[﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾].
﴿كهيعص (١)﴾ قد تكلَّمنا في «البقرة» على حروف الهجاء (^٢).
وقيل في هذا: إن الكاف من «كريم» أو «كبير» أو «كاف»، والهاء من
_________________
(١) في ب، ج هنا زيادة: «بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما».
(٢) انظر (١/ ٢٦١).
[ ٣ / ٦٠ ]
«هادي»، والياء من «علي»، والعين من «عزيز» أو «عليم»، والصاد من «صادق».
وكان علي بن أبي طالب يقول في دعائه: «يا كهيعص» (^١) فيُحتمل:
أن تكون الجملة عنده اسمًا من أسماء الله تعالى.
أو ينادي بالأسماء التي اقتُطعت منها هذه الحروف.
﴿ذِكْرُ﴾ تقديره: هذا ذكر.
﴿عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ وصفه بالعبودية تشريفًا له، وإعلامًا باختصاصه وتقريبه.
ونصب ﴿عَبْدَهُ﴾ على أنه مفعول لـ ﴿رَحْمَتِ﴾؛ فإنها مصدرٌ أُضيف إلى الفاعل، ونَصَب المفعول.
وقيل: هو مفعول بفعلٍ مضمر، تقديره: رَحِمَ عبده، وعلى هذا يوقف على ما قبله، وهذا ضعيف، وفيه تكلُّفُ الإضمار من غير حاجة إليه، وقطعُ العامل عن العمل بعد تهيئته له.
﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ يعني: دعاه.
﴿نِدَاءً خَفِيًّا﴾ أخفاه:
لأن الله يسمع الخفيَّ كما يسمع الجهر، ولأن الإخفاء أقربُ إلى الإخلاص، وأبعدُ من الرياء.
أو لئلا يلومَه الناس على طلب الولد.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ٤٥١).
[ ٣ / ٦١ ]
﴿وَهَنَ الْعَظْمُ﴾ أي: ضعف.
﴿وَاشْتَعَلَ﴾ استعارةٌ للشيب، من اشتعال النار.
﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أي: قد سعدتُ بدعائي لك فيما تقدَّم، فاستجب لي في هذا، فتوسَّلَ إلى الله بإحسانه القديم إليه.
﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ يعني: الأقارب:
قيل: خاف أن يرثوه دون نسله.
وقيل: خاف أن يضيعوا الدِّين من بعده.
﴿مِنْ وَرَائِي﴾ أي: من بعدي.
﴿عَاقِرًا﴾ أي: عقيمًا.
﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ يعني: وارثًا.
﴿يَرِثُنِي﴾ قيل: يعني وراثة المال.
وقيل: وراثة العلم والنبوة، وهذا أرجح؛ لقوله ﷺ: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» (^١).
وكذلك يرثُ من آل يعقوب العلم والنبوة، وقيل: الملك.
ويعقوب هنا: هو يعقوب بن إسحاق على الأَصَحّ.
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ أحمد في مسنده (٩٩٧٢)، والنسائي في الكبرى (٦/ ٩٨)، وهو في الصحيحين بلفظ: «لا نورث، ما تركناه صدقة» أخرجه البخاري (٤٠٣٥)، ومسلم (١٧٥٨).
[ ٣ / ٦٢ ]
﴿رَضِيًّا﴾ أي: مرضيّ (^١)، فهو فعيل بمعنى مفعول.
﴿سَمِيًّا﴾ يعني مَنْ سُمِّي باسمه.
وقيل: مثيلا ونظيرًا.
والأوَّل أحسن هنا.
﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ تعجُّبٌ واستبعادٌ أن يكون له ولد مع شيخوخته وعُقْم امرأته، فسأل ذلك أوَّلًا؛ لعلمه بقدرة الله عليه، وتعجَّب منه؛ لأنه نادرٌ في العادة.
وقيل: سأله وهو في سنٍّ من يرجوه، وأُجيب بعد ذلك بسنين وهو قد شاخ.
﴿عِتِيًّا﴾ قيل: يُبسًا في الأعضاء والمفاصل.
وقيل: مبالغةٌ في الكِبَر.
﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف في موضع رفعٍ؛ أي: الأمرُ كذلك؛ تصديقًا له فيما ذكر من كِبَره وعُقْم امرأته، وعلى هذا يوقف على قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾، ثم يبتدأ: ﴿قَالَ رَبُّكَ﴾.
