مسألة:
وإن سأل عن قوله - سبحانه -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَة ِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾ .
[الآيات من ٢١ إلى ٢٦]
فقال ما الاتباع؟ وما المنكر؟ وهل في الآية دلالة على أن
الإيمان نعمة من الله؟ وما الإئتلاء؟ وفيمن نزلت (وَلاَ يَأتلِ أُولو)؟
وكيف شهادة الأيدي والأرجل بأعمال الفجار؟ وما معنى: الخبيثات
للخبيثين؟ وما الخبث؟ وما المبرأ؟
الجواب:
الاتباع: الذهاب فيما كان من الجهات التي يدعوا الداعي إليها بذهابه فيها.
فمن وافق الشيطان فيما يدعوا إليه من الضلال فقد اتبعه.
لأنه ذهب فيما دعاه إليه بذهابه فيه والاتباع، والاقتداء نظائر.
المنكر: ما حرم الله فعله.
والمعروف ما رغب في فعله وفي قوله ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾
ما يدل على أن طاعتهم كلهم مخلوقة له لأنه متفضل بها عليهم
منعم بها عليهم وأنه لو قد لطف لغيرهم لآمنوا كما آمنوا على خلاف
قول المعتزلة أنه ما أنعم بالإيمان عليهم ولا خلقه إيمانًا لهم وأنه قد
ألطف لجميع المؤمنين والمكلفين عمومًا، وإن لم يؤمنوا فزعموا أن
لطفه غير منجح.
[ ١٣٠ ]
والإئتلاء: القسم آلي يؤلي إيلاء إذا حلف على أمر من الأمور
ويأتلي يفتعل من آليت كما أن يقتضي من قضيت والمعنى أن لا
يؤتوا.
وقيل نزلت في أبي بكر الصديق - رضوان الله عليه -
ومسطح ابن أثاثة وكان يجري عليه ويقوم بنفقته فقطعها لما خاض
في الإفك وحلف أن لا ينفعه أبدًا لما كان منه من الدخول م أصحاب الإفك في أمر عائشة - ﵂ -.
فلما أنزل الله فيه الآية رجع له، وقال بلى والله إني أحب أن يغفر.
الله لي والله لا أنزعها أبدًا عنه.
وكان مسطح ابن خالة أبي بكر الصديق وكان مسكينًا ومهاجرًا من
مكة إلى المدينة، ومن البدريين عن عائشة)، وابن عباس، وابن.
الزبير وقال الحسن: أنزلت في يتيم كان في حجر أبي بكر الصديق -
﵁ - حلف ألا ينفق عليه.
وكذلك قال مجاهد..
وقيل ﴿إِنَّ الذين يَرْمُونَ﴾ عن الفواحش.
وشهادة الأيدي، والأرجل بأعمال الفجار فيه ثلاثة أقوال:
الأول: يخلق فيها كلامًا ونطقًا فتنطق بذلك
[ ١٣١ ]
الثاني: يجعل فيها علامة تقوم مقام النطق بالشهادة وكذلك إذا
جحدوا معاصيهم.
وقيل يبنيها الله ببنية تمكنهم من النطق بها.
وأما شهادة الألسنة فيجوز أن يكونوا شهداء يشهدون بألسنتهم إذا
رأوا أنه لا ينفعهم الجحد، ويجوز أن يكون الختم على الأفواه إنما هو.
في حال شهادة الأيدي، والأرجل.
وقيل: ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾
تخطيه الحلال إلى الحرام.
والفحشاء: كل قبيح عظيم من المعاصي.
﴿دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾
أي جزاءهم والخبث: الفاسد الذي يتزايد في الفساد تزايد النامي في النبات
[ ١٣٢ ]
والحرام كله خبيث، والحلال كله طيب.
والمبرأ: المنفي عنه صفة العيب، وهو المنزه عن صفة الذم.
والله - ﷿ - يبرئ المؤمنين من العيوب التي يضيفها إليهم
أعداؤهم، ويفضح من يكذب عليهم.
والرزق الكريم: الرزق الذي يعطى على الإدرار من الخيرات.
مهنئًا من غير تنغص الإنسان
وهو رزق رب العالمين الذي يعم الجميع، ويخص من شاء
بالزيادة في الإفضال.
وقيل في الخبيثات للخبيثين ثلاثة أوجه:
الأول: الخبيثات من الكلام من الخبيثين من الرجال عن ابن عباس
[ ١٣٣ ]
عباس ومجاهد والحسن.
والثاني: الخبيثات من السيئات للخبيثين من الرجال
والثالث: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال عن
ابن زيد.
كأنه ذهب إلى اجتماعهما للمشاكلة بينهما.
[ ١٣٤ ]
وقيل الخبيثات من النساء الزواني للخبيثين من الزناة على التعبد.
الأول ثم نسخ
وقال قتادة: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ في الجنة.
وقال الفراء: هو يرجع إلى عائشة أم المؤمنين - رضي الله
عنها - وصفوان بن المعطل.
كما جاء ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾
[النساء: ١١] فالأم تحجب بالأخوين فجاء ذلك على تغليب لفظ الجمع الذي يجري مجرى الواحد في الإعراب
[ ١٣٥ ]