التَّعْلِيمُ بِمَا يُنَاسِبُ حَالَةَ عَصْرِ الْمُخَاطَبِينَ، وَمَا يُؤَهِّلُهُمْ إِلَى تَلَقِّي الشَّرِيعَةِ وَنَشْرِهَا وَذَلِكَ عِلْمُ الشَّرَائِعِ وَعِلْمُ الْأَخْبَارِ وَكَانَ ذَلِكَ مَبْلَغَ عِلْمِ مُخَالِطِي الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَدْ زَادَ الْقُرْآنُ عَلَى ذَلِكَ تَعْلِيمَ حِكْمَةِ مِيزَانِ الْعُقُولِ وَصِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ فِي أَفَانِينِ مُجَادَلَاتِهِ لِلضَّالِّينَ وَفِي دَعْوَتِهِ إِلَى النَّظَرِ، ثُمَّ نَوَّهَ بِشَأْنِ الْحِكْمَةِ فَقَالَ: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [الْبَقَرَة: ٢٦٩] وَهَذَا أَوْسَعُ بَابٍ انْبَجَسَتْ مِنْهُ عُيُونُ الْمَعَارِفِ، وَانْفَتَحَتْ بِهِ عُيُونُ الْأُمِّيِّينَ إِلَى الْعِلْمِ، وَقَدْ لَحِقَ بِهِ التَّنْبِيهُ الْمُتَكَرِّرُ عَلَى فَائِدَةِ الْعِلْمِ، وَذَلِكَ شَيْءٌ لَمْ يَطْرُقْ أَسْمَاعَ الْعَرَبِ مِنْ قَبْلُ، إِنَّمَا قُصَارَى عُلُومِهِمْ أُمُورٌ تَجْرِيبِيَّةٌ، وَكَانَ حُكَمَاؤُهُمْ أَفْرَادًا اخْتُصُّوا بِفَرْطِ ذَكَاءٍ تُضَمُّ إِلَيْهِ تَجْرِبَةٌ وَهُمُ الْعُرَفَاءُ فَجَاءَ الْقُرْآنُ بِقَوْلِهِ: وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبوت: ٤٣] هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩] وَقَالَ: ن وَالْقَلَمِ [الْقَلَم: ١] فَنَبَّهَ إِلَى مَزِيَّةِ الْكِتَابَةِ.