مسألة:
إن سئل عن قوله - سبحانه -: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)﴾
[الآيات من ٢١ إلى ٣٠]
فقال ما النفس؟، وما الزوجة؟، وما معنى ﴿لِتَسْكُنُوا﴾؟ وما الرحمة هاهنا؟، وما الفكر؟، وما معنى: دعاكم؟، وما معنى ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾؟، وما معنى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾؟، وما معنى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾؟، \وما معنى: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾؟
الجواب:.
النفس: هي الذات في أصل الحقيقة.
الزوجة: المرأة التي قد وقع عليها عقد النكاح.
الزوج: الرجل الذي قد وقع عليه عقد النكاح.
ويقال زوج للمرأة إذا لم يلتبس، كما قال: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ .
وإنما حسن ذلك للإشعار؛ بأنهما نظيران في عقد
[ ٤٢٣ ]
النكاح عليهما
ومعنى: ﴿لِتَسْكُنُوا﴾
سكون أنس، وطمأنينة، بأن الزوجة من
النفس؛ إذ هي من جنسها، وشكلها فهو أقرب إلى المودة، والألفة
الرحمة: رقة التعاطف بينهم؛ إذ كل واحد من الزوجين يرق
على الآخر رقة العطف عليه؛ بما جعل في قلب كل واحد لصاحبه،
ليتم سروره.
الفكر: طلب المعنى بما يقتضيه من متعلقه في القلب.
وقيل: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾
من شكل أنفسكم.
وقيل: خلقت حواء من ضلع من أضلاع آدم عن قتادة.
وقيل: خوفًا من المطر في السفر، وطمعًا [فيه] في الحضر
وفي: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ﴾
ثلاثة أقوال:
الأول: حذف أن.
[ ٤٢٤ ]
[الثاني]: كقول الشاعر
وَمَا الدَّهْرُ إلاَّ تَارتَانِ فَمِنْهُمَا أَمُوتِ وأُخْرَى ابْتَغِي العَيْشَأَكْدَحُ
أي فتارة أموت.
الثالث: ويريكم البرق من آياته على التقديم، والتأخير من
غير حذف.
وذكر المقدورات على اختلافها، وعظم شأنها؛ لتدل على القادر
[ ٤٢٥ ]
الذي لا يعجزه شيء.
وفي هذه الآيات دلالة بينة على بطلان مذهب أصحاب الاضطرار
وقيل معنى: ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾
أخرجكم بما هو بمنزلة الدعاء، وبمنزلة كن فيكون.
وقيل: البرق نار تحدث في السماء
هذه الآيات على ما في خلق الزوجة على مش اكلة ال نفس للس كون
إليها، وجعل المودة بين الزوج، وبينها من الدليل على المدبر؛ لذلك
حت ى جاء كل شيء منه لما يصلح له وتمت النعمة به على من
أعطيه.
وما في خلق السماوات، والأرض على عظم شأنها، واختلاف
الألسنة، والألوان على كثرتها من الدليل على القادر العالم بها.
وما في جعل الليل والنهار؛ للمنام، والمعاش الجاري على
اتساق، وانتظام من الدليل على المنعم مِما لا يقدر عليه سواه.
وما في رؤية البرق على الخوف من شدته، والطمع في الخير به
مع إنزال الماء من السماء؛ لإحياء الأرض بعد موتها، ونفع العالم
بها من الدليل على الإله المحسن إلى العباد بما أخرج منها، وما في
قيام السماء والأرض؛ م ثقلها، ثم يصير العباد بالدعاء إلى
الخروج منها من الدليل على القادر الذي لا يعجزه شيء منها، ولا
من غيرها تعالى.
[ ٤٢٦ ]
ومعنى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾
قيل فيه قولان:
الأول: وهو أهون عليه في التقدير أو في المثل.
أي فيما يمثل به في القادرين من غيره؛ أن إعادة الكتاب أو البناء أهون من ابتدائه.
الثاني: وهو هين
كقول الشاعر:
لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإنِّي لأَوْجَلُ عَلَى أيِّنَا تَعْدُوا المَنّيّةُ أوَّلُ.
﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾
أي بما مثل به دليل صفته الذي هو طريق إلى
معرفته من أن إنسانًا؛ إذا نسخ كتابًا؛ فإعادة نسخه أهون عليه هذا في مقدور العباد مع نقصانه؛ فكيف مقدور من لا يلحقه النقص
معنى: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾
فيه قولان:
الأول: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾
في إتلاف المال بإنفاقه.
