[قالَ البخاريُّ]؛ وقول اللَّهِ ﷿: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨) .
[ ١ / ٤٤١ ]
وقوله تعالى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) .
يشيرُ إلى أنَّ الأذَانَ مذكورٌ في القرآنِ في هاتينِ الآيتينِ:
الأُولى منهما: تشْتمل النداءَ إلى جميع الصلوات؛ فإنَّ الأفعال نكراتٌ.
والنكرة في سياقِ الشَّرْطِ تعُمُّ كلَّ صلاةٍ.
والثانية منهما: تخْتصُ بالنداءِ إلى صلاةِ الجمعة.
وقد رَوَى عبدُ العزيزِ بنُ عِمرانَ، عن إبراهيمَ بنِ أبي حبيبةَ، عن داودَ بنِ
الحُصينِ، عن عكْرمةَ، عن ابن عباس، قال: الأذان نزل على رسول اللَّهِ - ﷺ - مع فرضِ الصلاةِ: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكرِ اللهِ) .
هذا إسنادٌ ساقطٌ لا يصح.
وهذه الآية ُ مدنيةٌ، والصلاةُ فرضتْ بمكةَ، ولم يصحَّ أنَّ النبيَّ - ﷺ - صلَّى بمكةَ جُمُعة، وقوله: (وَإِذَا نَادَيْتُم إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا) مدنية - أيضًا - ولم يُؤذنْ للصلاةِ بمكةَ.
والحديثُ الذي رُوي أنَّ جبريلَ لمَّا أمَّ النبيَّ - ﷺ - أولَ ما فُرضتِ الصلاةُ أمَرَه أن يُؤذَنَ بالصلاةِ، قد جاء مفسرًا في رواية أخرى، أنَّه يؤذن: الصلاةُ جامعة.
وقد سبقَ ذكرُهُ في أولِ كتابِ الصلاةِ.
وقد رُوي أنَّ النبيَّ - ﷺ - ليلةَ أُسْرِي خرجَ ملكٌ من وراء الحجابِ فأذَّن، فحدَّثه ربُّه ﷿ والنبيُّ - ﷺ - يسمعُ ذلكَ، ثم أخذَ المَلَكُ بيدِ محمدٍ فقدَّمه
[ ١ / ٤٤٢ ]
فأمَّ أهلَ السماءِ، منهم آدمُ ونوح.
قال أبو جعفرِ محمدُ بنُ علي: فيومئذِ أكملَ اللَهُ لمحمدٍ - ﷺ - الشَّرف - على أهلِ السماءِ وأهلِ الأرضِ.
وقد خرَّجه البزار والهيثمُ بنُ كليبِ في "مسنديهما" بسياق مُطوَّلٍ من
طريقِ زيادِ بنِ المنذرِ أبي الجارود، عن محمدِ بنِ علي بن الحسينِ، عن أبيه.
عن جدِّه، عن على.
وهو حديث لا يصحُّ.
وزيادُ بنُ المنذرِ أبو الجارودِ الكوفي، قال فيه الإمامُ أحمدُ: متروكٌ.
وقال ابنُ معينٍ: كذَّاب عدو اللَّهِ، لا يساوي فِلْسًا، وقال ابنُ حبانَ: كان رافضيًا يضعُ الحديثَ.
وروى طلحة بن زيدِ الرقي، عن يونسَ، عن الزُّهريّ، عن سالمِ، عن
أبيه، أنَّ النبيَّ - ﷺ - لما أُسْرِي به إلى السماءِ أوحى اللَّهُ إليه الأذانَ، فنزلَ بهِ، فعلَّمه جبريلَ.
خرَّجه الطبراني.
وهو موضوع بهذا الإسنادِ بغيرِ شكٍّ.
وطلحةُ هذا، كذَّاب مشهور.
ونبهنا على ذلكَ لئلا يُغْتَّر بشيءٍ منه.
وإنَّما شُرع الأذانُ بعد هجرةِ النبىِّ - ﷺ - إلى المدينةِ، والأحاديث الصحيحةُ كلُّها تدلُّ على ذلكَ.
[ ١ / ٤٤٣ ]
والأذانُ له فوائدُ:
منها: أنه إعلامٌ بوَقْتِ الصلاةِ أو فعلِها.
ومن هذا الوجهِ هو إخبارٌ بالوقتِ أو الفعلِ، ولهذا كان المؤذِّنُ مؤتمنًا.
ومنها: أنه إعلامٌ للغائبينَ عن المسجدِ، فلهذا شُرِع فيه رفعُ الصوتِ، وسُمِّي نداءً، فإنَّ النِّداءَ هو الصوتُ الرفيعُ.
ولهذا المعنى قالَ النبيُّ - ﷺ - لعبد الله بنِ زيد:
"قم فألقه على بلال، فإنه أندى صوتًا منك ". ً
ومنها: أنه دعاءٌ إلى الصلاةِ، فإنه معنى قولِهِ: "حيَّ على الصلاةِ، حيَّ على
الفلاح ".
وقد قيل: إنَّ قولَهُ تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلُ صَالِحًا)، الآية: نزلتْ في المؤذنينَ، رُوي عن طائفة من الصحابةِ.
وقيلَ في قولهِ تعالى: (وَقَدْ كَانوا يُدْعَوْنَ إِلَى السّجودِ وَهُمْ سَالِمُونَ) .
إنها الصلواتُ الخمسُ حين يُنادى بها.
ومنها: أنه إعلانٌ بشرائع الإسلامِ من التوحيدِ والتكبيرِ والتهليلِ والشهادةِ
بالوحدانيةِ والرسالةِ.
* * *
[ ١ / ٤٤٤ ]