مسألة:
وإن سئل عن قوله: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥) وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦)﴾
[الآيات من ٢٦ إلى ٣٦]
فقال ما معنى: ﴿مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾؟ وهلا ذكر ولده إسماعيل؟
وما الصالح؟، وما الفاحش؟، وما الأجر؟، وما المنكر؟، وما
معنى: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾؟ وما البشرى؟، وما الإهلاك؟، وما القرية؟، وما الظالم؟، وما الأعلم؟، وما معنى: ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾؟ وما الآية البينة؟
الجواب:
معنى: ﴿مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾
أي: خارج عن جملة الظالمين على جهة
الهجر لهم؛ لِقبيح أفعالهم إلى حيث أمرني ربي.
ومن هذا: هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة، وإلى أرض الحبشة؛ لأنهم هجروا ديارهم، وأوطانهم؛ لأذى المشركين لهم بأن خرجوا عنها.
لم يذكر من ولده إسماعيل باسمه، وإن كان قد دل عليه بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾، وترك ذكر اسمه لشهرته، وعظم شأنه،
وَذَكَرَ ولد وَلَدَه في سياقه ذكر ولده، لأنه يحسن إضافته إليه، بأنه
الأب الأكبر له.
[ ٣٨٨ ]
الصالح: المقوم لنفسه بصلاح أفعاله، وهو صفة مدح،
وتعظيم بدليل قوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾
أي: فيما قاموا به من النبوة على ما أمر الله به.
الفاحش: الشنيع في القبح.
فَحُشَ مَذْهَبُ فلان يفحش فحشًا، وتفاحش تفاحشًا؛ إذا شنع في
قبحه، وهو ظهوره بما يقتضي الحق إنكاره.
وقيل: هاجر إبراهيم من كوثى، وهي من سواد
الكوفة إلى أرض الشام عن قتادة.
وقيل: العزيز الذي لا يذل من نصره.
الحكيم الذي لا تضيع الطاعة عنده.
[ ٣٨٩ ]
وقال: الأجر في الدنيا الثناء الحسن.
وقيل: الولد الصالح عن ابن عباس.
وقيل: المنكر الضراط في مجالسهم. عن ابن عباس.
وقيل: كانوا يرمون من مر بهم عن السدي.
وقيل: كانوا يأتون الرجال في مجالسهم. عن مجاهد.
الكتاب: بمعنى الكتب من التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان
إلا أنه خرج مخرج الجنس.
قيل: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾
أخذ أموال الناس، وقيل للعمل الخبيث؛ لأنهم كانوا يطلبون الغرباء.
وقيل: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾
سبيل الولد بإتيان الذكران.
[ ٣٩٠ ]
البشرى: البيان عما يظهر سروره في بشرة الوجه
ولذلك قال: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾
إلا أن الأغلب فيه؛ أنه يستعمل فيما يسر به.
الإهلاك: الإذهاب بالشيء إلى ما لا يقع عليه الإحساس.
القرية: البلدة التي يجتمع إليها الإيواء من جهات مختلفة.
وهي: من قريت الماء في الحوض أقريه قريًا؛ إذا جمعته
الأعلم: الأكثر معلومًا، وإذا كان الشيء يعلمه عالم من وجوه
مختلفة، ويعلمه عالم من بعض تلك الوجوه دون بعض؛ فالأول أعلم.
به لكثرة وجوه المعلوم.
وقيل: البشرى بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب.
﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾
من الباقين في العذاب
وفي ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾
قولان:
سِيء بالملائكة؛ لما طلبوا منه الضيافة؛ لما يعلم من خبث فعل قومه عن قتادة
والثاني: سيء بقومه ذرعًا أي: ضاق بهم ذرعًا؛ لما يعلم من
عظيم البلاء النازل بهم.
[ ٣٩١ ]
وقيل: ﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾
الحجارة التي أمطرت علهيم. عن قتادة.
وقيل: عُفُوُّ آثارهم مع ظهور هلاكهم.
[ ٣٩٢ ]