كَانَ الطَّاهِر بن عاشور فَقِيها مجددا، يرفض مَا يردده بعض أدعياء الْفِقْه من أَن بَاب الِاجْتِهَاد قد أغلق فِي أعقاب الْقرن الْخَامِس الهجري، وَلَا سَبِيل لفتحه مرّة ثَانِيَة، وَكَانَ يرى أَن ارتهان الْمُسلمين لهَذِهِ النظرة الجامدة المقلدة سَيُصِيبُهُمْ بالتكاسل وسيعطل إِعْمَال الْعقل لإيجاد الْحُلُول لقضاياهم الَّتِي تَجِد فِي حياتهم.
وَإِذا كَانَ علم أصُول الْفِقْه هُوَ الْمنْهَج الضَّابِط لعملية الِاجْتِهَاد فِي فهم نُصُوص الْقُرْآن الْكَرِيم واستنباط الْأَحْكَام مِنْهُ فَإِن الاختلال فِي هَذَا الْعلم هُوَ السَّبَب فِي تخلي الْعلمَاء عَن الِاجْتِهَاد. وَرَأى أَن هَذَا الاختلال يرجع إِلَى توسيع الْعلم بِإِدْخَال مَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمُجْتَهد، وَأَن قَوَاعِد الْأُصُول دونت بعد أَن دون الْفِقْه، لذَلِك كَانَ هُنَاكَ بعض التَّعَارُض بَين الْقَوَاعِد وَالْفُرُوع فِي الْفِقْه، كَذَلِك الْغَفْلَة عَن مَقَاصِد الشَّرِيعَة؛ إِذْ لم يدون مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيل، وَكَانَ الأولى أَن تكون الأَصْل الأول لِلْأُصُولِ لِأَن بهَا يرْتَفع خلاف كَبِير.
وَيعْتَبر كتاب «مَقَاصِد الشَّرِيعَة» من أفضل مَا كتب فِي هَذَا الْفَنّ وضوحا فِي الْفِكر ودقة فِي التَّعْبِير وسلامة فِي الْمنْهَج واستقصاء للموضوع.