وقيل: إن الكاف في موضع نصبٍ بـ ﴿قَالَ﴾، و﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى مبهم يفسِّره: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾.
﴿اجْعَل لِي آيَةً﴾ أي: علامةً على حمل امرأته.
﴿سَوِيًّا﴾ أي: سليمًا غير أخرس، وانتصابه على الحال من الضمير في
_________________
(١) في د: «مرضيًّا».
[ ٣ / ٦٣ ]
﴿تُكَلِّمَ﴾، والمعنى: أنه لا يكلِّمُ الناس مع أنه سليم من الخَرَسِ.
وقيل: إن ﴿سَوِيًّا﴾ يرجع إلى الليالي؛ أي: مستوياتٍ.
﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ أي: أشار.
وقيل: كَتَبَه في التراب؛ إذ كان لا يقدِر على الكلام.
﴿أَنْ سَبِّحُوا﴾ قيل: معناه: صلُّوا، والسُّبحة في اللغة: الصلاة.
وقيل: قولوا (^١): سبحان الله.
﴿يَايَحْيَى﴾ التقدير: قال الله ليحيى بعد ولادته: يا يحيى.
﴿خُذِ الْكِتَابَ﴾ يعني: التوراة.
﴿بِقُوَّةٍ﴾ أي: في العلم به، والعمل به.
﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ قيل: الحكم: معرفة الأحكام.
وقيل: الحكمة.
وقيل: النبوَّة.
﴿وَحَنَانًا﴾ قيل: معناه: رحمةً.
وقال ابن عباس: لا أدري ما الحنان! (^٢).
﴿وَزَكَاةً﴾ أي: طهارةً.
وقيل: ثناءً، كما يزكَّى الشاهدُ.
_________________
(١) في أ، ب: «قوله».
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ٤٧٧).
[ ٣ / ٦٤ ]
[﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾].
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ خطاب لمحمد ﷺ، والكتاب: القرآن.
﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ أي: اعتزلت منهم، وانفردت.
[ ٣ / ٦٥ ]
﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ أي: إلى جهة الشرق (^١)، ولذلك يصلّي النصارى إلى المشرق.
﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ يعني: جبريل.
وقيل: عيسى.
والأول هو الصحيح؛ لأن جبريل هو الذي تمثَّل لها باتفاق.
﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨)﴾ لما رأت الملك الذي تمثَّل لها في صورة البشر قد دخل عليها؛ خافت أن يكون من بني آدم، فقالت له هذا الكلام، ومعناه: إن كنت ممن يتقي الله فابعد عني؛ فإني أعوذ بالله منك.
وقيل: إن ﴿تَقِيًّا﴾ اسم رجل معروف بالشرِّ عندهم، وهذا ضعيف بعيد.
﴿لِيَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾: هو عيسى ﵇.
وقرئ: ﴿لِيَهَبَ﴾ بالياء، والفاعل فيه هو ضمير الرب ﷾.
وقرئ بهمزة المتكلم، وهو جبريل، وإنما نسب الهبة إلى نفسه:
لأنه هو الذي أرسله الله بها.
أو يكون قال ذلك حكايةً عن الله تعالى.
﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ البغيُّ: هي المرأة المجاهرة بالزنا، ووزن بغيٍّ: فَعُول.
_________________
(١) في ب: «المشرق».
[ ٣ / ٦٦ ]
﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً﴾ الضمير للولد، واللام تتعلق بمحذوف تقديره: لنجعله آيةً فَعَلْنَا ذلك.
﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ يعني: في بطنها، وكانت مدة حملها ثمانية أشهر.
وقال ابن عباس: حملته وولدته من ساعته (^١).
﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ أي: بعيدًا، وإنما بَعُدت حياءً من قومها أن يظنوا بها الشرَّ.
﴿فَأَجَاءَهَا﴾ معناه: ألجأها، وهو منقول مِنْ «جاء» بهمزة التعدية.
﴿الْمَخَاضُ﴾ أي: النِّفاس.
﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ رُوي أنها احتضنت الجذع؛ لشدة وجع النفاس.
﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ﴾ إنما تمنت الموت خوفًا من إنكار قومها، وظنِّهم بها الشرَّ، ووقوعِهم في ذمِّها، وتمني الموت جائزٌ في مثل هذا، وليس هذا من تمني الموت لضرّ نزل بالبدن؛ فإنه منهي عنه.
﴿وَكُنْتُ نَسْيًا﴾ النَّسْيُ: الشيء الحقير الذي لا يُؤبَه له (^٢)، ويقال بفتح النون وكسرها.
﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قرئ «من» بفتح الميم وكسرها، وقد اختُلِف على كلتا القراءتين: هل هو جبريل أو عيسى؟.
وعلى أنه جبريل:
قيل: إنه كان تحتها كالقابلة.
_________________
(١) في أ: «ساعة».
(٢) في ج، د، هـ: «به».
[ ٣ / ٦٧ ]
وقيل: كان في مكانٍ أسفلَ من مكانها.
﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾ تفسيرٌ للنداء، فـ «أنْ» مفسِّرة.
﴿سَرِيًّا﴾ يعني: جدولًا، وهو ساقيةٌ من ماء كان قريبًا من جذع النخلة، وروي أن النبي ﷺ فسَّره بذلك (^١).
وقيل: يعني عيسى؛ فإن السَّرِيَّ الرجلُ الكريم.
﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ كان جذعًا يابسًا، فخلق الله فيه الرُّطَب؛ كرامةً لها وتأنيسًا.
وقد استدلَّ بعض الناس بهذه الآية أن الإنسان ينبغي له أن يتسبَّب في طلب الرزق؛ لأن الله أمر مريم بهزِّ النخلة.
والباء في ﴿بِجِذْعِ﴾ زائدة، كقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ الفاعل بـ ﴿تُسَاقِطْ﴾ النخلة.
وقرئ بالياء؛ والفاعل - على ذلك - الجذع.
و﴿رُطَبًا﴾ تمييز.
والجنيُّ معناه: الذي طاب وصلح لأن يُجتنى.
﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾ أي: كلي من الرطب، واشربي من ماء الجدول، وهو السَّرِي.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (١/ ٢٤٢) من حديث البراء مرفوعًا، ورواه الطبري في تفسيره عن البراء موقوفًا (١٥/ ٥٠٦).
[ ٣ / ٦٨ ]
﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ أي: طيبي نفسًا بما فعل (^١) الله لك من ولادة نبي كريم، أو من تيسير المأكول والمشروب.
﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ هي «إنْ» الشرطية دخلت عليها «ما» الزائدة للتأكيد، و﴿تَرَيِنَّ﴾ فعل خوطبت به المرأة، ودخلت عليه النون الثقيلة؛ للتأكيد.
﴿نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي: صمتًا عن الكلام.
وقيل: تعني: الصيام؛ لأن من شرطه في شريعتهم الصمت.
وإنما أُمرت بالصمت؛ صيانةً لها عن الكلام مع المتَّهمين لها، و(^٢) لأن عيسى تكلَّم عنها.
وإخبارها (^٣) بأنها نذرت الصمت (^٤) كان بهذا الكلام.
وقيل: بالإشارة.
ولا يجوز في شريعتنا نذر الصمت.
﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا﴾ لما رأت الآيات علِمت أن الله سيبين عذرها، فجاءت به من المكان القصيِّ إلى قومها.
﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾ أي: شنيعًا، وهو من الفرية.
_________________
(١) في ج، د: «جعل».
(٢) في د: «أو».
(٣) في ب، هـ: «فإخبارها».
(٤) في هـ: «الصوم».
[ ٣ / ٦٩ ]
﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ كان هارون عابدًا من (^١) بني إسرائيل، شُبّهت به مريم في كثرة العبادة؛ فقيل لها: أخته، بمعنى: أنها تشبهه.
وقيل: كان أخاها من أبيها، وكان رجلًا صالحًا.
وقيل: هو هارون النبي أخو موسى، وكانت من ذريته، فـ «أخت» على هذا كقولك: «أخو بني فلان»؛ أي: واحد منهم.
ولا يتصوَّر على هذا القول أن تكون أخته من النسب حقيقةً؛ فإن بين زمانهما دهرًا طويلًا.
﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى ولدها ليتكلم، وصمتت هي كما أُمِرت.
﴿كَانَ فِي الْمَهْدِ﴾ «كان» بمعنى: يكون، والمهد: هو المعروف.
