١ - سهولة أسلوب ابن جزيٍّ ووضوح عبارته وجودتها، وحسن ترتيبه
_________________
(١) الرسالة (ص: ١٩ - ٢٠).
[ ١ / ٦ ]
وعرضه للمسائل، وهذه الميزة يجدها الطالب بجلاء عند مطالعته لسائر كتب ابن جزي، فعبارته يمكن أن توصف بأنها من السهل الممتنع، حيث يجد القارئ سلاسةً عند قراءتها، لكن يصعب على الشخص أن يحاكيَها.
٢ - صِغَر حجم الكتاب نسبيًّا؛ مما يسهِّل تحصيله، ويقرِّبه إلى الراغبين، مع غزارة مادته العلمية، فابن جزيّ اختصر العبارة، مع غاية الدقَّة في انتقاء العبارة، فالمطالع لتفسيره يجد العبارة المختصرة المركَّزة، لكن لو فتَّش فيما تحتها من المعنى لوجده معنىً غزيرًا، وقد نبه ﵀ على ذلك فقال: «ثم إني عزمتُ على إيجاز العبارة وإفراط الاختصار، وترك التطويل والتكرار».
٣ - نقاوة هذا التفسير وخلوصه وصفاؤه من الأقوال الباطلة والساقطة، كما نبَّه على ذلك في المقدمة فقال: «وإذا كان القول في غاية السقوط والبطلان لم أذكره؛ تنزيهًا للكتاب عنه، وربَّما ذكرته تحذيرًا منه»، إضافةً إلى تحقيقه لأقوال المفسرين والتفرقة بين السقيم منها والصحيح، وتمييزه بين الراجح والمرجوح، فهو بحقٌّ عسلٌ مصفًّى، ولبنٌ خالصٌ سائغ للشاربين.
٤ - أنه يُعدُّ كتابًا تطبيقيًّا لمن درس علوم الآلة -كعلوم اللغة من نحو وتصريف وبلاغة وعلم الأصول- ويروم أن ينمِّي ملكته في تطبيق هذه العلوم على فهم كتاب الله، فابن جزيّ يبيِّن بوضوح الأوجه الإعرابية في الآية والمعنى المبنيِّ على كل وجه، وما فيها من النكات البلاغية، ويبين تصاريف الكلمات وأبنيتها.
٥ - قدَّم له ابن جزيّ بمقدِّمتين، إحداهما في أبواب من علوم القرآن
[ ١ / ٧ ]
وأصول التفسير، وهي بمثابة كتاب مستقلٌّ في علم علوم القرآن وأصول التفسير، والأخرى في اللغات التي يكثر ورودها في القرآن، وهي بمثابة كتاب مستقل في علم غريب القرآن، وهذا الصَّنيع قلَّ أن يوجد مثله في كتب التفسير.
٦ - جودة المصادر التي استمدَّ منها ابن جزيّ تفسيره - وسيأتي الحديث عنها بإذن الله -، وأهم تلك المصادر: تفسير ابن عطية، وتفسير الزمخشري، وهذان التفسيران من أجلِّ كتب التفسير العُمَد الكبار، فالدارس لتفسير ابن جزي كأنه قرأ لُباب هذين التفسيرين وصفوتهما.
وقد نوَّه أهل العلم بمزيَّة تفسير ابن جزي، وأشادوا بمنزلته، وأوصوا به طلاب العلم، فهذا الشيخ أبو حامد محمد العربي بن يوسف الفاسي (ت ١٠٥٢ هـ) من عيون علماء المغاربة في القرن الحادي عشر يوصي أولاده حين قدموا فاس لطلب العلم بها ويقول في ضمن وصيَّته: «ومن أحسن التفاسير التي أحبُّ لكم مطالعتها وتفهُّمَها: تفسير ابن جزيّ، ولا أقبلُ قولَ من يخالف في ذلك» (^١).
ويقول فضيلة الشيخ الدكتور خالد السبت -نفع الله به-: «فهذا كتاب في غاية الأهمية، لا يستغني عنه طالب العلم، وهو مع إيجازه، فالمؤلف يحرص فيه على الوفاء بالمعنى، يختصر جدًّا مع ذكر الأقوال، وهو كتاب ملخَّص، لكنه عميق ودقيق قلَّ أن يوجد مثله»، ويقول أيضًا: «ويصلح أن
_________________
(١) نقل نصَّ هذه الوصية د. محمد عوامة في كتابه: معالم إرشادية لصناعة طالب العلم (ص ٤٣٤).
[ ١ / ٨ ]
يكون هذا الكتاب أصلًا يُعتمد عليه، بحيث يكون عند طالب العلم، يضبطه، ويضيف عليه ويُعلَّق عليه، ويرجع إليه حينًا بعد حين، ويراجعه ويكرره» (^١).
