الأول: يا حسرة من العباد على أنفسهم. عن قتادة، ومجاهد.
الثاني: أنهم قد حلوا محل من يتحسر عليه.
وقال ابن عباس: يا ويلا للعباد.
مسألة:
إن سأل عن قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾
فقال:
ما معنى ﴿كَمْ﴾ هنا؟ وما وجه الاحتجاج بـ ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [٣١]؟ وما وجه التذكير بكثرة المُهلكين؟ ولم كان أهل العصر قرنا؟ وما الفرق [بين] (لما) بالتخفيف، و(لما) بالتشديد؟ وما الازواج؟ وما السلخ؟ وما معنى ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [٣٨]؟ وما الفلك المشحون؟ وما الصريخ؟ وما معنى ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [٤١]؟ وما الإعراض؟ وما الإنفاق؟ وما معنى قولهم: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [٤٧]؟ وما الصيحة التي تأخذهم؟
الجواب:
[ ٢ / ١٨٨ ]
(كم) - هاهنا - لكثير العدد، كأنه قيل: ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون، وموضعها نصب بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾ على تقدير: ألف قرن أهلكنا أو أكثر.
وجه الاحتجاج بـ ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [٣١] كأنه قيل لهم: انظروا لم لا يرجعون فإنكم تجدون ذلك؛ لأنهم في قبضة مالكهم، يردهم في الآخرة إذا شاء ردهم لأنه لا يخلو إهلاكهم بالاتفاق من غير إضافة إلى حي قادر، ولو كان بالاتفاق أو الطبيعة لم يتسع أن يرجعوا إلى الدنيا.
وجه التذكير بكثرة المهلكين أنكم ستصيرون إلى مثل حالهم فانظروا لأنفسكم، واحذروا أن يأتيكم الإهلاك وأنتم في غفلة عما يراد بكم.
قيل لأهل العصر (قرن) لاقترانهم في الوجود، وأما المقاوم في الحرف فـ (قرن) بكسر القاف.
وقال قتادة: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ عاد وثمود وقرون بين ذلك كثيرا.
الفرق بين (لمَا) بالتخفيف و(لمَّا) بالتشديد أن (ما) في (لمَا) بالتخفيف صلة مؤكدة، كأنه قيل: وإن كل لجميع لدينا محضرون، و(إن) في الأول المخففة من المثقلة. وفي الثاني: بمعنى الجحد، كأنه جحد دخل على جحد فخرج إلى معنى الإثبات.
[ ٢ / ١٨٩ ]
وقيل: يجوز أن (لمَّا) بمعنى (لمَا)، حذفت إحدى الميمات لأجل التضعيف، ونظيره قولهم: سألتك لما فعلت، بمعنى: إلا فعلت.
ومعنى ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [٣٥] يجوز في (ما) ثلاثة أوجه: الجحد، ومعنى (الذي)، وأن تكون مصدرا.
[ ٢ / ١٩٠ ]
قرأ عاصم - في رواية أبي بكر -، وحمزة، والكسائي ﴿وَمَا عَمِلَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، وقرأ الباقون ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ﴾ .
﴿الْأَزْوَاجَ﴾ [٣٦] الأشكال بالحيوان، على مشاكلة الذكر الذكر.
السلخ: إخراج الشيء من لباسه.
معنى ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [٣٨] فيه ثلاثة أوجه:
الأول: لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا.
الثاني: لوقت واحد لها لا تعدوه. عن قتادة.
الثالث: إلى أبعد منازلها في الغروب.
العرجون: العدق الذي فيه الشماريخ، وإذا تقادم عهده حتى يبس؛ تقوس.
﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [٤٠] حتى يكون نقصان ضوئها كنقصانه. وعن أبي صالح: لا يدرك أحدهما ضوء الآخر. وقيل: ﴿
[ ٢ / ١٩١ ]
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ في سرعة مسيره ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ فكلها على تقادير قدرها الله.
وقيل: (الفلك) مواضع النجوم من الهواء الذي تجري فيه.
قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ﴿والْقَمَرُ﴾ رفعا، وقرأ الباقون ﴿والْقَمَرَ﴾ نصبا.
الحمل: منع الشيء أن يذهب به إلى جهة السفل.
﴿الْفُلْكِ﴾ [٤١] السفن؛ لأنها تدور في الماء. يقال: فلك ثدي الجارية إذا استدار.
﴿الْمَشْحُونِ﴾ المملوء.
الصريخ: الصارخ بالاستغاثة. وقيل: الصريخ: المعين عند الصراخ بالاستغاثة.
معنى ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ قيل: سفينة نوح. عن الضحاك، وقتادة.
﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [٤٢] السفن بعد سفينة نوح. وقيل: الإبل سفن البر. عن ابن عباس.
[ ٢ / ١٩٢ ]
وقيل: ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ [٤٥] عذاب الله لمن خلا قبلكم من الأمم ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ من أمر الساعة. عن قتادة.
وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ ما يأتي من الذنوب ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ لما مضى من ذنوبكم.
الجواب محدوف كأنه قدر: إذا قيل لهم هذا أعرضوا.
وقيل: إنما ذكر الدرية - وهم الصبيان والنساء - لأنه لا قوة لهم على السفر كقوة الرجال، فسخر هذه السفن بما جعل عليه الماء، وعدل الريح ليمكن الحمل [في البحر]، وجعل الإبل [ليمكن الحمل] في البر.
[ ٢ / ١٩٣ ]
الإعراض: الذهاب عن الشيء بالتوجه إلى غيره في جهة العرض ليعرفوه فقد ضل عن الهدى، وخسر الآخرة والأولى.
الإنفاق: إخراج ما كان من المال عن الملك بعوض وغير عوض.
معنى قولهم: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [٤٧] أنهم يوهمون أن الله لما كان قادرا على إطعامه وليس يشاء إطعامه فنحن أحق بذلك، وذهب عليهم موضع التعبد في تكليف الإطعام.
وقيل: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ من قول المشركين. وقيل: بل هو من قول الله لهؤلاء الذين قالوا: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ .
الصيحة التي تأخذهم في الدنيا عند قيام الساعة؛ فأتنهم بغتة والرجل يسقي إبله، والآخر يبيع سلعته على عادتهم في تصريفهم، فإذا أخذتهم الصيحة لم يستطيعوا توصية، ولم يرجعوا إلى أهليهم للمعالجة.
في حديث مرفوع "هي ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام لرب العالمين".
[ ٢ / ١٩٤ ]