وقد دلَّ حديثُ أبي سعيدٍ وحديثُ أبي هريرةَ المذكورانِ على أنَّ
مضاعفةَ حسناتِ المسلم بحسبِ حسنِ إسلامِهِ.
[ ١ / ٤٧٤ ]
وخرَّج ابنُ أبي حازم، من روايةِ عطيةَ العوفيِّ، عن ابنِ عمر، قال:
نزلتْ: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)، في الأعراب، فقال له
رجل: يا أبا عبدِ الرحمنِ، فما للمهاجرينَ؟
قال: ما هو أكثرُ، ثم تلا قولَه:
(وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) .
ويشهدُ لهذا المعنى: ما ذكره اللَّهُ ﷿ في حقِّ أزواج نبيَه - ﷺ -، فقال: (يَا نِسَاءَ النَّبِي مَن يَأتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مبَيِّنَةٍ) إلى قوله: (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) .
فدلَّ على أنَّ من عظُمَتْ منزلَتُه عندَ اللَّهِ، فإن عملَه يضاعفُ له أجرةُ.
وقد تأولَ بعضُ السلفِ من بني هاشم دخولَ آلِ النبيِّ - ﷺ - في هذا المعنى، لدخولِ أزواجِهِ، فكذلك من حَسُن إسلامُهُ بتحقيقِ إيمانِهِ وعملِهِ الصالح، فإنه يضاعفُ له أجرُ عملِهِ بحسبِ حسنِ إسلامه، وتحقيقِ إيمانه وتقواه. واللَّه أعلمُ. ً
ويشهدُ لذلك: أنَّ اللهَ ضاعفَ لهذه الأمة، لكونها خيرَ أمة أخرجتْ
للناسِ أجرَها مرتينِ، قال اللَّهُ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) .
وفي الحديثِ الصحيح: "إنَّ أهلَ التوراةِ عمِلُوا إلى نصفِ النهارِ على قيراط
قيراط، وعملَ أهلُ الإنجيلِ إلى العصرِ على قيراط قيراط، وعمِلتُم أنتم من العصرِ إلى
[ ١ / ٤٧٥ ]
غروبِ الشمسِ على قيراطينِ، فغضبتِ اليهودُ والنصارى، وقالوا: ما لنا أكثرُ عملًا وأقلُّ أجرًا؟
فقال اللَهُ: هل ظلمتُكُمْ من أجورِكُم شيئا؟
قالوا: لا، قال: فذلك فضْلِي أوتيه من أشاءُ".
وأمَّا من أحسنَ عملَه وأتقنَهُ وعمِلَهُ على الحضورِ والمراقبةِ، فلا ريبَ أنه
يتضاعفُ بذلك أجرُه وثوابُهُ في هذا العملِ بخصوصِه على من عمِل ذلك
العملَ بعينِه على وجهِ السهوِ والغفلةِ.
ولهذا؛ رُوي في حديثِ عمَّارٍ المرفوع: "إن الرجل ينصرفُ من صلاِتهِ، وما
كُتبَ له إلا نصفُها، إلا ثلثُها، إلا ربُعُها" حتى بلغَ العُشْر.
فليس ثوابُ من كتبَ له عشرُ عمله كثواب من كتب له نصفُه، ولا ثوابُ
من كُتبَ له نصفُ عمِلِهِ كثوابِ من كتبَ له عملُهُ كلُّه. واللَّهُ أعلم.
* * *
[ ١ / ٤٧٦ ]