أَنْ لَا يَتَدَبَّرَ الْقُرْآنَ حَقَّ تَدَبُّرِهِ فَيُفَسِّرُهُ بِمَا يَخْطُرُ لَهُ من بادىء الرَّأْيِ دُونَ إِحَاطَةٍ بِجَوَانِبِ الْآيَةِ وَمَوَادِّ التَّفْسِيرِ مُقْتَصِرًا عَلَى بَعْضِ الْأَدِلَّةِ دُونَ بَعْضٍ كَأَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى مَا يَبْدُو مِنْ وَجْهٍ الْعَرَبِيَّةِ فَقَطْ، كَمَنْ يُفَسِّرُ قَوْلَهُ تَعَالَى: مَا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النِّسَاء:
٧٩] الْآيَةَ عَلَى ظَاهِرِ مَعْنَاهَا يَقُولُ إِنَّ الْخَيْرَ مِنَ اللَّهِ وَالشَّرَّ مَنْ فِعْلِ الْإِنْسَانِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَلَى الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي أَنْ لَا يَقَعَ إِلَّا مَا أَرَادَ اللَّهُ غَافِلًا عَمَّا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (١) [النِّسَاء: ٧٨] أَوْ بِمَا يَبْدُو مِنْ ظَاهِرِ اللُّغَةِ دُونَ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ كَمَنْ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً [الْإِسْرَاء: ٥٩] فَيُفَسِّرُ مُبْصِرَةً بِأَنَّهَا ذَاتُ بَصَرٍ لَمْ
تَكُنْ عَمْيَاءَ، فَهَذَا مِنَ الرَّأْيِ الْمَذْمُومِ لِفَسَادِهِ.
_________________
(١) هَذَا التَّمْثِيل للغزالي على أحد تفسيرين، والمثال يَكْفِي فِيهِ الْفَرْض. وَذكر الْفَخر فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: مَا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النِّسَاء: ٧٩] أَنه جرى على معنى التَّعْلِيم للتأدب مَعَ الْخَالِق وَقَوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النِّسَاء: ٧٨] جرى مجْرى بَيَان الْحَقِيقَة.
[ ١ / ٣٠ ]