مسألة:
إن سئل عن قوله - سبحانه -: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣) وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾
[إلى آخر السورة
[الآيات من ٥٦ إلى ٦٩]
فقال ما السؤال؟، وما الخلق؟، وما التسخير؟، وما حكم
الشمس في مسيرها؟، وما معنى: ﴿وَيَقْدِرُ﴾ ها هنا؟، وما معنى: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾؟ وما اللام في ﴿لِيَكْفُرُوا﴾؟، ولم كان المشرك كافرًا لا محالة؟، وما التمتع؟، وما التخطف؟، ولم أمكن أن يؤمن الإنسان بالباطل ويكفر بالحق؟، وما معنى ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾؟
الجواب:
معنى العبد أي الذي يملكه مالك قد أمر بالتذلل لمالكه، وأصله
الذلة.
ومنه العبادة، وهي ذلة بالقلب (العبودية)
فإنه للمالك يحتمل أن لا يكون في أعلى المراتب للذلة، وليس
كذلك العبادة.
وقيل هما سواء، وإن أعيد لفظ العبادة في الله.
الاتساع: بعد الأقطار.
ومنه الأرض الواسعة لبعد أقطارها وكذلك الدار الواسعة فكل
ذلك بالإضافة.
الذائق: الواجد للجسم بحاسة إدراك الطعم في ابتداء الأمر
[ ٤٠٥ ]
وإنما قيل: (ذائقة الموت)؛ لأنهم يجدون كربه، وشدته وجدان.
الذائق للطعم.
التبوء: اتخاذ منزل يرجع إليه من يأوي إليه.
وأصله الرجوع من ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾
وقيل: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾
فاهربوا من أرض من منعكم من عبادتي.
عن سعيد بن جبير.
وقيل: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾
بما أخرج منها من الرزق لكم.
عن مطرف بن عبد الله الشخير.
﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾
أي من غير طاعة من أحد من خلقي في معصيتي.
وقيل: ﴿كل نفس﴾ محياة ﴿ذائقة الموت﴾
وقيل: ﴿وعلى ربهم يتوكلون﴾
في أرزاقهم، وجهاد أعدائهم، ومهمات
[ ٤٠٦ ]
أمورهم.
وقيل: ﴿وهو السميع﴾: لقول القائل ﴿العليم﴾ بما في نفسه.
وقيل: ﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾
أي: لادخاره لغدٍ
وقيل: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾
أي أرض الجنة، وأكثر أهل التأويل على
على أنها أرض الدنيا.
وقيل: دخول الفاء للجزاء بتقدير: إن ضاق بكم موضع.
﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾؛ لأن ﴿أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾
﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾
منصوب بضمير يفسره ما بعده.
وقال مجاهد: لا تطيق حمل رزقها.
قرأ حمزة: (لَنُثْوِيِنَّهُمُ) بالثاء.
وقرأ الباقون (لَنُبْوئَنَّهُمُ) بالباء.
والأول من أثويته منزلًا، والثوى المقام.
[ ٤٠٧ ]
اللهم بوئنا مبوأ صدق أي: أنزلنا.
السؤال: طلب البيان عن المعنى من المجيب في صفته في الكلام
، وسؤال الإلزام أم سؤال تعليق على الأصل ما يقتضي صحته،
ويدعوا إليه.
الخلق: فعل الشيء على مقدار ما يراد ويعلم.
التسخير: تذليل الشيء للتصرف في مصالح العباد بالليل،
وعلم حساب الشهور، والأزمان، ومجيء الحر، والبرد، وخروج
الزرع، والثمار.
حكم الشمس في مسيرها؛ أنها تسير بتحريك الله لها من غير عمد يمسكها إلا ما يحدثه الله فيها، وفي ذلك أكبر العبرة، وأظهر الدلالة
معنى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ هاهنا، ويقبض رزق العبد بحسب ما يقتضيه تدبيره، وحكمه.
ومنه: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ يعني: ضيق على
[ ٤٠٨ ]
مقدار ما يجب، ويراد.
﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾
أي: (يصرفون) عن صانع ذلك. عن قتادة.
وقيل: خص بذكر الرزق على الهجرة؛ لئلا يخلفهم عنها خوف.
العيلة.
﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾
أي: الدائم البقاء.
وقال أبو عبيدة: الحيوان، والحياة واحد
اللام في: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾
يحتمل: لام كي.
أي: كأنهم أشركوا؛ ليكفروا؛ إذ لا يدفع الشرك في العبادة من
كفر النعمة.
ويحتمل لام الأمر على التهديد، وتوضيحه ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
كل مشرك كافر لا محالة؛ لأنه جعل الحق الذي هو لواحد
بالنعمة؛ لاثنين فضيع حقه، وانتقصه لا محالة، وصار بمنزلة الجاحد لنعمته؛ إذ جحد أن يكون له وحده.
