﷽
مُقَدِّمَة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على مَنْ بعثه الله رحمة للعالمين، محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين، وسيد ولد آدم أجمعين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن أشرف العلوم قدرًا، وأجلّها ذكرًا، وأرفعها شأنًا، وأولاها عرفانًا؛ علم تفسير كتاب الله تعالى، وتفهم معانيه، وهو أولى العلوم بالتحصيل، وخير ما صُرفت فيه الأعمار، وأُنفقت فيه الأوقات، وكُدَّت فيه القرائح والفهوم؛ إذ هو متعلِّقٌ بأشرفِ كلام، وهو كلام رب العالمين، فنال هذا العلمُ قصب السَّبْق بهذه المزية، وأعظم بها من مزيّة، ومن رُتبةٍ عليّة، وحريٌّ بعلمٍ هذه خُلَّته وخَصلته أن يكون سيّد العلوم وكبيرها، وأن تكون سائرُ العلوم له جندًا وتبَعًا، وقَمِنٌ به أن يكون في ذِرْوة المعارف والعلوم التي يقصدها وُرَّادُها، ويرومها قُصَّادُها، ويطلبها شُداتها؛ ليرتعوا في رياضه، ويكرعوا من حياضه، ويقتبسوا من أنواره، ويتأرَّجوا من نفحاته، وما أجملَ ما دبّجته يراعة الإمام المطلبي، محمد بن إدريس الشافعي ﵀ حيث يقول مستحثًّا طلبة العلم على العناية بكتاب الله، ومُذْكِيًا هِمَمهم في الانكباب
[ ١ / ٥ ]
على تحصيل علمه-: «فكلُّ ما أُنزل في كتابه - جل ثناؤه - رحمةٌ وحجة، عَلِمَه مَنْ علمه، وجهله من جهله، لا يعلم مَنْ جهله، ولا يجهل من علمه، والناس في العلم طبقاتٌ، موقعُهم من العلم بقَدْر درجاتهم في العلم به، فحقٌّ على طلبة العلم بلوغُ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه، والصبرُ على كل عارضٍ دون طَلَبِه، وإخلاصُ النية لله في استدراك علمه: نصًّا واستنباطًا، والرغبةُ إلى الله في العون عليه؛ فإنه لا يُدرك خيرٌ إلَّا بعونه، فإن مَنْ أدرك علم أحكام الله في كتابه نصًّا واستدلالًا، ووفَّقه الله للقول والعمل بما عَلِم منه: فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الرَّيْب، ونوَّرت في قلبه الحكمةُ، واستوجب في الدين موضع الإمامة، فنسأل الله المبتدئ لنا بنِعَمِه قبل استحقاقها، المْدِيمَها علينا، مع تقصيرنا في الإتيان على ما أوجب به من شكره بها، الجاعِلَنَا في خير أمة أخرجت للناس: أن يرزقنا فهمًا في كتابه، ثم سنة نبيه، وقولًا وعملًا يؤدِّي به عنَّا حقَّه، ويوجب لنا نافلةً مَزِيده» (^١).
وإن من أنفع الكتب المؤلفة في علم تفسير كتاب الله تعالى: كتاب «التسهيل لعلوم التنزيل» للشيخ الشهيد أبي القاسم محمدِ بن أحمد ابن جُزَيٍّ الكلبي الغرناطي ﵀، فقد امتاز هذا الكتاب بعدة مميزات، تجعله من أولى كتب التفسير التي يجدر بطالب العلم أن يُقبل على تحصيلها،