مسألة:
وإن سأل عن قوله - سبحانه - ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾
[الآيات من ٢١ إلى ٣١]
فقال ما الذبح؟ وما معنى: سلطان مبين؟، وما المكث؟ وما
علم الإحاطة؟ وما الخبء؟ وما حكم سبأ في الصرف؟ وما معنى
عرش عظيم؟ وما وجه قراءة. (ألا يسجدوا) .
ووجه قراءة (أن ألا تسجدوا)؟ وما العرش؟، وما النظر؟ ولم جاز أم كنت من الكاذبين ألطف من أم كذبت؟، وما الكريم؟،
ولم قيل: وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، وهذه الفاتحة عربية، ولم تكن تلك اللغة عربية؟، وما معنى تول عنهم؟
الجواب:
الذبح: فَرْيُ الأوداج بما يخرج روح الحيوان.
والقتل قد بنقض البنية من غير ذبح، وقد يكون بحركات يكون عقبها خروج الروح.
الموت ضد الحياة، وهو أيضًا يضاد ما يصح الإدراك به
معنى ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾
هاهنا: بحجة بينة توجب عذره في إخلاله بمكانه
؛ فلما ذكر أنه أتاه بنبأ يحتاج إليه؛ لما فيه من الإصلاح لقوم قد تلاعب بهم الشيطان، وعذره في ذلك المكث.
المكث: الاستمرار والمضي على حال.
[ ٢٨٩ ]
والمعنى استمر على تلك الحال من الرأي
حتى جاء الهدهد بالنبأ الذي أخبر به.
المكث واللبث من النظائر.
ومَكَثَ ومَكُثَ لغتان
علم الإحاطة: العلم بالشيء من الجهات التي يمكن بأن يعلم منها
؛ حتى يكون العلم كالسور المحيط به.
وبهذا العلم يتميز؛ حتى لا يلتبس بما ليس منه.
الخبء: ما أحاط به غيره حتى منع من إدراكه
وهو بمعنى المخبوء، وق المصدر موقع الصفة خبأته أخبؤه
خبأً.
وما يخرجه الله بالإيجاد؛ فهو بهذه المنزلة.
فخبء السماء الأمطار، والرياح، وخبء الأرض الأشجار، والنبات.
[ ٢٩٠ ]
وقيل تعذيبه: نتف ريشه عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة
حكم (سبأ) في الصرف: منهم من يصرفه؛ يجعله اسمًا للمكان.
بعينه، ومنهم من لا يصرفه؛ يجعله اسمًا للبقعة.
وقد ورد الشعر بصرفه، وترك صرفه.
وقيل معنى ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾
: يؤتي الملوك
وقيل ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾
: سرير كريم معمول من ذهب، وقوائمه من
لؤلؤ وجوهر، عن ابن عباس
وجه قراءة (أَلَا يَسْجُدُوا لِلَّهِ) .
أي يا هؤلاء؛ على حذف المنادى..
اسجدوا على الأمر
وقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾
بمعنى: وزين لهم الشيطان ضلالهم؛ لئلا يسجدوا.
[ ٢٩١ ]
الخبء: أفضل الخِبا الستر والخفاء نظائر.
وقيل (سبأ): حي من أحياء اليمن.
وقيل: هو اسم أمهم
وقيل لم يكن [الهدهد] عارفًا بالله، وإنما أخبر بذلك كما يخبر.
يخبر مراهقو صبياننا.
وقيل (سبأ) مدينة بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام.
الخبء: الغيب.
قال الفراء: من قرأ بالتخفيف فهو موضع سجدة، ومن قرأ
[ ٢٩٢ ]
بالتثقيل فلا ينبغي أن يكون موضع سجدة.
وقد يجوز السجود على مخالفة غرض الشيطان
قرأ (فَمَكَثَ) بفتح الكاف عاصم..
وقرأ الباقون (فَمَكُثَ) بضم الكاف.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو. (من سبأَ بنبأَ) غير مصروفتين.
وقرأ الباقون (من سبإٍ بنبإٍ) . مصروفات
قرأ الكسائي. (ألَا يَسُجُدُوا لِلهِ) بالتخفيف من ألَا.
وقرأ الباقون.. (ألَّا) مشددة.
والعرش: سرير الملك الذي عظمه الله، ورفعه فوق السماوات
السبع، وجعل الملائكة تحف به، وترفع أعمال العباد إليه، وتنشأ
البركات من جهته؛ فهو عظيم الشأن كما وصفه.
[ ٢٩٣ ]
النظر: طلب إدراك المعنى بالحس، أو القلب.
صار ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾
ألطف من أم كذبت؛ لأنه قد يكون بالميل إليهم، وقد يكون منهم بالقرابة التي بينه وبينهم، وقد يكون منهم بأنه يكذب ككذبهم، وكذلك إذ قال ليس كما يقول من جهة الغلط الذي ليس بصدق، ولا كذب.
الكريم: الحقيق بأن يؤمل الخير العظيم من جهته.
فلما رأت ذلك في كتاب سليمان، وصفته بأنه كريم.
وقيل: كان مختومًا.
وأما هذه الفاتحة العربية: فإنها حكاية على المعنى، وذلك أن
الحكاية تكون على المعنى، وتكون على اللفظ والمعنى، وهو الأصل
في الحكاية التي لا يجوز العدول عنها؛ إلا بقرينة من قبل أن الحكاية.
هي أقرب إلى المماثلة الممكنة
[ ٢٩٤ ]
وقيل ثم تول عنهم قريبًا منهم ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ ثم تول على التقديم والتأخير
وموضع ﴿أَلَّا تَعْلُوا﴾
يحتمل الرفع على البدل من ﴿كِتَابٌ﴾، والنصب على معنى بـ ﴿أَلَّا تَعْلُوا﴾
وقيل أرادت بكريم: لأنه من كريم تطيعه الإنس، والجن، والطير.
[ ٢٩٥ ]