ذكر ابن جزي ﵀ في مقدمة تفسيره شيئًا من منهجه وطريقته في كتابه، حيث يقول: «وصنَّفتُ هذا الكتاب في تفسير القرآن العظيم، وسائر ما يتعلَّق به من العلوم، وسلكتُ به مسلكًا نافعًا، إذ جعلتُه وجيزًا جامعًا، قصدتُ به أربعَ مقاصدَ، تتضمَّن أربعَ فوائدَ:
الفائدةُ الأولى: جمعُ كثيرٍ من العلم في كتاب صغير الحجم؛ تسهيلًا على الطَّالبين، وتقريبًا على الرَّاغبين، فلقد احتوى هذا الكتاب على ما تضمَّنته الدواوينُ الطويلة من العلم، ولكن بعد تلخيصها وتمحيصها، وتنقيح فصولها، وحذف حَشْوها وفُضولها، ولقد أودعتُه مِنْ كلِّ فنٍّ من فنون علوم القرآن اللبابَ المرغوبَ فيه، دون القشرِ المرغوبِ عنه، من غير
_________________
(١) انظر منهاج العلماء الأخيار (مخطوط) (ل: ٣).
[ ١ / ٢٣ ]
إفراطٍ ولا تفريط، ثم إني عزمت على إيجاز العبارة، وإفراط الاختصار، وترك التطويل والتكرار.
الفائدة الثانية: ذِكْرُ نُكَتٍ عجيبةٍ، وفوائدَ غريبةٍ، قلَّما توجد في كتاب؛ لأنها من بنات صدري، ونتائج فِكْري، أو مما أخذته عن شيوخي ﵃، أو مما التقطتُه من مُستظرفات النوادر، الواقعة في غرائب الدفاتر.
الفائدة الثالثة: إيضاحُ المشكلات، إمَّا بحلِّ العُقَدِ المقفلات، وإما بحسنِ العبارة، ورفعُ الاحتمالات، وبيانُ المجملات.
الفائدة الرابعة: تحقيقُ أقوال المفسرين، والتفرقةُ بين السقيم منها والصحيح، وتمييزُ الرَّاجح من المرجوح.
وذلك أنَّ أقوال الناس على مراتب:
فمنها: الصحيح الذي يُعوَّلُ عليه.
ومنها: الباطل الذي لا يُلتفتُ إليه.
ومنها: ما يَحتمل الصحة والفساد، ثم إنَّ هذا الاحتمال قد يكون: متساويًا، أو متفاوتًا، والتفاوتُ قد يكون: قليلًا أو كثيرًا.
وإني جعلتُ لهذه الأقسام عباراتٍ مختلفةٍ، يُعرَفُ بها مرتبةُ كلِّ قولٍ:
فأدناها: ما أصرِّحُ بأنه «خطأٌ»، أو «باطلٌ».
ثم: ما أقول فيه: إنه «ضعيفٌ»، أو «بعيدٌ».
ثم: ما أقول: «إن غيرَه أرجحُ منه»، أو «أقوى»، أو «أظهرُ»، أو «أشهرُ».
[ ١ / ٢٤ ]
ثم: ما أقدِّمُ غيرَه عليه؛ إشعارًا بترجيح المتقدّم، أو ما أقولُ فيه: «قيل: كذا»؛ قصدًا للخروج عن عُهدته.
وأمَّا إذا صرَّحتُ باسم قائل القول فإني أفعل ذلك لأحد أمرين:
إما للخروج عن عهدته.
وإما لنُصرته، إذا كان قائله ممن يُقتدَى به.
على أني لا أنسبُ الأقوالَ إلى أصحابها إلاَّ قليلًا، وذلك لقلةِ صحةِ إسنادها إليهم، أو لاختلافِ الناقلين في نسبتها إليهم.
