والثاني: العطف على موضع المنادي.
وقيل: كان الحديد في يده مثل الشمع يصرفه كيف يشاء من غير نار ولا تطريق.
وقيل: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [١٠] سيري كيف شاء.
وقيل: أسقط ألف الاستفهام من ﴿أَفْتَرَى﴾ لدلالة (أمْ) عليه، وهو غلط من قائله، لأن ألف الاستفهام لا تحذف إلا في الضرورة، وإنما القراءُ تقطع الألف، ولو لم تقطع لكان خبرًا بعد استفهام.
و﴿هُوَ﴾ في ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ فصلٌ، ويسميه الكوفيونَ (العماد) .
مسألة:
إن سأل عن قوله سبحانه: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣) فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤) لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ (٢١)﴾ فقال:
[ ٢ / ١٣٣ ]
ما السابغ؟ وما السرد؟ وما العمل الصالح؟ وما البصير؟ وما معنى ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [١٢]؟ وما القطْرُ؟ وما المحاريب؟ وما معنى (سبأ)؟ وما الإعراض؟ وما السيلُ؟ وما العرم؟ وما الخمْط؟ وما معنى ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [١٧]؟ وما معنى ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [١٩]؟
الجواب:
السابغُ: التام من اللباس، وهو - ها هنا - التام من الدروع، ومنه: إسباغ النعمة = إتمامها.
﴿السَّرْدِ﴾ حلق الدروع، وقيل: المسامير التي في حلق الدروع، وهو مأخوذ من: سرد الكلام يسرده سردًا، إذا تابع بين بعض حروفه، وبعضهم قالوا: درع مسرودة، أي: مسمورة الحلق.
العمل الصالح: المستقيم على مقدار ما دعا إليه الحق.
البصير: العليم بالأمرو بمنزلة ما يرى في تمييزه.
﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي: عدل المسمار في الحلقة، لا يدق فيسلس، أو يغلظ فيفصم. عن مجاهد، والحسن.
[ ٢ / ١٣٤ ]
﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [١٢] قيل: مسيرها به إلى انتصاف النهار في مقدار سير شهر، ورواحها من انتصاف النهار إلى الليل في مقدار سير شهر. قال الحسن: "كان يغدو فيقيل في إصطخرَ، ويروح منها فيكون بكابل".
و﴿الْقِطْرِ﴾ النحاس.
﴿وَمَنْ يَزِغْ﴾ [١٢] يعدل عن جهة الصواب، زاغ يزيع زيغًا وإزاغة.
المحاريبُ: قصور ومساجد. عن قتادة. المحاريبُ: أشراف البيوتِ.
[ ٢ / ١٣٥ ]
الجابية: الحوض الذي فيه يجبر الماء. قال ابن عباس: "الجواب: الحياضُ".
﴿مِنْسَأَتَهُ﴾ [١٤] عصا أكلته الأرض.
المنسأةُ: أصلها من (نسأتُ) بالهمز، أي: سقتُ.
وقيل: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [١١] أي: في سرد الحديد ونظمه.
وقيل: (سبأ) أبو اعراب اليمن، وقد تسمى به القبيلة، نحو: هذه تميمٌ تميمٌ.
[ ٢ / ١٣٦ ]
وقال [قتادة]: بقى متوكئَا على عصاه سنة، لا يدري أنه مات.
وقال الحسن: " (سبأ) أرض". قرأ نافع، وأبو عمرو ﴿مِنْسَاتَهُ﴾ غيرر مهموز، وقرأ الباقون ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾ بالهمز.
وقرأ ﴿مَسْكِنِهِمْ﴾ بكسر الكاف الكسائي وحده، وقرأ ﴿مَسْكَنِهِمْ﴾ بفتح الكاف حمزة، وقرأ الباقون ﴿مَسَاكَنِهِمْ﴾ .
الإعراض: الذهاب عن الشيء، وهو خلاف الذهاب [إليه] .
السيلُ: الماء الجاري الكثير الذي لا يضبط دفعه لعظمه.
﴿الْعَرِمِ﴾ [١٦] المسناةُ التي تحتبس الماء، واحده: عرمة؛ كأنه مأخوذ من: عرامة الماء، وهو ذهابه كل مذهب.
الخمطُ: كل نبت قد أخذ طعمًا من المرارة حتى لا يمكت أكله.
وقيل: (الخمط) كل شجر ذي شوك. وقيل: (الخمط) الأرَاك الأرَاك.
[ ٢ / ١٣٧ ]
الأثلُ: الخشب. عن الحسن.
[ ٢ / ١٣٨ ]
وقيل: (الأثلُ) الطرفاء.
قال قتادة: "بدلوا بخير الشجر سيء الشجر".
والخمط: شجر له تمرٌ مرُّ، والأثل: ضرب من الخشب. وقيل: (الأثل) السمُر.
معنى ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [١٧] أي: هل نجازي بمثل هذا الجزاء في تعجيل العقاب بسلب النعمة إلا الكفور.
وقيل: ﴿الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [١٨] الشام. عن مجاهد، وقتادة. وقيل: بيت المقدس. عن ابن عباس.
[ ٢ / ١٣٩ ]
وقيل: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ أي: متواصلة. عن قتادة؛ وذلك أنه تظهر الثانية من الأولى لقربها منها.
وقيل: ﴿آمِنِينَ﴾ لا تخافون جوعًا ولا عطشًا، ولا من أحد ظلمًا، كأنه قيل لهم ﴿﴾ كذا.
وقيل: بطروا فقالوا: لو [كان] جنى ثمارنا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه؛ فمزقوا بين الشام وسبأ كل ممزق. عن ابن عباس.
﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [١٩] أي: يضرب بهم المثل في التفرق.
قال الشعبي: "أما غسان فلحقوا بالشام، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة
[ ٢ / ١٤٠ ]
صفحة فارغة
[ ٢ / ١٤١ ]
وأما الأزدُ فلحقوا بعمان".
وقيل: كان زيادة الماء حتى غرقوا به.
وقيل: سقيت من جرذٍ ثقب عليهم السكرَ.
وقيل: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ [١٨] أي: جعل بين القرية الأولى والثانية مسيرة يوم لراحة المسافر وتزوده منها.
﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [١٩] بأن أهلكناهم وألهمنا الناس حديثهم ليعتبروا به.
قال الحسن: "لا يجازي مثل هذه المجازاة من العذاب إلا الكفورُ".
وقيل: ﴿الْعَرِمِ﴾ السكْر.
وقيل: المطر الشديد. وقيل: هو اسم وادي.
[ ٢ / ١٤٢ ]
صفحة فارغة.
[ ٢ / ١٤٣ ]