لقد كَانَ للحركة الإصلاحية الَّتِي تزعمها السَّيِّد جمال الدَّين الأفغاني وتابعها تِلْمِيذه الشَّيْخ مُحَمَّد عَبده صداها الْبعيد فِي الْعَالم الإسلامي، فقد فتحت بصائر النَّاس وحركتهم عَن طَرِيق مجلة العروة الوثقى والزيارات المتتابعة للبلدان الإسلامية من قبل الشَّيْخَيْنِ الأفغاني وَمُحَمّد عَبده. وَفِي هَذَا النطاق تتدرج زيارتي الشَّيْخ مُحَمَّد عَبده إِلَى تونس الأولى كَانَت سنة ١٨٨٥م وَكَانَ عمر الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور ثَمَانِي سنوات. والأرجح أَن مترجمنا لم يتطلع إِلَى هَذِه الآراء الإصلاحية بعد نظرا لصِغَر سنه.
أما الزِّيَارَة الثَّانِيَة لمفتي الديار المصرية فَكَانَت سنة ١٩٠٣م/١٣٢١هـ وَكَانَ عمر الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور ثَلَاث وَعشْرين سنة وَهُوَ يشغل خطة مدرس من الطَّبَقَة الثَّانِيَة وَقد نجح فِي هَذِه الخطة فِي نفس هَذِه السّنة [٩] .
فَهُوَ فِي مقتبل الْعُمر وَقد نَضِجَتْ أفكاره وتشبع وَقَرَأَ كثيرا من آرائه، وتشوفت نَفسه للقاء هَذَا المصلح الْكَبِير. وَتحقّق لَهُ ذَلِك فقد حل مُحَمَّد عَبده ضيفا بالمرسى عِنْد الْوَزير خَلِيل أَبُو حَاجِب بقصره الْمَعْرُوف [١٠] . وَقد عقدت مجَالِس علمية بَين الشبخ مُحَمَّد عَبده وَبَين مفكري الْبِلَاد التونسيين. وَكَانَ الشَّيْخ الْأُسْتَاذ ابْن عاشور لَا يتَخَلَّف عَنْهَا وَكَانَ من بَين الَّذين تقدمُوا للأستاذ الإِمَام باقتراح يطْلبُونَ فِيهِ مِنْهُ بِأَن يلقِي درسا بالجمعية الخلدونية وَكَانَ عضوا بمجلسها الإداري، وَقد كَانَ لَهُ ذَلِك وَأُلْقِي الدَّرْس فِي جُمَادَى الثَّانِيَة سنة ١٣٢١هـ/ سبتمبر ١٩٠٣م [١١] .
وَلم يقْتَصر الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور على اجتماعه بمصلحي الشرق فَحسب بل اجْتمع بمفكري الْعَالم الغربي من ذَلِك اجتماعه بالمستشرق اوبنهايم الْمَعْرُوف بمناهجه الفلسفية والدينية ومقارنة الْأَدْيَان والمذاهب وأصولها ومبادئها. وَله فِي هَذَا المجال بَاعَ وَلَقَد فاجئني فِي كِتَابه» أَلَيْسَ الصُّبْح بقريب «بإشاراته الباهرة إِلَى مفكري الغرب ونظرته لأفكارهم بِعَين النَّقْد، يوحي إِلَيْك من خلالها أَنه مُتَمَكن من اللُّغَة الفرنسية على أقل شَيْء [١٢] .