وقيل: المهد هنا: حجرها.
﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ يعني: الإنجيل، أو التوراة والإنجيل.
﴿مُبَارَكًا﴾ من البركة.
وقيل: نفَّاع.
وقيل: معلِّم للخير.
واللفظ أعم من ذلك.
﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ هما المشروعتان.
وقيل: الصلاة هنا: الدعاء، والزكاة: التطهير من العيوب.
_________________
(١) في د هـ: «في».
[ ٣ / ٧٠ ]
﴿وَبَرًّا﴾ معطوف على ﴿مُبَارَكًا﴾، روي أن عيسى تكلم بهذا الكلام وهو في المهد، ثم عاد إلى حالة الأطفال، على عادة البشر.
وفي كلامه هذا ردٌّ على النصارى؛ لأنه اعترف أنه عبد الله، وردٌّ على اليهود؛ لقوله: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾.
﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ﴾ أدخل لام التعريف هنا؛ لتقدُّم السلام المنكَّر في قصة يحيى، فهو كقولك: رأيت رجلًا فأكرمت الرجل.
وقال الزمخشري: الصحيح أن هذا التعريف تعريضٌ بلعنة من اتَّهم مريم؛ كأنه قال: السلام كلُّه عليَّ لا عليكم، بل عليكم ضدُّه (^١).
﴿قَوْلُ الْحَقِّ﴾ بالرفع: خبر مبتدأ تقديره: هذا قول الحق، أو بدل، أو خبرٌ بعد خبر.
وبالنصب: منصوب على المدح بفعل مضمر، أو على المصدرية من معنى الكلام المتقدِّم.
﴿فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي: يختلفون؛ فهو من المراء.
أو: يشكون؛ فهو من المرية.
والضمير لليهود والنصارى.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَبِّي﴾ من كلام عيسى.
وقرئ بفتح الهمزة: تقديره: ولأن الله ربي وربكم فاعبدوه.
_________________
(١) انظر: الكشاف (١٠/ ١٧).
[ ٣ / ٧١ ]
وبكسرها: لابتداء الكلام.
وقيل: هو من كلام النبي ﷺ، والمعنى: يا محمد!، قل لهم: ذلك عيسى بن مريم، وإن الله ربي وربكم.
والأول أظهر.
﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ هذا ابتداء إخبار، والأحزاب: اليهود والنصارى؛ لأنهم اختلفوا في أمر عيسى اختلافًا شديدًا، فكذَّبه اليهود وعبده النصارى، والحقُّ خلاف أقوالهم كلِّها.
﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ معناه: من تلقائهم، ومن أنفسهم، وأن الاختلاف لم يخرج عنهم.
﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني: يوم القيامة.
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ أي: ما أسمعهم وما أبصرهم يوم القيامة!، على أنهم في الدنيا في ضلال مبين.
﴿يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ هو يومُ يؤتى بالموت في صورة كبش فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود لا موت، ويا أهل النار خلود لا موت.
وقيل: هو يوم القيامة.
وانتصب ﴿يَوْمَ﴾ على المفعولية، لا على الظرفية.
﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ يعني: في الدنيا، فهو متعلِّق (^١) بقوله: ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، أو بـ ﴿وَأَنذِرْهُمْ﴾.
_________________
(١) في ب، هـ: «يتعلق».
[ ٣ / ٧٢ ]
[﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾].
﴿صِدِّيقًا﴾ بناءُ مبالغةٍ من الصدق، أو من التصديق، ووصفه بأنه صدِّيقٌ قبل الوحي، نبيٌّ بعده.
ويحتمل أنْ جَمعَ (^١) الوصفين.
﴿مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ يعني: الأصنام.
﴿صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ أي: قويما.
﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ قيل: يعني: الرجم بالحجارة.
وقيل: الشتم.
﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ أي: حينًا طويلًا، وعطف ﴿وَاهْجُرْنِي﴾ على محذوف،
_________________
(١) في ج زيادة «بين».
[ ٣ / ٧٣ ]
تقديره: احذر رجمي لك.
﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ هو وداعٌ ومفارقة.
وقيل: مسالمة، لا تحية؛ لأن ابتداء الكافر بالسلام لا يجوز.
﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ﴾ وعدٌ، وهو الذي أُشير إليه في قوله: ﴿عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤].
