قال عز من قائل: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ.
قال ابن عباس في قوله تعالى ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ. تبيين حلاله وحرامه.
وقد ثبت أن جبريل كان ينزل على الرسول ﷺ في رمضان فيتدارسان القرآن، وعند ما نزل عليه قوله سبحانه خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ. قال: ما هذا يا جبريل؟
قال: إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك.
وقال ربنا لرسوله: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ٤٤] .
وعن المقدام بن معديكرب: أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إنني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان متكىء على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد. إلا أن يستغني عنها صاحبها الحديث» .
وروى ابن المبارك عن الصحابي الجليل عمران بن حصين أنه قال لرجل: إنك رجل أحمق، أتجد الظهر في كتاب الله أربعا لا يجهر فيها بالقراءة؟ ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا، ثم قال: أتجده في كتاب الله مفسرا؟ إن كتاب الله أبهم هذا، وإن السنة تفسر هذا..
وعلى ذلك: فإذا لم نجد تفسير ما نريد من الآيات في القرآن فعلينا أن نلجأ إلى السنة ففيها: - أ- بيان المجمل وتفصيله:
مثل: - بيان الرسول ﷺ لمواقيت الصلاة، وعددها، وعدد ركعاتها، وكيفيتها.
- بيانه ﷺ لمقادير الزكاة، وأوقاتها وأنواعها، وبيان مناسك الحج.
[ ١ / ٧ ]
إذ قال ﵊: «صلوا كما رأيتموني أصلي» وقال «خذوا عني مناسككم» .
ب- توضيح المشكل:
من ذلك تفسيره ﷺ للخيط الأبيض والخيط الأسود في قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ فقد فسره ﷺ بأنه:
بياض النهار، وسواد الليل.
ومنه: تفسيره ﷺ للقوة الواردة في قوله سبحانه وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ.. فقد روى مسلم وغيره عن عقبة بن عامر قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول- وهو على المنبر- «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة» ألا وإن القوة الرمي. ألا وإن القوة الرمي. ألا وإن القوة الرمي» .
ت- تخصيص العام:
- ومن تخصيصه ﷺ الظلم في قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ الآية حين فهم بعض الصحابة بأن المراد بالظلم العموم فقالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟.
فخصصه ﷺ بقوله «ليس بذلك، إنما هو الشرك» - ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.
- ومنه تخصيصه ﷺ المورّث بغير الأنبياء بقوله «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» وفي حديث آخر «إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذه بحظّ وافر » .
ث- تقييد المطلق:
- كما في قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما إذ قيدت باليمين. وقد جيء إليه ﷺ بسارق فأمر بقطع يمينه.
- وكما في حديث «سعد» في الوصية- مما جاء في الصحيحين وغيرهما- عن سعد بن أبي وقاص قال:
«مرضت عام الفتح مرضا أشفيت منه على الموت، فأتاني رسول الله ﷺ يعودني فقلت: يا رسول الله إن لي مالا كثيرا، وليس يرثني إلا ابنتي، أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا. قلت: فثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: فالشطر؟ قال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس الحديث» .
ج- تأكيد ما جاء في القرآن:
مثال ذلك: قوله ﷺ: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» فهو موافق لقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ
[ ١ / ٨ ]
ح- بيان معنى لفظ أو متعلقه:
مثال ذلك تفسير الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضَّالِّينَ.
فقد أخرج أحمد والترمذي- وحسنه- وابن حبان في صحيحه عن عدي بن حاتم قال:
قال رسول الله ﷺ: «إن المغضوب عليهم هم اليهود، وإن الضالين هم النصارى» .
خ- بيان أحكام زائدة على ما جاء في القرآن:
فقد أورد القرآن- مثلا- المحرمات في قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ الآيات. فأثبتت الأحاديث زيادة على ذلك مثلا:
الجمع بين المرأة وعمتها، والجمع بين المرأة وخالتها.
وهناك أنواع أخرى من تفسير الرسول ﷺ للقرآن.
يقول الطبري: «إن مما أنزل الله في القرآن على نبيه ﷺ ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول ﷺ وذلك تأويل جميع ما فيه من وجوه أمره ونهيه، وندبه وإرشاده إلخ» .
وقال أبو حيان: - في معرض حديثه عما يحتاج إليه المفسر:
الوجه الرابع: تعيين مبهم، وتبيين مجمل، وسبب نزول، ونسخ، ويؤخذ ذلك من النقل الصحيح عن الرسول ﷺ وذلك من علم الحديث.