لابن جزيٍّ أشعار رائقة مستحسنة، تدلُّ على ذائقة أدبية رائعة، منها قوله:
لكلِّ بني الدنيا مراد ومقصد … وإنّ مرادي صحّة وفراغ
لأبلغ في علم الشّريعة مبلغا … يكون به لي للجنان بلاغ
وفي مثل هذا فلينافس أولو النهى … وحسبي من الدنيا الغرور بلاغ
فما الفوز إلّا في نعيم مؤبّد … به العيش رغْد والشراب يساغ
وقوله في مدح النبي ﷺ:
أروم امتداح المصطفى ويردّني … قصوري عن إدراك تلك المناقب
ومن لي بحصر البحر والبحر زاخر؟ … ومن لي بإحصاء الحصى والكواكب
ولو أنّ أعضائي غدت ألسنا إذَن … لما بلغت في المدح بعض مآربي
ولو أنّ كلّ العالمين تألّفوا … على مدحه لم يبلغوا بعض واجب
[ ١ / ١٨ ]
فَأمسكتُ عنه هيبة وتأدُّبا … وخوفا وإعظاما لأرفع جانب
وربَّ سكوت كان فيه بلاغة … وربَّ كلام فيه عتب لعاتب
وقوله - مشفقًا من ذنبه -:
يا ربِّ إنَّ ذنوبي اليوم قد كثرت … فما أطيق لها حصرًا ولا عددا
وليس لي بعذاب النّار من قِبَلِ … ولا أطيق لها صبرا ولا جلدا
فانظر إلهي إلى ضعفي ومسكنتي … ولا تذيقنَّني حرَّ الجحيم غدا
وقوله:
وكم من صفحةٍ كالشمس تبدو … فيُسلي حُسْنها قلبَ الحزين
غضضتُ الطَّرف عن نظري إليها … محافظةً على عرضي وديني
وقوله:
وقائلةٍ لِمَ هجرتَ التصابي … وسنُّكَ في عنفوان الشبابِ
يمر زمان الصبا ضائعًا … ولم تَلُهْ فيه ببيض الكعاب
ولم تدر لذة طيب الهوى … ولم تَرْوُ من سلسبيل الرُّضاب
فقلت: أبى العلمُ إلا التقى … وهجر المعاصي ووصلَ المتاب
ومن لم يفده طلاب العلوم … رجاء الثواب وخوف العقاب
فخيرٌ له الجهل من علمه … وأنجى له من أليم العذاب
[ ١ / ١٩ ]
وقوله:
أيا من كففتُ النفس عنه تعفُّفًا … وفي النفس من شوقي إليه لهيب
ألا إنما صبري كصبرِ، وإنما … على النفس من تقوى الإله رقيب