﷽
قال عُبيد الله تعالى، وخَدِيمُ القرآن العظيم، محمّدُ المدعو أبا القاسم بنِ أحمدَ بنِ محمدٍ بن جُزَيٍّ عفا الله عنه، وغفر له بمنّه وفضله:
الحمد لله العزيز الوهاب، مالك الملوك وربّ الأرباب، هو الذي أنزل على عبده الكتاب، هدًى وذكرى لأولي الألباب.
وأودعه من العلوم النافعة، والبراهين القاطعة، والأنوار الساطعة: غايةَ الحكمة وفصلَ الخطاب.
وخصَّه (^١) من الخصائص العلية، واللطائف الخفية، والدلائل الجلية، والأسرار الربانية العجاب: بكل عَجَبٍ عُجابٍ.
وجعله في الطبقة العُليا من البيان، حتى أعجز الإنس (^٢) والجانّ، واعترف زعماءُ أرباب اللسان بما تضمنه من الفصاحة والبراعة والبلاغة والإعراب والإغراب.
_________________
(١) في ب، هـ: «وخصصه».
(٢) في أ: «الإنسان»، وفي الهامش: «خ: الإنس».
[ ١ / ٥٥ ]
ويسَّر حفظه في الصدور، وضَمِن حفظه من التبديل والتغيير، فلم يتغيرْ، ولا يتغيرُ على طول الدُّهور وتوالي الأحقاب.
وجعله قولًا فصلًا، وحكَمًا عدلًا، وآيةً باديةً، ومعجزةً باقيةً، يُشاهدها مَنْ شَهِد (^١) الوحيَ ومن غاب، وتقوم بها الحجةُ للمؤمن الأوَّاب، والحجةُ على الكافر المرتاب.
وهدى الخلقَ بما شَرَع فيه من الأحكام، وبيَّن مِنْ الحلال والحرام، وعلَّم من شرائع (^٢) الإسلام، وصرَّف من النواهي والأوامر والمواعظ والزواجر والبشارة بالثواب، والنذارة بالعقاب.
وجعل أهل القرآن أهل الله وخاصَّته، واصطفاهم من عباده، وأورثهم الجنة وحسن المآب.
فسبحان المولى الكريم الذي خصَّنا بكتابه، وشرَّفنا بخطابه، فيا لها (^٣) نعمةٌ (^٤) سابغةٌ، وحجةٌ بالغةٌ، أوزعنا الله القيام بواجب شكرها، وتوفية حقَّها، ومعرفة قدرها، وما توفيقي إلا بالله، هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب.
وصلواتُ الله وسلامه وتحيَّاته وبركاته وإكرامه على مَنْ دلَّنا على الله، وبلَّغنا رسالة الله، وجاءنا بالقرآن العظيم، وبالآيات والذكر الحكيم،
_________________
(١) في ب: «يشهدها من شهد»، وفي د، هـ: «يشاهدها من شاهد».
(٢) في ب، ج، هـ: «شعائر»، وكذا في هامش أ ورمز له بـ «خ».
(٣) في ب، ج، هـ: «فيا له».
(٤) في أ: «من نعمة».
[ ١ / ٥٦ ]
وجاهدَ في الله حقَّ الجهاد، وبذل جُهده في الحرص على نجاة العباد، وعلَّم ونصَح، وبين وأوضح، حتى قامت الحجةُ، ولاحَتِ المحجَّةُ، وتبيَّن الرشدُ من الغيِّ، وظهر طريقُ الحقِّ والصواب، وانقشعت ظلمات الشكِّ (^١) والارتياب، ذلك سيّدُنا ومولانا محمدٌ النبيُّ الأميُّ القرشيُّ الهاشميُّ المختارُ مِنْ لباب اللباب، والمصطفى من أطهر الأنساب وأشرف الأحساب، الذي أيّده الله بالمعجزات الظاهرة، والآيات الباهرة، والجنود القاهرة، والسيوف الباترة العضاب، وجمع له بين شرف الدنيا والآخرة، وجعله قائدَ الغُرِّ المحجَّلين والوجوه الناضرة، فهو أوَّلُ مَنْ يشفع يوم الحساب، وأول مَنْ يدخل الجنة ويقرع الباب.
فصلَّى الله عليه وعلى آله الطيبين، وأصحابه الأكرمين (^٢)، خيرِ أهل وأكرم أصحاب، صلاةً زاكية ناميةً (^٣) لا يَحصرُ مقدارَها العدُّ والحساب، ولا يَبلغ إلى أدنى وصفِها ألسنةُ البلغاء، ولا أقلامُ الكُتَّاب.
أمَّا بعدُ: فإنَّ علم القرآن العظيم هو أرفعُ العلوم قدرا، وأجلُّها خطرًا، وأعظمها أجرًا، وأشرفها ذكرًا، وإنَّ الله أنعم عليَّ بأن شغلني بخدمة القرآن وتعلُّمه وتعليمه، وشغفني بتفهُّم معانيه وتحصيل علومه، فاطلعتُ على ما صنفه العلماء ﵃ في تفسير القرآن من التصانيف المختلفة الأوصاف، المتباينة الأصناف:
فمنهم مَنْ آثر الاختصار.
_________________
(١) في هامش أ: «خ: الشرك».
(٢) في د: «الأكملين».
(٣) في د: «تامة».
[ ١ / ٥٧ ]
ومنهم مَنْ طولَ حتى كثر (^١) الأسفار.
ومنهم من تكلم في بعض فنون العلم دون بعض.