قال ابن عطية: معناه: سأدعو الله أن يهديك فيغفرَ لك بإيمانك؛ وذلك لأن الاستغفار للكافر لا يجوز (^١).
وقيل: وعده أن يستغفر له مع كفره؛ ولعلّه كان لم يعلم أن الله لا يغفر للكفار حتى أعلمه الله بذلك، ويقوّي هذا القول قوله: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦]، ومثل هذا قول النبي ﷺ لأبي طالب: «لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك» (^٢).
﴿حَفِيًّا﴾ أي: بارًّا متلطّفًا.
﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ﴾ أي: ما تعبدون.
﴿إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ هما ابنه وابن ابنه، وهبهما الله عوضًا من أبيه وقومه الذين اعتزلهم.
﴿مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ النبوة.
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (٦/ ٣٩).
(٢) أخرجه البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤).
[ ٣ / ٧٤ ]
وقيل: المال والولد.
واللفظ أعم من ذلك.
﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ يعني: الثناء الباقي عليهم إلى آخر الدهر.
* * *
[ ٣ / ٧٥ ]
[﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣) وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾].
﴿مُخْلَصًا﴾ بكسر اللام: أي: أخلص نفسه وأعماله لله.
وبفتحها: أي: أخلصه الله للنبوة والتقريب.
﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ النبي أعم من الرسول؛ لأن النبي كل من أوحى الله إليه، ولا يكون رسولًا حتى يرسله الله إلى الناس مع النبوة، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا.
﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾ هو تكليم الله له.
﴿الطُّورِ﴾ هو الجبل المشهور بالشام.
﴿الْأَيْمَنِ﴾ صفة للجانب، وكان على يمين موسى حين وقف عليه.
[ ٣ / ٧٦ ]
ويحتمل أن يكون من اليُمْن.
﴿نَجِيًّا﴾ النجيُّ: فعيل، وهو المنفرد بالمناجاة.
وقيل: هو من النجاة.
والأول أصح.
﴿مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ «من»: سببية، أو للتبعيض.
و﴿أَخَاهُ﴾:
على الأول: مفعول.
وعلى الثاني: بدل.
﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ روي أنه وعد رجلًا إلى مكان، فانتظره فيه سنة.
وقيل: الإشارة إلى صدق وعده في قصة الذبح في قوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، وهذا يدلُّ على قول من قال: إن الذبيح هو إسماعيل.
﴿إِدْرِيسَ﴾ هو أول نبيٍّ بعث إلى أهل الأرض بعد آدم، وهو أول من خط بالقلم، ونظر في علم النجوم، وخاط الثياب، وهو من أجداد نوح ﵇.
﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ قال ابن عباس: رفعه الله إلى السماء، وهناك مات، وفي حديث الإسراء: أنه في السماء الرابعة (^١).
وقيل: يعني: رفعة النبوة وتشريف منزلته.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤).
[ ٣ / ٧٧ ]
والأول أشهر، ويرجّحه الحديث.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى كلّ مَنْ ذكر في هذه السورة، من زكرياء إلى إدريس.
﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ «من» هنا للبيان، والتي بعدها للتبعيض.
﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ يعني: نوحًا وإدريس.
﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا﴾ يعني: إبراهيم.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني: إسماعيل وإسحاق ويعقوب.
﴿وَإِسْرَائِيلَ﴾ يعني: أن من ذريته موسى وهارون ومريم وعيسى وزكريا ويحيى.
﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾ يحتمل العطف على «من» الأولى، أو الثانية.
﴿وَبُكِيًّا﴾ جمع باكٍ، ووزنه فُعُول.
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ يقال في عَقِب الخير: خلف - بفتح اللام -، وفي عقب الشر: خلف - بالسكون - وهو المعنيُّ هنا.
واختلف فيمن المراد بذلك؟
فقيل: النصارى؛ لأنهم خلفوا اليهود.
وقيل: كلُّ من كفر وعصى من بعد بني إسرائيل.
﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ قيل: تركوها، وقيل: أخرجوها عن أوقاتها.
﴿يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ الغيُّ: الخسران.
[ ٣ / ٧٨ ]
وقد يكون بمعنى الضلال؛ فيكون على حذف مضاف تقديره: يلقون جزاء غيّ.