وأمَّا إذا ذكرتُ شيئًا دون حكايةِ قوله عن أحدٍ: فذلك إشارة إلى أني أتقلَّدُه وأرتضيه، سواءٌ كان من تلقاء نفسي، أو مما أختاره من كلام غيري.
وإذا كان القول في غاية السقوط والبطلان لم أذكره؛ تنزيهًا للكتاب، وربما ذكرتُه تحذيرًا منه».
ومن خلال تأمل هذا النص والاطلاع على تفسيره وطريقته فيها، يمكن ذكر أهم معالم منهج ابن جزي في النقاط التالية:
١ - ابتدأ ابن جزي تفسيره بذكر مقدِّمتين في غاية النفاسة، جعل المقدمة الأولى في ذكر مسائل تتعلق بعلوم القرآن وأصول التفسير والعلوم التي يحتاج إليها المفسر، والكلام عن المفسرين وكتب التفسير، ومواقف القرآن والقراءات وغير ذلك، وجعلها في اثني عشر بابًا، وجعل المقدمة الثانية في غريب القرآن، وذكر فيها الكلمات الغريبة التي ترد في موضعين
[ ١ / ٢٥ ]
فأكثر من القرآن، فجَمَعها في موضع واحد، ورتبها على حروف المعجم؛ ليسهل على الدارس مراجعتها وحفظها واستذكارها، وهاتان المقدمتان لا بد للدارس لهذا الكتاب أن يدمن النظر فيها وأن يراجعها مرة بعد أخرى؛ فكثيرًا ما يحيل إليها ابن جزي في تفسيره، أو يستغني بما ذكره فيها من المسائل عن تكرار ذكره في ثنايا كتابه.
٢ - سلك ابن جزي ﵀ في تفسيره مسلك الاختصار والإيجاز مع الشمول والاستيعاب كما قال: «إذ جعلته وجيزًا جامعًا»، وهذا المقصد جعل ابن جزي يأتي بالعبارة المفرطة في الاختصار، ولكنها عميقة في معناها إذا تأملها القارئ كما قال: «ثم إني عزمت على إيجاز العبارة، وإفراط الاختصار، وترك التطويل والتكرار».
٣ - طريقته في تفسير الآية: أنه يذكر رأس الآية، أو الجملة التي تحتاج إلى بيان في الآية ثم يذكر سبب نزولها إن كان، ويشرح غريبها، وتصاريف الكلمات التي فيها إن اقتضت الحاجة ذكرها، ويبين إعرابها إن كان إعرابها مشكلًا، أو كان فيها أوجه إعرابية، ويذكر المعنى على كل وجه إعرابي، ويذكر المعنى الإجمالي للآية، ومقصدها، وهو لا يسير في ذلك على ترتيب واحد في تفسيره للآيات، فأحيانًا يبدأ بشرح الغريب، ثم ذكر الإعراب، ثم ذكر المعنى الإجمالي، ثم ذكر المقصد، وأحيانًا يذكر المعنى الإجمالي ثم الإعراب، ثم يشرح الغريب، وأحيانًا يبدأ بذكر سبب النزول وأحيانًا يؤخره، وهكذا.