التمتع: التلذذ بالأحوال التي تقع عندها اللذة، وقيل: يكون التلذذ
[ ٤٠٩ ]
بوجود اللذة فقط.
والتمتع يكون بالمناظر الحسنة، والأصوات المطربة، والمشام
الطيبة، ونحو ذلك.
التخطف: تناول الشيء بسرعة، ومنه خطف البصر لسرعته،
ومنه اختطاف الطير لصيده، ومنه الخُطَّافُ الذي يُخرِجُ الدلوَ
الإنسان يكفر الحق بالشبهة التي تزين له الباطل في وهم أنه الحق، وأن
خلافه الباطل، وليس يمكن أن يظهر الحق؛ لأحد فيعتقد خلافه.
ومعنى قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
يريد بنصرته إياهم.
وفي ذلك رد على المعتزلة؛ لأنهم يقولون نصره الله بتمكينه.
وقد يمكن المحسن، والمسيء تمكينًا واحدًا، ودلهما دلالة واحدة، وذلك يبطل فائدة التخصيص بكونه مع المحسنين.
ومعنى (مع) على ثلاثة أوجه:
تكون بمعنى العلم)؛ كما قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
[ ٤١٠ ]
والثاني: بمعنى الصحبة في المعية.
والثالث: بمعنى النصرة، والله تعالى مع الجميع بالعلم، لأنه
العالم بالجميع، وهو مع المؤمنين خصوصًا بالنصرة.
ونصرة الله لهم: تخصيصه إياهم بألطافه، وفوائده، وهدايته،
وتمكينه من الإيمان به، والمعرفة، وذلك لا يصلح إلا للإيمان به،
والمعرفة، خلافًا لقول المعتزلة أن قدرة الإيمان صالحة للكفر، وأنه قد لطف
للجميع على وجه واحد، وهدى الجميع هداية واحدة في الابتداء، وقد قال
الله في تكذيبهم: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ .
ومعنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾
أي: في طاعتنا، وعبادتنا.
ومعنى: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ .
أي: لنعرفنهم طريق ديننا، وسبيل المعرفة بنا، وسبيل الله دينه، وسبيل الله الطريق المؤدي إلى عبادته، والمعرفة به
فإن قيل: فكيف قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ولا سبيل لهم، إلى أن يجاهدوا في طاعته إلا بهدايته إياهم إلى سبيله، وبنصره إياهم في
سلوك طرق عبادته.
قيل: يحتمل أن يقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾
بهدايتنا لهم في الابتداء، ولنهدينهم سبلنا في الانتهاء بإدامة تلك الهداية، والتوفيق، والنصرة، وذلك فيمن علم الله من حاله أنه لا يرتد عن دينه، وأنه يموت على الإيمان؛ فإنه يهديه ابتداء؛ ليجاهد في طلب الطريق إلى الله، ثم
[ ٤١١ ]
يهديه بعد ذلك هداية بعد هداية؛ حتى يبلغ بها درجة العصمة.
وهذا كقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾
ويحتمل أن يقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾
في طاعتنا في الدنيا لنهدينهم سبلنا
في العقبى بالثواب لهم على ذلك، كما قال: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥)﴾ .
يحتمل باللطف في الدنيا، وبالثواب في العقبى.
ويحتمل أيضًا: أن يقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾
أي: في طلب معرفتنا.
إلى ما طلبوا في العقبى برفع المجاهدة، والإتيان
بالمجاهرة، والمكاشفة؛ فإن المجاهدة مقرونة بالمحن، وعوارض
الفتن، والمعاينة معها السلامة من كل آفة، ولذلك كان تحيته لهم.
لهم عند اللقاء سلام في قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ .
وفي قوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾
بالجنة محلهم، وهي دار السلام، واللقاء موعدهم، ومعه تحية بالسلام من
الرب الذي هو السلام.
فكأنه يقول: ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ التي هي مقرونة بالسلامة من كل وجه؛ كما
هديناهم إلى سبلنا المقرونة بالمخاوف المربوطة بالمجاهدات؛ التي
هي المشقات؛ والمكابدات منها مدافعة النفس عن هواها والتزام طاعة الله
، ومنها منابذة الشيطان الذي هو عدو متصور بصورة الولي، وكذلك كل ما
بين يديه من آلة، وزينة يعد من متاع الدنيا، فإنهم قد يصوروا لهم بصورة
[ ٤١٢ ]
الأولياء، وهم أعداء؛ كما قال الخليل: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾ .
وقال بعضهم معنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
أي: لنبصرنهم بعيوب أنفسهم.
من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»: وقد قال
فقيل: يا رسول الله، وكيف يفقهه في الدين؟ فقال يعرفه
عيوب نفسه".
وهذا التأويل قريب، ويكون المعنى فيه: لنزيدنهم هداية على هداية على ما يقدر.
[ ٤١٣ ]