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ استثناءٌ يحتمل الاتصال والانقطاع.
﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي: أخبرهم من ذلك (^١) بما غاب عنهم.
﴿مَأْتِيًّا﴾ وزنه مفعول؛ فقيل: إنه بمعنى فاعل؛ لأن الوعد هو الذي يأتي.
وقيل: إنه على بابه؛ لأن الوعد هو الجنة، وهم يأتونها.
﴿لَغْوًا﴾ يعني: ساقط الكلام.
﴿إِلَّا سَلَامًا﴾ استثناءٌ منقطع.
﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قيل: المعنى: أن زمانهم يُقدَّر بالأيام والليالي؛ إذ ليس في الجنة نهار ولا ليل.
وقيل: المعنى: أن الرزق يأتيهم في كل حين يحتاجون إليه، وعبَّر عن ذلك بالبكرة والعشي؛ على عادة الناس في أكلهم (^٢).
﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ حكاية قول جبريل حين غاب عن النبي ﷺ فقال له: «أبطأتَ عني واشتقتُ إليك»، فقال: «إني كنت أشْوَقَ، ولكني عبدٌ مأمور؛ إذا بُعثت نزلت وإذا حُبست احتبست»، ونزلت هذه الآية (^٣).
﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: له ما قُدَّامنا وما خلفنا،
_________________
(١) في ب، ج: «بذلك».
(٢) في هـ: «في كلامهم».
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢٤١٤).
[ ٣ / ٧٩ ]
وما نحن فيها (^١) من الجهات والأماكن؛ فليس لنا الانتقال من مكان إلى مكان إلَّا بأمر الله.
وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: الدنيا إلى النفخة الأولى في الصور، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: الآخرة، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ما بين النفختين.
وقيل: ما مضى من أعمارنا، وما بقي منها، والحال التي نحن فيها.
والأول أكثر مناسبةً لسبب الآية.
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ هو فعيل من النسيان بمعنى الذُّهول.
وقيل: بمعنى الترك.
والأول أظهر.
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: مثيلًا ونظيرًا، فهو من المسامي والمضاهي.
وقيل: مَنْ يُسمَّى باسمه؛ لأنه لم يتسمَّ بالله غيره تعالى.
* * *
_________________
(١) في ج، هـ: «فيه».
[ ٣ / ٨٠ ]
[﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤) قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾].
﴿وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾ هذه حكايةُ قولِ مَنْ أنكر البعث من القبور.
والإنسان هنا: جنس يراد به الكفار.
وقيل: إن القائل لذلك أبيُّ بن خلف، وقيل: أمية بن خلف.
والهمزة التي دخلت على ﴿أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ للإنكار والاستبعاد.
واللام في قوله: ﴿لَسَوْفَ﴾ سيقت على الحكاية لقول من قال بهذا المعنى. والإخراج يراد به: البعث.
[ ٣ / ٨١ ]
﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ﴾ احتجاجٌ على صحة البعث، وردٌّ على من أنكره؛ لأن النشأة الأولى دليلٌ على الثانية.
﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ يعني: قُرناءهم من الشياطين الذين أضلُّوهم.
والواو:
للعطف.
أو بمعنى «مع»؛ فيكون ﴿الشَّيَاطِينَ﴾ مفعولًا معه.
﴿جِثِيًّا﴾ جمع جاثٍ، ووزنه فُعُول، من قولك: جثا الرجل: إذا جلس جلسة الذليل الخائف.
﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ الشيعة: الطائفة من الناس التي تتفق على مذهب، أو اتِّباع إنسان.
ومعنى الآية: أن الله ينزع من كل طائفة أعتاها، فيقدِّمه إلى النار.
وقال بعضهم: المعنى: نبدأ بالأكبر جُرْمًا فالأكبر جُرْمًا.
﴿أَيُّهُمْ﴾ اختلف في إعرابه:
فقال سيبويه: هو مبنيٌّ على الضم؛ لأنه حُذِف العائدُ عليه من الصِّلة - وكان التقدير: «أَيُّهم هو أَشَدُّ» - فوجب البناء.
وقال الخليل: هو مرفوع على الحكاية، تقديره: الذي يقال له أَشَدُّ.
وقال يونس: عُلِّق عنها الفعل، وارتفعت بالابتداء.