[ ١ / ٢٦ ]
٤ - عملًا بمنهج الاختصار الذي أخذه ابن جزي على نفسه؛ فإن كانت الكلمة الغريبة الواردة في الآية سبق أن شرحها في المقدمة أو في موضع متقدم من التفسير فإنه يكتفي بذلك عن إعادة بيانها، وربما أحال إلى موضعها، بأن يقول: «قد تقدَّم اللغات»، أو «قد ذكر في سورة كذا»، أو «قد ذُكر» أو نحو ذلك؛ حرصًا منه على الاختصار وعدم التكرار، وهكذا يصنع إن كان سبق أن بيَّن تفسير الآية ومعناها في موضع متقدم، وأيضًا؛ إذا كان إعراب الآية واضحًا لم يتعرض له؛ طلبًا للاختصار، كما قال في المقدمة: «وقد ذكرنا في هذا الكتاب من إعراب القرآن ما يحتاج إليه؛ من المشكل، أو المختلف فيه، أو ما يفيد فهم المعنى، أو يختلف المعنى باختلافه، ولم نتعرَّض لما سوى ذلك من الإعراب السهل الذي لا يحتاج إليه إلا المبتدئ؛ فإن ذلك تطويلٌ بغير كبيرِ فائدةٍ»، ومن هنا يلحظ القارئ لتفسيره أنه قد يتجاوز الآية والآيتين دون أن يتكلم عن تفسيرها، إما لأن واضحة الإعراب والمعنى وليس فيها غريب يحتاج إلى شرح، وإما لأنه سبق أن تكلم عن الغريب الذي فيها في المقدمة، أو في موضع متقدم من التفسير، وهذا يستدعي الدارس لتفسيره إلى أن يعتني بمقدمة ابن جزي في غريب القرآن وأن يعيد مطالعتها وقراءتها بشكل مستمر؛ فابن جزي يعتمد عليها ويحيل عليها كثيرًا في ثنايا تفسيره، وبناءً على منهج الاختصار أيضًا؛ ففي كثير من الأحيان إذا كان تفسير الآية المعيَّنة له نظائر فيما يأتي من الآيات، فإنه يبين المعنى في أول موضع ويقول: «وهكذا تفسيره حيث وقع» أو نحو هذه العبارة؛ أي: هكذا تفسير هذه الكلمة أو الجملة حيث وقعت في كتاب الله.
[ ١ / ٢٧ ]
٥ - في ذكر أقوال المفسرين والاختلاف في تفسير الآية، يُعدُّ تفسير ابن جزيٍّ من أنقى التفاسير وأكثرها خلوًا من الأقوال الباطلة والساقطة التي تذكر في كثير من كتب التفسير، وقد ذكر في مقدمة كتابه أن من مقاصده في هذا التفسير: تحقيق أقوال المفسرين والتمييز بين الصحيح منها والسقيم، وذكر منهجه في ذكر الأقوال في هذا الكتاب، وذكر أن القول إذا كان في غاية السقوط والبطلان؛ فإنه نزَّه الكتاب عن ذكره فيه، وقد يذكره أحيانًا؛ لأن الحاجة تدعو إلى التنبيه على بطلانه، وقد بين طريقته في ذكر مراتب الأقوال، وطرق الترجيح بينها، ومن المهم لدراسة الكتاب أن يستحضر منهجيته في ذكر الأقوال؛ حتى يعرف مغزى ابن جزي في سردها وترتيبها، وفي نسبة الأقوال من عدمها، وعبارته في الترجيح بينها، وما القول الذي يختاره ويرتضيه.
٦ - آيات الأحكام يقف عندها ابن جزيّ؛ ليذكر الأحكام الفقهية التي لها تعلق بالآية، ويذكر خلاف المذاهب فيها، وفي الغالب أنه يذكر مذهب المالكية ومذهبي الحنفية والشافعية، ولم يذكر مذهب الحنابلة إلا نادرًا، وهي أربعة مواضع تقريبًا، وكذلك مذهب الظاهرية يندر أن يذكره.
٧ - بنى ابن جزي تفسيره للآيات على قراءة نافع، برواية راويه ورش تحديدًا؛ وهي الرواية المشتهرة في بلاد المغرب والأندلس، ومع ذلك فإنه لم يقتصر على هذه القراءة، بل إنه يذكر اختلاف القراءات؛ إذا كان في ذكرها فائدة في تفسير الآية، كما قال في المقدمة: «وذكرنا من سائر القراءات ما فيه فائدة في المعنى والإعراب أو غير ذلك، دون ما لا فائدة فيه زائدة، واستغنينا عن استيفاء القراءات؛ لكونها مذكورةً في الكتب
[ ١ / ٢٨ ]
المؤلَّفة فيها، وقد صنَّفْنا فيها كتبًا نفع الله بها، وأيضًا؛ فإنا لما عزمنا في هذا الكتاب على الاختصار حذفْنا منه ما لا تدعو إليه ضرورةٌ».