ومع جلالة هذا الكتاب وقيمته العلمية ومزاياه العَلِيَّة؛ إلا أنه لم تخرج له طبعةٌ صحيحة سليمة من الأخطاء تليق بمكانته، فجميع الطبعات التي خرجتْ له بخسته وهضمته حقَّه بكثرة ما فيها من الأخطاء الشنيعة والتحريفات والسقط الكثير الذي يصل أحيانًا إلى عدَّة أسطر!؛ مما يجعل استفادة الدارس من هذا الكتاب صعبةً ومحدودة، ومعاناته شديدةً في القراءة فيه، فحداني ذلك إلى أن أستعين الله تعالى في تحقيق هذا الكتاب تحقيقًا علميًّا يليق بمكانته ويخلّصه من التحريفات والأخطاء، ويُعيد إلى حوزته ما نقص منه وما سقط من عباراته، معتمدًا في ذلك على أصول خطيَّة لهذا الكتاب انتخبتها مما جمعته جهد استطاعتي.
هذا؛ وقد حلَّى جيدَ هذا الكتاب، ووشَّى حُلَله، تعليقاتٌ نفسية، وتقريراتٌ فريدة، لفضيلة الشيخ العلامة: عبد الرحمن بن ناصر البراك -أمتع الله به-، وفيها استدراكاتٌ على مواضع من الكتاب جانبَ المؤلف فيها الصوابَ في العقيدة والسلوك وغير ذلك، وقد كنتُ في أثناء عملي في التسهيل تَعْرِض لي مواضع يقرّر فيها ابن جزيٍّ تقريرًا مشكلًا على منهج أهل السنة والجماعة وسلف هذه الأمة، فعرضتُ هذا الأمر على شيخنا
_________________
(١) راجع: المادة الصوتية رقم (١) من شرح فضيلته لتفسير ابن جزي، على الموقع الرسمي لفضيلته في الشبكة العنكبوتية، من الدقيقة (٢٥) وما بعدها.
[ ١ / ٩ ]
الأستاذ الدكتور: عبد المحسن العسكر - نفع الله به -، فاقترح عليَّ - جزاه الله خيرًا - أن أُرسل له هذه المواضع المشكلة ويقوم هو بعرضها على شيخه الشيخ عبد الرحمن البراك، وهكذا عُهد شيخنا - جزاه الله خيرًا - باذلًا للخير مبادرًا نفّاعًا.
وكلُّ امرئٍ يُولي الجميلَ محبَّبٌ … وكل مكانٍ يُنبِتُ العِزَّ طيِّبُ
وعَرَض شيخُنا هذا الأمر على فضيلة الشيخ عبد الرحمن البراك فأجاب إلى ذلك كرمًا منه وتفضُّلًا -جزاه الله خيرًا- على عادته في الجود بالعلم وبذل الخير والنصح، والشيء من معدنه لا يُستغرب، وكأنَّ زهيرًا عناه حين قال في هَرِم بن سِنان:
قد جعل المبتغونَ الخيرَ في هرمٍ … والسائلون إلى أبوابِه طُرُقًا
وأملى هذه التعليقات على الشيخ عبد المحسن العسكر، وهي بحقٌّ -كما يقول شيخنا عبد المحسن- «تعليقاتٌ تشدُّ إليها الرحال، وتضرب بها الأمثال، وترخص في تحصيلها كرائم الأموال؛ فإنها معقد الآمال، ومتنافس كرام الرجال، وإنها لحلية في جيد (التسهيل) تستوجب الثناء الجزيل والذكر الجميل».
فأسأل الله أن يجزي الشيخ العلامة: عبد الرحمن بن ناصر البراك خير ما يجزي به العلماء الناصحين والأئمة الصادقين، وأن يبارك في مسعاه ويبلغه من الخير منتهاه.
[ ١ / ١٠ ]
وأسأله سبحانه أن يجزي شيخنا المبارك المفضال الذي كثرت لديَّ فضائله وفواضله الشيخ الأستاذ الدكتور: عبد المحسن العسكر خير الجزاء على جهده في عرض هذه القضايا المشكلة على فضيلة الشيخ: عبد الرحمن البراك وتقييده لها ومتابعته للعمل في ذلك، ولا يفوتني أن أشكر كل من أعان في هذا العمل بمراجعة أو نقد أو إفادة، جزاهم الله تعالى على إحسانهم خير الجزاء.
وبعد؛ فهذا كتاب «التسهيل لعلوم التنزيل» أقدّمه للقارئ الكريم وقد بذلتُ الجهد في تحقيقه وتنقيحه واستفرغت الوسع، وحرصت على حسن الإخراج والتنسيق، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده فله الحمد والشكر، وما كان فيه من خطأ وزلل - وقلَّما ينجو امرؤٌ من الزَّلل - فمن نفسي والشيطان، والله ورسوله منه بريئان، وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم وزلفى لديه في جنات النعيم المقيم، وأن يبارك فيه وينفع به، وأسأله سبحانه أن يجزي الشيخ ابن جزيٍّ خير الجزاء على هذا السِّفْر العظيم، وأن يتغمده برحمته وأن يتقبَّله في الشهداء، إنه سميع مجيب، وأسأله سبحانه أن يجزي والديَّ ومشايخي وكلَّ من له فضلٌ عليَّ خير الجزاء، وأن يعلي درجاتهم في عليين، إنه خير من سئل وأجود من أعطى والحمد لله رب العالمين.
وكتبه
علي بن حمد الصالحي مكة المكرمة
ali.h.s.32@gmail.com
[ ١ / ١١ ]