انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا وَنَظَائِرُهَا كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ.
وَالتَّعْبِيرُ بِفِعْلِ النَّظَرِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ بَلَغَ مِنَ الْوُضُوحِ أَنْ يَكُونَ مَنْظُورًا.
وَالِاسْتِفْهَامُ بِ (كَيْفَ) لِلتَّعْجِيبِ مِنْ حَالَةِ تمثيلهم للنبيء﵊- بِالْمَسْحُورِ وَنَحْوِهِ.
وَأَصْلُ (ضَرَبَ) وَضْعُ الشَّيْءِ وَتَثْبِيتُهُ يُقَالُ: ضَرَبَ خَيْمَةً، وَيُطْلَقُ عَلَى صَوْغِ الشَّيْءِ عَلَى حَجْمٍ مَخْصُوصٍ، يُقَالُ: ضَرَبَ دَنَانِيرَ، وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِلْإِبْرَازِ وَالْبَيَانِ تَشْبِيهًا لِلشَّيْءِ الْمُبْرَزِ الْمُبَيَّنِ بِالشَّيْءِ الْمُثْبَتِ. وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا فِي [الْبَقَرَةِ: ٢٦] .
وَاللَّامُ فِي لَكَ لِلتَّعْلِيلِ وَالْأَجَلِ، أَيْ ضَرَبُوا الْأَمْثَالَ لِأَجْلِكَ، أَيْ لِأَجْلِ تَمْثِيلِكَ، أَيْ مَثَّلُوكَ. يُقَالُ: ضَرَبْتُ لَكَ مَثَلًا بِكَذَا. وَأَصْلُهُ مَثَّلْتُكَ بِكَذَا، أَيْ أَجِدُ كَذَا مَثَلًا لَكَ، قَالَ تَعَالَى: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ
[النَّحْل: ٧٤] وَقَالَ: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ [يس: ١٣] أَيِ اجْعَلْهُمْ مَثَلًا لِحَالِهِمْ.
وَجَمَعَ الْأَمْثالَ هُنَا، وَإِنْ كَانَ الْمَحْكِيُّ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ مَثَّلُوهُ بِالْمَسْحُورِ، وَهُوَ مَثَلٌ وَاحِدٌ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّعْجِيبُ
[ ١٥ / ١٢١ ]
مِنْ هَذَا الْمَثَلِ وَمَنْ غَيْرِهِ فِيمَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ: هُوَ شَاعِرٌ، هُوَ كَاهِنٌ، هُوَ مَجْنُونٌ، هُوَ سَاحِرٌ، هُوَ مَسْحُورٌ. وَسُمِّيَتْ أَمْثَالًا بِاعْتِبَارِ حَالِهِمْ لِأَنَّهُمْ تَحَيَّرُوا فِيمَا يَصِفُونَهُ بِهِ لِلنَّاسِ لِئَلَّا يعتقدوه نبيئا، فَجَعَلُوا يَتَطَلَّبُونَ أَشْبَهَ الْأَحْوَالِ بِحَالِهِ فِي خيالهم فيلحقونه بِهِ، كَمَنْ يُدْرَجُ فَرْدًا غَرِيبًا فِي أَشْبَهِ الْأَجْنَاسِ بِهِ، كَمَنْ يَقُولُ فِي
الزَّرَافَةِ: إِنَّهَا مِنَ الْأَفْرَاسِ أَو من الْإِبِلِ أَوْ مِنَ الْبَقَرِ.
وَفُرِّعَ ضَلَالُهُمْ عَلَى ضَرْبِ أَمْثَالِهِمْ لِأَنَّ مَا ضَرَبُوهُ مِنَ الْأَمْثَالِ كُلُّهُ بَاطِلٌ وَضَلَالٌ وَقُوَّةٌ فِي الْكُفْرِ. فَالْمُرَادُ تَفْرِيعُ ضَلَالِهِمُ الْخَاصِّ بِبُطْلَانِ تِلْكَ الْأَمْثَالِ، أَيْ فَظَهَرَ ضَلَالُهُمْ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا [الْقَمَر: ٩] .
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالضَّلَالِ هُنَا أَصْلُ مَعْنَاهُ، وَهُوَ الْحَيْرَةُ فِي الطَّرِيقِ وَعَدَمُ الِاهْتِدَاءِ، أَيْ ضَرَبُوا لَكَ أَشْبَاهًا كَثِيرَةً لِأَنَّهُمْ تَحَيَّرُوا فِيمَا يَعْتَذِرُونَ بِهِ عَنْ شَأْنِكِ الْعَظِيمِ.
وَتَفْرِيعُ فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا عَلَى فَضَلُّوا تَفْرِيعٌ لِتَوَغُّلِهِمْ فِي الْحَيْرَةِ عَلَى ضَلَالِهِمْ فِي ضَرْبِ تِلْكَ الْأَمْثَالِ.
وَالسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ، وَاسْتِطَاعَتُهُ اسْتِطَاعَةُ الظَّفَرِ بِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالسَّبِيلِ سَبِيلُ الْهُدَى عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِي تَفْسِيرِ الضَّلَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِحَالِ ضَلَالِهِمْ بِحَالِ الَّذِي وَقَفَ فِي فَيْفَاءَ لَا يَدْرِي مِنْ أَيَّةِ جِهَةٍ يَسْلُكُ إِلَى الْمَقْصُودِ، عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فِي تَفْسِيرِ الضَّلَالِ.
وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا: أَنَّهُمْ تَحَيَّرُوا كَيْفَ يَصِفُونَ حَالَكَ لِلنَّاسِ لِتَوَقُّعِهِمْ أَنَّ النَّاسَ يُكَذِّبُونَهُمْ، فَلِذَلِكَ جَعَلُوا يَنْتَقِلُونَ فِي وَصْفِهِ مِنْ صِفَةٍ إِلَى صِفَةٍ لِاسْتِشْعَارِهِمْ أَنَّ مَا يَصِفُونَهُ بِهِ بَاطِلٌ لَا يطابقه الْوَاقِع.
[ ١٥ / ١٢٢ ]