٨ - في جانب قصص القرآن، حرَص ابن جزيٍّ أن يكون تفسيره نقيًّا من القصص الباطل وغير الثابت، فاقتصر على ذكر ما صحَّ ثبوته واحتيج إليه في تفسير الآية، كما قال في المقدمة: «وقد أكثر بعض المفسرين من حكاية القصص الصحيح وغير الصحيح، حتى إنهم ذكروا منه ما لا يجوز ذكره مما فيه تقصيرٌ بمنصب الأنبياء ﵈، أو حكايةٌ ما يجب تنزيههم عنه، وأما نحن فاقتصرنا في هذا الكتاب من القَصص على ما يتوقف التفسير عليه، وعلى ما ورد منه في الحديث الصحيح».
٩ - تعرَّض ابن جزي في تفسيره إلى مقامات السلوك والسير إلى الله تعالى والدار الآخرة، وله في ذلك كلام جيد حرص أن يخلِّصه من إشكالات المتصوفة كما قال: «وقد ذكرنا في هذا الكتاب ما يُستحسن من الإشارات الصوفية، دون ما يُعترض أو يُقدَح فيه»، وإن كان قد وقع في إشكالات المتصوفة في بعض المواضع، وعلَّق عليها الشيخ عبد الرحمن البراك -أمتع الله به-، وقد تكلم ابن جزي على اثني عشر مقامًا؛ بحسب المناسبة التي تعرض له، فإذا كانت الآية في شأن الذكر تكلم عن مقام الذكر، وإذا كانت في شأن الشكر تكلم عن مقام الشكر وهكذا.
١٠ - يعتني ابن جزي في تفسيره بعلم البلاغة والبيان، وقد أفرد في المقدمة الأولى بابًا مستقلًّا في أدوات البيان التي وردت في القرآن وهي اثنان وعشرون نوعًا بحسب تتبعه لها في القرآن، وعرَّف بها ابن جزيٍّ في المقدمة،
[ ١ / ٢٩ ]
وفي ثنايا التفسير يشير لها، فيقول مثلًا: «وفي الآية من أدوات البيان: التجنيس»، أو «المقابلة»، أو «التقسيم»، أو «الترديد» ونحو ذلك، فيحتاج الدارس إلى أن يرجع للمقدمة؛ ليعرف معنى هذه الأداة.
١١ - يلحظ الدارس لتفسير ابن جزي أن المصنف ﵀ أجاد في توظيف مختلف فنون العلوم في تفسيره، من لغة ونحو وتصريف وبلاغة وأصول فقه وغيرها، فيعدُّ هذا الكتاب بمثابة كتاب تطبيقي يطبّق فيه الدارس هذه العلوم، وهذا يستدعي من الطالب أن يكون ذا إلمام جيّد بهذه العلوم؛ حتى يحصّل فائدةً أكبر من هذا التفسير المبارك.
١٢ - يستعمل ابن جزي في تفسيره طريقة السؤال والجواب، ويعرض الإشكالات المتعلقة بالآية في طريقة سؤال، فيقول: «فإن قيل:» ويذكر الإشكال، ثم يذكر جواب الإشكال، وهذه الطريقة تأثر فيها ابن جزي بالزمخشري في تفسيره، فكثيرًا ما يستعمل الزمخشري هذه الطريقة في عرض الإشكالات، وهي طريقة مفيدة في إيضاح الإشكال في الآية، وفي ترسيخ الجواب في ذهن الدارس، فإن المعلومة إذا عُرضت بطريقة سؤال تشوّف المرء إلى معرفة جوابها أكثر مما لو ذكرت عرَضًا في ثنايا الكلام.