وقد رُويَ عن ابنِ عباسٍ، قالَ: كانَ أهلُ اليمنِ يَحُجُّون ولا يتزوَّدونَ.
ويقولونَ: نحن متوكِّلون، فيحجونَ، فيأتونَ مكةَ، فيسألونَ الناسَ، فأنزلَ
اللَّهُ هذه الآيةَ: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)، وكذا قالَ
مجاهد، وعكرمةُ، والنخعيُّ، وغيرُ واحدٍ من السلفِ، فلا يُرخَصُ في ترك
الكَسْبِ بالكليةِ إلا لمنِ انقطعَ قلبُه عن الاستشرافِ إلى المخلوقينَ بالكليةِ.
وقدْ رُويَ عن أحمدَ أنه سُئلَ عن التوكُلِ، فقالَ: قطعُ الاستشرافِ باليأسِ
من الخلقِ، فسُئلَ عن الحجةِ في ذلكَ، فقالَ: قولُ إبراهيمَ ﵇ لما
عرضَ له جبريلُ وهو يُرْمَى في النارِ، فقالَ لهُ: ألكَ حاجة، فقالَ: أمَّا إليكَ
فلا.
وظاهرُ كلامِ أحمدَ أنَّ الكسبَ أفضلُ بكلِّ حالٍ، فإنَّه سُئلَ عمَّن يقعدُ ولا
يكتسبُ ويقولُ: توكَّلتُ على اللَّهِ، فقالَ: ينبغي للناسِ كُلِّهم يتوكَّلونَ على
[ ١ / ١٤٨ ]
اللَّهِ، ولكنْ يعودونَ على أنفسِهِم بالكَسْبِ.
ورَوَى الخَلاَّلُ بإسنادِه عن الفضيلِ بنِ عِياضٍ أنَّهُ قيلَ لهُ: لو أن رجلًا قعدَ
في بيتِهِ زعمَ أنَّه يثقُ باللًّهِ، فيأتيِه برزقهِ، قالَ: إذا وثقَ باللَّهِ حتى يعلمَ منه أنَّه
قدْ وثقَ به لم يمنعْهُ شيءٌ أرادَهُ، لكنْ لم يفعلْ هذا الأنبياءُ ولا غيرُهم، وقد
كانَ الأنبياءُ يؤجَرون أنفسَهم، وكانَ النبيُّ - ﷺ - يؤجِّرُ نفْسَه وأبو بكرٍ وعمرُ، ولم يقولوا: نقعدُ حتَّى يرزقُنا اللَّهُ ﷿.
وقالَ اللَّهُ ﷿: (وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ)، ولا بُدَّ من طلبِ المعيشةِ.
وقد رُوي عن بِشْرٍ ما يُشعرُ بخلافِ هذا، فرَوَى أبو نُعيمٍ في "الحلْيةِ" أنَّ
بشرًا سُئلَ عن التوكُلِ، فقالَ: اضطرابٌ بلا سكونٍ، وسكونٌ بلا اضطرابٍ، فقالَ له السائلُ: فسِّره لنا حتى نفقهَ، قالَ بشرٌ: اضطرابٌ بلا سكونٍ: رجلٌ يضطربُ بجوارحِهِ، وقلبُه ساكنٌ إلى اللَّهِ لا إلى عملِهِ، وسكونٌ بلا
اضطرابِ: فرجلٌ ساكنٌ إلى اللَّهِ بلا حركةٍ، وهذا عزيزٌ، وهوَ من صفاتِ
الأبدالِ.
* * *