مسألة:
إن سئل عن قوله - سبحانه -: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ (١٠)﴾
[الآيات من ١ إلى ١٠]
فقال ما الغلبة؟، وما الأدنى؟، وما البضع؟، وما الفرح؟،
وما معنى: من بعد غلبهم؟، وما الإخلاف؟،
ولم أطلقت الصفة ب (لا يعلمون)؛ ثم قيل: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؟، وما الظاهر؟، وما الغفلة؟، وما الأجل المسمى للأشياء؟، وما السوآى؟ .
الجواب:
الغلبة: الاستعلاء على القرن؛ بما يبطل مقاومته في الحرب
الأدنى: الأزيد في الدين، وهو الأقرب، وله نقيضان الأدنى،
والأقصى، والأدنى، والأعلى، ونقيض الأقرب الأبعد.
وأدنى الأرض إلى جهة عدوهم.
البض ع: القطعة من العدد ما بين الثلاثة؛ إلى العشرة.
من بضعته؛ إذا قطعته.
[ ٤١٤ ]
الإضافة؛ التي هي غايته، فصار كبعض الاسم في استحقاق
البناء، وبني على حركة لا تكون له في حال الإعراب؛ فهي أدل
على البناء، وكل ما هو أدل على حال الشيء فهو أولى، إلا أن
تعرض علة.
الفرح: لذة النفس؛ بما يحصل في القلب من نيل الشهوة
ونقيضه الغم، وهو ألم النفس، بما يحصل في القلب من انسداد
طريق المشتهى.
وقيل: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾
من أرض الشام، إلى أرض فارس
وقيل: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾
في انتقامه من أعدائه.
﴿الرَّحِيمُ﴾ بمن أناب إليه من خلقه.
وقيل كانت فارس غلبت على الروم.
وقيل: النصر يوم بدر، للفريقين ففرح المؤمنون بالنصرين عن
أبي سعيد الخدري.
[ ٤١٥ ]
وقيل: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾
حذفت التاء للإضافة كما قيل: ﴿وإقام الصَّلاةِ﴾
وقيل: بل الغلب، والغلبة مصدران مثل: الجلب والجلبة.
الإخلاف: فعل خلاف ما تقدم به الوعد على جهة المنافاة
أطلقت الصفة: ب ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾
ذما لهم على جهة المبالغة؛ لتضييعهم
على ما يلزمهم من أمر الله حتى؛ كأنهم لا يعلمون شيئًا، ثم بين
حالهم فيما عقلوا عنه، ومما علموه من الظاهر [والظاهر] هو الذي
يصح أن يدرك من غير كشف عنه، والباري جل ذكره ظاهر بأدلته
، باطن عن حواس خلقه في الدنيا، والأمور كلها ظاهرة له؛ لأنه
يعلمها من غير كشف عنها، ولا دليل يؤدي إليها.
وكل ما يعلم بأوائل العقول ظاهر، وكل ما يعلم بدليل العقل باطن؛ لأن دليل العقل يجري مجرى الكشف عن صحة المعنى.
الغفلة: ذهاب المعنى عن النفس؛ كحال النائم، ونقيضها اليقظة
، وهي حضور المعنى للنفس، كحال المنتبه.
ونظيرها السهو، ونقيضه الذكر.
[ ٤١٦ ]
الأجل المسمى؛ للأشياء على قدر الاعتبار بها؛ إذا تصوروا
ذلك في الإخبار عنه أنه مع كثرتِه وعظمته محصل بتسمية تنبئ عنه.
لا يتقدم، ولا يتأخر عنها بالأوصاف التي ذكرناها.
﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾
أي: عمران الدنيا متى يزرعون، ومتى
يحصدون، وكيف يبنون، ومن أين يعيشون، وهم جهال بأمر
الآخرة، وله مضيعون. عن ابن عباس.
وقيل: معناه أنهم عمروا الدنيا، وخربوا الآخرة..
﴿وَعَمَرُوهَا﴾
حرثوا لعمارتها. عن مجاهد.
السُّوآى: الخلة التي تسوء صاحبها بسوء عند إدراكها، وهي النار في قول ابن عباس، وقتادة.
﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾
بمعنى؛ لأن كذبوا
وقيل: حفروا الأنهار، وغرسوا الأشجار، وشيدوا البنيان،
[ ٤١٧ ]
وصاروا إلى الهلاك عن أسوء حال؛ بالعصيان لم يفكروا في الموت
، والبلى، وأنهم يخرجون من الدنيا، ويصيرون إلى الحساب،
والجزاء.
وقيل تقديره: وعد الله وعده
[ ٤١٨ ]