ومنهم من اعتمد على نقل أقوال الناس. ومنهم من عوّل على النظر والتحقيق والتدقيق.
وكلُّ واحدٍ سلك طريقًا نحاه، وذهب مذهبا ارتضاه، وكلا وعد الله الحسنى، فرغبتُ في سلوك طريقهم، والانخراط في سلك فريقهم، وصنفتُ هذا الكتاب في تفسير القرآن العظيم، وسائر ما يتعلق به من العلوم، وسلكتُ به مسلكًا نافعًا، إذ جعلته وجيزًا جامعًا، قصدتُ به أربع مقاصد، تتضمنُ أربع فوائد:
الفائدةُ الأولى: جمعُ كثيرٍ من العلم في كتاب صغير الحجم (^٢)؛ تسهيلًا على الطالبين، وتقريبًا على الراغبين، فلقد احتوى هذا الكتاب على ما تضمنته الدواوينُ الطويلة من العلم، ولكن بعد تلخيصها وتمحيصها، وتنقيح فصولها، وحذف حشوها وفضولها، ولقد أودعته من كلّ فنٍّ من فنون علوم (^٣) القرآن اللباب المرغوب فيه، دون القشر المرغوب عنه، من غير إفراط ولا تفريط، ثم إني عزمت على إيجاز العبارة، وإفراط الاختصار، وترك التطويل والتكرار.
الفائدة الثانية: ذكرُ نُكَتٍ عجيبة، وفوائدَ غريبةٍ، قلَّما توجد في كتاب؛
_________________
(١) في ج، د: «أكثر».
(٢) في ب، د: «الجُرْم».
(٣) في ب، ج، هـ: «علم».
[ ١ / ٥٨ ]
لأنها من بنات صدري، ونتائج فكري، أو مما أخذته عن شيوخي ﵃، أو مما التقطته من مُستظرفات النوادر، الواقعة في غرائب الدفاتر.
الفائدة الثالثة: إيضاحُ المشكلات، إمّا بحلِّ العُقَدِ المقفلات، وإما بحسنِ العبارة، ورفعُ الاحتمالات، وبيانُ المجملات.
الفائدة الرابعة: تحقيقُ أقوال المفسرين، والتفرقةُ بين السقيم منها والصحيح، وتمييزُ الرّاجح من المرجوح.
وذلك أنَّ أقوال الناس على مراتب:
فمنها: الصحيح الذي يُعوَّلُ عليه.
ومنها: الباطل الذي لا يُلتفتُ إليه.
ومنها: ما يَحتمل الصحة والفساد، ثم إنَّ هذا الاحتمال قد يكون: متساويًا، أو متفاوتًا، والتفاوتُ قد يكون: قليلًا أو كثيرًا.
وإني جعلتُ لهذه الأقسام عباراتٍ مختلفة، يُعرَفُ بها مرتبةُ كلِّ قولٍ:
فأدناها: ما أصَرِّحُ بأنه «خطأً»، أو «باطلٌ».
ثم: ما أقول فيه: إنه «ضعيفٌ»، أو «بعيدٌ».
ثم: ما أقول: «إن غيرَه أرجحُ منه»، أو «أقوى»، أو «أظهرُ»، أو «أشهرُ».
ثم: ما أقدّمُ غيرَه عليه؛ إشعارًا بترجيح المتقدّم، أو ما أقولُ فيه: «قيل: كذا»؛ قصدًا للخروج عن عُهدته.
[ ١ / ٥٩ ]
وأمَّا إذا صرَّحتُ (^١) باسم قائل القول فإني أفعل ذلك لأحد أمرين: إما للخروج عن عهدته. وإما لنُصرته، إذا كان قائله ممن يُقتدَى به.
على أني لا أنسبُ (^٢) الأقوالَ إلى أصحابها إلَّا قليلًا، وذلك لقلَّةِ صحةِ إسنادها إليهم، أو لاختلافِ الناقلين في نسبتِها إليهم.
وأمَّا إذا ذكرتُ شيئًا دون حكايةِ قوله عن أحدٍ: فذلك إشارة إلى أني أتَقَلَّدُه وأرتضيه، سواءٌ كان من تلقاء نفسي، أو مما أختاره من كلام غيري.
وإذا كان القول في غاية السقوط والبطلان لم أذكره؛ تنزيهًا للكتاب، وربما ذكرتُه تحذيرًا منه.
وهذا الذي ارتكبتُه (^٣) من الترجيح والتصحيح مبنيٌّ على القواعد العلمية، أو على ما تقتضيه اللغة العربية.
وسنذكر بعد هذا بابًا في موجبات الترجيح بين الأقوال إن شاء الله تعالى.
وسمَّيتُ هذا الكتاب: «كتاب التَّسهيل لعلوم التَّنزيل»
وقدَّمتُ في أوَّله مقدمتين:
إحداهما: في أبوابٍ نافعة، وقواعدَ كليةٍ جامعة.
_________________
(١) في د زيادة: «فيه».
(٢) في ب، د: «لست أنسب»، وفي هـ، ج: «أني نسبت»!.
(٣) في ب: «ارتكبتُ»، وفي د: «أرتكبه».
[ ١ / ٦٠ ]
والأخرى: فيما كثر دوره من اللغات الواقعة في القرآن.
وأنا أرغبُ إلى الله العظيم الكريم أن يجعلَ تصنيف هذا الكتاب عملًا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، ووسيلةً توصلني إلى جنات النعيم، وتنقذني من عذاب الجحيم.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[ ١ / ٦١ ]