الثاني: أن السيد له السلطان على عبده وليس للعبد سلطان على
مالكه فليس يجب أن يكونا في الخوف سواء.
[ ٤٢٧ ]
إذا أجريت الأمور على حقها، وأنتم قد جعلتم الخيفة من العبد؛
كالخيفة من مالك العبد؛ إذ عبدتموه كعبادته؛ لأن العبادة له لا تصح.
إلا مع المساواة
وقيل: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾
الصفة العليا؛ لأنها دائرة يصفهُ بها الثاني؛ كما يصفه بها الأول.
﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾
أي: مطيعون في تصريفه لا يمتنع عليه شيء يريد
فعله بهم من حياة، وموت، وبقاء، وصحة، ومرض، وبعث،
ونشور؛ كأنه قيل هو منطاع فيما يراد به
وقيل: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾
أيسر عليه، وكُلٌّ هين.
عن ابن عباس ومجاهد.
[ ٤٢٨ ]
وروي عنه أنه قال: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾
على الخلق.
وقيل: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾
: قول لا إله إلا الله، وحده لا شريك له؛ لأنه
دائر في السموات؛ والأرض يقوله فيه الثاني؛ كما قال الأول.
عن قتادة.
وقيل: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾
في انتقامه من أعدائه
﴿الْحَكِيمُ﴾
في تدبيره لخلقه.
وقيل في الشركاء من العبيد؛ فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم فكيف
رضيتم به لربكم.
وقال قتادة: ألا يرضى أن يكون عبده مشاركًا له في فراشه،
وزوجته.
كذلك؛ لا يرضى ربه أن يُعْدَلَ به أحد من خلقه
وقيل: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾
في المال أي يقاسموكم إياه كما تخافون الشريك
من نظائركم.
وقيل: أن يرثوكم إياه؛ كما يرث بعضكم بعضًا.
الفطرة: الصبغة التي يشق عنها بإظهارها.
[ ٤٢٩ ]
وتفطر الشجر بالورق؛ إذا تشقق..
وقيل: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾
دين الإسلام. عن مجاهد.
وقيل: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾
أي: لدين الله عن مجاهد وقتادة.
وقيل القانت: الدائم على أمر واحد
الملائكة، وغيرهم من المؤمنين دائمون على أمر واحد؛ في
ملازمة الطاعة لله، والكافرون وغيرهم من الفاسقين دائمون على أمر واحد في الذلة لله تعالى إلا أن منهم من هو بخلقته وفعله، ومنهم من هو بخلقته.
فطر الناس عليها، ولها، وبها بمعنى واحد.
كقول القائل لرسوله: بعثتك على هذا، ولهذا، وبهذا بمعنى واحد.
وقيل: ﴿***﴾ النَّاس.
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾
وهو دين الإسلام الذي فطر الله الناس له.
وقيل: النشأة الثانية يا أهل الكفر ينبغي أن تكون أهون عليه
[ ٤٣٠ ]
ثم قال: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
فذلك دليل على أنه مثل ضربه الله
دلت الآية: على البيان عن ما في ملك أهل السماوات، والأرض
من تعظيم المالك بما يجب له على العبد؛ مع لزوم طاعته بعبادته،
وما في بداءة الخلق من أنه قادر على إعادته؛ إذ الهدم أهون من
البناء.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
الذي يوجب الهدى، ويكشف العمى، ويبصر حال
الآخرة والأولى.
وما في ملك اليمين من امتناع مساواة المملوك للمالك؛ إذ المالك
أعظم شأنًا، وأعلى سلطانًا على عبده من عبده عليه.
فملك النفس بخلقها، وتصريفها كيف شاء مالكها، وهو أحق
بالعبد الذي يملك له النفع، والضر، وإليه يرجع الأمر بما يتفاوت في
علو الشأن؛ حتى تجب له العبادة.
وما في اتباع الهوى بغير علم من الضلال المؤدي إلى النار من
غير ناصر ينصر من العذاب.
[ ٤٣١ ]
وما في الدين الحنيف من وجوب التمسك به على ما فطر الله عليه
الخلق.
[ ٤٣٢ ]