﴿أَوْلَى بِهَا صُلِيًّا﴾ الصِّلِيُّ: مصدرُ: صَلِيَ النارَ، ومعنى الآية: أن الله يعلم
[ ٣ / ٨٢ ]
من هو أولى بأن يُصلَى العذابَ.
﴿وَإِنْ مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ خطابٌ لجميع الناس عند الجمهور.
فأما المؤمنون فيدخلونها، ولكنها تَخْمُد فلا تضرُّهم، فالورود على هذا بمعنى (^١): الدخول، كقوله: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] و﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨].
وقيل: الورود بمعنى القدوم عليها، كقوله: ﴿وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣]
والمراد بذلك: جواز الصراط.
وقيل: الخطاب للكفار؛ فلا إشكال.
﴿حَتْمًا﴾ أي: أمرًا لا بدَّ منه.
﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ إن كان الورود بمعنى الدخول: فنجاة الذين اتقوا بكون النارِ عليهم بردًا وسلامًا، ثم بالخروج منها.
وإن كان بمعنى المرور على الصراط: فنجاتهم بالجواز، والسلامة من الوقوع فيها.
﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ الفريقان: هم المؤمنون والكفار.
والمقام: اسم مكانِ مِنْ قام.
وقرئ بالضم؛ من أقام.
والنديُّ: المجلس.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «المعنى».
[ ٣ / ٨٣ ]
ومعنى الآية: أن الكفار قالوا للمؤمنين: نحن خير منكم مقامًا؛ أي: أحسن حالًا في الدنيا، وأجمل مجلسًا؛ فنحن أكرم على الله منكم.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ ﴿كَمْ﴾ مفعول بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾.
ومعنى الآية: ردٌّ على الكفار في قولهم المذكور؛ أي: ليس حُسْن الحالِ في الدنيا دليلًا على الكرامة عند الله؛ لأن الله قد أهلك من كان أحسن حالًا منكم في الدنيا.
﴿هُمْ أَحْسَنُ﴾ قال الزمخشري: هذه الجملة في موضع نصب صفة لـ ﴿كَمْ﴾ (^١).
﴿أَثَاثًا﴾ أي: متاع البيت.
وقال ابن عطية: هو اسمٌ عام في المال؛ العين والعَرَض (^٢) والحيوان (^٣).
وهو اسم جمع.
وقيل: هو جمع، واحده أثاثةٌ.
﴿وَرِئْيًا﴾ بهمزة ساكنة قبل الياء، معناه: منظر حسن، وهو من الرؤية، والرَّئِيُّ: اسم المرئي.
وقرئ بتشديد الياء من غير همز، وهو تخفيف من الهمز، فالمعنى متفقٌ.
وقيل: هو من رِيِّ الشارب؛ أي: التنعُّم بالمشارب والمآكل.
_________________
(١) انظر: الكشاف (١٠/ ٨٣).
(٢) في د: «والعُرُوض».
(٣) انظر: المحرر الوجيز (٦/ ٦٠).
[ ٣ / ٨٤ ]
وقرأ ابن عباس: «زيًّا» بالزاي.
﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ أي: يمهله ويُملي له، واختُلف هل هذا الفعل دعاء، أو خبر سيق بلفظ الأمر تأكيدًا؟.
﴿حَتَّى﴾ هنا: غايةٌ للمدِّ في الضَّلال.
﴿إِمَّا الْعَذَابَ﴾ يعني: عذاب الدنيا.
﴿شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ في مقابلة قولهم: ﴿خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾.
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ ذُكر في «الكهف» (^١).
﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ أي: مرجعًا وعاقبة.
﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ هو العاصي بن وائل.
﴿وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ كان قد قال: لئن بُعثتُ كما يزعم محمد ليكوننَّ لي هناك مال وولد.
﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ الهمزة للإنكار، والردُّ على العاصي في قوله.
﴿كَلَّا﴾ ردعٌ له عن كلامه.
﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ إنما جعله مستقبلًا؛ لأنه إنما يظهر الجزاء والعقاب في المستقبل.
﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ أي: نزيد له فيه.
_________________
(١) انظر صفحة ٣١.
[ ٣ / ٨٥ ]
﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ أي: نرث الأشياء التي قال إنه يُؤتاها في الآخرةِ، وهي المال والولد.
