كَانَ الطَّاهِر بن عاشور عَالما مصلحا مجددا، لَا يَسْتَطِيع الباحث فِي شخصيته وَعلمه أَن يقف على جَانب وَاحِد فَقَط، إِلَّا أَن الْقَضِيَّة الجامعة فِي حَيَاته وَعلمه ومؤلفاته هِيَ التَّجْدِيد والإصلاح من خلال الْإِسْلَام وَلَيْسَ بَعيدا عَنهُ، وَمن ثمَّ جَاءَت آراؤه وكتاباته ثورة على التَّقْلِيد والجمود وثورة على التسيب والضياع الفكري والحضاري.
يعد الطَّاهِر بن عاشور من كبار مفسري الْقُرْآن الْكَرِيم فِي الْعَصْر الحَدِيث، وَلَقَد احتوى تَفْسِيره «التَّحْرِير والتنوير» على خُلَاصَة آرائه الاجتهادية والتجديدية؛ إِذْ اسْتمرّ فِي هَذَا التَّفْسِير مَا يقرب من ٥٠ عَاما، وَأَشَارَ فِي بدايته إِلَى أَن منهجه هُوَ أَن يقف موقف الحكم بَين طوائف الْمُفَسّرين، تَارَة لَهَا وَأُخْرَى عَلَيْهَا؛ «فالاقتصار على الحَدِيث الْمعَاد فِي التَّفْسِير هُوَ تَعْطِيل لفيض الْقُرْآن الْكَرِيم الَّذِي مَا لَهُ من نفاد»، وَوصف تَفْسِيره بِأَنَّهُ «احتوى أحسن مَا فِي التفاسير، وَأَن فِيهِ أحسن مِمَّا فِي التفاسير» .
وَتَفْسِير التَّحْرِير والتنوير فِي حَقِيقَته تَفْسِير بلاغي، اهتم فِيهِ بدقائق البلاغة فِي كل آيَة من آيَاته، وَأورد فِيهِ بعض الْحَقَائِق العلمية وَلَكِن باعتدال وَدون توسع أَو إغراق فِي تفريعاتها ومسائلها.
وَقد نقد ابْن عاشور كثيرا من التفاسير والمفسرين، وَنقد فهم النَّاس للتفسير، وَرَأى أَن أحد أَسبَاب تَأَخّر علم التَّفْسِير هُوَ الولع بالتوقف عِنْد النَّقْل حَتَّى وَإِن كَانَ ضَعِيفا أَو فِيهِ كذب، وَكَذَلِكَ اتقاء الرَّأْي وَلَو كَانَ صَوَابا حَقِيقِيًّا، وَقَالَ: «لأَنهم توهموا أَن مَا خَالف النَّقْل عَن السَّابِقين إِخْرَاج لِلْقُرْآنِ عَمَّا أَرَادَ الله بِهِ»؛ فَأَصْبَحت كتب التَّفْسِير عَالَة على كَلَام الأقدمين، وَلَا همّ للمفسر إِلَّا جمع الْأَقْوَال، وبهذه النظرة أصبح التَّفْسِير «تسجيلا يقيَّد بِهِ فهم الْقُرْآن ويضيَّق بِهِ مَعْنَاهُ» .
وَلَعَلَّ نظرة التَّجْدِيد الإصلاحية فِي التَّفْسِير تتفق مَعَ الْمدرسَة الإصلاحية الَّتِي كَانَ من روادها الإِمَام مُحَمَّد عَبده الَّذِي رأى أَن أفضل مُفَسّر لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم هُوَ الزَّمن، وَهُوَ مَا يُشِير إِلَى معَان تجديدية، ويتيح للأفهام والعقول المتعاقبة الغوص فِي مَعَاني الْقُرْآن. وَكَانَ لتفاعل الطَّاهِر بن عاشور الإيجابي مَعَ الْقُرْآن الْكَرِيم أَثَره الْبَالِغ فِي عقل الشَّيْخ الَّذِي اتسعت آفاقه فَأدْرك مَقَاصِد الْكتاب الْحَكِيم وألم بأهدافه وأغراضه، مِمَّا كَانَ سَببا فِي فهمه لمقاصد الشَّرِيعَة الإسلامية الَّتِي وضع فِيهَا أهم كتبه بعد التَّحْرِير والتنوير وَهُوَ كتاب «مَقَاصِد الشَّرِيعَة» .