(مُحَمَّد الطَّاهِر بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الطَّاهِر بن عاشور التّونسِيّ)
كَانَ جَامع الزيتونة مصنعا لرجال أفذاذ قادوا حَيَاة شعوبهم قبل أَن يقودوا حياتهم، فِي وَقت اضْطَرَبَتْ فِيهِ معالم الْحَيَاة، فَكَانُوا منارات للهدى وعلامات لطريق السداد. و«مُحَمَّد الطَّاهِر بن عاشور» هُوَ أحد أَعْلَام هَذَا الْجَامِع، وَمن عظمائهم المجددين. حَيَاته المديدة الَّتِي زَادَت على ٩٠ عَاما كَانَت جهادًا فِي طلب الْعلم، وجهادا فِي كسر وتحطيم أطواق الجمود والتقليد الَّتِي قيدت الْعقل الْمُسلم عَن التفاعل مَعَ الْقُرْآن الْكَرِيم والحياة المعاصرة.
أحدثت آراؤه نهضة فِي عُلُوم الشَّرِيعَة وَالتَّفْسِير والتربية والتعليم والإصلاح، وَكَانَ لَهَا أَثَرهَا الْبَالِغ فِي اسْتِمْرَار «الزيتونة» فِي الْعَطاء والريادة.
وَإِذا كَانَ من عَادَة الشرق عدم احتفاظه بكنوزه، فَهُوَ غَالِبا مَا ينسى عمالقته ورواده الَّذين كَانُوا ملْء السّمع وَالْبَصَر، ويتطلع إِلَى أفكار مستوردة وتجارب سَابِقَة التَّجْهِيز، وينسى مصلحيه ومجدديه، وَنبت بيئته وغرس مبادئه!!
لم يلق الطَّاهِر تَمام حَقه من الاهتمام بِهِ وباجتهاداته وأفكاره الإصلاحية؛ وَرُبمَا رَجَعَ ذَلِك لِأَن اجتهاداته تحارب الجمود الْعقلِيّ والتقليد من نَاحيَة، وتصطدم بالاستبداد من نَاحيَة أُخْرَى، كَمَا أَن أفكاره تسْعَى للنهوض والتقدم وفْق مَنْهَج عَقْلِي إسلامي، وَلَعَلَّ هَذَا يبين لنا سَبَب نِسْيَان الشرق فِي هَذِه الفترة لرواده وعمالقته!!