عُزز موقف الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر بن عاشور بتسميته شَيخا لِلْإِسْلَامِ الْمَالِكِي سنة ١٩٣٢م ثمَّ بتكليفه فِي شهر سبتمبر من نفس السّنة ١٩٣٢م بمهام شيخ مدير الْجَامِع الْأَعْظَم وفروعه فتيسر لَهُ الشُّرُوع فِي تطبيق آرائه الإصلاحية الَّتِي كَانَت شغله الشاغل [١٥] إِلَّا أَن الدسائس والمؤامرات الَّتِي كَانَت تحاك ضِدّه من طرف معارضيه "الزيتونيين" من المتحفظين على خطواته الإصلاحية من جِهَة وأعدائه وخصومه السياسيين "زعماء الحزب الْحر الدستوري الْجَدِيد" الَّذين شعروا بنفوذه وقبوله من طرف كل المحيطين بِهِ والدور الَّذِي يُمكن أَن يلعبه فِي سحب الْبسَاط من تَحت أَرجُلهم [١٦] من جِهَة ثَانِيَة جعلته يقدم استقالته فِي سبتمبر السّنة الموالية ١٩٣٣م. وَفِي سنة ١٣٦٤هـ -١٩٤٥م عيّن مرّة ثَانِيَة شَيخا للجامع الْأَعْظَم وفروعه وقوبلت عودة الشَّيْخ بحماس فياض من طرف الأوساط الزيتونية والرأي التّونسِيّ بِصفة عَامَّة واهتز المعهد الزيتوني وفروعه سُرُورًا فانتظمت عدَّة تظاهرات تكريما وارتياحا لعودة الشَّيْخ بالعاصمة وَمِنْهَا الِاسْتِقْبَال الْحَار الَّذِي خصته بِهِ فروع سوسة والقيروان وصفاقس بمناسبة الزِّيَارَة التفقدية الَّتِي قَامَ بهَا الشَّيْخ ابْن عاشور فِي ماي ١٩٤٥م فَور تَسْمِيَته من جَدِيد على رَأس إدارة التَّعْلِيم الزيتوني فَانْطَلَقت أَلْسِنَة الأدباء وَالشعرَاء بالقصائد الحماسية والأناشيد [١٧] .
واستأنف الشَّيْخ تطبيق برنامجه الإصلاحي فَجعل الْفُرُوع الزيتونية تَحت مراقبة إدارة مشيخة الْجَامِع رَأْسا بَعْدَمَا كَانَت ترجع شؤونها بِالنّظرِ إِلَى السلط الشَّرْعِيَّة الجهوية. كَمَا زَاد الشَّيْخ ابْن عاشور فِي عدد الْفُرُوع الزيتونية الَّذِي ارْتقى فِي مُدَّة سبع سنوات (١٩٤٩ - ١٩٥٦م) من ثَمَانِيَة إِلَى خمس وَعشْرين (مِنْهَا اثْنَان للفتيات فِي تونس وصفاقس) وَصَارَ عدد تلامذة الزيتونة وفروعها يناهز الْعشْرين ألف تلميذ فِي حُدُود ١٩٥٦م [١٨] .
كَمَا امتدت شبكة فروع الزيتونة إِلَى الْقطر الجزائري بإنشاء فرعين فِي مَدِينَة قسنطينة [١٩] .
وحرص الشَّيْخ ابْن عاشور على أَن يحسن من أوضاع الطّلبَة المعيشية والاجتماعية لَهُم لما لَهُ قيمَة فِي رفع معنويات الطّلبَة الزيتونيين إزاء إخْوَانهمْ الميسرين، وأمام الضغوط من حَولهمْ على الْقَضَاء على التَّعْلِيم الزيتوني [٢٠] والحيرة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا أغلب أَبنَاء الزيتونة والآفاق الَّتِي يُمكن أَن يرسموها لمستقبلهم، فأنشئت مطابخ بِبَعْض الْمدَارِس مكنت الطّلبَة من تنَاول الطَّعَام ثَلَاث مَرَّات فِي الْيَوْم بأسعار زهيدة. إِلَّا أَن ذَلِك لم يكن شَيْئا يذكر أَمَام البنايات الْقَدِيمَة وَضعف مَالِيَّة إدارة المشيخة وَهِي حَقِيقَة عاشها كل الزيتونيين.
تجدر الْإِشَارَة إِلَى أَن سلطات الحماية حاولت تَعْطِيل إنجاز برنامج الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور بطرق متنوعة مِنْهَا مقاومة إنْشَاء الْفُرُوع وَقد زَاد تفاقم الْوَضع الظروف السياسية فِي الْبِلَاد وانعكاسها على الأوساط الزيتونية انعكاسا تسبب فِي اضْطِرَاب دَاخل الْجَامِع. وبسبب تمسك الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور بمبدأ عدم الاستجابة لرغبة الْأَحْزَاب السياسية فَاشْتَدَّ الْخلاف بَينه وَبَين الوزارة فِي سنة ١٩٥٠م [٢١]، خُصُوصا إِثْر رفض الشَّيْخ ابْن عاشور لطلب تِلْكَ الوزارة بطرد بعض الطّلبَة أَعْضَاء صَوت الطَّالِب الزيتوني [٢٢] المناهض للحزب. وَقد قررت السلطة إبعاد الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور عَن مُبَاشرَة وظيفته مَعَ إبقائه فِي خطته وتكليف كاهيته الشَّيْخ عَليّ النيفر بإدارة المشيخة. وَفِي سِتَّة ١٩٥٦م عَاد الشَّيْخ ابْن عاشور إِلَى مُبَاشرَة شؤون التَّعْلِيم الزيتوني بعنوان شيخ عميد للجامعة الزيتونية من سنة ١٩٥٦ إِلَى ١٩٦٠م تَارِيخ الْقَضَاء على الزيتونة والتعليم الزيتوني.