ووراثتها: هي بأن يَهْلِك العاصي ويتركها، وقد أسلم ولداه هشام وعمرو ﵄.
﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ أي: بلا مال، ولا ولد، ولا ولي، ولا نصير.
﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ قيل: إن الضمير في ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ للكفار، وفي ﴿عِبَادَتِهِمْ﴾ للمعبودين، فالمعنى كقولهم: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].
وقيل: إن الضمير في ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ للمعبودين، وفي ﴿عِبَادَتِهِمْ﴾ للكفار فالمعنى كقولهم: ﴿مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨].
﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ معناه: يكون لهم خلاف ما أمَّلوه منهم، فيصير العزُّ الذي أمَّلوه ذِلةً.
وقيل: معناه: أعداءً.
[ ٣ / ٨٦ ]
[﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾].
﴿أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ تضمن معنى: «سلَّطنا»، ولذلك تعدَّى بـ «على».
﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ أي: تُزعجهم إلى الكفر والمعاصي.
﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لا تستبطئ عذابهم وتطلب تعجيله.
﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ أي: نعدُّ مدَّة بقائهم في الدنيا.
وقيل: نعدُّ أنفاسهم.
﴿وَفْدًا﴾ قيل: معناه: ركبانٌ (^١)، ومعنى الوفد لغة: القادمون، وعادتهم الركوب؛ فلذلك قيل ذلك.
وقيل: مُكرمون؛ لأن العادة إكرام الوفود.
_________________
(١) في د: «ركبانًا».
[ ٣ / ٨٧ ]
﴿وِرْدًا﴾ معناه: عطاشٌ (^١)؛ لأن من يرد الماء لا يرده إلَّا للعطش.
﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ الضمير يحتمل:
أن يكون للكفار، والمعنى: لا يملكون أن يُشفع لهم، ويكون ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ استثناءً منقطعًا، بمعنى «لكن».
أو يكون الضمير للمتقين، فالاستثناء متصل، والمعنى:
لا يملكون أن يشفعوا إلَّا لمن اتخذ عهدًا.
أو لا يملكون أن يشفع منهم إلَّا من اتخذ عهدًا.
أو يكون الضمير للفريقين؛ إذ قد ذُكروا قبل ذلك؛ فالاستثناء - أيضًا - متصل، و﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾: يحتمل أن يراد به الشافع، أو المشفوع له.
﴿عَهْدًا﴾ يريد به: الإيمان والأعمال الصالحة.
ويحتمل أن يريد به: الإذن في الشفاعة، وهذا أرجح؛ لقوله: ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ١٠٩].
والظاهر أن ذلك إشارة إلى شفاعة محمد ﷺ في الموقف حين ينفرد بها، ويقول غيره من الأنبياء: «نفسي نفسي» (^٢).
﴿شَيْئًا إِدًّا﴾ أي: شنيعًا صعبًا.
﴿يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ أي: يتشقَّقنَ من قول الكفار: اتخذ الله ولدًا.
_________________
(١) في د: «عطاشًا».
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤).
[ ٣ / ٨٨ ]
سورة مريم
﴿هَدًّا﴾ أي: انهدامًا.
﴿أَنْ دَعَوْا﴾ أي: من أجل أن دعوا للرحمن وَلَدًا.
وقرئ ﴿وُلْدًا﴾ بضم الواو وإسكان اللام، وهي لغة.
﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ردٌّ على مقالة الكفار، والمعنى: أن
الكل عبيده؛ فكيف يكون أحد منهم ولدًا له؟!.
و﴿إِنْ﴾ نافية، و﴿كُلُّ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿آتِي الرَّحْمَنِ﴾.
﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ هو المحبة والقبول الذي يجعله الله في القلوب
لمن شاء من عباده.
وقيل: إنها نزلت في علي بن أبي طالب ﵁.
﴿يَسَّرْنَاهُ﴾ الضمير للقرآن، و﴿بِلِسَانِكَ﴾ أي: بلغتك.
﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ جمع أَلَدّ، وهو الشديد الخصومة والمجادلة، والمراد بذلك:
قريش.
وقيل: معناه: فُجَّارًا.
﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ هو الصوت الخفي، والمعنى: أنهم لم يبق منهم
أثر، وفي ذلك تهديد لقريش.
[ ٣ / ٨٩ ]