^٢) الخالةَ على هذا أمَّا.
﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ راجعٌ إلى الأمن الذي في قوله: ﴿آمِنِينَ﴾.
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي: على سرير الملك.
﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ كان السجود عندهم تحيةً وكرامة، لا عبادة.
﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: حين رأى الأحد عشر كوكبًا والشمس والقمر يسجدون له.
وكان بَيْنَ رؤياه وبين ظهور تأويلها ثمانون عامًا، وقيل: أربعون.
﴿أَحْسَنَ بِي﴾ يقال: أحسن به وإليه.
_________________
(١) في د: «وأراد».
(٢) في د: «وتسمَّى».
[ ٢ / ٦٦٠ ]
﴿أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ إنما لم يقل أخرجني من الجبّ لوجهين:
أحدهما: أن في ذكر الجب خِزْيُ إخوته، وتعريفهم بما فعلوا؛ فترك ذكره؛ توقيرًا لهم.
والآخر: أنه خرج من الجب إلى الرقّ، ومن السجن إلى الملك؛ فالنعمة به أكثر.
﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ أي: من البادية، وكانوا أصحاب إبل وغنم، فعدَّ في النَّعَم مجيئهم للحاضرة.
﴿نَزَغَ الشَّيْطَانُ﴾ أي: أفسد وأغوى.
﴿لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ أي: لطيف التدبير لما يشاء من الأمور.
﴿مِنَ الْمُلْكِ﴾ «من» للتبعيض؛ لأنه لم يعطه الله إلَّا بعض ملك الدنيا، بل بعض ملك مصر.
﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ لما عدَّد النعم التي أنعم الله عليه اشتاق إلى لقاء ربه ولقاء الصالحين من سلفه وغيرهم، فدعا بالموت.
وقيل: ليس ذلك دعاءً بالموت، وإنما دعا أن الله يتمُّ عليه النعم بالوفاة على الإسلام إذا حان أجله.
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ احتجاجٌ على صحة نبوة النبي ﷺ بإخباره بالغيوب.
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ؛ تأكيدًا لحجته، والضمير لإخوة يوسف.
﴿إِذْ أَجْمَعُوا﴾ أي: عزموا.
[ ٢ / ٦٦١ ]
﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ يعني: فِعْلَهم بيوسف.
﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ عمومٌ؛ لأن الكفار أكثر من المؤمنين.
وقيل: أراد أهل مكة.
﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ اعتراضٌ؛ أي: لا يؤمنون، ولو حَرَصْتَ على إيمانهم.
﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: لست تسألهم أجرًا على الإيمان، فيثقل عليهم بسبب ذلك.
وهكذا معناه حيث وقع.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
[﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾].
﴿وَكَأَيِّن مِنْ آيَةٍ﴾ يعني: المخلوقات والحوادث الدالة على الله سبحانه.
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ نزلت في كفار العرب الذي يُقِرُّون بالله ويعبدون معه غيره.
وقيل: في أهل الكتاب؛ لقولهم: عزير ابن الله، (والمسيح ابن الله) (^١).
﴿غَاشِيَةٌ﴾ هي ما يغشى ويغمُّ.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ إشارةٌ إلى شريعة الإسلام.
﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ أي: أدعو الناس إلى عبادة الله، وأنا على
_________________
(١) سقط من أ، ب، هـ.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
بصيرة من أمري وحجة واضحة.
﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾: ﴿أَنَا﴾ تأكيدٌ للضمير في ﴿أَدْعُو﴾، و﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ معطوفٌ عليه، و﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ في موضع الحال.
وقيل: ﴿أَنَا﴾ مبتدأٌ، و﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ خبره، فعلى هذا: يوقف على قوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾، وهذا ضعيف.
﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تقديره: وأقول: سبحان الله.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ ردٌّ على من أنكر أن يكون النبي من البشر.
وقيل: فيه إشارةٌ إلى أنه لم يبعث رسولًا من النساء.
﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ أي: من أهل المدن، لا من أهل البوادي؛ فإن الله لم يبعث رسولًا من أهل البادية؛ لجفائهم (^١).
﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ متصلٌ في المعنى بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ إلى قوله: ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.
ويأْسُهم يحتمل أن يكون:
من إيمان قومهم.
أو من النصر.
والأول أحسن.
_________________
(١) في ب: «لجهالتهم».
[ ٢ / ٦٦٤ ]
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ قرئ بتشديد الذال وتخفيفها.
فأما التشديد: فالضمير في ﴿وَظَنُّوا﴾ و﴿كُذِّبُوا﴾ للرسل.
والظن يحتمل أن يكون: على بابه، أو بمعنى اليقين؛ أي: علم الرسل أن قومهم قد كذَّبوهم فيئسوا من إيمانهم.
وأما التخفيف: فالضميران فيه للقوم المرسَل إليهم؛ أي: ظنُّوا أن الرسل قد كذبوهم فيما ادَّعَوْا من الرسالة، أو من النُّصرة عليهم.
﴿فِي قَصَصِهِمْ﴾ الضمير: للرسل على الإطلاق، أو ليوسف وإخوته.
﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ يعني: القرآن.
﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ تقدَّم معناه في «البقرة» (^١).
_________________
(١) انظر: ١/ ٣٠٨.
[ ٢ / ٦٦٥ ]